كما تقول لخادمك: لا يخرج فلان، فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب، أي: لا تدعه يخرج، وكذا هنا النهي في اللفظ لأحد وهو في المعنى للوط ﵇ (١).
والمعنى: لا تمكِّن أحدًا من الالتفات وانههم عنه ولا تنهها، أي: لنزول العذاب بها، يعضده: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾.
وقرئ: بالنصب (٢) على الاستثناء من الأهل، تعضده قراءة من قرأ: (فأسر بأهلك بقطع من الليل إلَّا امرأتك) وهو عبد الله بن مسعود وأبَيّ بن كعب ﵄ (٣)، أو من ﴿أَحَدٌ﴾ على أصل الاستثناء؛ لأنَّ الكلام قد تم عنده، وهو الوجه؛ لأنَّ ذلك يمنع من الإسراء بها، وقد أسرى بها بشهادة قراءة الرفع.
وقوله: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا﴾ الضمير في (إنه) ضمير الشأن والحديث.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾:
قوله : ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ (عاليها) مفعول أول، و ﴿سَافِلَهَا﴾ ثان، أي: صيرنا عالي قراهم سافلها.
وقوله: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ في موضع نصب على النعت لـ ﴿حِجَارَةً﴾، قيل:
стр. 1857
وهو فارسي معرب من "سنْكٍ" و"كلّ" (١) بدليل قوله: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ (٢).
وقيل: هو فعيل من أَسْجَلَهُ، إذا أرسله؛ لأنه مرسل عليهم، ومنه السَّجْلُ وهو الدلو (٣)، وقيل: من السِّجِلّ وهو الكتاب؛ لأنَّ الله تعالى كتب أن يعذبهم بها (٤).
و﴿مَنْضُودٍ﴾ نعت لسجَّيل وفيه وجهان:
أحدهما: نُضد بعضُه على بعضٍ في السماء نضدًا مُعدًّا للعذاب.
والثاني: نضدت حين أمطرت، يعني: جُعلت كالمطر قطرة بعد قطرة (٥).
و﴿مُسَوَّمَةً﴾ نعت للحجارة، أي: معلمة بعلامة يعلم بها أنَّها ليست من حجارة الأرض، عن أبي إسحاق (٦).
وقيل: كانت معلمة ببياض وحُمْرة عن الحسن (٧).
وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿مُسَوَّمَةً﴾، وأن يكون نعتًا لها.
وقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هي): اسم ما، والخبر ﴿بِبَعِيدٍ﴾ و ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ من صلة الخبر، وهي ضمير الحجارة أو العقوبة، فإن قلت: لَمْ
стр. 1858
ذكّر الخبر؟ قلت: قيل فيه وجهان:
أحدهما: أن فعيلًا يقع على المذكر والمؤنث، كما يقع على الواحد والجمع.
والثاني: أنه نعت لمكان محذوف، أي: وما هي بمكان بعيد؛ لأنَّها وإن كانت في السماء، وهي مكان بعيد، إلّا أنَّها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقًا بالمرمي، فكأنها بمكان قريب منه، فحذف المنعوت، أو لأنَّ العقوبة والعقاب بمعني، كما أن الصيحة والصوت، والموعظة والوعظ كذلك.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾:
قوله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي وأرسلنا إلى قبيلة مدين، أو إلى أهل مدين، و ﴿مَدْيَنَ﴾ لا تنصرف للتعريف والتأنيث، و ﴿شُعَيْبًا﴾ بدل أو عطف بيان، وقد ذكر نظيره قبيل في السورة (١).
وقوله ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ﴾ أي: ولا تنقصوا الناس المكيال، أو منه؛ لأنَّ نَقَصَ فعل يتعدى إلى مفعولين، ومصدره النقص، تقول: نقصت فلانًا حقه، ومن حقه، ولا يتعدي، ومصدره النقصان.
وقوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾ يحتمل أن يكون من صلة أري، وأن يكون في موضع نصب على الحال من الكاف والميم، أي: ملتبسين به.
وقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ محيط: نعت لليوم في اللفظ، وللعذاب في المعنى، أي: مهلك، من قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (٢).
وأصله من إحاطة العدو، وإنما وصف اليوم بذلك لاشتماله عليه.
стр. 1859
﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ انتصاب ﴿مُفْسِدِينَ﴾ على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن العِثِيَّ والعَيْثَ أشد الفساد، وأن يقال: عَثِيَ يَعْثَي، وعاث يعيث (١).
قيل: والعُثِيُّ في الأرض: نحو السرقة، والغارة، وقطع السبيل (٢).
وقد جوز أن يجعل التطفيف والبخس عثيًا منهم في الأرض (٣).
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾:
قوله : ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (بحفيظ) في موضع نصب بخبر (ما) على لغة أهل الحجاز. و (عليكم) من صلته، ولا يجوز أن يكون في موضع رفع على لغة أهل تميم؛ لأنَّ الباء لا تدخل على خبر المبتدأ.
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾:
قوله : ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أن وما اتصل بها في موضع نصب بتأمر لعدم الجار وهو الباء، أي: بأن نترك ما يعبد آباؤنا من الأصنام، أو جرٍّ على إرادته.
وقوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (أن نفعل) في موضع نصب بالعطف على ﴿مَا يَعْبُدُ﴾، أي: أَوْ تأمرُكَ بأن نترك فعلنا في أموالنا من البخس والتطفيف فإنا تراضينا بذلك.
ولا يجوز أن يكون معطوفًا على معمول ﴿تَأْمُرُكَ﴾ وهو أن وما عملت
стр. 1860
فيه كما زعم بعضهم (١)، إذ ليس المعنى: أصلاتك تأمرك بأحد هذين، وإنما المعنى: تأمرك بأن نترك هذين، وهما عبادة الأصنام وفعلهم في أموالهم ما يشاؤون (٢).
و﴿أَوْ﴾ هنا للإباحة، أو بمعنى الواو.
وقرئ: (أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء) بتاء الخطاب فيهما (٣).
ولك أن تعطف أن في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ﴾ على هذه القراءة على مفعول ﴿تَأْمُرُكَ﴾ وهو أن وما عملت فيه، وعلى مفعول ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس والإقتناع بالحلال القليل، من الحرام الكثير.
