تريد الحال، كقولك: هذا زيد يَضْرِبُ. أي: كيف تكفرون وحالكم هذه؟ أي: ما أعجبَ كفرَكم مع علمكم بحالكم هذه.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الضمير في قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ لله جل ذكره، وقيل: للإحياء (١).
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ (لكم) أي: لأجلكم.
﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾: ما: موصولة، والظرف صلتها، وهي مع صلتها في موضع نصب بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير الذي في الظرف، والعامل فيه الظرف، أو من ﴿مَا﴾ وعامله ﴿خَلَقَ﴾، وهو نهاية صلة ﴿الَّذِي﴾، أعني ﴿جَمِيعًا﴾.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد إلى خلقها (٢).
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾: الضمير في ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ للسماء، والسماء في معنى الجنس، وقيل: جمع سَمَاوَة (٣)، كتمر في جمع تمرة، فلما حذفت التاء في الجمع قلبت الواو ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمعت أَلِفان: المنقلبة
стр. 212
والمزيدة، فأبدلت المنقلبة همزة لوقوعها طَرَفًا بعد ألف زائدة، فالهمزة في (السماء) بَدَلٌ من ألف، والأَلِفُ التي أُبدلت الهمزة عنها بَدَلٌ من الواو، هذا مذهب المحققين من النحويين، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
وقوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: ﴿سَبْعَ﴾ انتصب على أحد أربعة أوجهٍ:
إما على البدل من الضمير.
وإما لكونه مفعولًا ثانيًا لسوًّى على إجراء سوَّى مجْرَى صيّر.
أو لكونه مفعولًا به لسوَّى على تقدير: فَسَوَّى منهن سبع سماوات، ثم عومل معاملة (اختار) في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ (٢).
وإما على الحال.
وقيل: الضمير في ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ مُبْهَمٌ، و ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ تفسيره، كقولهم: رُبَّهُ رَجُلًا، وهو من التعسف (٣)
قيل: ومعنى تسويتهن: تعديلُ خلقهن وتقويمُهُ، وإخلاؤه من العِوَجِ والفُطور ونحوهما (٤).
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾:
قول : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: (إذ) ظرف لما مضى من الزمان، وإنما بني لتضمنه معنى الحرف الذي هو (في)، أو لكونه لم يستقل بنفسه،
стр. 213
كما لم يستقل الموصول نحو: مَنْ، والذي، فبُني لاحتياجه إلى ما ينضم إليه من الإضافة، كما بُنيا لاحتياجهما إلى ما ينضم إليهما من الصلة، وهو في موضع نصبٍ لكونه مفعولًا به على تقدير: واذكر إذ قال.
وقيل: هو منتصب بـ ﴿قَالُوا﴾ (١).
وقيل: هو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فإحياؤكم إذ قال، على تقدير: وابتداءُ خَلْقِكم إذ قال.
وقيل: هو زائد، عن أبي عبيدة (٢).
وأنكر الزجاج ذلك، وقال: هذا إقدام من أبي عبيدة، لأن القرآن ينبغي ألا يُتَكَلَّم فيه إلا بغاية تَحرِّي الحق، وو ﴿إِذْ﴾ معناه الوقت وهو اسم، فكيف يكون لغوًا؟ انتهى كلامه (٣).
والملائكة: جمع مَلَكٍ، والتاء فيها لتأنيث الجمع (٤)، وقيل: للمبالغة، كعَلاَّمة ونسّابة، والأول أشهر وعليه الأكثر (٥).
[مبحث في أصل مَلك]
واختلف في أصل (مَلَك) على أربعة أقوال:
أحدها: إن أصله (مَأَلَكٌ) بتقديم الهمزة بوزن (مَفْعَلٍ)، لأنه من
стр. 214
الألوكة (١)، وهي الرسالة، قال لبيد (٢):
٦١ - وغُلامٍ أرسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ (٣)
فالهمزة فاء الكلمة، واللام عينها، والكاف لامها، ثم قلبت، فقدمت اللام وجعلت الهمزة مكانها، فقيل: ملأك، والوزن (مَعْفَل) مقلوب من (مَفْعَل)، وأنشد أبو عبيدة لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك:
٦٢ - فَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ (٤)
стр. 215
ثم تُركتْ همزتُه لكثرة الاستعمال بعد أن ألقيت حركتها على اللام، فقيل: مَلَكٌ كما ترى، والوزن (مَعَلٌ)، فلما جُمع ردت إليه وترك على أصله بعد القلب فقيل: ملائكة، والوزن (معافلة) ولو جُمع على أصله قبل القلب لقيل: مآلِكَة، بوزن: (مفاعِلة).
والثاني: أن أصله (مَلأَكٌ) وليس فيه قلب، والوزن (مَفْعَل)، وأن أَلُوكَة وزنها (عَفُولة) وأن التركيب من لأك إذا أرسل، لغة محكية حكاها الأكابر (١). فاللام فاء الكلمة، والهمزة عينها وأنشدوا:
٦٣ - أَلِكْنِي إِليها وخَيْرُ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُم بنواحِي الخَبَرْ (٢)
قال عبد القاهر (٣): والأصل أَلْئِكْني، ثم خففت الهمزة على العادة، فنُقلت حركتها إلى اللام الساكنة، فصار ألكني، فإذا قلت: ألئكني، دل على أن اللام فاء، والهمزة عين على النظام الذي نجده في (ملأك) انتهى كلامه، ثم حذفت الهمزة لِما ذكرت آنفًا بعد نقل حركتها إلى اللام، فبقي (مَلَكٌ) كما ترى، والوزن (مفل)، فلما جمع ردّت إليه فقيل: ملائكة، والوزن مفاعلة.
والثالث: أن أصله (مَلْوَكٌ) من لاك الشيء في فمه يلوكه: إذا أداره وعَلَكَه، ومنه: لاكَ الفرسُ اللجامَ، لأن المُرْسَلَ يدير الرسالةَ في فمه ويلوكها، ثم قلبت الواو ألفًا بعد نقل حركتها إلى اللام، فبقي مَلاكٌ، كمقالٍ، ثم حذفت الألف استخفافًا، فبقي مَلَك، والوزن (مَفَلٌ)، فلما جُمع
стр. 216
ردت إليه فاجتمعت ألفان، فأبدلت الثانية همزة، كما أبدلت في نحو: رسالةٍ ورسائلٍ على تشبيه الأصلي بالزائد، كما يُشَبَّه الزائد بالأصلي، ألا ترى أنهم قالوا في النسب إلى حُبْلَى: حُبليٌّ وحُبْلَويٌّ، كما قالوا في موسى: مُوسَوِيٌّ وموسِيٌّ، وهو (مُفْعَلٌ) من أوسيت، أَوْ رُدَّتْ مصححةً، ثم أُبدلت منها همزة، كما أَبدلت العرب من واو مَصاوب همزة، فقالت: مصائب، وبعض القراء من ياء (معايش) (١) فقال: معائش (٢)، فاعرفه، فقيل: ملائكة، والوزن أيضًا: مفاعلة.
