وعن الفراء أنه قال: حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أنه الزُّماوَرْدُ (١)، وهو الخبز الرقاق الملفوف فيه اللحم ويقطع بالسكين.
وقرئ أيضًا: (مَتْكَأ) بفتح الميم وإسكان التاء والهمز (٢)، وهو مَفْعَل من تَكِيءَ يَتْكَأُ، إذا اتكأ.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما وهو الوجه وعليه الجل: أنه بمعنى أعظمنه وهِبْنَ ذلك الحُسْنَ الرائعَ، والجمالَ الفائقَ، والهاء ليوسف ﵇.
والثاني: أنه بمعنى حِضْنَ، يقال: أكبرت المرأة، إذا حاضت، وأنشد:
٣٢٨ - نَأتِي النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلا ... نأْتِي النِّسَاءَ إِذَا أَكْبَرْنَ إِكبَارَا (٣)
لأن المرأة إذا اشتدت غلمتها - وهي الشهوة - حاضت.
وقيل: حقيقته دخلت في الكبر، لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر (٤)، والهاء على هذا إما للمصدر وهو الإكبار، والفعل يدل على مصدره، كأنه قيل: أكبرن إكبارًا، فأكد الفعل، والأصل أكبرن أكبرن ثم جعل المصدر عوضًا من الفعل الثاني، لأجل طول الكلام فاتصل بالفعل فأضمر، وإما ليوسف، أي: حضن لأجله، أي: لحسنه الرائع، ولجماله الفائق.
стр. 1927
وقال الزمخشري: الهاء للسكت (١)، وليس بشيء، لأن هاء السكت لا تكون متحركة موصولة، وإنما هي من صفات الضمائر في الأمر العام.
وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي: جرحنها، كقولك: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها.
قال أبو إسحاق: وهذا مستعمل في الكلام، يقول الرجل: قد قطعت يدي، وهو يريد الجُرْحَ والخَدْشَ (٢).
وقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ حاشا: كلمة يستثنى بها وتفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، تقول: أساء القوم حاشا زيدٍ، قال:
٣٢٩ - حاشا أبي ثَوْبانَ إِنَّ به ... ضنًّا عَنِ المَلْحاةِ والشَّتْمِ (٣)
وقد تكون حرفًا جارًا، وقد تكون فعلًا، فإن جعلتها فعلًا نصبت بها، وإن جعلتها حرفًا جررت بها نحو: ضربت القوم حاشا زيدًا، وضربتهم حاشا زيدٍ، وهي هنا فعل، إذ لو كانت حرفًا لما دخلت على الحرف، لأن حرف الجر لا يدخل على مثله، مأخوذ من الحشا وهو الناحية، يقال: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته، و: لا أدري أي الحشا أخذ، أي: أي الناحية أخذ؟ وإذا كان فعلًا من هذا فلا بد له من فاعل، وفاعله يوسف ﵇، أي: حاشا يوسف، أي: بَعُدَ عن هذا الذي رُمِيَ به لله، أي: لخوفه، فحذف المضاف، كأنه صار في ناحية مما رمي به.
وقرئ: (حاشا) بألفين على الأصل (٤)، و (حاش) بحذف الألف الثانية
стр. 1928
تخفيفًا (١)، وهو كثير شائع في كلام القوم نحو: لم يك، ولا أدر، وشبه ذلك.
وحكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد: قال سمعت أعرابيًّا يقول: اللهم اغفر لي ولمن سمعَ حاشا الشيطانَ وابنَ الإصبع. فنصب بحاشا كما ترى، فدل على أنها فعل (٢).
فإن قلت: مذهب صاحب الكتاب ﵀ أن حاشا حرفٌ جارٌّ ليس إلّا، إذ لو كانت فعلًا لجاز أن تكون صلة ر (ما)، كما يجوز ذلك في (خلا)، فلما امتنع أن يقال: جاء القوم ما حاشا زيدًا، دلت على أنها ليست بفعل (٣).
٣٣٠ - إذا قالتْ حَذامِ فَصَدِّقُوها ... فإنَّ القولَ ما قالتْ حَذامِ (٤)
فما تصنع بالآية على مذهبه؟ قلت: قيل: هي حرف من حروف الجر كما زعم، ولكنها وضعت موضع التنزيه والبراءة في باب الاستثناء، على معنى: براءةً لله وتنزيهًا له من هذا، وهو من التنحي، أي: قد نَحَّى الله يوسف ﵇ من هذا، وقيل: المعنى تنزيه الله من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خَلْقِ جميلٍ مثله، وأما قوله: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ (٥) فالتعجب من قدرته على خَلْقِ عَفيفٍ مثله، تعضده قراءة من قرأ: (حاشا اللهِ) بإضافة (حاشا) إلى الله إضافة البراءة، وهو ابن مسعود ﵁ (٦).
стр. 1929
وقراءة من قرأ: (حَاشًا لله) بالتنوين، وهو أبو السَّمَّال (١)، قيل: وإنما جاز فيه (حاشا لله) ألا ينون بعد إجرائه مجرى براءة الله مراعاة لأصله الذي هو الحرفية، ألا ترى إلى قولهم: (جلست مِن عن يمينه)، كيف تركوا (عن) غير معرب على أصله، و (على) في قوله: (عذت مِن عليه) منقلب الألف إلى الياء مع الضمير.
وقرئ أيضًا: (حاشْ للهِ) بإسكان الشين (٢) على أن الفتحة أتبعت الألف في الإسقاط، وذلك أنه لما حذفت الألف تخفيفًا أتبعت حذف الفتحة إذ كان كالعوض اللاحق مع الألف، فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، وإذا حذفت الراء والشين ذهب معهما ما يصحبهما من التكرر والتفشي فاعرفه، فإنه من كلام أبي الفتح (٣).
وقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ الجمهور على إعمال (ما) وهو لغة أهل الحجاز. وأما بنو تميم، فيقرؤون: (ما هذا بشرٌ) بالرفع إلا من عرف الرسم منهم، كذا ذكر عنهم صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى- (٤)، وبالرفع قرأ بعض القراء (٥)، وليس بالمتين لأجل مخالفة "الإمام" مصحف عثمان ﵁.
وقرئ: (ما هذا بِشِرًى) بكسر الباء والشين (٦)، وهو مصدر قولك:
стр. 1930
شَرَيْتُ الشيءَ أَشْرِيه شِرًى، إذا بعته وإذا اشتريته أيضًا، وهو من الأضداد، وهذا فيه وجهان:
أحدهما: المراد به المبيع، أي: ما هذا بِشِرًى، أي: ما هذا بمَشْرِيّ، أي: ما هو بعبد مملوك، تَسْميةً للمفعول بالمصدر. كخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائد، وهبة الواهب، ومنه قوله ﵇: "الراجع في هبته" (١)، أي: موهوبه، والباء زائدة لتوكيد النفي.
والثاني: المراد به الثمن المُشْتَرَى به، أي: ما هذا بثمن، أي: مثله لا يُقَوَّمُ ولا يُثَمَّنُ، كقولك: ما هذا بألف، وهو نفي قولك: هذا بألف، فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، غير مزيدة، مثلها في قولك: البر بستين، فاعرفه فإنه موضع من كلام أبي الفتح (٢). والتقدير: ما هذا حاصلًا بثمن، يقال: هذا بِشِرًى. أي حاصل بِشِرًى. أي: بثَمَن.
