← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

إسحاق: هو معمول (نقص) (١). وليس بشيء، لأنَّ الله تعالى لَمْ يقص في ذلك الوقت، اللهم إلَّا إذا جعله بدلًا من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وهو بدل الاشتمال، لأنَّ الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص على أحد الوجهين، فإذا قص وقته فقد قص، وهذا قول الزمخشري (٢). و﴿يُوسُفُ﴾ فيه ست لغات: ضم السين وكسرها وفتحها من غير همزة فيهن، وبالهمز فيهن، ومثله (يونس) عن الفراء (٣). قال الزمخشري: وهو اسم عبراني، وقيل: عربي (٤)، وليس بصحيح، لأنه لو كان عربيًّا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف، ثم قال: فإن قلت: فما تقول فيمن قرأ يوسِف بكسر السين ويوسَف بفتحها، هل يجوز على قراءته أن يقال: هو عربي؛ لأنه على وزن المضارع المبني للفاعل أو للمفعول من اسف، وإنما منع الصرف للتعريف ووزن الفعل؟ قلت: لا، لأنَّ القراءة المشهورة قامت بالشهادة على أنَّ الكلمة أعجمية، فلا تكون عربية تارة وأعجمية أخرى. ثم قال: ونحو يوسف يونس رويت فيه هذه اللغات الثلاث، ولا يقال: هو عربي؛ لأنه في لغتين منها بوزن المضارع من (آنَس وأونس) انتهى كلامه (٥). وقد أجاز غيره: أن يكون عربيًّا فيمن كسر السين أو فتحها والمانع من الصرف التعريف والوزن، وأما على قول من ضم السين فهو أعجمي بلا خلاف، إذ ليس في كلام القوم ما هو على وزن يُفْعُل، وكذلك القول في يونس فاعرفه (٦).

стр. 1892

وقوله: ﴿يَاأَبَتِ﴾ قرئ: (يا أبمتِ) بكسر التاء (١) على إرادة ياء النفْس، والأصل: يا أبي، فحذف ياء النفس اجتزاء بالكسرة عنها، وجيء بهذه التاء عوضًا عنها مكسورة. واختلف في هذه الكسرة، فقيل: هذه الكسرة هي التي كانت قبل الياء في قولك: يا أبي، قد زحلقت إلى التاء، إذ لا يكون ما قبل تاء التأنيث إلَّا مفتوحًا (٢). وقيل: بل كسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة (٣). قال الخليل: وإنما تكون هذه التاء في النداء خاصة إذا أضفت إلى نفسك، ولا يجمع بينهما لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه (٤). فإن قلت: فقد قالوا: يا أبتا، والألف عوض من ياء الإضافة، فكان ينبغي إلا يجوز هذا كما لا يجوز يا أبتي وقد جوزوه، قال الشاعر: ٣١٣ - * يَا أَبَتَا عَلَّكَ أو عَسَاكَا (٥) * وقال آخر: ٣١٤ - ويَا أَبَتَا لَا تَزَلْ عِنْدَنَا ... .......................... (٦) وقال آخر: ٣١٥ - يَا أَبَتَا وَلَا أَبَهْ ... .................... (٧)

стр. 1893

قلت: قيل عن هذا جوابان: أحدهما: أن التاء لما لَمْ تكن عوضًا عن الألف جاز أن يجتمعا. والثاني: أن هذه الألف ليست بعوض عن ياء النفْس بل ألحقت لأجل امتداد الصوت. فإن قلت: فأي شبه بين تاء التأنيث وياء النفس حتى جُعلت عوضًا منها؟ قلت: قيل: تشابها في أن كلّ واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره. فإن قلت: لم جاز إدخال تاء التأنيث على الأب وهو مذكر؟ قلت: قيل: لأنَّ المذكر قد يسمى باسم مؤنث كنفس وعين، ويوصف بما فيه تاء التأنيث نحو: رَجُل ربعة، وغلام يفعة (١)، والدليل على أنَّ التاء التي في ﴿يَاأَبَتِ﴾ تاء تأنيث: قَلْبها هاء في الوقف. فإن قلت: قد ذكرت قبيل أن هذه الكسرة التي في ﴿يَاأَبَتِ﴾ هي الكسرة التي كانت قبل ياء النفس (يا أبي) جعلت في التاء، إذ لا يكون ما قبل تاء التأنيث إلَّا مفتوحًا، فما بالها لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء، وتبقى التاء ساكنة؟ قلت: قيل: امتنع ذلك فيها؛ لأنَّها اسم، والأسماء حقها التحريك لأصالتها في الإعراب، وإنما جاز تسكين الياء وأصلها أن تحرك تخفيفًا؛ لأنَّها حرف لين، وأما التاء فحرف صحيح نحو كشاف الضمير، فلزم تحريكها، وهذا قول الزمخشري (٢). ثم قال: فإن قلت: يشبه الجمع بين التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمُعَوَّضِ منه؛ لأنَّها في حكم الياء إذا قلت: يا غلام، فكما لا

стр. 1894

يجوز يا أبتي، فلا يجوز يا أبت، قلت: الياء والكسرة قبلها شيئان، والتاء عوض من أحد الشيئين وهو الياء، والكسرة غير مُتَعَرَّضٍ لها، فلا يجمع بين العوض والمعوض منه إلَّا جمع بين التاء والياء لا غير، إلا ترى إلى قولهم: يا أبتا، مع كون الألف فيه بدلًا من الياء، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء ولم يعد ذلك جمعًا بين العوض والمعوض منه، فالكسرة أبعد من ذلك. ثم قال: فإن قلت: فقد دلت الكسرة في يا غلامِ على الإضافة؛ لأنَّها قرينة الياء ولصيقتها، فإن دلت على مثل ذلك في يا أبت فالتاء المُعَوَّضَةُ لغوٌ، وجودها كعدمها. قلت: بل حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت: يا أبي، انتهى كلامه (١) وقرئ: (يا أبتَ) بفتحها (٢)، وفيه أربعة أوجه: أحدهما: على إقحام الهاء كقوله: ٣١٦ - كِلِيني لِهَمٍّ يا أُمَيْمةَ ناصِبِ ... ...................... (٣) ومعنى هذا أنه حذف التاء التي هي عوض من الياء، كما تحذف تاء طلحة في الترخيم، وأتى بتاء أخرى مكانها، أَوْ رَدَّ المحذوفة وحركها بحركة ما قبلها، ولم يعتد بالهاء، وأقحمها كما أقحمها من قال: يا طلحة، والأصل: يا طلح، ثم الحق الهاء وجعلها على لفظ آخر الاسم، أعني الحاء، فقال: يا طلحةَ أقبل، بالفتح. والثاني: أنه حركها بحركة الياء المعوض منها في قولك: يا أبي.