والرابع: أن أصله (مَلأَكٌ) والوزن (فَعْأَلٌ) من مَلَكَ، لأنهم يملكون أنفسهم، لأن الله تعالى عصمهم، فالميم فاء الكلمة، واللام عينها، والهمزة مزيدة، كالتي في نحو: شَمْأَلٌ، ثم حذفت تخفيفًا بعد النقل فبقي مَلَك، والوزن (فَعَل) ثم جمع على الأصل، كالشمائل في جمع شَمْأَل (٣).
والاختيار: القول الأول، بدلالة قولهم: ألوكة، ومألكة، ومألك، واستألك فلان إلى فلان، وعليه الأكابر، ثم الثاني بعده في الرتبة، وأما الثالث والرابع: فمردودان عند الأكابر لأسباب لا يليق ذكرها هنا.
و﴿جَاعِلٌ﴾: اسم فاعل يراد به الاستقبال، ولذلك عَمِلَ، وهو من (جعل) الذي له مفعولان، وهما ﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: مُصَيّرٌ فيها خليفة. ولك أن تجعله من جعل الذي له مفعول واحد، فالظرف على هذا يتعلق به تعلق الجار بالفعل.
стр. 217
والخليفة: فعيلة بمعنى فاعل، لأنه يخلف غيره، أي يجيء بعده. وقيل: بمعنى مفعول، لأن ذريته تخلفه (١)، وإلحاق التاء للمبالغة، كالتي في علَّامة ونسّابة.
وقرئ: (خليقةً) بالقاف (٢). والخليقة: الخلائق، يقال: خليقة الله، وهم خلق الله أيضًا، وهو في الأصل مصدر، أعني الخلق، فاعرفه.
وقوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾: قيل: الهمزة لاستعلام الحكمة في خلق الخليفة، وليست التي للإنكار، أي: أتجعل فيها من يسفك الدماء، كمن كان قبله أو على غير تلك الحال (٣)؟ .
وقيل: استفهموا عن أحوال أنفسهم، أي: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن على التسبيح والتقديس، أم نتغير عن ذلك (٤)؟ .
وقيل: للتعجب، على معنى: تعجبتِ الملائكة من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أَهْلَ المعصيةِ (٥).
والسَّفْك: الصَّبُّ، يقال: سَفَك الشيءَ يَسْفِكُ سَفْكًا، إذا صبّه وهَرَقه.
وقرئ: (يَسْفُك) بضم الفاء (٦)، وهو لُغَيَّةٌ و (يُسْفِكُ) بضم الياء (٧)
стр. 218
كيُكْرِم من أَسْفَك. و (يُسَفِّك) بتشديد الفاء (١) من سفَّك لغتان بمعنىً، غير أن التشديد فيه معنى التكثير، والتخفيف يصلح للقليل والكثير. والمشهور يَسْفِك كيضرب، وعليه الجمهور.
وقرئ: (ويَسْفِكَ) بالنصب (٢) على جواب الاستفهام، وقيل: نصبه بواو الصرف، كأنه قيل: من يَجْمَعُ أن يُفسِدَ وأن يَسْفِك (٣).
وهمزة الدماء منقلبة عن ياءٍ على قول من جعل لامه ياءً، أو عن واوٍ على قول من جعله واوًا (٤). والدم أصله (دَمْيٌ) على فَعْلٍ بالتسكين، يعضده قولهم في جمعه: دِماءٌ ودُمِيٌّ، كظَبْيٍ وظِباءٍ وظُبِيٍّ، هذا قول صاحب الكتاب (٥). وقال غيره (٦): أصله (دَمَيٌ) بالتحريك، وقالوا في تثنيته: دَمَيان، ودَمَوان، والأول أشهر وعليه الأكثر.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ الواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال. و ﴿بِحَمْدِكَ﴾ في موضع نصب على الحال، أي: نسبح حامدين لك، وملتبسين بحمدك.
والتسبيح: تبعيد الله من السوء، وكذلك تقديسه، مِنْ سَبَّحَ في الأرض والماء، وقدَّس في الأرض، إذا ذهب فيها وأبعد (٧).
стр. 219
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: اللام في ﴿لَكَ﴾ للتعدية، كالتي في نحو: سجدت لله. وقيل: مزيدة (١).
وقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون﴾: أصل ﴿إِنِّي﴾ (إنني) فحذفت إحداهن كراهة اجتماع الأمثال، وهي الوسطى، وقيل: الثالثة لأنها مزيدة، والأول أمتن. ﴿مَا﴾: موصول وما بعده صلته وعائده محذوف، أي: ما لا تعلمونه، أو موصوف وهو مع صلته أو صفته في موضع نصب بأعلم على أنه فعل للمخبر عن نفسه، أو في موضع جرٍ على أنه اسم بمعنى عالمٍ، كأفضل بمعنى فاضلٍ، ولك أن تجعله في موضع نصب بأعلم، وتقدر التنوين فيه، غير أنه لا ينصرف، كقولهم: هؤلاء حَواجُّ بيتَ الله بالنصب إذا قدرت التنوين في حواج، وبيتِ الله بالجر إذا لم تقدره فيه. ولك أن تنصب ﴿مَا﴾ بفعل مضمر دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ إذا جعلت ﴿أَعْلَمُ﴾ للتفضيل، أي: أعلم منكم، أعلم ما لا تعلمون، فاعرفه.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾:
قوله : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾: (وعلم) يحتمل أن يكون في موضع جر إن جعلته عطفًا على ﴿قَالَ﴾ هو في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ هو، وألا يكون له موضع من الإعراب إن جعلته مستأنفًا.
وقرئ: (وعُلِّم آدمُ) على البناء للمفعول (٢).
وفي اشتقاق آدم قولان:
أحدهما: أنه مأخوذ من أديم الأرض، وهو وجهها (٣).
стр. 220
والثاني: أنه مأخوذ من الأُدْمَةِ وهي اللون الذي يقارب السواد (١).
قال الزجاج: لأن الله خلقه من تراب، وكذلك الأُدمة إنما هي مُشَبَّهة بلون التراب، انتهى كلامه (٢).
ووزنه (أَفْعَلُ)، وهمزته مزيدة، وألفه مُبْدلة من همزةٍ هي فاء الكلمة، ولا ينصرف للتعريف ووزن الفعل، فإن نَكَّرتَه بعد التسمية صرفته على المذهبين إن قلت: إنه مأخوذ من أديم الأرض، وإن قلت: إنه مأخوذ من الأدمة لم تصرفه على مذهب صاحب الكتاب، وصرفته على مذهب أبي الحسن، فاعرفه (٣).
وقيل: هو اسم أعجمي، ووزنه (فاعَل) كآزَرَ، والمانع له من الصرف على هذا: العجمة والتعريف، فإن نكّرته صرفته بلا خلاف، والأول أمتن وعليه الجمهور (٤).
وكنيته: أبو البَشَرِ. وقيل: أبو محمد، عن قتادة (٥).
стр. 221
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: يعني المسميات، عن مجاهد (١)، وإنما ذَكَّر، لأنَّ في المسَمَّيات: العقلاءَ فَغَلَّبهم (٢).