قال أبو إسحاق: وهذه القراءة ليست بشيء، لأن مثل (بِشِرًى) يكتب بالياء، وهو في المصحف بالألف، ولمطابقة (بَشَرٍ) و (مَلَكٍ) (٣).
قلت: وقرئ: (مَلِك) بكسر اللام (٤)، على أنه مَلِكٌ من ملوك الدنيا، وهو مطابق في اللفظ والمعنى لِبِشرًى الذي معناه: ما هذا بِمَشْرِيٍّ، فاعرفه.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (ذلكن) مبتدأ. والخبر ما
стр. 1931
بعده، وذلك إشارة إلى يوسف ﵇: قيل: وإنما قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ ولم تقل: فهذا، وهو حاضر، تعظيمًا له ورفعًا لمنزلته في الحسن، أو يكون إشارة إلى المَعْنِيِّ بقولهم: عَشِقَتْ عبدها الكنعاني، فقالت: هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني فيه، أي: في حبه والشغف به (١).
وقوله: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: فامتنع وطلب العصمة مما لا يليق بمثله، والاستعصام: طلب العصمة، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها على دأب مثله.
وقوله: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ في (ما) وجهان:
أحدهما: موصولة، وفي الكلام حذفان، حَذْفُ جارٍّ، وحَذْفُ ضميرٍ، أي: ما آمر به، والأصل: ما آمره به، فحذف الجار كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ (٢)، وقوله:
٣٣١ - أمَرْتُكَ الخَيْرَ ....... ... ....................... (٣)
فصار ما آمرهوه، فاجتمع الضميران متصلين، أعني أحدهما بالآخر، فاستثقل اجتماعهما، فحذف الأول من الصلة، كما حذف من قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٤).
والثاني: مصدرية. وهي في كلا التقديرين في موضع نصب بقوله: ﴿لَمْ يَفْعَلْ﴾ أي: ولئن لم يفعل أمري إياه، أي: موجب أمري ومقتضاه.
والضمير البارز في قوله: ﴿مَا آمُرُهُ﴾ راجع إلى (ما) على الوجه الأول، وإلى يوسف ﵇ على الثاني فاعرفه.
стр. 1932
واللام في (لئن) لام التوطئة للقسم، ولهذا أجيب بجواب القسم في قوله: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ أي: والله. ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ سادا مسد جواب الشرط.
والجمهور على تخفيف النون التي للتأكيد في قوله: (وليكونًا)، وقرئ أيضًا: بالتشديد (١)، والقراءة هي الأولى لموافقتها الإمام مصحف عثمان ﵁، لأن النون كتبت فيه ألفًا على حكم الوقف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.
والصاغر: الذليل، وذكر فعله ومصدره فيما سلف من الكتاب في غير موضع.
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي﴾ الجمهور على كسر السين من (السِّجن)، وهو اسم المكان، وقرئ: (السَّجْنُ) بفتحها (٢)، وهو مصدر. وهو على كلتا القراءتين مبتدأ والخبر ﴿أَحَبُّ﴾، غير أن في الكلام حذف مضاف على قراءة الجمهور، تقديره: نزول السجن أحب إليَّ من ركوب المعصية، فحذف المضاف، وإنما احتيج إلى هذا التقدير ليكون المخبر عنه هو الخبر، وذلك أن السجن اسم والخبر حدث، والاسم غير الحدث، فإذا قدرت حذف مضاف نحو: النزول واللبث وغيرهما مما هو حدث، كنت مخبرًا بالحدث عن الحدث، وأمّا من فتحها فلم يحتج إلى
стр. 1933
حذف مضاف، وتقديره: سجنهم إياي أحب إليّ من ركوب الفاحشة.
وقرئ أيضًا: (رَبُّ السِّجْنِ) بضم الباء وجر ما بعده على الإضافة (١)، أي: صاحب السجن أحب إليّ. أي: لقاؤه أو جزاؤه أو نحو ذلك، لا بد من هذا التقدير للعلة المذكورة آنفًا.
وقوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ﴾ (إن) شرطية، و (لا) نافية، و ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ جواب الشرط، أي أَمِل إليهن، يقال: صَبَا إلى اللهو يَصْبُو صَبْوَةً وصَبْوًا، إذا مال إليه. والصبوة: الميل إلى الهوى (٢)، ومنه الصَّبا، لأن النفوس تصبوا إليها لطيب نسيمها وروحها، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: أصْبُ إلى قولهن أو إلى رضاهن.
وقرئ: (أَصَبَّ إِليهنَّ) بفتح الباء مشددة (٣) من الصبابة، وهي رقة الشوق وحرارته، ورجل صَبٌّ أي: عاشق مشتاق، وقد صَبِبْتَ يا رجل تَصَبُّ بكسر العين في الماضي، وفتحها في الغابر صبَابَةً، وأنشد:
٣٣٢ - وَلَسْتَ تَصَبُّ إلى الظَّاعِنِينَ ... إذَا مَا صدِيقُكَ لَمْ يَصْبَبِ (٤)
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ اختلف في فاعل الفعل الذي هو ﴿بَدَا﴾ فقيل: محذوف و ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ قائم مقامه، أي: بدا لهم سجنه، فحذف وأقيم ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ مقامه، ولا يجوز أن يكون هو الفاعل، لأنه جملة، والجملة لا تكون فاعلًا. وقيل: مضمر فيه، وهو مصدر بدا، أي: بدا لهم
стр. 1934
بداء، أي: ظهر لهم رأي، ودل ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ على تفسير هذا البداء (١).
والضمير في ﴿لَهُمْ﴾ للعزيز وقومه، وقيل: للعزيز والنسوة، وإنما قال ﴿لَهُمْ﴾ بلفظ التذكير تغليبًا للذكور على الإناث (٢).
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ (ما) مصدرية، أي: من بعد رؤيتها.
وقرئ: (لَتَسْجُنُنَّهُ) بالتاء النقط من فوقه (٣) على الخطاب للعزبز وأتباعه، أو للعزيز وحده على وجه التفخيم والتعظيم، كقوله: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ (٤) على قول من جعل الضمير لفرعون.
وقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ (حتى) غاية، وهي من صلة قوله؛ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ أي: إلى زمان، والحين يقع على زمان غير محدود، كأنها اقترحت أن يسجنه زمانًا حتى تبصر ما يكون منه.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾:
стр. 1935
قوله : ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: فأُدخل السجنَ ودخل معه فتيان، قيل: (مع) يدل على معنى الصحبة واستحداثها، تقول: خرجت مع الأمير. تريد مصاحبًا له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له (١).
وقوله: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ مستأنف، لأنه لم يقل ذلك المنام حال دخوله، ولا هو حال مقدرة، لأن الدخول لا يؤدي إلى المنام. ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ يعني: في المنام، وهي حكاية حال ماضية، أي: أرى نفسي.
وقوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ اختلف فيه، فقيل: تقديره: أعصر عنب خمر، أي: أعصر العنب الذي يكون عصيره خمرًا، فحذف المضاف. وقيل: يعني عنبًا، تسمية للشيء بما يؤول إليه، وذلك أن المعصور ذلك الوقت إنما هو العنب، فسماه خمرًا لما يصير إليه من بعد حكاية لحاله (٢) المستأنفة. وقيل: الخمر بلغة عُمَان اسم للعنب (٣). وحكى الأصمعي عن المعتمر بن سليمان قال: لقيت أعرابيًّا ومعه عنب فقلت له: ما معك؟ فقال: خمر (٤). تعضده قراءة من قرأ: (إني أَرَانِي أعصرُ عنبًا) وهو ابن مسعود ﵁ (٥).
وقوله: ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ (فوق) يحتمل أن يكون ظرفًا لأحمل، وأن يكون حالًا من الخبز لتقدمه عليه، كقوله:
стр. 1936
٣٣٣ - لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ ... ......................... (١)
وقوله: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ في موضع نصب على النعت لخبز.
وقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتأويل ما قصصناه عليك، أي: بتأويل ذلك، والضمير يجري مجرى اسم الإشارة.
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ صفة للطعام.
وقوله: ﴿ذَلِكُمَا﴾ إشارة لهما إلى التأويل، وهو مبتدأ وخبره ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات مما علمني ربي بالوحي، ولم أقله عن تكهن وتنجم.
وقوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ﴾ فيه وجهان، أحدهما: مستأنف، والثاني: تعليل لما قبله، أي: علمني ذلك لأني رفضت ملة أولئك، والترك على ضربين، أحدهما: مفارقة ما يكون الإنسان فيه، والآخر: ترك الشيء رغبة عنه من غير دخولٍ كان فيه.
وقوله : ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (لنا) خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿أَنْ نُشْرِكَ﴾ اسمها، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مفعول ﴿أَنْ نُشْرِكَ﴾ أي: شيئًا من الأشياء مما ذكر وله قدر وقيمة، فضلًا أن نشرك به صنمًا أو وثنًا لا يسمع ولا يبصر.
стр. 1937
وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ابتداء وخبر، والإشارة إلى ترك الشرك، أي: ذلك التوحيد من فضل الله على الرسل وعلى المرسل إليهم، لأنهم نبهوهم عليه وأرشدوهم إليه، وهذا عام والمراد به الخاص، وهم الذين اتبعوهم وأخذوا بدينهم.
قوله : ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ قيل: فيه وجهان.
أحدهما: يريد يا صاحبيَّ في السجن، فأضافهما إلى السجن، كقولهم:
٣٣٤ - * يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ ... ...................... (١) *
فكما أن الليلة مسروقٌ فيها غير مسروقةٍ، فكذلك السجن مصحوبٌ فيه غير مصحوبٍ، وإنما المصحوب غيره، وهو يوسف ﵇.
والثاني: يريد يا ساكني السجن، كقوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٢).
وقوله: ﴿أَمِ اللَّهُ﴾ (أم) هاهنا متصلة.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ خطاب لهما، ولمن على دينهما من أهل مصر. ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: سميتم بها، يقال: سميت فلانًا بزيدٍ، وسميته زيدًا. والمفعول الثاني هنا محذوف، أي: سميتموها آلهة، و ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيد للتاء والميم في ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾، وإنما أكد ليحسن العطف على
стр. 1938
الضمير المرفوع المتصل. و ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ في موضع النصب على النعت لأسماء.
واختلف في ﴿أَسْمَاءً﴾ هنا:
فقيل: المراد به المسميات، لأنهم عبدوا الأشخاص دون الأسماء، على معنى: أنكم سميتموها آلهة، فتعبدون هذه الأجساد لهذه الأسماء التي سميتموها بها من غير حجة.
وقيل: المراد به الأسماء دون المسميات، على معنى: أنكم لا تعبدون هذه الأصنام لكونها حجارة أو خشبًا أو ذهبًا، وإنما تعبدونها لكونها آلهة، وأنتم سميتموهِا آلهةً، فأنتم إذًا تعبدون الأسماء دون المسميات، وهذا الوجه هو اختيار أبي إسحاق وبه صَرّح، قال: أنتم جعلتم هذه الأصنام آلهة (١). والألوهية لا تصح للأصنام، فأسماؤها إذًا فارغة من المسميات، فأنتم إذًا تعبدون الأسماء (٢).
وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾ أي: بعبادتها أو بتسميتها. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ من حجة. ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ في أمر العبادة والدين ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ ثم بين ما حكم به فقال: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾:
قوله : ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ الجمهور على فتح الياء وكسر القاف على البناء للفاعل، يقال: سقيت فلانًا الماء، إذا ناولته فشرب، أو كان من يدك إلى فيه، وأسقيته، إذا جعلت له شِرْبًا. وقيل: هما لغتان بمعنى (٣)، وقد جمعهما لبيد في قوله:
стр. 1939
٣٣٥ - سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى ... نمَيْرًا والقَبَائِلَ مَنْ هِلالِ (١)
وقرئ: (فَيُسْقَى رَبُّهُ) بضم الياء وفتح القاف على البناء للمفعول (٢) أي: يُسقى ما يُرْوَى به.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ﴾، القائل هو يوسف ﵇، وكذلك الظان إن كان تأويله بطريقة الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الساقي، أو يكون الظن بمعنى العلم واليقين، أي: علم وأيقن أن الساقي ناجٍ، أي: متخلص من الهلاك.
وقوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ في موضع رفع على النعت لـ ﴿نَاجٍ﴾ أو نصب على الحال من المنوي فيه، وهو في كلا التقديرين متعلق بمحذوف، أي: كائن أو كائنًا منهما، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بناج كما زعم بعضهم، لفساد المعنى، لأنه يقتضي أن يكون ليس منهما، كقوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيّ: صفني عند سيدك - يعني الملك الأكبر - بصفتي، وقُصَّ عليه قصتي.
وقوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ فيه وجهان:
стр. 1940
أحدهما: فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره وهو الساقي، يعضده قوله ﷺ : "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعًا بعد الخمس" (١).
والثاني: فأنسى الساقي ذكر ربه، أي أن يذكره لربه (٢).
وقوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال الأصمعي: البضع: ما بين الثلاث إلى التسع. وقيل: مابين الثلاث إلى السبع. وقيل: إلى الخمس، والوجه هو الأول عند أهل اللغة، وهو اختيار أبي إسحاق (٣).
والبِضع والبَضْعة، القطعة من الشيء، ومنه بَضَعْتُ اللحمَ بَضْعًا، أي: قطعته.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾:
قوله : ﴿أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ (سمان) نعت لـ ﴿بَقَرَاتٍ﴾، وهو جمع سمين وسمينة، والسمين خلاف المهزول، ويجوز في الكلام نصب ﴿سِمَانٍ﴾: على النعت لـ ﴿سَبْعَ﴾.
قال الزمخشري: فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع ﴿سِمَانٍ﴾ صفة للمُمَيِّز وهو ﴿بَقَرَاتٍ﴾ دون المُمَيَّز وهو ﴿سَبْعَ﴾ وأن يقال: سبع بقراتٍ
стр. 1941
سمانًا؟ قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات فقد قصدت إلى أن تُمَيِّزَ السبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن لا بجنسهن، ولو وصفت بها السبع لقصدت إلى تمييز السبع بجنس البقرات لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المميَّزَ بالجنس بالسِّمَن، انتهى كلامه (١).