стр. 1895

والثالث: أنه أبدل من الكسرة فتحة كما يبدل من الياء ألفًا من قال: يا غلاما. والرابع: أنه أراد يا أبتا، فحذف الألف واستبقى الفتحة قبلها تدل عليها كما فعل مَن حذف الياء في يا غلامِ وبَقَّى الكسرة قبلها دالة عليها. والمختار الوجه الرابع، وما عداه فهو تكلفٌ وتعسف. وقد وُقِفَ عليها بالهاء لأنَّها تاء التأنيث، وبالتاء لأجل الرسم مع أنه لغية فاعرفه. وعن ابن أبي عبلة (١): (يا أَبَتُ) بالضم (٢) تشبيهًا بما فيه تاء التأنيث غير مرخم، نحو: يا طلحةُ، من غير اعتبار لكونها عوضًا من ياء الإضافة. وقوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الجمهور على تحريك عين (أحد عشر) على الأصل، وقرئ: بإسكانها (٣) تخفيفًا لتوالي الحركات وتنبيهًا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك بقية العدد إلى تسعة عشر ما عدا اثني عشر واثنتي عشرة، لئلا يلتقي ساكنان. ﴿كَوْكَبًا﴾ تمييز. وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ انتصاب ﴿سَاجِدِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾، لا أنه مفعول ثان كما زعم بعضهم، لأنَّ رأيت وإن كان من الرؤيا فهي من رؤية العين من جهة المعنى دون رؤية القلب، وإنما أجراها مجرى العقلاء في قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾؛ لأنه لما

стр. 1896

وصفها بصفة العقلاء وهي السجود جمعها جمعهم، وأجرى عليها في ذلك حكمهم. واختلف في سبب إعادة قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ بعد قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾، فقيل: إعادتها تأكيدًا لأجل طول الكلام (١). وقيل: أنه على تقدير سؤال وقع جوابًا له، كأن يعقوب ﵇ قال له عند قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: كيف رأيتها؟ سائلًا عن حال رؤيتها، فقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (٢). (يعقوب) اسم أعجمي، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف. ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾: قوله : ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ قد مضى الكلام على (بني) في "هود" (٣). والجمهور على همز ﴿رُؤْيَاكَ﴾ على الأصل، وقرئ: (رُوياك) بقلب الهمزة واوًا (٤)، لانضمام ما قبلها. وقرئ: (ريَّاكَ) بالإدغام وضم الراء وكسرها (٥) ليناسب الياء، والإدغام ضعيف، لأنَّ القلب عارض.

стр. 1897

وقوله: ﴿فَيَكِيدُوا﴾ منصوب على جواب النهي. ﴿لَكَ كَيْدًا﴾: انتصاب قوله: ﴿كَيْدًا﴾ على المصدر، وهو مصدر مؤكد كالذي في قولك: ضربت زيدًا ضربًا. وفي اللام في ﴿لَكَ﴾ وجهان: أحدهما: مزيدة كالتي في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (١) لأنَّ هذا الفعل يتعدى بنفسه بشهادة قوله: ﴿فَكِيدُونِي﴾ (٢). والثاني: ضَمَّن في ﴿فَيَكِيدُوا﴾ معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المُضَمَّنِ فيكون آكد وأبلغ في التخفيف، أي: فيحتالوا لك (٣)، فـ ﴿لَكَ﴾ على هذا من صلة ﴿فَيَكِيدُوا﴾، وقد جوز أن يكون صفة قُدِّمَتْ فصارت حالًا (٤). ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ قوله : ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ﴾ محل الكاف النصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: اجتباء مثل ذلك الاجتباء، والاجتباء: الاصطفاء، افتعال من جبيت الشيء، إذا حصلتَهُ لنفسك، ومنه: جبيت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه. وقوله: ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ قيل: كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك. وقوله: ﴿كَمَا أَتَمَّهَا﴾ الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر

стр. 1898

محذوف، و (ما) مصدرية، أي: إتمامًا مثل إتمامها على أبويك، والأبوان هنا: تثنية الأب، والمراد بهما: الجد وأبو الجد؛ لأنهما في حكم الأب في الأصالة. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلك. قوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ عطف بيان لأبويك، أو بدل منهما، كلاهما جائز. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾: قوله : ﴿آيَاتٌ﴾ قرئ: بالجمع لاختلاف أحوال يوسف ﵇، وقرئ: بالإفراد (١) على إرادة الجنس وجَعْل شأنه كلّه آية، ويعضده: ما روي أن في بعض المصاحف (عبرة) مكان (آية) (٢). ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾: قوله : ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ (إذ) في موضع نصب بإضمار اذكر، واختلف في هذه اللام، فقيل: لام الابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة، على معنى أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه. وقيل: هي جواب قسم محذوف، أي: والله لَيوسفُ، والوجه هو الأول، وهو مبتدأ، و (أخوه) معطوف عليه، و ﴿أَحَبُّ﴾: خبر عنهما، وجاز ذلك، لأنَّ أفعل من كذا يستوي فيه الواحد وما فوقه، والمذكر والمؤنث. وقوله: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في موضع الحال، وعن علي بن أبي

стр. 1899

طالب ﵁: (ونحن عصبةً) بالنصب (١) على الحال على تأويل: ونحن نجتمع عصبة. والعصبة من الرجال: ما بين العشرة إلى الأربعين، عن المبرد وغيره (٢)، قال أبو إسحاق: العصبة في كلام العرب، العشرة فصاعدًا (٣) وهي من العَصْب، يقال: عصبه، إذا شده. وقوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾ الضلال: هو الذهاب عن طريق الصواب. ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾: قوله : ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ انتصاب قوله: ﴿أَرْضًا﴾ على الظرف لإبهامها (٤). وقيل: هي مفعول ثان (٥)، وليس بشيء لأنَّ (طَرَحَ) فعل يتعدى إلى مفعول واحد. وقوله: ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ مجزوم على جواب شرط محذوف. ﴿وَتَكُونُوا﴾ يحتمل أن يكون مجزومًا عطفًا عليه، وأن يكون منصوبًا بإضمار (أنْ) كقوله: ٣١٧ - لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ ... ........................... (٦)

стр. 1900

وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد يوسف، وقد جوز أن يكون الضمير للقتل أو للطرح (١). ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قيل: غيابة الجب غوره، وما غاب منه، وعن عين الناظر، وأظلم من أسفله، وأنشد: ٣١٨ - وإِنْ أنا يومًا غَيَّبَتْني غَيَابتي ... فسيروا بسيري في العشيرةِ والأهلِ (٢) ويعني غَيَابَةَ حفرته التي يدفن فيها. وقرئ: (في غَيَابَةِ الجُبِّ) على التوحيد (٣)، لأنَّ شخصًا واحدًا لا تحويه أمكنة إنما يحويه مكان واحد. وقرئ: في (غيابات) على الجمع (٤)، لأنَّ للجب غيابات كثيرة، فجمع لذلك. وقرئ أيضًا: (غيَّابات) بالتشديد (٥). و(في غَيْبَةِ) (٦).