وعن أُبَيّ ﵁: (ثم عرضها) (٣).
وعن ابن مسعود ﵁: (ثم عَرَضَهُنَّ) (٤).
وفي الكلام حذفُ مضاف فيهما، والتقدير: ثم عرض مسمياتِها، أو مسمياتِهنّ، لأن العرض لا يَصِحّ إلا في الأسماء، قاله الزمخشري (٥).
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: في جواب الشرط قولان:
أحدهما: ما تقدم، أي: إن كنتم صادقين فأنبئوني.
والثاني: محذوف، أي: إن كنتم صادقين فأجيبوا. والأول: مذهب صاحب الكتاب، والثاني: مذهب المبرد (٦). والهمزة في (أولاء) مبدلة من الياء التي كانت في (الذي)، والتي لما وقعت بعد الألف التي تزاد في أواخر
стр. 222
المبهمة، انقلبت همزة، عن المبرد. وعن أبي علي: الهمزة لام الفعل، فعلى قوله فاؤه ولامه همزة (١).
ويجوز في نحو: ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ أربعةُ أَوْجُهٍ: تحقيق الهمزتين وهو الأصل.
وحَذْفُ إحداهما كراهة اجتماعهما، قيل: الأولى، وقيل: الثانية.
وتخفيف الأولى بين بين على مذاق العربية وتحقيق الثانية.
وبالعكس، وقد قرئ بهن (٢).
وقد ذكرت وجه ذلك بأشبع ما يكون في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: انتصب ﴿سُبْحَانَكَ﴾: على المصدر (٣)، وهو اسم واقع موقع المصدر الذي هو التسبيح، وهو تنزيه الله عن السُّوء. فإذا قال القائل: سبحان الله، كأنه قال: أبرئ الله من السوء براءةً، والمضاف إليه في موضع نصب بأنه مفعول به، لأنه هو المسبَّح (٤).
وقد جُوِّز أن يكون في موضع رفع بأنه فاعل على تقدير تَنَزَّهْتَ، والأول أمتن، وعليه الأكثر (٥).
стр. 223
ولا يكاد يستعمل إلا مضافًا، فإذا أُفرد كان اسمًا علمًا للتسبيح غيرَ مُنصَرِفٍ للتعريف والألف والنون المزيدتين في آخره. كسعدانَ ونحوه.
والعرب تقول: سبحانَ مِنْ كذا: إذا تعجبتْ منه، قال الأعشى:
٦٤ - ....................... ... سبحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ (١)
يقول: العجب منه إذ يفخر.
وقيل: على النداء المضاف، أي: يا سبحانَك، والأول هو الوجه فاعرفه (٢).
﴿لَا عِلْمَ﴾: مبني مع ﴿لَا﴾ وهو مَصْدَرُ عَلِمَ بمعنى مفعول، كخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأمير، و ﴿لَا﴾: تُبنَى مع النكرة إذا لم يكن بينهما حائل.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾: (ما) موصولة، وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف، أي: عَلَّمتناه، وهي مع صلتها في موضع رفعٍ على البدل من موضع ﴿لَا عِلْمَ﴾، أي: لا معلوم لنا إلا الذي علمتناه.
ولك أن تجعل ﴿مَا﴾ مع ما بعدها بتأويل المصدر. وتجعل ﴿عِلْمَ﴾ من ﴿لَا عِلْمَ﴾ مصدرًا على أصله، وتبدل الثاني منه، أي: لا عِلْمَ لنا إلا عِلْمٌ علمتناه.
فإن قلتَ: ما منعك أن تجعل ﴿عِلْمَ﴾ مِن ﴿لَا عِلْمَ﴾ مصدرًا على أصله، وتجعل ﴿مَا﴾ موصولًا منصوبًا به، إذ المصدر يعمل عمل فعله؟
стр. 224
قلت: منعني البناء، لأن اسم ﴿لَا﴾ إذا بني معها لا يعمل فيما بعده.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: (أنت): يحتمل أن يكون في موضع نصب إن جعلته تأكيدًا لاسم إن، لأن المضمر المرفوع يؤكد به المنصوبُ والمجرورُ، لأن ضمير الخطاب كله شيء واحد، لكونه هُوَ في المعنى. وكذا ضمير الغائب، وكذلك (١) إذا قلت: رأيتَني أنا، لأن الياء و (أنا) شيء واحد، ولا يجوز إدخال إنَّ عليه، لا تقول: إنَّ أنتَ، وجاز هذا، لأنه صار تابعًا، ويجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، ألا ترى أنهم جوزوا (يا) زيدُ والحارثُ، مع أنهم لم يجوزوا يا الحارثُ، فكذلك يجوز: إنك أنت، ورأيتُك أنت، ومررتُ بك أنت، ولا يجوز رأيتُ أنت، ولا مررتُ بأنتَ، فاعرفه وقس عليه (٢).
[ومع ذلك، فالذي حملهم على تجويز ذلك كون الإعراب لا يظهر فيهما، ألا ترى أنهم قالوا: إنهم أجمعون ذاهبون، ولم يقولوا: إن القوم أجمعون ذاهبون، بل يجب النصب، لأن النصب قد ظهر في القوم لفظًا، فاعرفه فإنه موضع] (٣).
وأن يكون في موضع رفع إن جعلته مبتدأ، و ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبره، والجملة في موضع رفع بخبر إنَّ.
وأن لا يكون له موضع من الإعراب إن جعلته فصلًا (٤).
و﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر إنَّ، والعليم فعيل بمعنى الفاعل، كالقدير بمعنى القادر، وأما ﴿الْحَكِيمُ﴾: فيحتمل أن يكون بمعنى الحاكم، وأن يكون بمعنى
стр. 225
المُحْكِم، وهو من أَحْكَمَ الشيء، إذا أَتْقَنَهُ ومنعه من الخروج عما يريده (١).
و﴿الْحَكِيمُ﴾: يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون نعتًا للعليم؛ لأن الصفة قد توصف إذا كان في الثاني معنىً زائد على الأول. ألا ترى أنهم قالوا: أَسْوَدُ حالكٌ، وأصفرُ فاقعٌ، وأبيضُ ناصعٌ، لما ذكرت فاعرفه.
﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾:
قوله : ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾: (أنبأ) في الأصل يتعدى إلى مفعول واحد بغير حرف الجر، وإلى الثاني به، كقولك: أنبأت زيدًا بكذا، وقوله جل ذكره: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، ثم يعامل معاملة (اختار) و (أمر) في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ (٢) وقوله:
٦٥ - أمرتُكَ الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرتَ به ... ....................... (٣)
فيقال: أنبأته كذا، كقول الله : ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ (٤) أي: بهذا، وكذلك نَبَّأْتُ، كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ (٥) أي: بأني.
وأما قول النحويين: إن أَنْبَأَ ونَبَّأَ يتعديان إلى ثلاثة مفعولِينَ، فلكونهما أُجريا مُجْرَى أَعْلَمْتُ من حيث كان معناهما الإخبارَ، وكان الإخبارُ قريبًا من الإعلام، فتعديا إلى ثلاثة مفعولين لذلك، وإلَّا فالأصل فيهما ما ذكرتُ، فاعرفه.