وقرئ أيضًا: (أو أن نفعل) بالنون، (ما تشاء) بتاء الخطاب (٤)، فأن في (أو أن نفعل) عطف على مفعول ﴿تَأْمُرُكَ﴾ وهو أن وما اتصلت بها.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾:
قوله : ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ جواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير: أخبروني إن كنت على حجة واضحة وبصيرة من ربي، وكنت مرسلًا على الحقيقة، أفأعدل عما أنا عليه من التوحيد مع هذه الحال الداعية إليه الموجبة له؟ أو أيصح لي أن أترككم على
стр. 1861
ما أنتم عليه من عبادة الأوثان والتطفيف والبخس أو أوافقكم على ما أنتم عليه؟ ونحو ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ قيل: يقال: خالفني فلان إلى كذا، إذا قصده وأنت مولٍّ عنه، وخالفني عنه، إذا ولّى عنه وأنت قاصده. ويلقاك الرجل صادرًا عن الماء فتسأله عن صاحبه، فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه واردًا، وأنا ذاهب عنه صادرًا.
فإذا فهم هذا، فقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يعني: لست أنهاكم عن شيء وأفعله مستبدًا به دونكم، وإنما أختار لكم ما أختار لنفسي.
وقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ قيل: (ما) ظرفية، أي: زمن أو مدة استطاعتي الإصلاح، وما دمت متمكنًا منه لا آلو فيه جهدًا، أو بدل من ﴿الْإِصْلَاحَ﴾، أي: المقدار الذي استطعته منه.
وقد جوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي: ما أريد إلّا الإصلاح إصلاح ما استطعت، فحذف المضاف (١).
﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾:
قوله : ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ الجمهور على فتح الياء، وقرئ: بضمها (٢)، وقد ذَكَرتُ في سورة المائدة أن جرم مثل كسب في تعدِّيه إلى مفعول واحد وإلى مفعولين، وأن أجرم منقول من جرم المتعدي إلى مفعول
стр. 1862
واحد، كما نقل أكسبه المال من كسب المال، وقيل: هما لغتان بمعنىً، فأغنى عن الإعادة هنا (١).
وفاعله (شِقَاقي)، ومفعولاه: الكاف والميم، و ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾، أي: لا يكسبنكم عداوتي ومخالفتي إصابة العذاب.
وقوله: ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ﴾ الجمهور على رفع ﴿مِثْلُ﴾، لكونه فاعل ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ وقرئ: (مثلَ ما أصاب) بالفتح (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: مبني لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:
٣١٠ - لَمْ يَمْنَعِ الشّرْبَ منها غَيْرَ أن نَطَقَتْ ... .................... (٣)
فالقرائتان على هذا بمعنىً وإن اختلف اللفظان.
والثاني: معرب منصوب، وهو نعت لمصدر محذوف، وفاعل الإصابة العذاب، أي: لا يكسبنكم عداوتي أن يصيبكم العذاب إصابة مثل إصابة من كان قبلكم، والأول هو الوجه.
وقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (ما) على اللغة الحجازية، لأجل إتيان الباء في الخبر، و ﴿مِنْكُمْ﴾ من صلة الخبر، أي: وما إهلاكهم
стр. 1863
ببعيد منكم، أو وما هم بشيء بعيد، أو بزمان أو مكان بعيد.
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾:
قولٌ : ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا﴾ أي: ما نفهم، والفِقْهُ: الفهم، تقول منه: فَقِهَ الرجل يفقَه - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - فِقْهًا، إذا فهم، وحُكي أيضًا في مصدره: فَقَهًا وفقهانًا، وفَقُهَ يَفْقُه بالضم فيهما فَقَاهةً، إذا صار فقيهًا.
وقوله: ﴿لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ انتصاب قوله: ﴿ضَعِيفًا﴾ على الحال من الكاف؛ لأنَّ الرؤية من رؤية العين.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾ ـ
قوله : ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: اتخذ هنا متعد إلي مفعولين:
أحدهما: الضمير الراجع إلى الله جل ذكره.
والثاني: ﴿ظِهْرِيًّا﴾، وفي الكلام حذف مضاف، أي: اتخذتم أمره ظهريًا، أي: متروكًا منبوذًا وراء الظهر، كالشيء المنبوذ الذي لا يعبأ به، يقال: اتخذ هذا الأمر وراءه ظهريا، أي: متروكًا منسيًا.
والظهري منسوب إلى الظهر، والكسر من تغييرات النسب، كقولهم في النسب إلى الأمس: إمسِيّ.
و﴿وَرَاءَكُمْ﴾: ظرف لاتخذ.
﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي
стр. 1864
دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾:
قوله : ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ﴾ قد جوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ استفهامية معلقة لفعل العلم عن عمله فيها، كأنه قيل: سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب؟
وأن تكون موصولة معمولة لفعل العلم قد عمل فيها، كأنه قيل: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه، والذي هو كاذب (١)، وقد ذكر نظيرها فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢).
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾:
قوله : ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ انتصاب قوله: ﴿بُعْدًا﴾ على المصدر، وقد ذكر نظيره قبيل (٣).
والجمهور على كسر عين ﴿بَعِدَتْ﴾ أي: هلكت، ومستقبله يبعَد بالفتح، ومصدره بَعَدًا، وقد ذكر أيضًا فيما سلف من السورة بأشبع من هذا (٤).
وقرئ: (كما بعُدت) بضم العين (٥)، ومصدره البُعْدُ، وهو من البُعد في المكان، على معنى: أَلَا بعدًا لهم من رحمة الله، كما بَعُدت ثمود منها،
стр. 1865
وقد يكون البعد بمعنى البَعَد وهو الهلاك، كالرُّشد بمعنى الرَّشَد، وقد ذكر فيما سلف.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾:
قوله : ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يقدُم: مستأنف عار من المحل، والمعنى: يتقدمهم. يقال: قدَمه يقدُمه - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - قَدْمًا، بمعنى تقدَّمه.
وسياق الكلام: يقدمهم فيوردهم النار، وإنما جيء بلفظ الماضي، لكونه يدلُّ على أمر موجود مقطوع به (١). والإيراد: الإدخال.
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (الورد) فاعل بئس، و ﴿الْمَوْرُودُ﴾: هو المخصوص بالذم. ولك أن تجعل ﴿الْمَوْرُودُ﴾ صفة للوِرد، فيكون المخصوص بالذم محذوفًا.
والورد المورود: هو الموضع الذي يرده الواردون، والمورود: الذي وردوه، أي: بئس الموضع الذي يردونه النارُ.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾:
قوله : ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ فاعل ﴿بِئْسَ﴾ الرفد، و ﴿الْمَرْفُودُ﴾ نعت له، والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس: الرفد المرفود رفدُهم، وهو اللعنة؛ لأنهم يلعنون في الدارين، وهو قوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، كأنه قيل: بئس العون المعان اللعنة.