стр. 1901

قال أبو الفتحِ: أما غَيابَة: فاسم جاء على فَعَالَةٍ، ونظيرها من الأسماء التي جاءت على فَعَالٍ: الجَبَانُ، والكَلاءُ، والتيارُ، والفَخَارُ. وأما (غيبة) فهي مصدر فَعْلَة من غِبْتُ، كقولك: في ظلمة الجب. ويجوز أن يكون موضعًا على فَعْلَةٍ كالقَرْمَةِ والجَرْفَةِ (١). ﴿يَلْعَبْ﴾ البئر التي لم تُطْوَ، سميت جُبًّا لأنها قطعت قطعًا، ولم يحدث فيها غير القطع من طي وشبهه، وتجمع على جِبابٍ وجِببٍ. وقوله: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ الجمهور على الياء في قوله: ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ النقط من تحته حملًا على لفظ ﴿بَعْضُ﴾، وقرئ: (تلتقطه) بالتاء النقط من فوقه (٢) حملًا على المعنى، لأن بعض السيارة سيارة، كقوله: ٣١٩ - ................. ... كَمَا شرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ (٣) ومنه: ذهبتْ بعضُ أصابعه. والسيارة: الجماعة المسافرون، سُمُّوا بذلك لسيرهم في الطريق. ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: قوله : ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿لَكَ﴾ الخبر، و ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ في موضع نصب على الحال، والنون والألف في موضع نصب مفعول تأمن، والأصل: (تأمننا) وفيه أربعة أوجه، وقد قرئ بهن: ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ بإظهار النونين (٤) لكونهما من كلمتين.

стр. 1902

وبالإدغام لأجل التقاء المثلين مع الإشمام (١) إعلامًا بالأصل، لأن أحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جَمَعَهُمَا السكون، فكما أشموا الحرفَ الموقوفَ عليه إذا كان مرفوعًا في الإدراج إعلامًا بأصله. كذلك أشموا النون المدغمة في ﴿تَأْمَنَّا﴾ لذلك وعليه الجمهور، وصفة ذلك أن تشير إلى الضمة، وهي ضمة النون الأولى من غير صوت مع لفظك بالنون المدغمة، وهذا شيء يؤخذ بالمشافهة. وبغير الإشمام (٢) نظرًا إلى اللفظ. (وتِيْمَنّا) بكسر التاء مع الإدغام (٣) على لغة تميم في كسرهم حروف المضارعة إلا الياء في كل ما كان من باب علم يعلم، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: قوله : ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ﴾ انتصاب قوله: ﴿غَدًا﴾ على الظرف، وأصله: غَدْوٌ (٥). و﴿يَرْتَعْ﴾: مجزوم على جواب شرط محذوف وقرئ: بإسكان العين (٦)، من رَتَعَ يَرْتَعُ، إذا مشى وتصرف في شهواته ولذاته، أي: يتسع في أكل الفواكه

стр. 1903

وغيرها، وأصل الرتعة: الخصب والسعة وكل خص راتع. وبكسرها (١) من ارتعى يرتعي، بمعنى رعى، نفتعل من الرعي، أي: نرعى ماشيتنا، وهو مجزوم أيضًا على الجواب وعلامة الجزم حذف الياء. وقرئ: (نَرْتَع ونَلْعَب) بالنون فيهما (٢) على الإخبار من أخوة يوسف عن أنفسهم بذلك إذ لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت، وأيضًا فإن لعبهم كان الاستباق والانتضال بدليل قوله: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ (٣) وإنَّما سَمّوه لَعِبًا، لأنه في صورته. وبالياء فيهما النقط من تحته (٤)، على الإخبار عن يوسف ﵇ لتقدم ذكره. وقرئ أيضًا: (نرتع) بالنون (ويلعب) بالياء (٥)، على معنى: نرتع نحن ويلعب يوسف. وقرئ أيضًا: (يرتعِ) بالياء وكسر العين (وَيَلْعَبُ) بالرفع (٦) على أن الأول مجزوم على الجواب، والثاني مرفوع على الاستئناف، أي: هو ممن يلعب. وقرئ أيضًا: (يُرْتِعْ) بالياء مضمومة وكسر التاء وجزم العين، ويَلْعَبْ بالياء مع الجزم أيضًا (٧)، من أرتع مطيته، إذا حملها على الرعي وجعلها

стр. 1904

ترعى، والمعنى: أَرْسِلْهُ معنا إلى الصحراء يُرْتِعْ مواشينا وَيَلْهُ. ويجوز في الكلام رفع (يَرْتَعُ) على أن يكون في موضع الحال، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به إذ لم تثبت به رواية فيما اطلعت عليه (١). ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾: قوله : ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ اللام لام الابتداء كالتي في قولك: إنَّ زَيْدًا ليَخْرُجُ، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) دخلت على الفعل وهي مما يختص بالأسماء، لأن الابتداء لا يكون في الفعل، كيف والفعل لا يخبر عنه، وكل مبتدأ مخبر عنه، ودخولها عليه أحد ما ذكره صاحب الكتاب من سببي المضارعة (٣)، والثاني: الشياع. وقوله: ﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أَنْ وما اتصل بها في موضع رفع بيحزنني على الفاعلية، أي: يحزنني ذهابكم به. وقوله: ﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ قرئ: (الذئب) بالهمزة (٤) على الأصل، قيل: وأصله (٥) من تذاءبت الريح، إذا أتت من كل جهة كما يأتي الذئب (٦). وبالتخفيف (٧) على مذاق العربية.

стр. 1905

﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ اللام لام التوطئة للقسم، والقسم محذوف، أي: والله لئن أكله الذئب. وقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ جواب للقسم، وقد سَدَّ جوابَ الشرط، والواو في ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ واو الحال، والجملة معترضة بين القسم وجوابه. ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ اختلف في جواب (لما): فقيل: محذوف تقديره: فعلوا به ما فعلوا من الأَذَى (١). وقيل: الجواب (أجمعوا) والواو مؤكدة (٢). وقيل: (أوحينا) والواو كذلك (٣). (أجمعوا) على الوجه الأول والثالث يحتمل أن يكون معطوفًا على ﴿ذَهَبُوا﴾، وأن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿ذَهَبُوا﴾ وقد معه مرادة، والمعنى: عزموا على ذلك، يقال: أجمعت على كذا، إذا صححت العزم عليه. وقؤله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ يعنى إلى يوسف ﵇ (٤). وقوله: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فيه وجهان:

стр. 1906

أحدهما: متعلق بقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ على معنى: لتخبرنهم بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليك وإعلامه إياك ذلك. والثاني: متعلق بمحذوف على معنى: لتتخلصن مما أنت فيه ولتحدثن إخوتك بما فعلواه بك، وهم لا يشعرون بأنك يوسف لعلو شأنك، ورفع منزلتك. والجمهور: على التاء في (لتنبئنهم) النقط من فوقه على الخطاب ليوسف ﵇، وقرئ: (لننبئنهم) بالنون (١). على إخبار الله تعالى عن نفسه على وجه الوعيد لهم. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ على هذه القراءة من صلة (أوحينا) ليس إلا. وروي أن في بعض مصاحف البصرة المضبوطة (لَيُنَبِّئَنَّهُمْ) بالياء النقط من تحته (٢)، والفعل ليوسف ﵇ أيضًا. وقيل: الضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ ليعقوب ﵇ (٣) أوحى الله إليه بما فعله بنوه بيوسف، وأنه سَيُعَرِّفُهُمْ بأمره وهم لا يشعرون بما أوحي إليه، والواو في ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ واو الحال. ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾: قوله : ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ انتصاب قوله: (عشاءً) على الظرف. والعِشاء بالكسر والمد: آخر النهار، مثل العشي، وهو صلاة المغرب إلى العتمة، أي: جاؤوا وقت العشاء.