وقوله: ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ (يأكلهن) في موضع جر إن جعلته نعتًا للمميِّز، أو نصب إن جعلته صفة للمميَّز.
والعجاف: التي قد بلغت في الهزال الغاية والنهاية، واحدها عَجْفاء، والذَّكَر أعجف، والجمع فيهما: عجاف على غير قياس، لأن أَفْعَل أو فَعْلاء لا يجمع على فِعَالٍ، ولكنهم بنوه على سمان، والعرب قد تبني الشيء على ضده، كما قالوا: عَدُوَّةٌ بناء على صديقةٍ، والعَجَفُ: أشد الهُزَال، وفعله: عَجِفَ يَعْجَفُ، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر عَجَفًا فهو أعجف، وأعجفه غيرُه، أي: هَزَله.
وقوله: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ عطف على ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾. والكلام في جر ﴿خُضْرٍ﴾ وجواز نصبه كالكلام في ﴿سِمَانٍ﴾.
وقوله: ﴿وَأُخَرَ﴾ في موضع جر أو نصب على ما ذكر آنفًا في ﴿سِمَانٍ﴾، والتقدير: ورأيت سبع سنبلات خضر، وسبع سنبلات أخر يابسات. ولا يجوز أن تكون في موضع جر عطفًا على ﴿سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ كما زعم بعضهم، لما فيه من التناقض والتدافع، وذلك أن عطفها على ﴿سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ يقتضي أن تدخل في حكمها مميِّزًا للسبع كالسنبلات، ولفظ الأخر، يقتضي أن يكون غير السبع، فاعرفه فإنه موضع (٢). ﴿يَابِسَاتٍ﴾ صفة و (أُخر).
стр. 1942
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ اللام في قوله: ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ مؤكدة لعمل الفعل ناصرة له على العمل (١)، لأن العامل إذا تقدم عليه معموله لم يكن في قوته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه، ألا ترى أنهم قد يبطلون عمله فيقولون: زيد ضربت، على تقدير: ضربته، وكفاك في ليلًا قراءة ابن عامر: (وكُلٌّ وعد اللهُ الحسنى) (٢) فإذا دخلت اللام، فقالوا: لزيد ضربت، صَرَفَتِ الابتداءَ عن الإسم، وخَصَّتْهُ بالفعل الذي يعمل فيه النصب في حال التأخير البتة، نحو: ضربت زيدًا، فاعرفه، فإنه من كلام المحققين من أصحابنا، وقد حكى أبو الحسن عنهم: لزيد ضربت. وكفاك دليلًا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
وقد جَوّز أن يكون ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ خبر (كان) كقولك: كان فلان لهذا الأمر، إذا كان مستقلًا به متمكنًا منه (٣)، و ﴿تَعْبُرُونَ﴾ إما خبر آخر، أو حال، وقد تكون الفائدة منوطة بالحال كما تكون منوطة بالصفة، وأن يُضمَّنَ (تعبرون) معنى فعل يتعدى باللام، كأنه قيل: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا، يقال: ندبه لأمرٍ فانتدب له، أي: دعاه له فأجاب، والوجه هو الأول وعليه أعتمدُ، وهو أن تكون عاضدة للفعل لكونه ضعف قليلًا، لأجل تقدم معموله عليه، كما تعضد اسم الفاعل إذا قلت: هو عابر للرؤيا، لانحطاطه عن الفعل في القوة، فاعرفه فإنه أصل يعتمد عليه.
وعَبَرْتُ الرؤيا أَعْبُرُها عبارة، إذا فَسَّرْتَهَا، وعَبَّرْتُهَا أيضًا مثله، تعبيرًا، والشائع هو الأول، أعني التخفيف.
стр. 1943
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: تخاليط أحلام وأباطيلهما، وما يكون منها من حديث نفس، أو وسوسة شيطان، ونحوهما مما لا تأويل لها، شبهت بأضغاث الحشيش، وهو ما جمع من أخلاط النبات وحُزِمَ، الواحد: ضِغْثٌ، وهو ملء الكف منه، وضَغَثَ الحديثَ: خلطه. والإضافة بمعنى (مِن)، أي: أضغاث من أحلام، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أضغاث أحلام.
وواحد الأحلام: حُلْمٌ، وهو ما يراه النائم، تقول منه: حَلَمَ يَحْلُمُ، بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر حُلْمًا وَحُلُمًا.
وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ (بعالمين) خبر (ما) و ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ من صلته، وفي الكلام حذف مضاف، أي: بتأويل أضغاث الأحلام، لأنهم لم يَدّعوا الجهل بعبارة الرؤيا، أي: وما نحن بتأويل مثل هذه بعالِمين.
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ (منهما) في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿نَجَا﴾ وليس متعلقًا به كما زعم بعضهم، للعلة المذكورة عند قوله: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ (١).
وقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ الجمهور على الدال في قوله: ﴿وَادَّكَرَ﴾، وهو الكثير الشائع، وأصله: اذْتَكَرَ، فأبدلت التاء دالًا، لا للإدغام بل
стр. 1944
ليتقارب الحرفان، فبقي إذدكر، ثم قلبت الذال دالًا لأجل الإدغام، لاجتماع المتقاربين، وأدغمت الأولى في الثانية، فصار (ادَّكر) كما ترى.
وقرئ: (واذّكر) بالذال معجمة (١)، على قلب الدال ذالًا، وهو مذهب لبعض العرب يقلبون الحرف الثاني إلى الأول، وينشد هذا البيت:
٣٣٦ - هُوَ الجَوَادُ الَّذِي يُعْطِيك نَائِلَهُ ... عَفْوًا ويُظْلَمُ أَحْيَانًا فَيَظَّلِمُ (٢)
على ثلاثة أوجه: يَظْطَلِمُ بالإظهار، ويطّلم بالإدغام وقلب الأول إلى الثاني، وَيَظَّلِمُ بقلب الثاني إلى الأول، فاعرفه.
وقوله: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ الجمهور على ضم الهمزة وفتح الميم مشددة وتاء منونة وهي الحِين، أي: وادكر الناجي من القتل شأنَ يوسف وما شاهد منه بعد مدة طويلة.
وقرئ: (بعد إِمَّةٍ) بكسر الهمزة (٣)، والإمة بالكسر: النعمة، وهي خَلاصُهُ من السجن، أي: بعدما أُنعم عليه بالنجاة.
وقرئ: (بعد أَمَهٍ) بفتح الهمزة والميم مخففة وهاء منونة (٤)، وهو النسيان، يقال: أَمِهَ الرجل يَأمَهُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر أَمَهًا، إذا نسي، قال الشاعر:
стр. 1945
٣٣٧ - أَمِهْتُ وَكُنْتُ لا أَنْسَى حَدِيثًا ... كَذَاكَ الدَّهْرُ يُودِي بِالعُقُولِ (١)
قال أبو إسحاق: ورَوى بعضهم عن أبي عبيدة: (بَعْدَ أَمْهٍ) بسكون الميم، وليس ذلك بصحيح عنه (٢)، لأن مصدر أَمِهَ يَأْمَهُ فهو أَمِهٌ لا غير. انتهى كلامه (٣). قلت: قد ذَكَر السكونَ فيه غيرُ واحد (٤).