وذلك أن اللعنة في الدنيا رِفْدٌ للعذاب ومدد له، وقد رُفدتْ باللعنة
стр. 1866
في الآخرة (١).
قال أبو إسحاق: كلّ شيء جعلته عونًا لشيء، أو أسندت به شيئًا فقد رفدته، يقال: عمدت الحائط، وأسندته، ورفدته بمعنى واحد (٢).
وقيل: بئس العطاء المعطى عطاؤُهم (٣).
والرِّفد - بالكسر - العطاء والصلة، والرَّفد - بالفتح - المصدر، يقال: رفدته أرفدُه رفدًا، أي: أعطيته، وكذلك إذا أعنته.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ (ذلك): مبتدأ، والإشارة إلى النبأ، و ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾: خبره.
و﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ إما خبر بعد خبر، أي: ذلك النبأ بعض أنباء القرى مقصوص عليك، بمعنى متلوّ عليك، يقال: قصصت الحديث أقصه، إذا تلوته قَصصًا، والاسم أيضًا القَصص بالفتح، وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، أو حال، أي: مقصوصًا عليك، والعامل ما في ﴿ذَلِكَ﴾ من معنى الفعل.
ولك أن تجعل ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب بفعل مضمر دل عليه ﴿نَقُصُّهُ﴾، أي: نقص ذلك من أخبار القرى نقصّه، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٤).
وقوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ ابتداء وخبر، و (حصيدٌ) عطف عليه، أي: ومنها
стр. 1867
حصيد، وهذه الجملة عارية عن المحل مستأنفة. والضمير في ﴿مِنْهَا﴾ للقرى.
قيل: والمعنى بعضها باق وبعضها عافٍ الأثرَ (١)، كالزرع القائم على ساق والذي حصد، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: فعيل بمعنى مفعول.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾:
قوله : ﴿يَدْعُونَ﴾ حكاية حال ماضية، ومعناه: يعبدون.
وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ لما: ظرف لقوله ﴿فَمَا أَغْنَتْ﴾ ومعمول له.
وقولِه: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هم) و (غيرَ) مفعولا زاد.
والتتبيب: التخسير، يقال: تبّ إذا خسر، ومنه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٢)، وتببه غيره: إذا أوقعه في الخسران.
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾:
قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ (أخذ ربك) مبتدأ، و (كذلك) الخبر، أي: أخذ ربك مثل ذلك الأخذ، وقرئ: (وكذلك أَخَذَ ربُّك) بلفظ الماضي (٣)، فموضع الكاف على هذه القراءة النصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: أَخْذًا مثل ذلك الأخذ.
وقوله: ﴿إِذَا أَخَذَ﴾ إذا: منصوب بقوله: ﴿أَخْذُ رَبِّكَ﴾، أو (أَخَذَ) على قدر القراءتين.
стр. 1868
وقرئ: (إذْ أَخَذَ) (١)، وهو لما مضى.
وقوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ محل الجملة النصب على الحال من في ﴿الْقُرَى﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ ذلك: مبتدأ، والإشارة إلى يوم القيامة، و ﴿يَوْمٌ﴾ خبر، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ نعت لليوم.
و﴿النَّاسُ﴾ رفع باسم المفعول الذي هو ﴿مَجْمُوعٌ﴾ على طريق ما لَمْ يسم فاعله، كما يرفع بفعله إذا قلت: يجمع له الناس، و ﴿لَهُ﴾ من صلة ﴿مَجْمُوعٌ﴾.
وقوله: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي: مشهود فيه، فاتسع في الظرف بأن رُفع وجُعل اسمًا كسائر الأسماء.
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾:
قوله : ﴿﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: وما نؤخر ذلك اليوم، وهو يوم القيامة ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي: إلَّا لوقت معلوم، أي: إلّا لانتهاء مدَّةٍ معدودة، فحذف المضاف، ولا يعلمها إلّا الله.
﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أضيف ﴿يَوْمَ﴾ إلى الفعل لمناسبة الفعل للزمان؛ لأنه لا يخلو منه.
واختلف في عامل هذا الظرف، فقيل: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾. وقيل: محذوف تقديره: اذكر يوم، فيكون مفعولًا به، أو ينتهي الأجل يوم يأتي، و ﴿لَا
стр. 1869
تَكَلَّمُ﴾ على هذا صفة ليوم، والراجع محذوف، أي: لا تكلم فيه (١).
[واختلف] (٢) في فاعل الفعل الذي هو (يأتي):
فقيل: هو الله ، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ (٤)، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (٥) وتعضده قراءة من قرأ: (وما يؤخره) بالياء النقط من تحته وهو الأعمش (٦)، وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
وقيل: الجزاء، دل عليه معنى الكلام.
وقيل: ضمير اليوم، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ (٧)، واعترض على هذا القول بأن قيل: إذا جعلت الفاعل ضمير اليوم، فقد جعلت اليوم وقتًا لإتيان اليوم، وحددت الشيء بنفسه، وذلك لا يجوز، فأجيب عنه: بأن المراد إتيان هوله وشدائده (٨).
وقرئ: (يأتي) بإثبات الياء على الأصل، و (يأتِ) بحذفه اكتفاء بالكسرة عنها (٩)، قيل: والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل (١٠).
وقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ قد مضى الكلام على مثله في "البقرة" عند
стр. 1870
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١).
وقوله: الجمهور على فتح شين (شَقوا)، وهو الوجه؛
لأنه لازم، وقرئ؛ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ بالضم (٢)، كما قرئ: (سعدوا) (٣)، وكلاهما من باب فَعَلَ وفَعَلْتُهُ، كغاض الماء وغضته، وسكب الماء وسكبته.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ في موضع الحال من المنوي في الظرف وهو (في النار).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾:
قوله : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ انتصاب ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال من المذكور أيضًا آنفًا، وقيل: من ﴿لَهُمْ﴾ (٤).
قيل: والزفير: إخراجُ النَّفَس، والشهيق رده (٥)، وأنشد:
٣١١ - بَعيدُ مدى التطريبِ أَوَّلُ صَوته ... زفيرٌ وبتلُوه شهيقٌ مُحشرجُ (٦)
وقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (ما) ظرف، أي: مدة دوامها، والعامل فيها ﴿خَالِدِينَ﴾.
ودام هنا تام، والمراد بهذا التأبيد، كأنه قيل: مقيمين فيها أبدًا.