стр. 1907

وعن الحسن: (عُشَيًّا) (١) [وهو تصغير عَشِيٍّ، يقال: أتيته عُشَيًّا] (٢) أي: عَشِيًّا، وعنه أيضًا: (عُشًا) بضم العين والقصر (٣)، وقال: عُشوا من البكاء، وهو جمع عاش، والأصل: عُشَاةٌ كَغَازٍ وغُزَاةٍ، وماشٍ ومُشَاةٍ، فحذفت الهاء تخفيفًا وهي مرادة كقوله: ٣٢٠ - أَبْلَغِ النُّعْمَانَ عَنّي مأْلُكًا ... .................... (٤) أراد مألكة، فحذف الهاء تخفيفًا، وهذا قول أبي الفتح، ثم قال: وفيه بَعْدَ هذا ضعفٌ، لأن قَدْرَ ما بَكَوا في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان، انتهى كلامه (٥). وانتصابه على هذه القراءة على الحال من الواو في ﴿وَجَاءُوا﴾ وكذا ﴿يَبْكُونَ﴾. وقوله: ﴿نَسْتَبِقُ﴾ في موضع الحال، أي: ذهبنا مستبقين، أي: متسابقين، والافتعال والتفاعل يشتركان، كالانتضال والتناضل، والارتماء والترامي، وغير ذلك، والمعنى نتسابق في العَدْوِ أو في الرمي، ليعلم أينا أشد عَدْوًا، أو أينا أحسن رميًا. وفي التفسير: ننتضل (٦).

стр. 1908

وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾: أي: بمصدق لنا. ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾: جواب (لو) محذوف، أي: ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة ما صَدَّقْتنا، لشدة محبتك ليوسف وأنت مسيء الظن بنا، غير واثق بقولنا؟ . ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾: قوله : ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (بدم) من صلة ﴿وَجَاءُوا﴾، ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ في موضع نصب على الحال من (دم) أي: وجاؤوا بدم كذب كائنًا على قميصه، هذا على قول من جوز [تقديم] (١) حال المجرور عليه، وهو أبو الحسن. وأما على قول من لم يجوز فهو من صلة (جاؤوا) ومحله النصب على الظرف، كأنه قيل: وجاؤوا فوق قميصه (٢)، وهذا هو الوجه، لأن حال المجرور لا تتقدم عليه عند صاحب الكتاب رحمه الله تعالى وموافقيه (٣)؛ لأحد الشيئين: إما لأجل الفصل بها بين الفعل وما هو جزء من الفعل وهو الجار، أو لإيقاع التابع حيث لا يصح وقوع المتبوع، كالعامل والمعمول، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. و﴿كَذِبٍ﴾ صفة (لدم) أي: بدم ذي كذب، فحذف المضاف أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، وكلا الوجهين حسن شائع في كلام القوم. وقيل: بدم مكذوب فيه، تسمية للمفعول بالمصدر كخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائدِ (٤).

стр. 1909

قيل: وقرئ: (كذبًا) بالنصب (١)، وفيه وجهان، أحدهما: في موضع الحال من الضمير في ﴿وَجَاءُوا﴾ بمعنى: وجاؤوا كاذبين، والثاني: مفعول من أجله. وقرئ أيضًا: (بِدَمٍ كَدِبٍ) بالدال غير المعجمة مكسورة (٢)، وفيه وجهان، أحدهما: بدمٍ كَدِرٍ، والكدر: خلاف الصفو، يقال: كَدِرَ الماء بالكسر يَكْدَرُ كَدَرًا فهو كَدِرٌ (٣). والثاني: بدم طري. وقال أبو الفتح: أصله من الكدب وهو الفُوف، أعني البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث، كأنه دم قد أثر في قميصه، انتهى كلامه (٤). [و] قد شُبِّهَ الدم في القميض بالبياض الذي في الظفر من جهة اختلاف اللونين. قيل: وقرئ أيضًا: (بِدَمِ كَدْبٍ) على الإضافة وبفتح الكاف وبالدال غير المعجمة ساكنة، على معنى: بدم جدي، كذا وجدت في بعض الكتب (٥). وقوله: ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾: أي: زينته لكم وهونته في أعينكم. وقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: فأمري أو فشأني

стр. 1910

صبر جميل، أو فصبري جميل، أو بالعكس (١) لكونه موصوفًا، أي: فصبر جميل أولى، أو فعندي، أو فعليّ صبر جميل. وعن أُبي ﵁: (فَصَبْرًا جَمِيلًا) بالنصب (٢)، ونصبه على المصدر، أي: فاصبر صبرًا جميلًا، قيل: والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه إلى الخلق (٣)، يعضده: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٤). ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾: قوله : ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ أي: أتت رفقة مارة. ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾: الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم. ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ يقال: أدليت الدلو، إذا أرسلتها لتملأها، ودلوتها، إذا أخرجتها. وقوله: ﴿يَابُشْرَى﴾ قرئ: (يا بشرايَ) بياء بعد الألف على الإضافة إلى النفس (٥)، وهو نداء مضاف منصوب، وإنما فتحت الياء من أجل الألف. وقرئ: (يا بُشُرَى) من غير إضافة (٦)، على نداء البشرى مفردة، أي: إن هذا الوقت من إبَّانك وأوقاتك، وفيه وجهان:

стр. 1911

أحدهما: في موضع ضم، لأنه منادى مقصود، كقولك: يا رجل، وعلى الألف ضمة مقدرة. والثاني: في موضع نصب لأنه شائع لا يراد به شيء بعينه، كقول الأعمى: يا رجلًا خذ بيدي، وقوله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ (١)، وإنما لم يدخله التنوين، لأنه لا ينصرف. وقرئ: (يا بشريّ) بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء النفس (٢)، لأن ما يضاف إلى ياء النفس يحرك بالكسر إذا كان صحيحًا أو جاريًا مجراه، نحو: غلامي ولَحْيِي، فلما لم تحتمل الألف الكسرة قربت من الياء بقلبها إليها، وهي لغة للعرب فاشية، ويقولون في دعائهم: يا سيدي وموليّ (٣). وفي حديث طلحة ﵁: "فوضعوا اللُّجَّ على قَفَيَّ" (٤). فاعرفه. وقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ قيل: الضمير المرفوع للمدلي وأصحابه أخفوه من الرفقة. وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في الجُبِّ، وقالو لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. وقيل: إن الضمير لأخوة يوسف كتموا أنه أخوهم، وقالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد أَبَقَ فاشتروه منا، وتابعهم على ذلك مخافة أن يقتلوه، عن ابن عباس ﵄ (٥).