وقوله: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتأويل الحلم، فَذُكِّر الضمير لذلك، والمعنى: أخبركم به، عمن عنده علمه.
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿تَزْرَعُونَ﴾ لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، أي: ازرعوا، بشهادة قوله: ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾: قيل: وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاد المأمور به، فيجعل كأنه يوجد فهو يخبر عنه، وله نظائر في التنزيل (٥)، وقيل: هو على بابه (٦).
وقوله: (دأْبًا) قرئ بإسكان الهمزة وتحريكها (٧)، وكلاهما مصدر
стр. 1946
قولك: دأَب فلان في عمله يدأَب بالفتح فيهما إذا جد وتعب دَأْبًا ودَأَبًا وَدُؤُوبًا أيضًا فهو دَئِبٌ. قال الراجز:
٣٣٨ - رَاحَتْ كمَا رَاحَ أَبُو رِئَالِ ... قَاهِي الفُؤَادِ دَئِبُ الإِجْفَالِ (١)
القاهي: الحديد الفؤاد المستطار، والإجقال: الإسراع.
وهو (٢) في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَزْرَعُونَ﴾، أي: ازرعوا دئبين. أي: ملازمين، أو: ذوي دأب (٣). ولك أن تجعله مصدرًا مؤكدًا لفعله منصوبًا على بابه، أي: تدأبون دأبًا، على معنى: ادأبوا دأبًا، ودل على تدأبون ﴿تَزْرَعُونَ﴾ على كلا التقديرين، فاعرفه [فإنه موضع لطيف وبيان متين] (٤).
وعن أبي حاتم: من أسكن الهمزة منه ففعله دَأَبَ، ومن حركها ففعله دَئِب (٥).
والوجه ما ذكرت وعليه أهل اللغة وغيرهم من أرباب هذه الصناعة. قال أبو جعفر: ولا يعرف أهل اللغة إلا (دَأَبَ) (٦).
وقوله: ﴿يَأْكُلْنَ﴾ في موضع رفع على النعت لـ ﴿سَبْعٌ﴾ وجعل أَكْلَ أهلهن مسندًا إليهن لوقوع الأكل فيهن، كقولهم: نهارك صائم، وليلك قائم.
وقوله: ﴿تُحْصِنُونَ﴾ أي: تحرزون وتخبئون، والإحصان: الإحراز والخبء.
стр. 1947
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾:
قوله : ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿عَامٌ﴾ وهو إما من الغيث، أي: يمطرون، يقال: غاث الله البلاد يَغِيثها غَيْثًا. وغِيْثَتِ الأرضُ تُغاثُ غَيْثًا، إذا أُمْطِرتْ، فهي مَغِيثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ أيضًا، وعن ذي الرمة: قاتَلَ الله أَمَةَ بني فلان ما أفصحها، قلت لها: كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غِثْنا ما شِئْنا (١).
أو من الغوث، بمعنى: يُخلَّصُون ويُنْقَذُون من الشدة.
وقوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته حملًا على لفظ الناس لقربه منهم، وبالتاء النقط من فوقه (٢) حملًا على الخطاب المتقدم في قوله: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ و ﴿تُحْصِنُونَ﴾ و ﴿تَأْكُلُونَ﴾، وفيه وجهان:
أحدهما: من العصر الذي يراد به الضغط الذي يلحق ما فيه دهن أو ماء، كالزيتون والسمسم والعنب ليخرج ذلك منه. أي: يعصرون الأدهان والكرم (٣). وقيل: يحلبون الضبروع (٤).
والثاني: من العَصَر الذي هو الملجأ والمنجاة، أي: ينجون (٥).
стр. 1948
وقرئ: (يُعْصَرُون) بضم الياء وفتح الصاد على البناء للمفعول (١)، أي: يمطرون، من عَصَرتِ السحابةُ ماءَها، إذا مطرت، يقال: عُصِرَ القوم، إذا مُطِروا. وقيل: من عصره، إذا أنجاه، وهو مطابق للإغاثة (٢).
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾:
قوله : ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ﴾ (إذ) ظرف للخطب، وهو الأمر الذي يعظم شأنه، أي: ما شأنكن إذ راودتن يوسف؟ هل وجدتن منه مَيلًا إليكن؟
وقوله: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ الآن ظرف لقوله: ﴿حَصْحَصَ﴾ أي: بان وظهر. قال أبو إسحاق: واشتقاقه في اللغة من الحِصّة أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل (٣). وأصله من حص شعره، إذا استأصل جَزه حتى يظهر جلد الرأس، على معنى: انقطع عن الباطل بظهوره.
قيل: وقرئ: (حُصْحِصَ) بضم الحاء الأول وكسر الثاني على البناء للمفعول (٤) من حَصحص البعير، إذا أثبت ركبتيه للنهوض بالثِقْل، قال حميد: (٥)
٣٣٩ - فَحَصحَصَ فِي صُمِّ الصَّفَا ثَفِنَاتِهِ ... وَنَاءَ بِسَلْمَى نَؤءَةً ثُمَّ صَمَّمَا (٦)
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾:
стр. 1949
قوله : ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ (ذلك) في موضع نصب بفعل مضمر (١)، أي: فعل الله ذلك، والإشارة إلى تثبيته، وهو رَدُّهُ الرسولَ وامتناعه من الخروج معه أول مرة، أي: فعل الله ذلك التثبت، أو فعلتُه ليعلم العزيز أني لم أخنه في حليلته وهو غائب، أو ليعلم الملك الأكبر أني لم أخن العزيز في حال غيبته، وهو من كلام يوسف ﵇. وقيل: هو من تمام قول امرأة العزيز عطفًا على قولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وأنه صادق في دعواه، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه (٢).
وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿لَمْ أَخُنْهُ﴾، وأن يكون حالًا من الفاعل والمفعول جميعًا، على معنى: وكلانا غائب عن عين صاحبه، كقولك: ضربت زيدًا في الدار، فقولك: في الدار يحتمل أن يكون من صلة ضربت، وأن يكون حالًا من الفاعل والمفعول.
قال أبو إسحاق: ﴿ذَلِكَ﴾ مرفوع بالابتداء، وإن شئت على خبر الابتداء، كأنه قال: أمري ذلك، انتهى كلامه (٣). والوجه ما ذكرت، لأنه لا بد له من مقدر يقدره لأجل اللام في ﴿لِيَعْلَمَ﴾ وفي ذلك تعسف.
وقيل: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَم﴾ بقوله: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ على التقديم والتأخير (٤).
стр. 1950
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ عطف على أنَّ الأولى، أي: وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين: لا ينفذه ولا يسدده.
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ في ﴿مَا﴾ وجهان، أحدهما: موصولة بمعنى (مَنْ). والثاني: مصدرية. وفي الكلام حذف مضاف على كلا الوجهين، أما على الوجه الأول فتقديره: إلا نفس من رحم ربي، فحذف المضاف. وأما على الثاني فتقديره: إلا وقت رحمة ربي، والمعنى: أن النفس أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت العصمة.
فـ (ما) على هذين الوجهين في موضع نصب على الاستثناء، والاستثناء متصل، وقد جوز أن يكون منقطعًا (١) على معنى: ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، كقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً ..... ﴾ (٢)، وقوله: ﴿لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً﴾ (٣).