وللعرب ألفاظ في معنى الأبد يستعملونها وإن لَمْ تكن على التأبيد في
стр. 1871
الحقيقة، ولكنهم وضعوها للأبد ظنًّا منهم أن تلك الأشياء تتأبد ولا تتناهي، كقولهم: ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السماوات والأرض، وما أقام تجير (١)، وما لاح كوكب، وما ذَرّ شارق (٢)، وبرق بارق، وغير ذلك من كلمات التأبيد (٣). فخاطبهم الله جل ذكره بما يتعارفون بينهم، وقيل غير ذلك، وليس كتابي هذا موضوعًا لذلك.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناء وفيه وجهان:
أحدهما: منقطع.
والثاني: متصل. ثم في (ما) وجهان أيضًا:
أحدهما: بمعنى مَن.
والثاني: على بابها، فالاستثناء على الوجه الأول: راجع إلى لبثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب، كأنه قيل: خالدين فيها إلّا هذه المدة.
وعلى الثاني: راجع إلى الزيادة في عذابهم، واختلاف أنواعه، وذلك أن أهل النار لا يعذبون بنوع من العذاب بل بأنواع: كالزمهرير، والحيات والعقارب وغير ذلك على ما فسر، يعضده: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. يفعل بأهل النار ما يريد، كما يعطي أهل الجَنَّة عطاءه الذي لا انقطاع له.
وعلى الثالث: راجع إلى العصاة وأهل التوحيد منهم؛ لأنهم مخرجون منها بعد إدخالهم فيها بالشفاعة، وهذا عن ابن عباس ﵄ (٤).
وعلى الرابع: راجع إلى السماوات والأرض والخلود بحاله، كأنه قيل: إلّا
стр. 1872
ما شاء الله أن يفعل بالسماوات والأرض ما يريد من إفناء أو إبقاء، أو غير ذلك، فتأمل هذه الأوجه فإنها على الترتيب المذكور قبلها.
وعن الفراء: أن هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنّك إلّا أن أرى غير ذلك، وأنت عازم على ضربه (١).
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾:
قوله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ الآية، الكلام فيها كالكلام فيما قبلها.
وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ انتصاب قوله: ﴿عَطَاءً﴾ على المصدر دلَّ على فعله ما قبله، وهو قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ .... ﴾ الآية، كأنه قيل: أعطاهم الله ذلك إعطاء، فحذف الزائد منه وهو الهمزة، كما حذف من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٢) على أحد الوجهين (٣).
وقوله:
٣١٢ - .......................... ... وبعد عطائك المائة الرتاعا (٤)
وهو مصدر مؤكد كالذي في قولك: ضربت زيدًا ضربًا، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به، وهو أن يكون بمعنى المُعطَي، كما زعم بعضهم (٥) لوجهين:
أحدهما: أن الفعل المقدر قد استوفى مفعوليه المذكورين آنفًا.
стр. 1873
والثاني: خلو الكلام من التأكيد، والتأكيد هنا حَسَنٌ لائق، لا بل لازم واجب.
و﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: صفة لعطاء، والجذ: القطع، يقال: جذَّهُ يجذُّه جذًّا، إذا قطعه، فهو جاذ وذلك مجذوذ، ومنه قولهم: رَحِمٌ جذَّاءُ إذا لَمْ توصل (١).
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾:
قوله : ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ (ما) تحتمل ان تكون موصولة وعائدها محذوف، أي: يعبده، وأن تكون مصدرية، أي: من عبادتهم.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ (نصيبهم) مفعول ثان لـ (موفوهم) و (هم) الأول، و ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ لأبي حال من النصيب المُوَفَّي، أي: وإنا لموفوهم حظهم من العذاب، أو من الرزق - على ما فسر (٢) - وافيًا كما وفّينا آباءهم حظوظهم كذلك.
﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾:
قوله : ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾:
قرئ: بتشديد (إنّ) وتخفيفها (٣) مع نصب كلّ. وبتخفيف الميم من (لمّا) وتشديدها (٤).
стр. 1874
فإذا فهم هذا فوجه من شدد (إِنَّ) أنه أتى بها على أصلها وأعملها في (كل)، ووجه من خففها أنه استثقل التضعيف، فخفف بحذف إحدى النونين وهي الثانية وأعملها في (كل) مخففة، كما أعملها مشددة؛ لأنَّها مشبهة بالفعل، والفعل يعمل محذوفًا كما يعمل تامًا، نحو: لَمْ يك زيد منطلقًا، ولم يكن منطلقًا.
وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ (١)، وفيه: ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ (٢).
والتنوين في (كل) عوض من المضاف إليه، أي: وإن كلهم، وإن جميع المختلفين فيه.
وفي خبر (إن) - على الوجهين - وجهان:
أحدهما: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾، واللام في لما موطئة للقسم، و (ما) زيدة مؤكدة لَمْ تغير المعنى، وإنما جيء بها للفصل بين اللامين كراهة تواليهما، كما جيء بالألف في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (٣) وشبهه كراهة اجتماع الهمزتين.
واللام في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف، والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم ربك أعمالهم.
والثاني: أن الخبر (ما) من ﴿لَمَّا﴾، وهي بمعنى (من) عند بعضهم، واللام في ﴿لَمَّا﴾ على هذا هي اللام الداخلة في خبر (إن) للتأكيد، وفي ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ هي جواب القسم.
والمعنى: وإن جميعهم لخلق أو لبشر والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وضده وغير ذلك.
стр. 1875
وأما تشديد (لما) مع نصب (كل) فمشكل؛ لأنه لا يجوز أن تكون ﴿لَمَّا﴾ هنا بمعنى إلّا، ولا بمعنى الحين، ولا بمعنى لَمْ لعدم المعنى.
وأحسن ما قيل فيه وهو قول الفراء: أن أصله (لَمِن ما) بكسر الميم الأولى على أنَّها الجارة، فقلبت النون ميمًا لأجل الإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت إحداهن كراهة اجتماع الأمثال، وهي الأولى، وأدغمت الوسطى فبقي (لَمَّا) كما ترى (١).
وساغ حذف الأولى وإبقاء الوسطى وهي ساكنة، لاتصال اللام بها.
و(ما) هي الخبر وهي نكرة بمعنى مَنْ.
والمعنى: وإنَّ كلَّا لَمِن خَلْقٍ، أو لَمِنْ بَشَرٍ والله ليوفينهم ربك جزاء ما صدر منهم.