стр. 226
وقرئ: (أَنْبِيهم) بقلب الهمزة ياء، و (أنْبِهِم) بحذفها (١). ووجه ذلك أنه اعْتَدَّ بالقلب، ثم حَذَفَ للأمر، كما تحذف من نحو: أعطهم يا فلان.
والأصل في ﴿أَقُلْ﴾ قبل دخول لم عليه: (أَقْوُلُ)، فأُعِلّ حملًا له على ماضيه، فنقلت الحركة من حرف العلة إلى القاف، فبقي أقُول، فلما أسكنت اللام للجزم، حذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت ضمة القاف تدل عليها.
والهمزة في ﴿أَلَمْ﴾ همزة الاستفهام الذي معناه التنبيه والتقرير.
و﴿تُبْدُونَ﴾: وزنه (تُفْعُون)، وأصله: (تُبدِيُون)، استُثقلتِ الحركة على اللام فنقلت إلى العين بعد حذف حركتها، ثم حذفت اللام لالتقاء الساكنين هي وواو الجمع، أو حذفت حذفًا وضمَّتِ العينُ لتصح الواو.
فإن قلت: ما محل قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؟ قلت: إن جعلته حكايةً لقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ كان محلها النصب بالقول، كما تقول: قال زيدٌ عمرٌ ومنطلق، فعمرو منطلق في محل النصب بقال. وإن جعلته مستأنفًا فلا محل لها.
والإبداء: الإظهار، وضده: الكِتْمان.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾: (وإذ قلنا): عُطفتْ على قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ (٢).
وأصل السجود: الخضوع والتذلل، وهو لله على سبيل
стр. 227
العبادة، ولغيره على وجه التَكْرِمَة، كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسُفَ ﵇ وإخوتُه (١) له.
والجمهور على كسر التاء" من قوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾، وقرأ ابنُ القَعْقاع بضمها (٢) للإتْباع استثقالًا للخروج من كسر إلى ضم، وهو ضعيفٌ، وقد أنكره الشيخ أبو علي (٣) وغيره من النحاة، لأنه لا يجوز عندهم استهلاكُ الحركةِ الإعرابية لأجل الحركة البنائية إلا في لغةٍ ضعيفةٍ، كقولهم: الحمدِ لله، بكسر الدال للإتْباع (٤).
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (إبليس) نَصْبٌ على الاستثناء، وفيه قولان:
أحدهما: أنه متصل، لأنه كان مَلَكًا من الملائكة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥).
والثاني: أنه منقطع، لأنه ليس منهم، بشهادة قوله تعالى في وصف
стр. 228
الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١).
وهو لا ينصرف للعجمة والتعريف، عن الزجاج وغيره (٢).
وقيل: هو عربي، واشتقاقه من الإبلاس، وهو اليأس من رحمة الله، ولم ينصرف للتعريف، ولكونه لا نظير له في الأسماء، فشابه الأعجميّ، فلذلك لا ينصرف (٣). وهو سهو؛ لأن مثال (إفعيل) كثيرٌ في كلام القوم، نحو: إصليت في صفة السيف، وإجفيل في صفة الجبان، وإحريض اسمٌ لصِبْغٍ أحمرَ (٤).
﴿أَبَى﴾: امتنع مما أُمر به واستكبر عنه.
﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: من جنس كَفَرَةِ الجنّ وشياطينهم، فلذلك أبى واستكبر، كقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٥).
وهذه الأفعال (٦) في موضع نصبٍ على الحال من ﴿إِبْلِيسَ﴾، أي: ترك ما أُمر به آبيًا ومستكبرًا وكائنًا من الكافرين.
ولك أن تجعل ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ مستأنَفًا، وهو أمتن، لقوله: ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ على معنى: كان كافرًا في سابق علمه جل ذكره (٧).
стр. 229
وقيل: كان هنا بمعنى صار، أي: وصار من الكافرين (١).
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ السكنى من السكون، لأنها نوع من اللَّبْثِ والاستقرار.
و﴿أَنْتَ﴾ تأكيد للمستتر في ﴿اسْكُنْ﴾ لِيَحْسُنَ العطف عليه. ولو قلت: اسكن وزيدٌ، من غير تأكيد لم يحسن، وإنما لم يحسن لأن الفاعل مع الفعل كجزء من أجزائه، فلو عُطِفَ عليه من غير تأكيدٍ لَظُنَّ أنه عُطف على الفعل، وعَطْفُ الاسم على الفعل لا يجوز.
وكُلْ: وزنه (عُلْ) والأصل: أُوكُل، فلما حذفت الهمزة الساكنة التي هي فاء الفعل تخفيفًا، البمتُغنِي عن همزة الوصل، لتحرك العين الذي هو الكاف، ومثله خذ، ولا يقاس عليه، فلا تقول في أمِنَ يَأْمَنُ: مَنْ، وقد يستعمل في بعضه الحذف والأصل، وهو مُرْ وأْمُر، وفي التنزيل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ (٢).
قال صاحب الكتاب ﵀: ولا يجوز أن تقيس هذا فتقول في أخذ: أُوخذ، بل عليك أن تتابعهم، وتقف حيث يقفون، فإن حذفوا حذفًا لازمًا لم تستعمل الأصل، وإن لم يحذفوا لم تحذف، وإن استعملوا الأمرين: الحذف والأصل استعملْتَهما كذلك، انتهى كلامه (٣).
وقوله: ﴿مِنْهَا﴾: (من) لابتداء الغاية، والضمير في ﴿مِنْهَا﴾ للجنة، أي: من جَنَاها، ثم حذف المضاف للعلم به، وأقيم المضاف إليه مُقامه.
стр. 230
و ﴿رَغَدًا﴾: وصف لمصدر محذوف، أي: أكْلا رَغَدًا واسعًا رافِهًا. يقال: عِيشَةٌ رَغَدٌ ورغْدٌ، أي: واسعة طيبة، ورَغِدَ عيشُهم، ورَغُد أيضًا، بكسر الغين وضمها بمعنًى. وعن ابن كَيسان: هو مصدرٌ في موضع الحال (١).
وقرئ: (رَغْدًا) بسكون الغين، وهما لغتان (٢):
و﴿حَيْثُ﴾: ظرف للمكان المبهم مبني، أيْ: أيَّ مكان من الجنة شئتما، وعامله: (وكُلا)، ولك أن تُبدِلَه (٣) من (الجنة)، وتجعل حكمه حكمها في الإعراب والتقدير، لأن الجنة مفعول به لا فيه. وكذا (حيث) إذا أبدلته منها، فاعرفه (٤).
وأصل شئتما: شَيِئْتُمَا، نقلت حركة الياء إلى الشين، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
وسبب بنائه (٥): لزومه الجملة المُبَيِّنة له تبيينَ الصلة للموصول، نحو: (مَن) و (الذي)، أو لتضمنه معنى (في)، وحُرّك لأن ما قبل آخره ساكن، وحرك بالضم تشبيهًا بقبلُ وبعدُ. وحُكِيَ فيه الضم والفتح، والضم أشبه، وهو لغة التنزيل، وحكي فيه أيضًا الكسر، وليس بالأشيع، والواو مكان الياء وليس بالأعرف.