وقيل: إن قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآية، من كلام امرأة العزيز، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه، ولم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة حين قرفته (٤) وقلت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن، وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها. إن كل نفس لأمارة
стр. 1951
بالسوء ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف ﵇، وقد ذكر البعض قبيل.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾:
قوله : ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ محل الكاف الرفع على الابتداء، والخبر ﴿مَكَّنَّا﴾، أي: ومثل ذلك التمكين الظاهر مكنا ليوسف في أرض مصر. أي: كما أنعمنا على يوسف بإنجائنا إياه من السجن، وتقريبنا منزلته من الملك مكنا له في أرض مصر، أو النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: تمكينًا مثل ذلك التمكين (١).
وقوله: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ محل (يتبوأ). النصب على الحال من يوسف، أي: مكناه متبوئًا، و ﴿مِنْهَا﴾ متعلق به، و ﴿حَيْثُ﴾ ظرف له أيضًا، ويجوز أن يكون مفعولًا به على معنى: يتبوأ منها أيَّ مكان يشاء.
وقرئ: (يَشَاءُ) بالياء (٢)، على إسناد الفعل إلى يوسف ﵇ كما أنّ ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ كذلك لم يختلفوا فيه. وبالنون (٣)، على إخبار الله عن نفسه، ويعضده ﴿مَكَّنَّا﴾ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾.
واللام في قوله: ﴿لِيُوسُفَ﴾ كالتي في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٤) بشهادة
стр. 1952
قوله جل ثناؤه: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (٢). وقد جوز أن تكون ناصرة للفعل على معنى: مكنا له الأمور.
فإن قلتَ: قد ذكرتَ آنفًا أن قوله: ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بقوله: ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ وهو حسن ظاهر لا يخفى على ذي لب وفهم، فهل يجوز أن يكون حالًا من ﴿حَيْثُ﴾؟ قلتُ: لا، لأن (حيث) لا يستعمل إلا مضافًا إلى جملة في الأمر العام وبها يتم، وتقديم الحال على المضاف إليه لا يجوز.
فإن قلت: نحن سألناك عن (حيث) وهو مضاف، لا عن المضاف إليه، وحال المضاف تتقدم بلا خلاف، نحو: ضربت قائمًا غلامَ زيدٍ [والحال من غلام لا من زيد. قلت: أجل، الأمر كما زعمت، إلا أن بينهما فُريقًا، وذلك أن (حيث)] (٣) لم يستعمل إلا مضافًا، صار حكم المضاف والمضاف إليه حكمًا واحدًا، فاعرفه.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾:
قوله : ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: هيأ لهم جهازهم، وهو ما يحتاج إليه المسافر من الزاد وغيره، يقال: جهزت فلانًا، إذا هيأت له جهاز سفره.
والجمهور على فتح جيم (جَهازهم) ويجوز كسره وبه قرأ بعض القراء (٤)، وهما لغتان، وكذلك جهاز العروس يفتح ويكسر.
стр. 1953
وقوله: ﴿بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ كلاهما في موضع النعت لأخ. ولك أن تجعل ﴿مِنْ أَبِيكُمْ﴾ حالًا من المنوي في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ يحتمل أن يكون داخلًا تحت حكم الجزاء مجزومًا عطفًا على محل قوله: ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ﴾ كأنه قيل: فإن لم تأتوني به، تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا، وأن يكون نهيًا عن المجيء، أي: ولا تَقْرَبُوا بلادي.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾:
قوله : (لفتيته) أي: لغلمانه الذين يكيلون الطعام، وقرئ: (لفتيانه) (١)، وهما جمع فتى، كإخوة وإخوان في (أخ)، غير أن (فِعْلَة) للقلة (وفِعْلانًا) للكثرة وقد جرت العادة للملوك أن يأمروا غلمانهم وعبيدهم بالأمر وإن لم يتول ذلك جميعُهم، فاعرفه (٢).
قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: يعرفون حق ردها إذا انقلبوا، والعامل في ﴿إِذَا﴾ ﴿يَعْرِفُونَهَا﴾.
وقوله: ﴿نَكْتَلْ﴾ قرئ: بالنون (٣) على الإخبار عنهم كلهم بالاكتيال، لأن إرساله سبب في الاكتيال لهم.
وقرئ: (يكتل) بالياء النقط من تحته (٤) على الإخبار عن الأخ، أي:
стр. 1954
يكتل أخونا، فينضم أيضًا اكتياله إلى اكتيالنا، أو يكن سببًا للاكتيال، فإن امتناعه بسببه، فكأنه هو الذي يكيل لهم.
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾:
قوله : ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية، أي: هل آمنكم عليه أمنًا مثل أمني إياكم على أخيه؟ . والاستفهام هنا بمعنى النفي، أي: لا آمنكم عليه فإنه لا ينفعني الأمن مع اختياري خيانتكم.
وقوله: (فاللهُ خيرٌ حِفْظًا) قرئ بكسر الحاء وإسكان الفاء من غير ألف (١)، وهو مصدر قولك: حَفِظَ يَحْفَظُ حِفْظًا، ونصبه على التمييز، أي: فالله خير منكم حِفْظًا، أي: حِفْظُ الله خيرٌ من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم بقولكم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢).
وقرئ: (حافظًا) بفتح الحاء وكسر الفاء مع ألف بينهما (٣)، وهو اسم الفاعل، وفي نصبه وجهان:
أحدهما: تمييز، كقولك: هو خيرهم رجلًا، ولله درُّه فارسًا، وهو الوجه لأن (خيرًا) هنا بمعنى: أخير، وإذا كان كذلك فلا بد له من مميز.
والثاني: حال، أي: فالله خير في حال حفظه ولم يزل، سبحانه ما أعظم شأنه.
стр. 1955
وقرئ: (فالله خيرُ حافظٍ) على الإضافة (١)، يقال: هو أحفظ حافظ، كما يقال: هو أرحم راحم، وكفاك دليلًا: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾:
قوله : ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ محل ﴿رُدَّتْ﴾ النصب على الحال من البضاعة، لأن الإضافة حقيقية، أي: مردودة، (وقد) معه مرادة.
والجمهور على ضم الراء وهو الأصل، إذ أصله: رُدِدَتْ، فأزيلت الكسرة عن الدال الأولى لأجل الإدغام، وبقيت الراء مضمومة بعد الإدغام كما كانت قبله. وقرئ: (رِدَّتْ) بكسرها (٢) على أن كسرة الدال المدغمة إلى الراء كما قيل: قِيل، وبِيع، لأن المضاعف يشبه المعتل، قال ذو الرمَّة:
٣٤٠ - دنا البَيْنُ مِنْ مَيٍّ فَرِدَّتْ جِمَالُها ... ........................ (٣)
كذا روي بكسر الراء، قال أبو الفتح: وهذه لغة لبني ضبّة، ثم قال: وبعضهم يقول في الصحيح بكسر أَوَّلِهِ قد ضِرْبَ زيدٌ، وقِتْلَ عَمْروٌ، وينقل كسرة العين على الفاء (٤). قلت: وإذا كان هذا جائز في الصحيح منقولًا عن القوم ففي المضاعف أولى وأجدر.