وقد جوز أن يكون الأصل لَمَن ما - بفتح الميم - على أنَّها اسم، فما على هذا تكون مزيدة، والمحذوفة هي الوسطي، والتقدير: وإن كلًّا لَخَلْقٌ أو لَبَشَرٌ والله ليوفينهم أعمالهم (٢).
وقيل: إن ﴿لَمَّا﴾ هنا مصدر لَمَّ يَلُمُّ لَمًّا، إذا جمع (٣)، كالذي في قوله : ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ (٤)، أي: جامعًا لأجزاء المأكول، لكن أجرى الوصل مجرى الوقف، تعضده قراءة من قرأ: (وأن كُلًّا لَمًّا) بالتنوين، وهما الزهري، وسليمان بن أرقم (٥) على معنى وإنّ كُلًّا
стр. 1876
ملمومين، بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإنَّ كلَا جميعًا، كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (١).
ولا يجوز انتصابه على الحال من ضمير المفعول في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ كما زعم بعضهم؛ لأنَّ لام القسم تمنع ذلك، وهذا أيضًا قولٌ حسن من جهة المعنى ومن جهة العربية، لأنَّ إجراء الوصل مجرى الوقف سائغ في كلام القوم نظمهم ونثرهم (٢)، وبذلك قرأ جماعة من القراء في الكتاب العزيز، وشهرته تغني عن ذكره.
وقال أبو إسحاق: وقال بعضهم قولًا لا يجوز غيره - والله أعلم -: إن (لمّا) هنا بمعنى إلَّا، كما تقول: سالتك لما فعلت، وإلّا فعلت، ومثله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (٣) معناه إلّا (٤).
وليس الأمر كما زعم؛ لأن لَمَّا بمعنى إلّا لا تكون إلّا بعد الطلب، أو النفي نحو: نشدتك الله لما فعلت، ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٥)، وليس هنا في الآية معنى نفي ولا طلب.
فإن قلت: بلى دخلها معنى ما كلهم إلّا ليوفينهم، فالنفي مراد في المعنى وإن لَمْ يكن في اللفظ، كما كان مرادًا في قولهم: شَرٌّ أهرَّ ذَا نَابٍ، والمعنى ما أهره إلّا شر.
قلت: ذلك لا يتأتى لك إلّا مع رفع كلّ، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا
стр. 1877
حَافِظٌ﴾ و ﴿كُلًّا﴾ هنا منصوب فاعرفه.
وعن أُبي ﵁: (وإنْ كُلٌّ لمَّا ليوفينهم) بتخفيف (إن) ورفع (كل) وتشديد (لَمّا) (١)، على أنَّ (إن) نافية، ولما بمعنى إلّا.
والمعنى: وما كلٌّ إلّا والله ليوفينهم، تعضده قراءة من قرأ: (وإن كُلٌّ إلّا ليوفينهم) وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (٢).
وقد جوز في قراءة أُبَي أن تكون (إنْ) هي المخففة واسمها محذوف، و (كلٌ) وخبرها خبر (إن) (٣).
والقول في (لَمَّا) على هذا الوجه كالقول في قراءة من نصب (كُلًا) وشدد (لَمَّا) فاعرفه، والله تعالى أعلم بكتابه.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾:
قوله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ محل الكاف النصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف. و (ما) مصدرية، أي: استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها.
وقولِه: " ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ فيه وجهان:
أحدفي: معطوف على المنوي في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، وجاز ذلك من غير أن يؤكد بمنفصل لأجل قيام الفاصل مقامه.
والثاني: مفعول معه.
стр. 1878
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ الجمهور على فتح الكاف، وماضيه ركِن بالكسر، يقال: ركِن إليه يركَن، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر ركونًا، إذا مال إليه وسكن.
وقرئ: بضمها (١)، وماضيه ركَن بالفتح، وهما لغتان، وحُكي ركَن يركَن بالفتح فيهما على الجمع بين اللغتين.
ومعنى ذلك أنه سمع مَن لغتُهُ الفتحُ في الماضي، ففتحها في المستقبل على لغة غيره، فنطق بها على ذلك، وهذا وشبهه عند قوم من اللغات المتداخلة (٢).
وعن أبي عمرو: (وَلَا تِركنوا) بكسر التاء وفتح الكاف (٣)، على لغة تميم في كسرهم حروف المضارعة في كلّ مكان من باب فعِل يفعَل - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر ما خلا الياء، استثقالا للكسرة فيها نحو: علمت تِعلَمُ، وأنا إعلمُ، ونحن نِعلَمُ، ونحوه قراءة من قرأ: (فتِمسكم النار) بكسر التاء وهو الأعمش وغيره (٤).
وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل مكسورة نحو: تِنطلق، (ويومَ
стр. 1879
تِبيضّ وجوهٌ وتِسْوَدّ وجوهٌ)، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
فأما قولهم: أَبَيْتَ تِئْبَي، فإنما كسر أول مضارعه وعين ماضيه مفتوحة، من قِبَلِ أن المضارع لمّا أتى على يفعل - بفتح العين - صار كأن ماضيه مكسور العين حتى كأنه أبي.
وعن ابن أبي عبلة: (وَلَا تُركَنُوا) على البناء للمفعول (٢)، من أركنه إذا أماله.
وقوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ منصوب على جواب النهي.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ محل الجملة النصب على الحال من قوله ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، كأنه قيل: فتمسكم النار غير منصورين.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾:
قول : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ نصب (طَرَفَي النهار) على الظرف لكونهما مضافين إلى الوقت، كقولك: أقصت عنده جميعَ النهار، وأتيته نصفَ النهار، وأولَه، وآخرَه، تنصب هذا كله على الظرف، لإعطائك المضاف حكم المضاف إليه. والأصل طرفين، حذفت النون للإضافة، وحُركتِ الياء لالتقاء الساكنين.
و﴿وَزُلَفًا﴾: عطف عليهما، وحكمها في الإعراب حكمهما.
والجمهور على فتح لام (زُلَف)، وهي جمع زُلْفَة، كَظُلَمٍ وغُرَفٍ في جمع ظُلْمة وغُرْفة.
стр. 1880
وقرئ: (وزُلُفًا) بضمها (١)، وهي جمع زُلُفة، كبُسُرٍ في جمع بُسُرةٍ فيمن ضم السين.
و: (زُلْفا) بإسكانها (٢)، وهي جمع زُلْفة، كبُسْرةٍ وبُسْرٍ (٣).
و(زُلفى) بوزن قربى (٤)، وهي بمعنى الزلْفة، كما أن القربى بمعنى القربة (٥). وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل.