стр. 1912

و ﴿بِضَاعَةً﴾: نصب على الحال من الضمير المنصوب العائد إلى يوسف ﵇، أي: أخفوه متاعًا للتجارة، أو: مبضوعًا، والبضاعة: ما بُضِعَ من المال للتجارة، أي: قُطِعَ، ومنه المبضع، لأنه يبضع به العِرْق. وقيل: بضاعة مفعول ثان بمعنى: أَسَرَّ أخوتُه أنه أخوهم جاعليه بضاعة. وقيل: تمييز. والوجه هو الأول وعليه الجل (١). ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾: قوله : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: باعوه، والثمن ثمن المبيع، والبخس: مصدر بمعنى المبخوس تسمية للمفعول بالمصدر كضَرْبِ الأمير، وخَلْقِ الله، أي: بثمن مبخوس، أي: منقوص، أي: ذي بخسٍ، أو وُصِفَ بالمصدر مبالغة، كأنه نَفس البخس وعينه. و﴿دَرَاهِمَ﴾: بدل من ثمن، ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ صفة للدراهم، أي: دراهم لا دنانير، قليلة تعد عدًا ولا توزن، قيل: وعبر عن القلة بكونها معدودة، لأنهم كانوا لا يَزِنون إلا ما بلغ الأوقية - وهي أربعون درهمًا - ويعدون ما دونها (٢). وقوله: ﴿فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (فيه) من صلة محذوف، كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقال زهدوا فيه، ثم بين فقال: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. ولا يجوز أن يكون من [صلة] (٣) الزاهدين، لأن ما كان من صلة الموصول لا يتقدم عليه، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٤).

стр. 1913

والضمير في ﴿فِيهِ﴾ ليوسف ﵇. وقيل: للثمن (١). ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾: قوله : ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ (من مصر) يحتمل أن يكون من صلة اشترى، وأن يكون حالًا إما من ﴿الَّذِي﴾ أو من الهاء العائدة إلى يوسف ﵇. و﴿لِامْرَأَتِهِ﴾: من صلة (قال) لا من صلة (اشترى) كما زعم بعضهم، اللهم إلا أن يأتي بخبر يُسْكَنُ إليه أنه اشترى يوسف لها، وإلا فلا. وقوله: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ المثوى: الإقامة، والمعنى: أحسني إليه في مدة مقامه عندنا. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب، والإشارة إل ما ذكر من إنجائه وعَطْفِ قلبِ العزيزِ عليه، أي: ومثل ذلك الإنجاء والعطف مكنا له، أي: كما أنجيناه وعَطَّفْنا عليه العزيز، كذلك مكنا له في أرض مصر حتى كان منه فيها ما كان. وقوله: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ عطف على محذوف دل عليه معنى الكلام المتقدم، أي: فعلنا ذلك الإنجاء والعطف لنمكنه في أرض مصر ولنعلمه. وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ الضَّمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ يحتمل أن يكون لله جل ذكره، على معنى: أنه غالب على أَمْرِ نفسه، لا يُمْنَعُ عما يريد. وأن يكون ليوسف على معنى الله غالب على أَمْرِ يوسف يدبره لا يكله إلى غيره.

стр. 1914

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ اختلف في الأشد، فقيل: هو واحد أتى على بناء الجمع كآنُكٍ، وهو الأُسْرُبُّ، ولا نظير لهما (١). وقال صاحب الكتاب ﵀: هو جمعٌ واحده شِدَّة (٢). قال الجوهري: وهو حسن في المعنى، لأنه يقال: بلغ الغلام شدته: ولكن لا تجمع فِعْلَة على أفعل، وأما أنعم فإنما هو جمع نُعْم، من قولهم: يَومُ بؤسٍ ويومُ نُعْمٍ (٣). وقال غيره: هو جمع لا واحد له في الاستعمال (٤)، وأما في القياس فواحده شَدٌّ كفَلْس وأَفْلُس، أو شِدّ كذِئب وأذؤب، أو شَدٍ كقولهم: فلان ردي، والقوم أردى (٥)، وهو كمال القوة، أعني الأشد. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ محل الكاف النصب، أي: نجزيهم مثل ذلك الجزاء. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ قيل: المراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، كأن المعنى: خادَعَتْهُ عن نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه، ويأخذه منه، وهي عبارة عن التمحل لمواقعته إياها (٦).

стр. 1915

وقوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (هيت) اسم من الأسماء التي سميت بها الأفعال كصه، ومه، وفيه لغات: فتح الهاء وكسرها مع فتح التاء، وضم التاء وكسرها مع فتح الهاء، وبينهما ياء ساكنة في هذه اللغات الأربع، وقد قرئ بهن (١). وهو مبني لكونه صوتًا، أما هَيْتَ: فكأَيْنَ. وأما هِيتَ: فكعِيطَ. وأما هَيْتُ: فكحَيْثُ. وأما هَيْتِ: فكجَيْرِ. ومعنى هَيْتَ وبقية أخواته: أقبل وأسرع، والحركات في أواخرهن لالتقاء الساكنين، فمن فتح اختار الفتح لخفته، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم فعلى التشبيه بحيث. ويستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث [والمذكر] (٢) إلا أن العدد فيما بعده، تقول: هَيْتَ لَكَ .. إلَى: لَكُنَّ (٣). وقرئ أيضًا: (هِئْتُ لك): بكسر الهاء وضم التاء وبينهما همزة ساكنة (٤)، وهو فعل بمعنى تهيأت، يقال فيه: هِئْتُ أَهِيءُ هِيئَةً، كجِئتُ أَجِيءُ جِيئَةً، أي: تهيأت لك بالتزين والتطيب. وقالوا فيه أيضًا: هِئْتُ

стр. 1916

أهاءُ، كشِئْت أشاءُ، هذا بمعنى خذ (١) وقرئ أيضًا: (هِئْتَ) بكسر الهاء وفتح التاء مع الهمزة (٢)، ولعله لُغَيَّةٌ بمعنى هِيْتَ الذي معناه أسرع وبادر، ويبعد أن يكون فعلًا من هاء يهيءُ، كجاء يجيء، لأنَّ ذلك يوجب أن يكون الخطاب من المرأة ليوسف ﵇، وهو لم يتهيأ لها، وإنما تهيأت له بشهادة قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٣) ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٤) وهو الصادق الصِّدِّيقُ في ذلك، وأيضًا فلو كان الخطاب منها إليه لقالت: (هِيْتَ لِي) (٥). وقيل: هو من هاء يهيء والتاء فاعله، والمعنى: حسنت هيئتك، ويكون قوله: ﴿لَكَ﴾ من كلام آخر كما تقول: لك أقول ولك أعني (٦). وقرئ أيضًا: (هُيِّئْتُ لَكَ) بضم الهاء بعدها ياء مكسورة مشددة وبعد الياء همزة ساكنة بعدها تاء مضمومة على البناء للمفعول (٧)، وهو فعل صريح كهِئْتُ، بمعنى: أُصلِحتُ لك فدونك وما انتظارك؟ واللام من صلة الفعل على هذه القراءة وعلى قراءة من ضم التاء وهمز، لأنه فعل أيضًا، وأما في الأصوات فللبيان، لأن الأصوات لا يكون منها فعل يتصرف كأنه قيل: لك أقول هذا، كما تقول: هَلُمَّ لَك، وَسَقْيًا لَكَ. وقد جوز أن يكون خبر مبتدأ