стр. 1956
وقوله: ﴿مَا نَبْغِي﴾ في (ما) وجهان:
أحدهما: استفهام في موضع نصب بـ ﴿نَبْغِي﴾، بمعنى: أي شيء نطلب بعد هذا؟
والثاني: نفي.
وفي (نبغي) وجهان:
أحدهما: بمعنى نطلب، فيكون المفعول محذوفًا، وفيه وجهان، أحدهما: تقديره ما نطلب منك ما نرجع به، فهذه بضاعتنا ردت إلينا فننصرف بها إلى مصر. والثاني: ما نبغي شيئًا وراء ما فعل بنا من الإحسان.
والثاني: بمعنى التعدي والتزيد، فيكون لازمًا، أي: ما نبغي في القول وما نتزيد في وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه. قيل: وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أَنْزَلنا وأَكْرَمَنا كرامةً لو كان رجلًا من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته (١).
وعن ابن مسعود ﵁: (ما تبغي) بالتاء النقط من فوقه (٢) على مخاطبة يعقوب ﵇، على معنى: أي: شيء تطلب وراء هذا من الإحسان، أو من الشاهد على صدقنا (٣)؟
وقوله: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: ونجلب إليهم الميرة، وهي الطعام يمتاره الإنسان، وقد مار أهلَه يميرُهم مَيْرًا، إذا أتاهم بالطعام من بلد آخر. ومنه
стр. 1957
قولهم: "ما عنده خَيْرٌ ولا مَيْرٌ" أي: ولا نفع (١).
وقوله: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لأنه كان يكيل لكل رجل وِقْرَ بعير. والوِقْر: بالكسر: الحِمل، وكانوا يسمون الوقر كيلًا، لأنه يكون بالكيل.
وقوله: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: من كلام أولاد يعقوب ﵇، وفي ﴿ذَلِكَ﴾ وجهان، أحدهما: إشارة إلى ما أتوا به، أي: ذلك الذي جئناك به مكيل قليل لا يكفينا، فلا بد من طلب الزيادة. والثاني: إشارة إلى كيل بعير، أي: ذلك الوقر الموعود به لأخينا شيء يسير على هذا الملك الذي نأتيه لجوده وسخائه، أي: سهلٌ عليه متيسر لا يتعاظمه.
والثاني: من كلام يعقوب ﵇ والإشارة إلى الوقر الموعود به ليس إلّا، أي: ذلك الوقر شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾:
قوله : ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ (موثقًا) مفعول ثان لتؤتوني، والموثق: العهد المؤكد بالقسم، أي: حتى تعطوني عهدًا مُوَثَّقًا به من عند الله، كأنه قال: حتى تحلفوا بالله. قيل: وإنما جعل الحلف بالله موثقًا منه، لأنّ الحلف به مما تُؤَكّد به العهود وتشدد (٢).
وقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جواب القسم، لأنَّ المعنى: حتى تقسموا بالله لتأتنَّني به
стр. 1958
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (أن) في موضع نصب على الاستثناء، وهو من غير الجنس، لأن الإحاطة من غير لفظ الإتيان، وفيه وجهان:
أحدهما: إلا أن تُغْلَبُوا فلم تَطِيقُوا الإتيان به، قاله قتادة (١).
والثاني: إلا أن تهلكوا جميعًا (٢)، والعرب تقول: أحيط بفلان، إذا هلك (٣).
وقيل: ﴿يُحَاطَ بِكُمْ﴾ مفعول له، وقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ في تأويل النفي، معناه: لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم، أي: لا تمتنعون منه لعلة من العلل إلا لعلة واحدة، وهو أن يحاط بكم، كما تقول: ما تأتيني إلا أن تأخذ الدراهم، أي: إلّا لأخذ الدراهم. فهو استثناء من أعم العام في المفعول له، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي وحده، فلا بد من تأويله بالنفي، ونظيره من الإثبات المتأول بمعنى النفي قولهم: أقسمت بالله لَمَّا فعلتَ، وإلّا فعلتَ، تريد: ما أطلب منك إلا الفعل. قاله الزمخشري (٤).
وقوله: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ اسْمُ الله مبتدأ، والخبر ﴿وَكِيلٌ﴾، أي: رقيب مطلع، و ﴿عَلَى﴾ من صلة الخبر، و ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾:
قوله : ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي: متفرقين،
стр. 1959
وجواب (لما) محذوف تقديره: أفلحوا حيث امتثلوا أمره، وقضوا حاجته، وقيل: جوابه ما دل عليه معنى: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾. وقيل: جوابه ﴿آوَى﴾ (١) وهو جواب كليهما، كما تقول: لما أتيتك ولما شافهتك أحسنت إليَّ. والذي سوغ ذلك: أن دخولهم على يوسف تعقب دخولهم من الأبواب، وفاعل الفعل الذي هو ﴿يُغْنِي﴾: رأي أبيهم وهو التفرق (٢).
وقوله: ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ استثناء من غير الجنس، أي: ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، وهي شفقة الآباء على الأبناء، وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به حذر العين.
وقوله: ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ في موضع نصب على النعت لحاجة.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ (ما) مصدرية، أي: لتعليمنا إياه.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾:
قوله : ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي: ضَم إليه أخاه بنيامين (٣).
وقوله: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ مستأنف، لوقوعه بعد القول، وهكذا كل ما اقتضى جوابًا وذكر جوابه ثم أتى بعده (قال) فهو مستأنف (٤). و ﴿أَنَا﴾ هنا يحتمل أن يكون فصلًا، وأن يكون مبتدأ.
وقوله: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الابتئاس: افتعال من البؤس، وهو سوء العيش، يقال: ابتأس ابتئاسًا، إذا حزن. و (ما) تحتمل
стр. 1960
أن تكون موصولة، أي: فلا تحزن بما كانوا يعملونه بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير. وأن تكون مصدرية، أي: بعملهم بنا. والابتئاس، والاكتئاب، والاغتمام نظائر في اللغة.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾:
قوله : ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ قيل: السقاية كانت مَشْرَبَةً يَشْرَبُ منها الملِكُ جعلها يوسف مكيالًا، لعزة الطعام، ولئلا يقع في الكيل بخس (١). والصِّواعُ: هو هذه المشربة التي جعلها يوسف صاعًا، والكلام يأتي عليه آنفًا إن شاء الله تعالى (٢).
وقوله: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: نادى مناد، يقال: آذنه، إذا أعلمه، وأذن: أكثر الإعلام منه، ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه.
وقوله: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ العير: بالكسر الإبل التي تحمل الميرة لأنها تَعير، أي: تذهب وتجيء، من قولهم: عار الفرس، إذا انفلت وذهب هاهنا وههنا من مرجه، وأعاره صاحبه فهو مُعار. وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلةٍ: عِير، كأنها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصلها فُعْل كسَقفٍ وسُقفٍ فُعِلَ به ما فُعِلَ ببيض وعير، والمراد أهل العير، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وأنث ﴿أَيَّتُهَا﴾ لأنه جعلها للعير. وعن ابن مسعود ﵁ (٣) أنه قرأ: (وَجَعَلَ السّقَايَةَ) بالواو (٤) على حذف جواب لما، كأنه قيل: فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم
стр. 1961
لسارقون] (١) أمهلهم حتى ارتحلوا وانطلقوا وأمعنوا، ثم أمرهم فأُدركوا وحُبِسوا، ثم نادى منادٍ.
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ الواو للحال و (قد) معه مرادة، أي: قال أخوة يوسف وقد أقبلوا على المؤذن ومن معه من غلمة يوسف.
﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾: قد مضى الكلام على (ماذا) في غير موضع (٢)، والفقدان: طلب الشيء عند غيبته عن الحس بحيث لا يُدرى أين هو؟ وقرئ: (تُفقِدُونَ) بضم التاء وكسر القاف (٣)، من أفقدته، إذا وجدته فقيدًا.
وقوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ الجمهور على ضم الصاد، وواو بعدها، وألف بعد الواو، وقرئ: (صاع الملك) (٤) و (صَوْع الملك) (٥) و (صُوعَ اليلك) (٦). قال أبو الفتح: الصُّواع والصَّاع والصَّوْع والصُّوع واحد، وكُلها مكيال. قلت: كل ذلك هنا هي تلك المشربة المذكورة قبيل.
وقرئ أيضًا: (صَوْغَ الملك) بغين معجمة (٧)، وهو مصدر قولك:
стр. 1962
صغت الشيء أصوغه صوغًا، وضع هنا موضع المفعول تسمية للمفعول بالمصدر كخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائد، أي: مَصُوغه.
وقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ (حمل) مبتدأ، و (لمن جاء به) الخبر، أي: حمل بعير من الطعام.
وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾: أي: كفيل أُوصله إلى من جاء به، والزعيم هنا: هو المؤذن، والزعيم، والكفيل، والضمين نظائر في اللغة.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾:
قوله : ﴿تَاللَّهِ﴾ أي: والله، والتاء بدل من الواو، وأصل والله: بالله، والواو بدل من الباء، والتاء تختص في باب القسم بالدخول على اسم الله جل ذكره وحده، وعن أبي الحسن: أنه سمع (تَرَبِّي) (١). وفي القسم هنا معنى التعجب مما أضيف إليهم مما لا يليق بمثلهم.
وقوله: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿جَزَاؤُهُ﴾ خبره، والضمير في قوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ يحتمل أن يكون للصواع، أي: فما جزاء سرقته؟ والصواع: يذكر ويؤنث، وأن يكون للسارق، أي: فما جزاء السارق؟ وأن يكون للسَّرْق، أي: فما جزاء السرق إن كنتم كاذبين في إنكاركم وادعائكم البراءة منه؟
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾ (جزاؤه) مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه:
أحدها: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾، وفي الكلام حذف مضاف، أي:
стр. 1963
جزاؤه استعباد أو استرقاق من وجد المسروق في رحله. وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة، وفي أهل مصر أن يضرب ويغرّم على ما فسر (١)، فلذا استفتوا في جزائه.
وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ وخبر مؤكد للحكم المذكور، أي: فنفسه جزاء فعله ليس إلا، وهذه الجملة معطوفة بالفاء على الجملة الأولى.
والثاني: الجملة كما هي خبره، فيكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ و ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿فَهُوَ﴾ مبتدأ ثالث، و ﴿جَزَاؤُهُ﴾ خبر المبتدأ الثالث، والمبتدأ الثالث وخبره خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، والعائد إلى المبتدأ الثاني هو الواقع بعد الفاء، وإلى الأول عين خبر المبتدأ الثالث وهو ﴿جَزَاؤُهُ﴾، أقيم الظاهر في الجملة الواقعة خبر مقام المضمر، والأصل: جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، فوضع الجزاء موضع هو، فـ (هو) الأول راجع إلى المبتدأ الثاني وهو ﴿مَنْ﴾، والثاني إلى المبتدأ الأول وهو ﴿جَزَاؤُهُ﴾. ونظيره في إقامة الظاهر مقام المضمر ما أنشده صاحب الكتاب رحِمَهُ اللهُ تعالى:
٣٤١ - لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموْتَ شَيءٌ ... نَغَّصَ الموتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا (٢)
ولم يقل يسبقه كما ترى.
والثالث: محذوف، أي: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أو بالعكس، وهو الوجه، لأن الحكم عندهما مختلف، وهو ما ذكرت قبيل أن حكم السارق عند آل يعقوب أن يُسْتَرَقَّ سنةً، وعند أهل مصر أن يُضرَب ويغرّم،
стр. 1964
أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ كما يقول من يُستفتى في جزاء صيد المُحْرِم: جزاء صيد المحرم ... ثم يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١).
﴿وَمَنْ﴾ على الوجه الأول موصولة والفاء للعطف، وعلى الثاني شرطية والفاء جوابها، أو موصولة ودخلت الفاء في خبرها لما فيها من الإبهام.
والهاء في قوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ﴾ للمسووق، أو للسارق، أو للسَّرْفِ على ما أوضحت في قوله: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾، وكذلك الهاء في قوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأخير. والضمير في قوله: ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ لـ ﴿مَنْ﴾ فاعرفه فإنه موضع.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ محل الكاف النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: نجزي السارقين جزاء مثل ذلك، والإشارة إلى الحكم وهو من كلام أخوة يوسف ﵇، أي: هذا شرعنا في جزاء السارق.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾:
قوله : ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ الجمهور على كسر واو (وِعاء) على الأصل، لأنه من وعيت الشيء أعيه وعيًا، وأوعيت الزاد والمتاع، إذا جعلته في الوعاء. وقرئ: (إعاءِ اخيه) بالهمزة (٢)، على قلب الواو همزة، ونظيره: وساده وإسادة، ووِجاح وإجاح، وهو السِّتْر، وإنما فروا إلى الهمزة لثقل الكسرة على الواو.
стр. 1965
وعن الحسن: (وُعاء أخيه) بضم الواو (١)، وهي لغية.
وإنما قال: ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ فأنّث بعد أن ذكّر في قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ ..... وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ لما ذكرت قبيل: من أن الصواع يذكر ويؤنث، أو على إرادة السقاية. وقيل: الضمير للسرقة (٢).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: كدنا له كيدًا مثل ذلك الكيد العظيم، يعني: عَلَّمناه إياه وأوحينا به إليه. وقيل: كدنا لأجله إخوته، بأن رددنا الحكم إليهم حتى أُخذ منهم أخوهم بما يوجبه حكمهم (٣).
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (أن) في موضع نصب على الاستثناء، والأصل: إلّا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، والاستثناء منقطع، ويحتمل أن يكون متصلًا، أي: ما كان له أن يأخذه في كل حال إلا في حال مشيئة الله وإرادته ذلك، وهو أَنْ كاد له حتى وجد السبيل إلى ذلك، بأن أجرى على لسان إخوته أنَّ جزاء السارق الاسترقاق، فأقروا به ورضوا بتسليم الأخ إليه، وذلك لم يكن إلا بمشيئة الله وإذنه فيه.
وقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرئ: (دَرَجَاتِ مَنْ) بالإضافة (٤)، وهي مفعول ﴿نَرْفَعُ﴾. وقرئ بالتنوين (٥)، و ﴿مَنْ﴾ مفعول ﴿نَرْفَعُ﴾، و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مفعول ثان على إرادة الجار، وهو إلى، أو ظَرْفٌ، وقد ذكر في "الأنعام" (٦).