والمعنى: أقم الصلاة المفروضة، أي: أَتِمَّها بشروطها وأركانها في طرفي النهار، يعني غدوةً وعشيةً، وفي زلف من الليل، يعني وساعات من الليل، وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من أزلفه، إذا قرّبه.
وصلاة الغدوة: الفجر بلا خلاف، وصلاة العشية: الظهر والعصر عن مجاهد (٦) لأنَّ ما بعد الزوال عشي.
وقيل: صلاة العصر وحدها عن الحسن ﵀ (٧).
وعن ابن عباس ﵄: صلاة المغرب (٨).
стр. 1881
وصلاة الزلف: المغرب والعشاء، وقيل: العشاء وحدها (١).
وقيل: وزلفًا من الليل: وقربًا من الليل، قيل: وحقها على هذا التفسير أن تُعْطَفَ على الصلاة، أي: أقم الصلاة طرفي النهار، وأقم زلفا من الليل، على معنى وأقم صلواتٍ تتقرب بها إلى الله تعالى في بعض الليل (٢).
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾
قوله : ﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾، فيه وجهان:
أحدهما: بمعنى النفي يعضده قول الفرَّاء: لَمْ يكن قوم (٣).
والثاني: بمعنى هلّا، وهو توبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من قبلهم من الفساد، وهو الوجه هنا وعليه الجل (٤).
وعن الخليل: كلّ (لولا) في القرآن فمعناها هلّا إلّا التي في "والصافات" (٥).
قيل: وما صحَّت هذه الرواية، ففي غير "والصافات" ﴿وَلَوْلَا أَنْ
стр. 1882
ثَبَّتْنَاكَ﴾ (١)، ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، و ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ﴾ (٣).
وقوله: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ الجمهور على كسر القاف، وتشديد الياء، يقال: بقي الشيء يبقى بقاء، وبقي من الشيء بقيّة، أي: فهلَّا كان من القرون الماضية ذوو فضل وخير.
قيل: وسمي الفضل والجود بقيّة، لأنَّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلًا في الجودة والفضل، ويقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم (٤).
وقرئ: (أولو بقْيَةٍ) بإسكان القاف وتخفيف الياء (٥)، وهو مصدر بقَاه يبقِيه - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - بقية، إذا راقبه وانتظره.
وفي الحديث: "بَقَينَا رسول الله ﷺ " (٦)، أي: انتظرناه، أي: فهلا كان منهم ذوو مراقبة وخشية من انتقام الله، كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم. وواحد ﴿أُولُوا﴾: ذو.
وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿يَنْهَوْنَ﴾، وأن يكون حالًا من الفساد.
стр. 1883
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا .... مِنْهُمْ﴾ منهم استثناء منقطع، والمعنى: لكن قليلًا منهم مؤمنون، وهم الذين أنجاهم الله تعالى، وهم أتباع الأنبياء، وأهل الحق نُهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهي.
قيل: و (مِن) في (مِمن أنجينا) حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض، لأنَّ النجاة إنما هي للناهين وحدهم بدليل قوله تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١).
قيل: فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلًا وجه يحمل عليه؟ .
فالجواب: إن جعلته متصلًا على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدًا؛ لأنه يكون تحضيضًا لِأُولي البقية على النهي عن الفساد إلّا للقليل من الناجين منهم، كما تقول: هلّا قرأ قومك القرآن إلّا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المُحضضين على قراءة القرآن.
وإن قلت: في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلَّا قليلًا، كان استثناء متصلًا ومعنى صحيحًا، وكان انتصابه على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل (٢).
وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ (ما) موصول في موضع نصب بقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ﴾ لا وفيه وجهان:
أحدهما: عطف على مضمر، والتقدير: إلّا قليلًا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا شهواتِهم.
والثاني: الواو للحال، كأنه قيل: أنجينا القليل، وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم.
стр. 1884
وقرئ: (وأُتبع الذين) بضم الهمزة وقطعها وإسكان التاء وكسر الباء (١)، وفي الكلام حذف مضاف، أي: واتبعوا جزاءَ ما أترفوا فيه وأجرموا فلم يشكروه، بل أترفوا فيه مجرمين ظالمين (٢).
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾:
قوله : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ اللام لتأكيد النفي، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في عير موضع (٣) و ﴿بِظُلْمٍ﴾: في موضع الحال من المستكن في ﴿لِيُهْلِكَ﴾، وكذا ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ في موضع الحال.
والمعنى: لَمْ يهلك الله القرى ظالمًا لها في حال صلاح أهلها تنزيهًا لذاته عن الظلم وعما لا يليق به.
ويجوز أن يكون ﴿بِظُلْمٍ﴾ حالًا من أهل القري، يعضده قول ابن عباس ﵄: وما كان ربك ليهلك أهل القرى بظلم منهم وهو الشرك، وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فسادًا آخر (٤).
ويجوز على هذا الوجه أن تكون الباء للسبب، أي: لَمْ يكن ليهلكهم بسبب شرك أهلها، وحالهم كيت وكيت.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾:
стр. 1885
قوله : ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (مَن) في موضع نصب على الاستثناء من المختلفين.
وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ اللام من صلة ﴿خَلَقَهُمْ﴾.
واختلف في الإشارة في (ذلك)، فقيل: للرحمة، وقيل: للاختلاف (١).
والوجه أن يكون لكليهما، لأنَّ ذلك يصلِح للاثنين بدليل قوله: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٢). وقوله: ثم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد للفريقين.
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾:
قوله : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ (كلا) منصوب بـ (نقص)، والتنوين فيه عوض من المضاف إليه، والتقدير: وكل نبأ نقص عليك.
﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ بيان لكل وموضح له إيضاح الصفة للموصوف.
وقوله: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (ما) موصولة في موضع نصب على البدل من كلّ، أو رفع على إضمار مبتدأ، أي: هو، والأول أحسن.
وقد جوز أن يكون (كلًّا) منصوبًا على المصدر، ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ﴾ مفعول ﴿نَقُصُّ﴾ والتقدير: نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك كلّ قصص، أو كلّ اقتصاص، على معنى كلّ نوع من أنواع الاقتصاص (٣).
وأن يكون منصوبًا على الحال من ﴿مَا﴾ بمعنى جميعًا، أو من ﴿أَنْبَاءِ
стр. 1886
الرُّسُلِ﴾ على قول من جوز [تقديم] (١) حال المجرور عليه، فاعرفه (٢).