وقرئ: (ولا تِقربا) بكسر التاء (٦)، لكون ماضيه على (فَعِل) وقد ذُكر في (الحمد) بأشبع من هذا. يقال: قَرِبْتُ الشيء أقرَبُه، بكسر العين في
стр. 231
الماضي وفتحها في الغابر قِربانًا، إذا دَنَوتَ منه.
﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: الهاء بدل من الياء، والأصل هذي بدلالة أن الياء والكسرة التي من جنسها قد أُنِّث بهما في نحو: أنتِ تفعلينَ، ولم يثبت للهاء تأنيث في موضعٍ، ولذلك انكسر ما قبل الهاء، لكونها بدلًا من الياء.
وقرئ: (هذِي الشجرةَ) على الأصل (١) و (هذه الشِّيَرَةَ) بكسر الشين، وبالياء مكان الجيم (٢)، على البدل منها لقربها منها في المخرج، وهي لغيةٌ، وروي عن أبي عمرو أنه كَرهَها، وقال: يَقرأ بها برابرُ مكة وسُودانُها (٣). و ﴿الشَّجَرَةَ﴾: صفة لـ ﴿هَذِهِ﴾.
﴿فَتَكُونَا﴾: يَحتَمِل أن يكون مجزومًا بالعطف على ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾، وأن يكون منصوبًا بجواب النهي، والتقدير: إن تقربا تكونا، وعلامة جزمه أو نصبه حذف النون.
﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية خالقهم، وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومنه قولهم: "مَنْ أَشْبَهَ أباهُ فما ظَلَمَ" أي: فما وضع الشَّبَهَ غيرَ موضعه (٤).
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾:
стр. 232
قوله : ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ فأزلهما: أي فحملهما على الزَّلَّة (١)، يقال: أَزْلَلْتُهُ فَزَلَّ، والضمير في ﴿عَنْهَا﴾ قيل: للشجرة، أي: فحملهما على الزلة بسببها.
وقيل: للجنة، بمعنى: أَذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول: زل عن مرتبته، وزل عني ذاك، إذا ذهب عنك (٢).
ومن قرأ: (فأزالهما) (٣) أي: فنحّاهما، من زال يزول، ثم عدي بالهمزة.
وقوله: ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾: (ما) موصولة وما بعدها صلتها، أو موصوفة وما بعدها صفتها، أي: من النعيم والعيش، أو من نعيمٍ وعيشٍ.
﴿اهْبِطُوا﴾: الهبوط: النزول، يقال: هبط هبوطًا، إذا نزل، وهَبَطَهُ هَبْطًا، إذا أنزله، يتعدى ولا يتعدى.
وقرئ: (اهبُطوا) بضم الباء (٤)، وهي لُغَيَّةٌ، والخطاب لآدم وحواء وإبليس على ما فسّر. وقيل: لآدم وحواء، والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصلَ البشر ومُتَشَعَّبَهُمْ، جُعلا كأنهما الإنسُ كلُّهم (٥).
стр. 233
﴿بَعْضُكُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿عَدُوٌّ﴾ خبره، واللام من ﴿لِبَعْضٍ﴾ متعلق بالخبر. ولك أن تعلقه بمحذوف إن جعلته في موضع نصب على الحال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿عَدُوٌّ﴾، والجملة في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿اهْبِطُوا﴾، أي: اهبطوا متباغضين. واستُغنِي عن العاطف للذكر الراجع على الضمير في ﴿اهْبِطُوا﴾، لأن الذكر يُعَلِّق ال جملةَ بالجملة، كما يعلقها العاطف. ولك أن تجعلها مستأنفة.
والعدو ضد الولي، وجمعه: الأعداء، وهو في الأصل وصفٌ، وإن كان قد يستعمل استعمال الأسماء، وهو اسم مفرد، وقد يوضع موضع الجمع، وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (١)، وهنا يَحتملهما حملًا على لفظ بعضٍ أو معناه، وفي اشتقاقه قولان:
أحدهما: مِن عَدا يعدو، إذا جاوز، لأن كل واحد منهما يجاوز مُراد صاحبه.
والثاني: من عُدْوَتَي الوادي، فكأن كل واحد منهما في عُدْوةٍ، لمباعدة صاحبه (٢).
﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: مرتفع بالابتداء. و ﴿لَكُمْ﴾: خبره، أو بـ ﴿لَكُمْ﴾ على رأي أبي الحسن. ومستقرٌّ: استقرار أو موضع استقرارٍ (٣).
و﴿فِي الْأَرْضِ﴾: يجوز أن يكون ظرفًا للظرف، وهو ﴿لَكُمْ﴾، وأن يكون في موضع الحال، لتقدمه على الموصوف وهو مستقر، والجملة
стр. 234
مستأنفة، أو حال بعد حال، كأن التقدير والله أعلم: اهبطوا متباغضين ومستحقين الاستقرار، أو موضعه.
﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَمَتَاعٌ﴾ تعلق الجار بالفعل، أي: وَتَمَتُّعٌ بالعيش إلى حين. ولك أن تعلقه بمحذوف إن جعلته وصفًا لقوله: ﴿وَمَتَاعٌ﴾، أي: ومتاع كائن إلى حين، قيل: إلى يوم القيامة، وقيل: إلى الموت (١).
والحِين: المدة والوقت، يقع على القليل والكثير من الزمان، لكونه مبهمًا.
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾:
قوله : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ قُرئ: برفع آدم ونصب ﴿كَلِمَاتٍ﴾، على أنه استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها، وبالعكس: على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به (٢).
﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ (مِن) لابتداء الغاية متعلقة بـ (تَلَقَّى) تعلق الجار بالفعل، ولك أن تعلقه بمحذوف إن جعلته في موضع حال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿كَلِمَاتٍ﴾، أي: فتلقى آدم كلمات كائنة من ربه.
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: رجع عليه بالرحمة والقبول، ووفقه للتوبة.
стр. 235
﴿إِنَّهُ﴾: الجمهور على كسر إن على الاستئناف، وقُرئ: (أَنه) بالفتح (١) على إسقاط الجار، أي: لأنه.
والكلام في ﴿هُوَ﴾ من قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ كالكلام في (أنت) في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ قيل: كُرِّرَ ﴿اهْبِطُوا﴾ للتأكيد وَلما نيط به من زيادة قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ (٣).
والضمير في (منها) للجنة. وقيل: للسماء (٤).
﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير في ﴿اهْبِطُوا﴾، أي: مجتمعين، والجميع ضد المتفرق. قيل: وليس بمصدرٍ، ولا اسم فاعلٍ، ولكنه عوض منهما دالٌ عليهما، كأنه قال: هبوطًا جميعًا، أو هابطين جميعًا، فاعرفه (٥).
وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: الأصل في اللفظ (إن ما) مفصولة، ولكنها
стр. 236
أدغمت وكُتبتْ في "الإمام" (١) على الإدغام، وهي إن الشرطية ضمّتْ إليها (ما) مُؤَكِّدَة لمعنى الشرط، ولذلك لزمت فعلَها النونُ الثقيلة أو الخفيفة في حال السَّعَةِ والاختيار. وكل واحد منهما يُؤْذِنُ بإرادةِ شِدّةِ التوكيد، فـ (ما) مع حرف الشرط يؤكد صدر الكلام، والنون تؤكد آخره، ولا يكون إلا مع المستقبل، ولا يكون مع الحال ولا الماضي، لأنهما ثابتان، والثابت لا يفتقر إلى التأكيد كما يفتقر إليه ما لم يَثْبُتْ وهو المستقبل. والفعل معه مبني، وما قبله مفتوح لالتقاء الساكنين: الياء التي هي لام الفعل، والنون الأول.
﴿هُدًى﴾: في موضع رفع بـ ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿مِنِّي﴾: في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿هُدًى﴾ متعلق بمحذوف، أي: كائنًا مني.
وقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾: (من) شرط، وهو اسم تام في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿تَبِعَ﴾، وفيه ضمير مرفوع بأنه فاعلٌ يعود إلى المبتدأ الذي هو (مَن). وموضع ﴿تَبِعَ﴾ جَزْمٌ بمن، وجوابه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، والجملة في موضع رفع لوقوعها موقع الخبر، أعني ﴿تَبِعَ﴾.
وقال قوم: الخبر: فعل الشرط والجواب.
وقال آخرون: الخبر منهما ما كان فيه ذكر يعود إلى المبتدأ (٢).
والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول، كما تقول: إن أتيتني فإن قَدِرتُ أحسنتُ إليك (٣).
стр. 237
وقرئ: (هُدَيَّ) على لغة هذيل (١)، ووجهه: أنهم لما وَضَعُوا الصحيحَ على الكسر لأجل ياء النفْس (٢)، ولم يمكن كسر الألف، لأنها لا تتحرك، جذبوها إلى ما هو من جنس الكسرة وهو الياء، وأدغموه في ياء النَّفْس (٣).
و(فلا خوفَ) بالفتح (٤) على عموم النفي لجميع الخوف، والأحسنُ الرفع مع التنوين وإبطال عمل (لا) وعليه الجمهور؛ لأجل المعطوف عليه، وهو قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لكونه معرفة و (لا) لا تعمل في المعارف. والتشاكل في كلام القوم مُعْتَبَرٌ مطلوب (٥).
وقرئ: (فلا خوفُ) بالرفع وترك التنوين (٦) على أنَّ (لا) بمعنى ليس، كما هي في قراءة الجمهور، إلا أنه حَذَفَ التنوينَ منه تخفيفًا لكثرة الاستعمال (٧).
وقيل: المراد: فلا الخوف، فحذف حرف التعريف (٨).
فإن قلتَ: ما الفرق بين الخَوْفِ والحُزْنِ؟ قلتُ: قيل: الخوف هو لما يُتَوَقَّعُ، والحُزْنُ هو لما قد وَقَعَ، فاعرفه.
стр. 238
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ (الذين) في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿بِآيَاتِنَا﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثانٍ. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ خبره. والجملة في موضع رفع لوقوعها موقع الخبر. ولك أن تجعل ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ خبرًا عن المبتدأ الأول. و ﴿أُولَئِكَ﴾ بدلًا منه، أو عطف بيان له.
﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿خَالِدُونَ﴾ خبره، والظرف مُلْغىً متعلقٌ بالخبر، والجملة في موضع الحال من ﴿أَصْحَابُ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، أو من ﴿النَّارِ﴾ لأجل الضمير العائد إليها وهو ﴿فِيهَا﴾، والعامل فيها ما في المضاف من معنى الفعل من المصاحبة أو الملازمة، أو ما في اللام المُقَدَّرَة من معنى التمليك (١) والاستقرار.
هذا على قول من جَوَّزَ الحال من المضاف إليه، وأما من لم يُجَوِّزْ، فتكون حالًا من المضاف ليس إلا، أو خبرًا بعد خبر، ومثله في القياس والتقدير: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). فاعرفه، فإنه أصل يُعتمد عليه (٣).
فأما "آيةٌ" فَـ (فَعَلَةٌ) عند سيبويه ﵀ (٤)، والأصل: (أَيَيَةٌ) أُعِلَّت العين بالقلب ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، كما أُعِلَّتِ اللام في نحو (حياة)، والأصل أن تعتل اللام وتسلمَ العينُ.
стр. 239
وعند الخليل ﵀ (١): (فَعْلَةٌ) أَيْيَةٌ، استُثقل التضعيف، فأبدلت الألف من الياء، كما أبدلت في (طَائِي)، والأصل: طَيْئِيّ.
وقيل: أصلها (آييَةٌ)، فاعلة، ثم حذفت اللام كما حذفت من قولهم: ما باليتُ به بَالَةً، والأَصل: بالِيَةٌ، وهذا فاعَةٌ، وقيل: بل حذفتِ العين، لئلا يلزم فيه من الإدغام ما يلزم في دابَّة، فَيَثْقُل (٢).
وقيل: أصلها (أَيِيَةٌ) فَعِلَةٌ، فقلبت العين ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها (٣).
واختُلف في عينها فقيل: واوٌ، والأصل: (أَوَيَةٌ)، لأن باب طويتُ وشويتُ أكثر من باب حَيِيتُ (٤).
وأنكر ابن جني ذلك وقال: فأما (آية) فعينها ياء، وهي من مُضاعَفِ الياء، نحو حَيِيتُ وعَيِيتُ، ويدل على ذلك أن الآية هي العلامة، وقد قال الشاعر:
٦٦ - قِفْ بالديارِ وُقُوفَ زائرْ ... وتَأَيَّ إنَّكَ غَيرُ صاغِرْ (٥)
فمعنى قوله: تأي: تثبَّتْ وتنظّر وتأمل آياتِها وعلاماتِها. ولو كانت من
стр. 240
الواو لقال: تأوّ، كما تقول: في تَسَوَّى وتَلَوَّى: تلوَّ وتسوَّ، انتهى كلامه (١).
وجمع الآية: آيٌ، وآياتٌ، وآيايٌ، قال:
٦٧ - لم يُبْقِ هذا الدّهْرُ من آيايِهِ ... ......................... (٢)
وآيَاءٌ أيضًا (٣)، وهذا يدل على أن عينَها ياءٌ، ولو كانت واوًا لقالوا: آوايٌ، وآواءٌ، ووزنه أفعال، فالألف الأولى بدل من همزة هي فاء الكلمة، والياء التي بعدها عينها، والألف التي بعد الياء ألف الجمع، والهمزة الأخيرة بدل من ألفٍ، وتلك الألف مبدلة من ياءٍ هي لام الكلمة، فاعرفه.
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بني: منصوب لأنه منادى مضاف، وهو جمع ابن، وأصله: (بَنَوٌ) على فَعَل بالتحريك، لقولهم في جمعه: أبناء، كجَمَل وأجمال. والذاهب منه واو عند قوم، وياء عند آخرين (٤). والألف في أوله عوض من اللام الذاهب (٥).
و﴿إِسْرَائِيلَ﴾: هو يعقوب ﵇، لَقَبٌ له (٦)، قيل: معناه في لسانهم:
стр. 241
صفْوة الله، وقيل: عبد اللَّه (١).
وهو لا ينصرف للعجمة والتعريف، وفيه خمس لغات:
إسرائيل بهمزة بعدها ياء، وعليها الجمهور.
وإسرائِل بهمزة من غير ياء.
وإسراءَل بهمزة مفتوحة من غير ياء أيضًا.
وإسرال بغير همز ولا ياء.
وإسرائين بهمزة مكسورة بعدها ياء بعدها نون، عن الأخفش وغيره (٢).
وحُكي في جمعه مُكَسَّرًا: أساريلُ، وأسارِلَةٌ، وأسارِلُ (٣).
وقوله: ﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ صلة الموصول، وحُذف العائد تخفيفًا لطول الاسم بالصلة، والتقدير: أنعمتها عليكم، ثم حُذف لما ذكرتُ، كما حذف في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٤) ولا يحسن أن تقدر معه الجار فتقول: أنعمت بها، لأن العائد إذا انفصل عن الفعل لم يجز حذفه في حال السعة والاختيار، ولهذا لم يجيزوا: الذي مررت زيدٌ، لانفصاله عن الفعل واتصاله بالجار، فاعرفه.
وقوله: ﴿وَأَوْفُوا﴾ أصله أَوْفِيُوا، استثقلت الحركة على الياء، فأزيلت إما بالنقل إلى الفاء، وإما بالحذف، وحذفت لسكونها وسكون واو الجمع
стр. 242
بعدها. يقال: وَفَى بكذا، وأوفى وَوفَّى بمعنىً، وأصلها الإتمام، غير أن التشديد قد يكون فيه معنى التكثير، وقد ورد القرآن بهن.
فإن قلت: أين (وَفَى) في القرآن؟ قلت: في قوله جل وعز: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ (١)، لأن أفعل التفضيل لا يُبْنَى إلا من الثلاثي في الأمر العام. والوفاء ضد الغدر.
﴿أُوفِ﴾: جزم لكونه جوابًا لشرط محذوف. والجمهور على تخفيف الفاء، وقرئ: (أُوَفِّ) بالتشديد (٢) على التأكيد، أي: أبالغ في التوفية بعهدكم، كقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٣).
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: (إياي) منصوب بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، أي: إياي ارهبوا فارهبون. ويجوز في الكلام: وأنا فارهبون، على الابتداء والخبر، كما تقول: زيدٌ فاضربه، والنصب أحسن لكونه أمرًا، ولكونه عطفًا على جملة فعلية، فالتجانس به يحصل، أعني بالنصب.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون منصوبًا بهذا الفعل الظاهر وهو ﴿فَارْهَبُونِ﴾؟ قلت: لا، لأن ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فكل استوفى مفعوله، وهو ياء النفْس، وإنما حُذفتْ تخفيفًا، ولكونه رأسَ آيةٍ (٤).
ومعنى ارهبون: خافون، يقال: رَهِب فلان يَرهَب بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رهَبْةً بالفتح والإسكان، ورُهْبًا بالضم والإسكان، ورَهَبًا بالفتح والتحريك، إذا خاف.
стр. 243
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾:
قوله : ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا﴾: (مصدقًا) منصوب على الحال من (ما)، وعامله ﴿وَآمِنُوا﴾، أو من عائده المحذوف مِن ﴿أَنْزَلْتُ﴾، فيكون عامله أنزلت.
﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾: (معكم) منصوب على الظرف، وهو نهاية صلة الموصول الثاني، وإليه تنتهي صلة الموصول الأول.
﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: (أول) وزنه (أَفعَلُ)، والهمزة فيه مزيدة بدلالة أنه لا يخلو من أن يكون أَفعَلًا، أو فوعلًا، أو فَعَّلًا. فلا يجوز أن يكون فوعلًا ولا فعَّلًا، لأجل أنك تقول: هذا أول من هذا، فتتصل به (مِنْ)، كما تتصل بأفعل التي للتفضيل في قولك: هو أفضل من زيد، وذلك لا يكون إلا في مثال (أفعَلَ)، [وإذا كان كذلك] (١) ثبت أن الهمزة فيه مزيدة، وأن وزنه ما ذكرت.
وهو إذا كان اسمًا ينون، فيقال: ما تركت له أولًا ولا آخرًا، كما تقول: لا قديمًا ولا حديثًا، لأنه إذا كان اسمًا لم يكن فيه إلا سبب واحد، وهو وزن الفعل. وإذا كان وصفًا لم ينون، نحو قولك: مررت برجل أوّل منك، لأن فيه الوصف ووزن الفعل، فقد حصل فيه سببان.
وفاؤه وعينه واوان، ولم يُنْطَق منه بفعل لاعتلال الفاء والعين، هذا مذهب صاحب الكتاب (٢).
ومذهب الكوفيين: أنه أفعَلُ من وَأَل يَئِل وَأْلًا ووؤولًا، إذا لجأ،
стр. 244
وأصله: أَوْءَلُ، ثم خففت الهمزة الثانية بأن قلبت واوًا، وأدغمت الأولى فيما، كما خففت من مقروءة وخطيئة بالقلب والإدغام على إجراء الأصلي مُجرى الزائد (١).
وقيل: هو أفعَلُ من آل يَؤُول، وأصله (آوَلُ) ثم قلبت بأن جُعِل الفاءُ مكان العين، والعينُ مكانه، وفُعل به ما فعل بالوجه الذي قبله من القلب والإدغام، فوزنه على هذا (أعفَلُ) (٢). وانتصابه على خبر كان.
﴿كَافِرٍ بِهِ﴾: وصف لمحذوف، أي: أول فريق، أو فوج، أو حِزْبٍ كافر به، أو: ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به، كقولك: أتينا الأميرَ فكسانا حُلَّةً. وقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣).
وقيل: هو على مذهب الفعل، أي: أول من كَفَرَ به (٤).
والضمير في ﴿بِهِ﴾ لـ (ما أنزلت) (٥). وقيل: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ (٦)، لأنهم إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به. وقيل: لرسول الله ﷺ لمعرفتهم به وبصفته، لكونه موصوفًا مكتوبًا عندهم في كتبهم (٧).
وقوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾، الاشتراء: استعارةٌ للاستبدال، كقوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ (٨).
стр. 245
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ أي: ولا تخلطوا، واللَّبْسُ: خلط الأمور بعضها ببعض، يقال: لَبَسْتُ الأمر ألبِسُه بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر لَبْسًا، إذا خلطتَه ومزجتَ بَيِّنَهُ بمُشْكِلِه، وحَقَّه بباطِلِه، ولبِستُ الثوب ألبَسه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر لُبْسًا، فاعرفه.
﴿وَتَكْتُمُوا﴾: يَحْتَمِل أن يكون مجزومًا داخلًا تحت حكم النهي وعليه المعنى، كأنه قيل: ولا تلبسوا ولا تكتموا. وأن يكون منصوبًا بإضمار أن، والواو للجمع كالتي في قولك: لا تأكل السمكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، وقوله - أعني الشاعر -:
٦٨ - لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عارٌ عليكَ إذا فعلْتَ عَظِيمُ (١)
كأنه قيل: ولا تجمعوا بين لَبْسٍ وكِتْمانٍ مع عِلْم، لأن النهي حصل عن اللَّبْسِ المقترِن بالعلم، كما كان النهي عن الأكل المَجتمِع مع الشرب، لأن اللبس الذي لا يُعلم لا يَتناوله النهيُ من حيث إنه لا يُقْدَرَ على التعَرِّي منه، كما لم يتناول النهيُ الأكلَ من حيث إنه لا يضر إذا لم يقترن بالشرب، فالمعنى منوط بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ولولاه لما صح أن يكون ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ منصوبًا بإضمار أن، وكان مجزومًا داخلًا تحت حكم النهي، فاعرفه فإنه موضع مُلْبِسٌ.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال، أي: لا
стр. 246
تجمعوا بينهما في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾:
قوله : ﴿وَأَقِيمُوا﴾ أصله: أقْوِمُوا، ووزنه أفْعِلُوا، كأكرموا، ثم أُعِلّ بالقلب بعد النقل، كما أُعل الماضي بالقلب.
وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الأصل: آتِيُوا، استثقلت الضمة على الياء فأزيلت بأن ألقيت على التاء بعد حذف حركتها، أو حُذفت حَذْفًا، وضمت التاء لتصح الواو.
وألف صلاة وزكاة منقلبة عن واوٍ، لقولهم في جمعها: صلوات، وزكوات.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾: الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم. ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ أصله: تنسيون، ووزنه تفعلون، وماضيه على (فَعِل) كعلِم، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لسكونها وسكون واو الجمع بعدها، وبقيت فتحة السين قبلها تدل عليها، والنِسيان: الترك هنا.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾.
وقوله: : ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة للتوبيخ.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾:
قوله : ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ أصله اسْتَعْوِنوا، لأنه من العون، وقد مضى الكلام عليه في سورة الحمد.
﴿وَإِنَّهَا﴾: الضمير في ﴿وَإِنَّهَا﴾ للصلاة، أو للاستعانة، دل عليها
стр. 247
استعينوا، أو للعظة (١) دل عليها المعنى (٢).
وقيل: للكعبة، دل عليها الصلاة (٣).
وقيل: لإجابة رسول الله ﷺ ، دل عليها الصبر والصلاة (٤).
وقيل: لجميع الأمور التي أُمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها (٥).
وقيل: المراد: وإنَّ كل خَصلة منهما لَكبيرةٌ، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ (٦) أي: كل واحد منهما (٧).
وقوله: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء، كأنه قيل: وإنها لكبيرة على جميع الناس إلا على الخاشعين منهم، وحسن حذف المستثنى منه لكونه معلومًا، أي: لَشَاقَّةٌ ثقيلةٌ، من قولك: كبر عليّ هذا الأمر، و ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٨). أي: عظم. يقال: كَبُر الشيء يَكبُر بالضم فيهما، إذا عظم، فهو كبير.
стр. 248
والخاشع: المخبت المتطامن، والخشوع: الإخبات والتطامن، ومنه الخُشْعَةُ كالصُّبْرَة: الرملة المتطامنة.
وأما الخاضع فهو: اللَّيِّنُ المنقادُ. والخضوع: اللِّينُ والانقيادُ، ومنه خضعتْ بقولها، إذ لينتْهُ (١).
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ (الذين): في موضع جَرٍّ إن جعلته وصفًا للخاشعين، أو في موضع نصب بإضمار فعل، أو في موضع رفع بإضمار مبتدأ.
﴿أَنَّهُمْ﴾: أن وما اتصل به قد سد مسد مفعولي الظن، لكونه جرى في صلته ما يتعلق به الظنُّ، وهو الخبر والمخبَر عنه، هذا مذهب صاحب الكتاب (٢)، ومذهب أبي الحسن: أَنَّ (أنَّ) وما اتصل به قائم مقام اسم واحد وهو الحدث، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: يظنون لقاء الله واقعًا، أو موجودًا (٣).
والظن هنا بمعنى اليقين، تعضده قراءة من قرأ: (يعلمون) وهو ابن مسعود، ﵁ (٤).
و﴿مُلَاقُو﴾: يراد به الاستقبال، وإنما حذفت منه النون تخفيفًا (٥)، وأصله: مُلاقِيُو، وقد ذكرتُ نظيرَه في غير موضع.
стр. 249
﴿وَأَنَّهُمْ﴾: عطف على الأول، وقد أجيز فيه الكسر على تقدير: وهم إليه راجعون (١).
و﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿رَاجِعُونَ﴾، والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ لله سبحانه، وقيل: للقاء، لقوله: ﴿مُلَاقُو﴾ (٢).
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ في موضع نصب لكونه عطفًا على ﴿نِعْمَتِيَ﴾، كأنه قيل: أذكروا نعمتي عليكم وتفضيلي إياكم. والتفضيل: الترجيح.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ (يومًا): منصوب باتقوا نَصْبَ المفعول به، ولا يجوز أن يكون ظرفًا، لأنه يريد يوم القيامة، والأمر بالتقوى لا يكون في ذلك اليوم، لارتفاع التكليف فيه. وفي الكلام حذف مضاف، أي: اتقوا عذاب يوم، أو هول يوم من صفته كَيتَ وكيتَ. وقد جُوّز نصبُه على الظرف على تأويل: ائتوا متقين يومًا، والوجه ما ذكرت وعليه الجل، لاستغنائه عن هذا التعسف والتصرف البارد (٣).
وقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تقضي عنها شيئًا من
стр. 250
الحقوق. و ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، و ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ في موضع نصب على الحال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿شَيْئًا﴾.
ولك أن تجعل ﴿شَيْئًا﴾ في موضع مصدر، وهو الجزاء، كقوله: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ (١) - وإنما وُضع الشيءُ موضع الجزاء والضَّرِّ لما فيه من التعميم - وَتُعَلِّقَ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ بـ ﴿تَجْزِي﴾ تعلق الجارِّ بالفعل.
وقد قريء: (لا تُجْزِئُ). بضم التاء والهمز (٢)، من أجزأ عنه، إذا أغنى عنه.
وهذه الجملة في موضع نصب لكونها صفةً ليوم، والعائد منها إلى الموصوف محذوف، وفيه تقديران:
أحدهما: لا تَجزي فيه، حملًا على المعنى، لأن اليوم في أصله ظرفٌ وإن اتُّسِعَ فيه، ولأنه لا يُجْزَى وإنما يُجَزَى فيه.
والثاني: لا تجزيه، حملًا على اللفظ، لكونه مفعولًا على السعة هنا، وليس بظرف لما ذكرت.
وحقيقة الظرف إذا اتُّسع فيه ألا يُقَدَّر فيه حرفُ الجرّ الذي هو (في)، والأول مذهب صاحب الكتاب وموافقيه، والثاني مذهب الكسائي (٣) ومتابعيه (٤).