стр. 1917

محذوف على معنى: إرادتي بذلك لك، فاعرفه. وقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ انتصابه على المصمدر أقيم مقام الفعل، أي: أعوذ بالله مَعاذًا وعَوْذًا وعياذًا ومَعاذةً أيضًا، والمعنى: أعتصم بالله أن أفعل ذلك. وقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ يحتمل أن يكون للعزيز، و ﴿رَبِّي﴾ بدل منه، وما بعده خبر (إنَّ)، وأن يكون للشأن والحديث، والجملة بعده الخبر. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: إن الشأن والحديث، ليس إلّا. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ يقال: هم بالأمر، إذا قصده وعزم عليه، قال: ٣٢١ - هَمَمْتُ ولم أفعلْ وكِدْتُ وليتَني ... تَركتُ على عثمانَ تبكي حَلائلُهُ (١) ومنه قولك: لا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا همًا، أي: ولا أكاد أن أفعله كيدًا، ولا أهم بفعله همًا، حكاه صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى- (٢). وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى﴾ جواب (لولا) محذوف تقديره: لَهَمَّ بها، فحذف لأن قوله: (وهم بها) يدل عليه، والأحسن أن يقف القارئ على قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ لا بل يجب عليه ليخرج ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ من حيز القسم ليدل أنه لم يهم بها.

стр. 1918

وقيل: إنما جعل جواب لولا محذوفًا يدل عليه (هم بها) دون (همَّ بها)، يعني: أن يكون هو الجواب مقدمًا، لأن (لولا) لا يتقدم عليها جوابها من قِبَلِ أنه في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام، وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض، وأما حذف بعضها إذا دل الدليل عليه فجائز. وقيل التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فيكون قوله: (همَّ بها) على هذا من حيز القسم وداخلًا تحت حكمه فاعرفه. و(أن) بعد ﴿لَوْلَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: لولا أن رأى برهان ربه في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان لأمضى ما هم به. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر مثل ذلك، أو النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: ثبتناه تثبيتًا مثل ذلك التثبيت، واللام من ﴿لِنَصْرِفَ﴾ من صلة هذا المحذوف. فإن قلت: بأي شيء تتعلق اللام على الوجه الأول؟ قلت: بمحذوف أيضًا تقديره: فعلنا في حقه ما فعلنا لنصرف عنه السوء، وهو خيانة سيده، ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾: الزنا على ما فسر (١). وقوله: (إنه من عبادنا المُخْلِصِين) قرئ بكسر اللام على البناء للفاعل (٢)، والمفعول محذوف، أي: من الذين أخلصوا أعمالهم أو أنفسهم لعبادة الله، ويعضده: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (٣).

стр. 1919

وقرئ: بفتحها على البناء للمفعول (١)، أي: من الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم من الكبائر. ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي: إلى الباب، على حذف الجار وإيصال الفعل، كقوله: ٣٢٢ - أَمَرْتُكَ الخيرَ ....... ... ..................... (٢) وقوله: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: شقته طولًا، والقد الشق طولًا، تقول: قَدَّ السيرَ وغيرَه يَقُدُّهُ قَدًّا، إذا شَقَّهُ طولًا، وقَطَّهُ: إذا قطعه عرضًا، ومنه قط القلم. وقوله: ﴿وَأَلْفَيَا﴾ أي: وجدا، والإلفاء: الوجدان. وقوله: ﴿مَا جَزَاءُ﴾ (ما) تحتمل أن تكون نافية، أي: ليس جزاؤه إلّا السجن، فجزاؤه: مبتدأ، و ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾ الخبر. وأن تكون استفهامية بمعنى النفي، أي: أي شيء جزاؤه إلا السجن؟ فـ (ما) على هذا الوجه في موضع رفع بالابتداء، والخبر جزاؤه، و ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾ بدل من ﴿جَزَاءُ﴾. وقوله: ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عطف على ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾، وعن الكسائي: (أو عذابًا أليمًا) بالنصب على تأويل: أن يسجن أو يعذب عذابًا أليمًا (٣). ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ

стр. 1920

قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ جملة شرطية محكية بعد فعل الشهادة، قيل: وإنما جازت حكايتها بعد فعل الشهادة وحكمها أن تقع بعد القول، لأن الشهادة نوع من القول، أو على إرادة القول، كأنه قيل: وشهد شأهد فقال: إن كان قميصه (١). والجمهور على الجر والتنوين في (قُبُلٍ) و (دُبُرٍ)، وقرئ: (مِنْ قُبُلُ) و (مِنْ دُبُرُ) بثلاث ضمات من غير تنوين (٢) على مذهب الغايات، والأصل: من قُبل القميص ومن دُبره، فلما حذف المضاف إليه وهو مراد صار المضاف غاية نفسه بعد ما كان المضاف إليه غاية له، والذي سوغ البناء فيهما كونهما يستعملان ظرفين، بشهادة قول الفرزدق: ٣٢٣ - يُطاعِنُ قِبلَ الخيلِ وهو أمامَها ... ويَطْعَنُ عن أدبارها إنْ تَوَلَّتِ (٣) وقول الله جل ذكره: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٤) فنصبه على الظرف، أي: وقت إدباره، وهو جمع دبر، قيل: وأما التنكير فمعناه من جهةٍ يقال لها: قُبُلٌ، ومن جهة يقال لها: دُبُرٌ. وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: (مِنْ قُبُلَ) و (مِنْ دُبُرَ) بالفتح (٥)، كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث. قال أبو إسحاق: ولا أعلم أحدًا من البصريين ذكر الفتح غيره أيضًا (٦).

стр. 1921

وقرئ أيضًا: (مِنْ قُبْلٍ) و (من دُبْر) بإسكان العين فيهما تخفيفًا (١). وقيل: وإنما جاز الجمع بين ﴿إِنْ﴾ الذي هو علم للاستقبال، وبين ﴿كَانَ﴾: الذي هو عَلَمٌ للمضي حملًا على المعنى، لأن المعنى: إن يكن، أي: إن يعلم فالعلم لم يقع بعد، وكذا الكون لا يكون لأنه مُؤَدٍ عن العلم (٢). ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ محل ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ النصب على الحال من القميص، أي: فلما رآه مقدودًا من خلف. وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ إنَّ قولَكِ: ما جزاء من أراد بأهلكَ سوءًا، أو: إن هذا الأمر - وهو طمعها في يوسف - ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ من حيلتكن، والخطاب لها ولأَمتِها (٣). وقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: يا يوسف، قيل: وحذف منه حرف النداء، لأنه منادى قريب مفاطن للحديث، وفيه تقريب له وتلطيف لمحله (٤). ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الأمر الذي جرى واكتمه ولا تحدث به. ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾: أنت لذنبك ﴿لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: الخِطْء بكسر الخاء وسكون الطاء: الذنب على عمد، والفعل منه خطئ فهو خاطئ، وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ بلفظ التذكير: تغليبًا للذكور على الإناث. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾:

стр. 1922

قوله : ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ ذكّر الفعل على إرادة الجمع، والنسوة اسم مفرد اللفظ مجموع المعنى، وفيه لغتان: كسر النون وضمها، وقد قرئ بهما (١). وقوله: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ مبتدأ والخبر ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾، أي: غلامها، يقال: فتاي وفتاتي، أي: غلامي وجاريتي، وألف الفتى منقلبة عن ياء لقولهم: فتيان، ولإمالتهم إياها. وقوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ انتصاب قوله: (حبًّا) على التمييز، والأصل: قد شغفها حبه، ثم جعل الفعل لما يلتبس به الفاعل وهو المضاف إليه، ونصب الذي كان فاعلًا فقيل: حبًّا. والمعنى: أن حبه خرق شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد. واختلف في الشغاف، فقيل: غلاف القلب، وهو جلدة عليه كالحجاب (٢). وقيل: هو حَبَّةُ القلب، وهي علقة سوداء في صميمه (٣). وقيل: هو داء في الجوف يأخذ تحت الشراسيف (٤)، وأنشدوا للنابغة: ٣٢٤ - وَقَدْ حَالَ هَمُّ دُونَ ذَلِكَ وَالج ... وُلُوجَ الشَّغَافِ تَبْتَغِيهِ الأَصَابِعُ (٥)

стр. 1923

يعني: أصابع الأطباء. و (الشراسيف): مَقاطّ الأضلاع، وهي أطرافها التي تشرف على البطن (١). وقرئ: (قد شعفها) بالعين غير المعجمة، (٢) أي: أحرق قلبها، يقال: شعفه الحب، إذا أحرق قلبه، قال أبو الفتح: معناه وصل حبه إلى قلبها فكاد يحرقه لحدته، وأصله من البعير يُهْنَأُ بالقطران فتصل حرارة ذلك إلى قلبه، وأنشدوا على ذلك في المعنى: ٣٢٥ - لِتَقْتُلَنِي وقد شَعَفْتُ فُوادَها ... كما شعَفَ المَهْنُوءةَ الرجُلُ الطَّالي (٣) انتهى كلامه (٤). يقال: شعفت البعير بالقطران، إذا أشعلته به. ومحل قوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ النصب على الحال من المنوي في ﴿تُرَاوِدُ﴾ ومن الفتى، ولك أن تجعلها مستأنفة. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾: قوله : ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ عطف على ﴿أَرْسَلَتْ﴾، ويحتمل أن يكون في موضع الحال وقد معه مرادة. ومعنى: أعتدت: هيأت، من

стр. 1924

الشيء العتيد، وهو الحاضر المهيأ لأمر ما، وقد أَعْتَدَهُ إِعْتَادًا، وعَتَّدَهُ تَعْتيدًا بمعنىً، إذا هيأه. وقرئ: (مُتَّكَأً) بضم الميم وفتح التاء والكاف والهمزة من غير مَدَّ مع تشديد التاء وعليه الجمهور، وهو مُفْتَعَلٌ من توكأت، كمُتَّجَهٍ من توجهت، وأصله موتكأ أبدلت من الواو تاء وأدغمت التاء في التاء. واختلف فيه، فقيل: هو المجلس الذي فيه النمارق والوسائد يُتكأ عليها فيه، ويكون فيه الطعام والشراب (١). لأن كانت عادتهم إذا اجتمعوا للطعام والشراب والحديث أن يتكئوا على وسائد كعادة المترفين، ولذلك نُهي أن يأكل الرجل متكئًا (٢). وقيل: المتكأ هو الطعام يحز حزًا بالسكين (٣). قيل: كأن المعنى: يعتمد بالسكين، لأن القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين، كما يعتمد المتكِئ على المتكَأ عليه (٤). وقرئ أيضًا: (مُتَّكَاءً) بالمدّ والهمز (٥)، وهو مفتعال من [اتكأ] متكاءً، والألف فيه ناشئة من إشباع الفتحة التي للكاف، كقوله: ٣٢٦ - ...................... ... ومِن ذَمِّ الرِّجالِ بمُنْتَزَاحِ (٦)

стр. 1925

يريد: بمنتزح، ونظيره: ٣٢٧ - يَنْبَاعُ مِن ذِفْرَى ... ......................... (١) بمعنى ينبع. ونحو هذا أكثر ما يكون في النظم دون النثر. وقرئ أيضًا: (مُتَّكًا) بالتنوين من غير همز (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: مفتعل من توكأت، فأبدلت الهمزة ألفًا ثم حذفت لأجل التنوين، ونحو هذا الإبدال مسموع، ولا يكون في حال السعة والاختيار. والثاني: هو مفتعل من أوكيت السقاء، إذا شددته، فتكون الألف بدلًا من الياء كمُتَّقَى من وقيت. قال أبو الفتح: وهو راجع إلى معنى متكأ المهموز، وذلك أن الشيء إذا شُدّ اعتمد على ما شَدَّه، كما يعتمد المُتَّكِئُ على المُتَكَأِ عليه (٣). وقرئ أيضًا: (مُتْكًا) بضم الميم وإسكان التاء (٤)، قيل: وهو كل ما يقطع بالسكين كالأُتْرُنْج (٥) والموز والبطيخ، من مَتَكَ الشيءَ بمعنى بتكه، إذا قطعه.

стр. 1926

وعن الفراء أنه قال: حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أنه الزُّماوَرْدُ (١)، وهو الخبز الرقاق الملفوف فيه اللحم ويقطع بالسكين. وقرئ أيضًا: (مَتْكَأ) بفتح الميم وإسكان التاء والهمز (٢)، وهو مَفْعَل من تَكِيءَ يَتْكَأُ، إذا اتكأ. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما وهو الوجه وعليه الجل: أنه بمعنى أعظمنه وهِبْنَ ذلك الحُسْنَ الرائعَ، والجمالَ الفائقَ، والهاء ليوسف ﵇. والثاني: أنه بمعنى حِضْنَ، يقال: أكبرت المرأة، إذا حاضت، وأنشد: ٣٢٨ - نَأتِي النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلا ... نأْتِي النِّسَاءَ إِذَا أَكْبَرْنَ إِكبَارَا (٣) لأن المرأة إذا اشتدت غلمتها - وهي الشهوة - حاضت. وقيل: حقيقته دخلت في الكبر، لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر (٤)، والهاء على هذا إما للمصدر وهو الإكبار، والفعل يدل على مصدره، كأنه قيل: أكبرن إكبارًا، فأكد الفعل، والأصل أكبرن أكبرن ثم جعل المصدر عوضًا من الفعل الثاني، لأجل طول الكلام فاتصل بالفعل فأضمر، وإما ليوسف، أي: حضن لأجله، أي: لحسنه الرائع، ولجماله الفائق.

стр. 1927

وقال الزمخشري: الهاء للسكت (١)، وليس بشيء، لأن هاء السكت لا تكون متحركة موصولة، وإنما هي من صفات الضمائر في الأمر العام. وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي: جرحنها، كقولك: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها. قال أبو إسحاق: وهذا مستعمل في الكلام، يقول الرجل: قد قطعت يدي، وهو يريد الجُرْحَ والخَدْشَ (٢). وقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ حاشا: كلمة يستثنى بها وتفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، تقول: أساء القوم حاشا زيدٍ، قال: ٣٢٩ - حاشا أبي ثَوْبانَ إِنَّ به ... ضنًّا عَنِ المَلْحاةِ والشَّتْمِ (٣) وقد تكون حرفًا جارًا، وقد تكون فعلًا، فإن جعلتها فعلًا نصبت بها، وإن جعلتها حرفًا جررت بها نحو: ضربت القوم حاشا زيدًا، وضربتهم حاشا زيدٍ، وهي هنا فعل، إذ لو كانت حرفًا لما دخلت على الحرف، لأن حرف الجر لا يدخل على مثله، مأخوذ من الحشا وهو الناحية، يقال: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته، و: لا أدري أي الحشا أخذ، أي: أي الناحية أخذ؟ وإذا كان فعلًا من هذا فلا بد له من فاعل، وفاعله يوسف ﵇، أي: حاشا يوسف، أي: بَعُدَ عن هذا الذي رُمِيَ به لله، أي: لخوفه، فحذف المضاف، كأنه صار في ناحية مما رمي به. وقرئ: (حاشا) بألفين على الأصل (٤)، و (حاش) بحذف الألف الثانية

стр. 1928

تخفيفًا (١)، وهو كثير شائع في كلام القوم نحو: لم يك، ولا أدر، وشبه ذلك. وحكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد: قال سمعت أعرابيًّا يقول: اللهم اغفر لي ولمن سمعَ حاشا الشيطانَ وابنَ الإصبع. فنصب بحاشا كما ترى، فدل على أنها فعل (٢). فإن قلت: مذهب صاحب الكتاب ﵀ أن حاشا حرفٌ جارٌّ ليس إلّا، إذ لو كانت فعلًا لجاز أن تكون صلة ر (ما)، كما يجوز ذلك في (خلا)، فلما امتنع أن يقال: جاء القوم ما حاشا زيدًا، دلت على أنها ليست بفعل (٣). ٣٣٠ - إذا قالتْ حَذامِ فَصَدِّقُوها ... فإنَّ القولَ ما قالتْ حَذامِ (٤) فما تصنع بالآية على مذهبه؟ قلت: قيل: هي حرف من حروف الجر كما زعم، ولكنها وضعت موضع التنزيه والبراءة في باب الاستثناء، على معنى: براءةً لله وتنزيهًا له من هذا، وهو من التنحي، أي: قد نَحَّى الله يوسف ﵇ من هذا، وقيل: المعنى تنزيه الله من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خَلْقِ جميلٍ مثله، وأما قوله: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ (٥) فالتعجب من قدرته على خَلْقِ عَفيفٍ مثله، تعضده قراءة من قرأ: (حاشا اللهِ) بإضافة (حاشا) إلى الله إضافة البراءة، وهو ابن مسعود ﵁ (٦).

стр. 1929

وقراءة من قرأ: (حَاشًا لله) بالتنوين، وهو أبو السَّمَّال (١)، قيل: وإنما جاز فيه (حاشا لله) ألا ينون بعد إجرائه مجرى براءة الله مراعاة لأصله الذي هو الحرفية، ألا ترى إلى قولهم: (جلست مِن عن يمينه)، كيف تركوا (عن) غير معرب على أصله، و (على) في قوله: (عذت مِن عليه) منقلب الألف إلى الياء مع الضمير. وقرئ أيضًا: (حاشْ للهِ) بإسكان الشين (٢) على أن الفتحة أتبعت الألف في الإسقاط، وذلك أنه لما حذفت الألف تخفيفًا أتبعت حذف الفتحة إذ كان كالعوض اللاحق مع الألف، فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، وإذا حذفت الراء والشين ذهب معهما ما يصحبهما من التكرر والتفشي فاعرفه، فإنه من كلام أبي الفتح (٣). وقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ الجمهور على إعمال (ما) وهو لغة أهل الحجاز. وأما بنو تميم، فيقرؤون: (ما هذا بشرٌ) بالرفع إلا من عرف الرسم منهم، كذا ذكر عنهم صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى- (٤)، وبالرفع قرأ بعض القراء (٥)، وليس بالمتين لأجل مخالفة "الإمام" مصحف عثمان ﵁. وقرئ: (ما هذا بِشِرًى) بكسر الباء والشين (٦)، وهو مصدر قولك:

стр. 1930

شَرَيْتُ الشيءَ أَشْرِيه شِرًى، إذا بعته وإذا اشتريته أيضًا، وهو من الأضداد، وهذا فيه وجهان: أحدهما: المراد به المبيع، أي: ما هذا بِشِرًى، أي: ما هذا بمَشْرِيّ، أي: ما هو بعبد مملوك، تَسْميةً للمفعول بالمصدر. كخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائد، وهبة الواهب، ومنه قوله ﵇: "الراجع في هبته" (١)، أي: موهوبه، والباء زائدة لتوكيد النفي. والثاني: المراد به الثمن المُشْتَرَى به، أي: ما هذا بثمن، أي: مثله لا يُقَوَّمُ ولا يُثَمَّنُ، كقولك: ما هذا بألف، وهو نفي قولك: هذا بألف، فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، غير مزيدة، مثلها في قولك: البر بستين، فاعرفه فإنه موضع من كلام أبي الفتح (٢). والتقدير: ما هذا حاصلًا بثمن، يقال: هذا بِشِرًى. أي حاصل بِشِرًى. أي: بثَمَن. قال أبو إسحاق: وهذه القراءة ليست بشيء، لأن مثل (بِشِرًى) يكتب بالياء، وهو في المصحف بالألف، ولمطابقة (بَشَرٍ) و (مَلَكٍ) (٣). قلت: وقرئ: (مَلِك) بكسر اللام (٤)، على أنه مَلِكٌ من ملوك الدنيا، وهو مطابق في اللفظ والمعنى لِبِشرًى الذي معناه: ما هذا بِمَشْرِيٍّ، فاعرفه. ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾: قوله : ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (ذلكن) مبتدأ. والخبر ما
следующие страницы →