وقوله: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ أي في هذه السورة، عن ابن عباس ﵄ (٣).
وقيل: في هذه الأنباء المذكورة (٤).
وقيل: في هذه الدنيا (٥).
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾:
قوله : (وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمرُ) قرئ: بفتح الياء وكسر الجيم على البناء للفاعل (٦)، كقوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٧).
وقرئ: بضم الياء وفتح الجيم على البناء للمفعول (٨)، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٩)، والقراءتان بمعنىً وإن اختلف اللفظان.
وقوله: (وما ربك بغافل عما يعملون) قرئ: بالياء النقط من تحته (١٠) على معنى قل لهم: كيت وكيت وما الله بغافل عما يعملون. وبالتاء النقط من
стр. 1887
فوقه (١) على معنى: أنت وهم، على تغليب المخاطب، وهذا أعم من الياء، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة هود ﵊ والحمد لله رب العالمين
стр. 1888
إعراب سُوْرَةِ يُوْسُفَ ﵇ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾:
قول : ﴿الر تِلْكَ﴾ قد مضى الكلام على إعراب هذه الحروف فيما سلف من الكتاب (١).
قيل: والإشارة في ﴿تِلْكَ﴾ إلى آيات السورة، و ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: السورة، أي: تلك الآياتِ التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها (٢). وقيل: ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن (٣)، والمبين هنا: يحتمل أن يكون لازمًا، وأن يكون متعديًا.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾:
قوله : ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ الهاء في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ للكتاب، وقيل: لخبر يوسف ﵇، لأنَّ اليهود سألوا عن خبره (٤).
وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿قُرْآنًا﴾ على الحال من الهاء المذكور، أي: أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف، أو خبر يوسف ﵇
стр. 1889
في حال كونه مقروًّا أو مجموعًا، وهو مصدر بمعنى المفعول، كخَلْقِ الله، وصَيْد الصائد.
و﴿عَرَبِيًّا﴾: نعت له، أي: بلغة العرب، والعربي: منسوب إلى العرب.
وقيل: ﴿عَرَبِيًّا﴾ هو الحال، و ﴿قُرْآنًا﴾: توطئة له، كقولك: مررت بزيد رجلًا صالحًا، فـ (رجلًا): توطئة للحال، و (صالحًا): هو الحال (١).
والوجه هو الأول، وهذا من التعسف البارد.
ويجوز فيه وجه آخر وهو: أن يكون حالا من المنوي في ﴿قُرْآنًا﴾ لوقوعه موقع ما ينوى فيه الضمير، وهو مقرو أو مجموع.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾:
قوله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (القصص) هنا: يحتمل أن يكون بمعنى المقصوص كالنفض والسلب، بمعنى المنفوض والمسلوب، تسمية للمفعول بالمصدر كخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأمير، وأن يكون مصدرًا على بابه كالطلب وشبهه مما هو على وزنه.
فإذا فهم هذا، فـ ﴿أَحْسَنَ﴾ على الوجه الأول: مفعول به، أي: نتلو عليك أحسن الحديث، وعلى الثاني: منصوب على المصدر لإضافته إليه، أي: نبين لك أحسن البيان، ونتلو عليك أحسن التلاوة، ويكون المقصوص على هذا الوجه محذوفًا دل عليه قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ و (ما) مصدرية، أي: بإيحائنا إليك. و ﴿هَذَا﴾ مفعوله. و ﴿الْقُرْآنَ﴾، منعت أو عطف بيان له.
стр. 1890
وأجاز أبو إسحاق جره على البدل من (ما)، كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن. ورفعه على إضمار مبتدأ، أي: هو، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ بهما، لأنَّ القراءة سنة متبعة ولم تثبت بهما رواية (١).
والباء من ﴿بِمَا﴾ من صلة ﴿نَقُصُّ﴾.
وقد جوز نصب ﴿هَذَا﴾ بـ ﴿نَقُصُّ﴾ كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك (٢). والوجه هو الأول لسلامته من تغيير النظم.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بين إنْ المخففة وبين إنْ النافية، والضمير في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للإيحاء، أي: وإن الشأن والحديث كنتَ من قبل إيحائنا إليك هذا القرآن لمن الغافلين عنه، أي: لمن الجاهلين به، كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (٣).
وما ذكرتُ من أنَّ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة مذهب أهل البصرة، وهي عند أهل الكوفة: النافية بمعنى (ما)، واللام بمعنى إلَّا، وقد ذُكر فيما سلف من الكتاب (٤).
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾:
قول : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ (إذ) في موضع نصب بإضمار فعل، أي: اذكر إذ قال. وقيل: هو ظرف لقوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٥). وقال أبو
стр. 1891
إسحاق: هو معمول (نقص) (١). وليس بشيء، لأنَّ الله تعالى لَمْ يقص في ذلك الوقت، اللهم إلَّا إذا جعله بدلًا من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وهو بدل الاشتمال، لأنَّ الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص على أحد الوجهين، فإذا قص وقته فقد قص، وهذا قول الزمخشري (٢).
و﴿يُوسُفُ﴾ فيه ست لغات: ضم السين وكسرها وفتحها من غير همزة فيهن، وبالهمز فيهن، ومثله (يونس) عن الفراء (٣).
قال الزمخشري: وهو اسم عبراني، وقيل: عربي (٤)، وليس بصحيح، لأنه لو كان عربيًّا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف، ثم قال: فإن قلت: فما تقول فيمن قرأ يوسِف بكسر السين ويوسَف بفتحها، هل يجوز على قراءته أن يقال: هو عربي؛ لأنه على وزن المضارع المبني للفاعل أو للمفعول من اسف، وإنما منع الصرف للتعريف ووزن الفعل؟ قلت: لا، لأنَّ القراءة المشهورة قامت بالشهادة على أنَّ الكلمة أعجمية، فلا تكون عربية تارة وأعجمية أخرى. ثم قال: ونحو يوسف يونس رويت فيه هذه اللغات الثلاث، ولا يقال: هو عربي؛ لأنه في لغتين منها بوزن المضارع من (آنَس وأونس) انتهى كلامه (٥).
وقد أجاز غيره: أن يكون عربيًّا فيمن كسر السين أو فتحها والمانع من الصرف التعريف والوزن، وأما على قول من ضم السين فهو أعجمي بلا خلاف، إذ ليس في كلام القوم ما هو على وزن يُفْعُل، وكذلك القول في يونس فاعرفه (٦).
стр. 1892
وقوله: ﴿يَاأَبَتِ﴾ قرئ: (يا أبمتِ) بكسر التاء (١) على إرادة ياء النفْس، والأصل: يا أبي، فحذف ياء النفس اجتزاء بالكسرة عنها، وجيء بهذه التاء عوضًا عنها مكسورة.
واختلف في هذه الكسرة، فقيل: هذه الكسرة هي التي كانت قبل الياء في قولك: يا أبي، قد زحلقت إلى التاء، إذ لا يكون ما قبل تاء التأنيث إلَّا مفتوحًا (٢). وقيل: بل كسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة (٣).
قال الخليل: وإنما تكون هذه التاء في النداء خاصة إذا أضفت إلى نفسك، ولا يجمع بينهما لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه (٤).
فإن قلت: فقد قالوا: يا أبتا، والألف عوض من ياء الإضافة، فكان ينبغي إلا يجوز هذا كما لا يجوز يا أبتي وقد جوزوه، قال الشاعر:
٣١٣ - * يَا أَبَتَا عَلَّكَ أو عَسَاكَا (٥) *
وقال آخر:
٣١٤ - ويَا أَبَتَا لَا تَزَلْ عِنْدَنَا ... .......................... (٦)
وقال آخر:
٣١٥ - يَا أَبَتَا وَلَا أَبَهْ ... .................... (٧)
стр. 1893
قلت: قيل عن هذا جوابان:
أحدهما: أن التاء لما لَمْ تكن عوضًا عن الألف جاز أن يجتمعا.
والثاني: أن هذه الألف ليست بعوض عن ياء النفْس بل ألحقت لأجل امتداد الصوت.
فإن قلت: فأي شبه بين تاء التأنيث وياء النفس حتى جُعلت عوضًا منها؟ قلت: قيل: تشابها في أن كلّ واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره.
فإن قلت: لم جاز إدخال تاء التأنيث على الأب وهو مذكر؟ قلت: قيل: لأنَّ المذكر قد يسمى باسم مؤنث كنفس وعين، ويوصف بما فيه تاء التأنيث نحو: رَجُل ربعة، وغلام يفعة (١)، والدليل على أنَّ التاء التي في ﴿يَاأَبَتِ﴾ تاء تأنيث: قَلْبها هاء في الوقف.
فإن قلت: قد ذكرت قبيل أن هذه الكسرة التي في ﴿يَاأَبَتِ﴾ هي الكسرة التي كانت قبل ياء النفس (يا أبي) جعلت في التاء، إذ لا يكون ما قبل تاء التأنيث إلَّا مفتوحًا، فما بالها لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء، وتبقى التاء ساكنة؟ قلت: قيل: امتنع ذلك فيها؛ لأنَّها اسم، والأسماء حقها التحريك لأصالتها في الإعراب، وإنما جاز تسكين الياء وأصلها أن تحرك تخفيفًا؛ لأنَّها حرف لين، وأما التاء فحرف صحيح نحو كشاف الضمير، فلزم تحريكها، وهذا قول الزمخشري (٢).
ثم قال: فإن قلت: يشبه الجمع بين التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمُعَوَّضِ منه؛ لأنَّها في حكم الياء إذا قلت: يا غلام، فكما لا
стр. 1894
يجوز يا أبتي، فلا يجوز يا أبت، قلت: الياء والكسرة قبلها شيئان، والتاء عوض من أحد الشيئين وهو الياء، والكسرة غير مُتَعَرَّضٍ لها، فلا يجمع بين العوض والمعوض منه إلَّا جمع بين التاء والياء لا غير، إلا ترى إلى قولهم: يا أبتا، مع كون الألف فيه بدلًا من الياء، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء ولم يعد ذلك جمعًا بين العوض والمعوض منه، فالكسرة أبعد من ذلك.
ثم قال: فإن قلت: فقد دلت الكسرة في يا غلامِ على الإضافة؛ لأنَّها قرينة الياء ولصيقتها، فإن دلت على مثل ذلك في يا أبت فالتاء المُعَوَّضَةُ لغوٌ، وجودها كعدمها. قلت: بل حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت: يا أبي، انتهى كلامه (١)
وقرئ: (يا أبتَ) بفتحها (٢)، وفيه أربعة أوجه:
أحدهما: على إقحام الهاء كقوله:
٣١٦ - كِلِيني لِهَمٍّ يا أُمَيْمةَ ناصِبِ ... ...................... (٣)
ومعنى هذا أنه حذف التاء التي هي عوض من الياء، كما تحذف تاء طلحة في الترخيم، وأتى بتاء أخرى مكانها، أَوْ رَدَّ المحذوفة وحركها بحركة ما قبلها، ولم يعتد بالهاء، وأقحمها كما أقحمها من قال: يا طلحة، والأصل: يا طلح، ثم الحق الهاء وجعلها على لفظ آخر الاسم، أعني الحاء، فقال: يا طلحةَ أقبل، بالفتح.
والثاني: أنه حركها بحركة الياء المعوض منها في قولك: يا أبي.
стр. 1895
والثالث: أنه أبدل من الكسرة فتحة كما يبدل من الياء ألفًا من قال: يا غلاما.
والرابع: أنه أراد يا أبتا، فحذف الألف واستبقى الفتحة قبلها تدل عليها كما فعل مَن حذف الياء في يا غلامِ وبَقَّى الكسرة قبلها دالة عليها.
والمختار الوجه الرابع، وما عداه فهو تكلفٌ وتعسف.
وقد وُقِفَ عليها بالهاء لأنَّها تاء التأنيث، وبالتاء لأجل الرسم مع أنه لغية فاعرفه.
وعن ابن أبي عبلة (١): (يا أَبَتُ) بالضم (٢) تشبيهًا بما فيه تاء التأنيث غير مرخم، نحو: يا طلحةُ، من غير اعتبار لكونها عوضًا من ياء الإضافة.
وقوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الجمهور على تحريك عين (أحد عشر) على الأصل، وقرئ: بإسكانها (٣) تخفيفًا لتوالي الحركات وتنبيهًا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك بقية العدد إلى تسعة عشر ما عدا اثني عشر واثنتي عشرة، لئلا يلتقي ساكنان. ﴿كَوْكَبًا﴾ تمييز.
وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ انتصاب ﴿سَاجِدِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾، لا أنه مفعول ثان كما زعم بعضهم، لأنَّ رأيت وإن كان من الرؤيا فهي من رؤية العين من جهة المعنى دون رؤية القلب، وإنما أجراها مجرى العقلاء في قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾؛ لأنه لما