لسارقون] (١) أمهلهم حتى ارتحلوا وانطلقوا وأمعنوا، ثم أمرهم فأُدركوا وحُبِسوا، ثم نادى منادٍ.
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ الواو للحال و (قد) معه مرادة، أي: قال أخوة يوسف وقد أقبلوا على المؤذن ومن معه من غلمة يوسف.
﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾: قد مضى الكلام على (ماذا) في غير موضع (٢)، والفقدان: طلب الشيء عند غيبته عن الحس بحيث لا يُدرى أين هو؟ وقرئ: (تُفقِدُونَ) بضم التاء وكسر القاف (٣)، من أفقدته، إذا وجدته فقيدًا.
وقوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ الجمهور على ضم الصاد، وواو بعدها، وألف بعد الواو، وقرئ: (صاع الملك) (٤) و (صَوْع الملك) (٥) و (صُوعَ اليلك) (٦). قال أبو الفتح: الصُّواع والصَّاع والصَّوْع والصُّوع واحد، وكُلها مكيال. قلت: كل ذلك هنا هي تلك المشربة المذكورة قبيل.
وقرئ أيضًا: (صَوْغَ الملك) بغين معجمة (٧)، وهو مصدر قولك:
стр. 1962
صغت الشيء أصوغه صوغًا، وضع هنا موضع المفعول تسمية للمفعول بالمصدر كخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائد، أي: مَصُوغه.
وقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ (حمل) مبتدأ، و (لمن جاء به) الخبر، أي: حمل بعير من الطعام.
وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾: أي: كفيل أُوصله إلى من جاء به، والزعيم هنا: هو المؤذن، والزعيم، والكفيل، والضمين نظائر في اللغة.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾:
قوله : ﴿تَاللَّهِ﴾ أي: والله، والتاء بدل من الواو، وأصل والله: بالله، والواو بدل من الباء، والتاء تختص في باب القسم بالدخول على اسم الله جل ذكره وحده، وعن أبي الحسن: أنه سمع (تَرَبِّي) (١). وفي القسم هنا معنى التعجب مما أضيف إليهم مما لا يليق بمثلهم.
وقوله: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿جَزَاؤُهُ﴾ خبره، والضمير في قوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ يحتمل أن يكون للصواع، أي: فما جزاء سرقته؟ والصواع: يذكر ويؤنث، وأن يكون للسارق، أي: فما جزاء السارق؟ وأن يكون للسَّرْق، أي: فما جزاء السرق إن كنتم كاذبين في إنكاركم وادعائكم البراءة منه؟
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾ (جزاؤه) مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه:
أحدها: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾، وفي الكلام حذف مضاف، أي:
стр. 1963
جزاؤه استعباد أو استرقاق من وجد المسروق في رحله. وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة، وفي أهل مصر أن يضرب ويغرّم على ما فسر (١)، فلذا استفتوا في جزائه.
وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ وخبر مؤكد للحكم المذكور، أي: فنفسه جزاء فعله ليس إلا، وهذه الجملة معطوفة بالفاء على الجملة الأولى.
والثاني: الجملة كما هي خبره، فيكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ و ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿فَهُوَ﴾ مبتدأ ثالث، و ﴿جَزَاؤُهُ﴾ خبر المبتدأ الثالث، والمبتدأ الثالث وخبره خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، والعائد إلى المبتدأ الثاني هو الواقع بعد الفاء، وإلى الأول عين خبر المبتدأ الثالث وهو ﴿جَزَاؤُهُ﴾، أقيم الظاهر في الجملة الواقعة خبر مقام المضمر، والأصل: جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، فوضع الجزاء موضع هو، فـ (هو) الأول راجع إلى المبتدأ الثاني وهو ﴿مَنْ﴾، والثاني إلى المبتدأ الأول وهو ﴿جَزَاؤُهُ﴾. ونظيره في إقامة الظاهر مقام المضمر ما أنشده صاحب الكتاب رحِمَهُ اللهُ تعالى:
٣٤١ - لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموْتَ شَيءٌ ... نَغَّصَ الموتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا (٢)
ولم يقل يسبقه كما ترى.
والثالث: محذوف، أي: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أو بالعكس، وهو الوجه، لأن الحكم عندهما مختلف، وهو ما ذكرت قبيل أن حكم السارق عند آل يعقوب أن يُسْتَرَقَّ سنةً، وعند أهل مصر أن يُضرَب ويغرّم،
стр. 1964
أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ كما يقول من يُستفتى في جزاء صيد المُحْرِم: جزاء صيد المحرم ... ثم يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١).
﴿وَمَنْ﴾ على الوجه الأول موصولة والفاء للعطف، وعلى الثاني شرطية والفاء جوابها، أو موصولة ودخلت الفاء في خبرها لما فيها من الإبهام.
والهاء في قوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ﴾ للمسووق، أو للسارق، أو للسَّرْفِ على ما أوضحت في قوله: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾، وكذلك الهاء في قوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأخير. والضمير في قوله: ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ لـ ﴿مَنْ﴾ فاعرفه فإنه موضع.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ محل الكاف النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: نجزي السارقين جزاء مثل ذلك، والإشارة إلى الحكم وهو من كلام أخوة يوسف ﵇، أي: هذا شرعنا في جزاء السارق.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾:
قوله : ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ الجمهور على كسر واو (وِعاء) على الأصل، لأنه من وعيت الشيء أعيه وعيًا، وأوعيت الزاد والمتاع، إذا جعلته في الوعاء. وقرئ: (إعاءِ اخيه) بالهمزة (٢)، على قلب الواو همزة، ونظيره: وساده وإسادة، ووِجاح وإجاح، وهو السِّتْر، وإنما فروا إلى الهمزة لثقل الكسرة على الواو.
стр. 1965
وعن الحسن: (وُعاء أخيه) بضم الواو (١)، وهي لغية.
وإنما قال: ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ فأنّث بعد أن ذكّر في قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ ..... وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ لما ذكرت قبيل: من أن الصواع يذكر ويؤنث، أو على إرادة السقاية. وقيل: الضمير للسرقة (٢).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: كدنا له كيدًا مثل ذلك الكيد العظيم، يعني: عَلَّمناه إياه وأوحينا به إليه. وقيل: كدنا لأجله إخوته، بأن رددنا الحكم إليهم حتى أُخذ منهم أخوهم بما يوجبه حكمهم (٣).
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (أن) في موضع نصب على الاستثناء، والأصل: إلّا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، والاستثناء منقطع، ويحتمل أن يكون متصلًا، أي: ما كان له أن يأخذه في كل حال إلا في حال مشيئة الله وإرادته ذلك، وهو أَنْ كاد له حتى وجد السبيل إلى ذلك، بأن أجرى على لسان إخوته أنَّ جزاء السارق الاسترقاق، فأقروا به ورضوا بتسليم الأخ إليه، وذلك لم يكن إلا بمشيئة الله وإذنه فيه.
وقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرئ: (دَرَجَاتِ مَنْ) بالإضافة (٤)، وهي مفعول ﴿نَرْفَعُ﴾. وقرئ بالتنوين (٥)، و ﴿مَنْ﴾ مفعول ﴿نَرْفَعُ﴾، و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مفعول ثان على إرادة الجار، وهو إلى، أو ظَرْفٌ، وقد ذكر في "الأنعام" (٦).
стр. 1966
وقرئ أيضًا: (يرفع) بالياء (درجاتٍ) بالتنوين (١)، والمنوي فيه لله جل ذكره.
وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (عليم) رفع بالابتداء وما قبله خبره، أي: فوقه أرفع درجة منه في علمه. وقيل: المراد بالعليم الله جلت عظمته، بمعنى: فوق العلماء كلهم عليم، هم دونه في العلم وهو الله عز وعلا (٢).
وقرئ: (فَوقَ كُلِّ ذي عَالِمٍ عَليمٌ) (٣)، على جعل (عالم) مكان ﴿عِلْمٍ﴾، وفيه ثلاثة أوجه ذكرهن أبو الفتح:
أحدهما: أن يكون عالم مصدرًا كالباطل وشبهه مما هو على وزنه، فتكون هذه القراءة كقراءة الجماعة.
والثاني: أن يكون من إضافة المسمى إلى الاسم، أي: وفوق كل شخص يسمى عالمًا، أو يقال: له عالم عليم، وأنشد:
٣٤٢ - إِلَيْكُم ذَوِي آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ ... نَوَازعُ مِنْ قَلْبِي ظِمَاءٌ وَأَلْبُبُ (٤)
стр. 1967
أي: إليكم يا آل النبي، أي: يا أصحاب هذا الاسم الذي هو آل النبي.
والثالث: أن يكون على مذهب من اعتقد زيادة (ذي)، فكأنه قيل: (وفوق كل عالم عليم) (١).
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾:
قوله : ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ الضمير للمقالة التي هي نسبتهم إياه إلى السرق، دل عليها قولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أو للإجابة، أو للحجة التي كانت في نفسه أن يجيبهم ويذب عن نفسه وعن أخيه بها، إلا أنه أكنها في نفسه ولم يظهرها لهم، لئلا يشعروا أنه يوسف.
وقال أبو إسحاق: هذا إضمار على شريطة التفسير (٢). ووافقه على ذلك الزمخشري قال: إضمار على شريطة التفسير، تفسيره: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، وإنما أنث لأن قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ جملة، أو كلمة على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة، كأنه قيل: فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ لأن قوله: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ بدل من (أسرها) (٣).
وأنكر ذلك الشيخ أبو علي على قائله، وقال: الإضمار على شريطة التفسير ضربان:
أحدهما: جملة تفسر مفردًا نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤) وذلك يقع في
стр. 1968
الابتداء، وفيما يدخل عليه عوامل الابتداء نحو: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ (١) وشبهه.
والثاني: مفرد يفسر مفردًا من جملة نحو: نِعْمَ رجلًا زيدٌ، ففي (نِعْمَ) ضمير فاعلها، ورجلًا تفسير له، فأضمر الرجل الذي هو فاعل نعم قبل الذكر لتفسير هذا المذكور له ودلالته عليه، فتفسير الضمير في الوجهين جميعًا متصل بالجملة التي فيها الإضمار المشروط تفسيره ومتعلق بها غير خارج عنها، لأنه في المبتدأ وما دخل عليه في موضع الخبر، وفي المفرد متعلق بما عمل في الاسم المفرد المضمر، لأن رجلًا من قولك: نعم رجلًا منتصب عن الفعل والفاعل.
وقوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ليس من هذين الضربين، لأنه منقطع غير متصل، فهو خارج عن جملة ما يضمر على شريطة التفسير، ثم قال: والذي تُحْمَلُ عليه الآيةُ: أن يكون إضمارًا للإجابة، كأنهم حين قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أجابهم في نفسه ولم يبدها لهم في الوقت، ودل على إضمار ذلك ما تقدم من مقالتهم.
ثم قال: ويجوز أن يكون المضمر المقالة، كأنَّ المعنى: أسر يوسف مقالتهم، والمقالة والقول سواء، وتكون المقالة بمعنى المقول لا بمعنى اللفظ، كالخَلْقِ بمعنى المخلوق، ويكون معنى أسرها: وعاها وأكنها في نفسه إرادة التوبيخ بها والمجازاة عليها، انتهى كلامه.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: قال في نفسه: أنتم شر مكانًا وأسرها. أي: هذه الكلمة (٢).
стр. 1969
وعن ابن مسعود ﵁: (فَأَسَرَّهُ) (١) على التذكير على إرادة القول أو الكلام، ولا تحل القراءة بها لأجل مخالفة "الإمام" مصحف عثمان ﵁.
وانتصاب قوله: ﴿مَكَانًا﴾ على التمييز.
ومعنى: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أنتم شر منزلة في السرق لأنكم سارقون بالصحة لسرقكم أخاكم من أبيكم. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي: بما تقولون.
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ (شيخًا) نعت للأب و ﴿كَبِيرًا﴾: نعت لشيخ أو بدل منه، وفيه وجهان - أحدهما: كبير في السن. والثاني: كبير في القدر والمنزلة.
وقوله: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي: فخذ بدله إما على وجه الاسترهان، أو على وجه الاستعباد. و ﴿مَكَانَهُ﴾ إما ظرف لخذ، أو مفعول ثان على تضمين الأخذ معنى الجعل.
وقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ﴾ انتصاب قوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ على المصدر، وهو مضاف إلى المفعول به، و ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب لعدم الجار وهو (مِنْ)، وتقدير الكلام: نعوذ بالله معاذًا من أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، و ﴿مِنَ﴾ موصولة في موضع نصب بـ ﴿نَأْخُذَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ (إذن) جواب لهم وجزاء، لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا، وإنما ألغيت لتوسطها.
стр. 1970
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾:
قوله : ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ أي: يئسوا، وزيادة السين والتاء للمبالغة، ونظيره: استسخر وسخر، واستعجب وعجب.
وقرئ: (اسْتايسوا) بتأخير الياء بعد الألف (١) على القلب، وهو قلب العين إلى موضع الفاء، والأصل يئس، ثم أيس، فلما قدمت العين صارت استأيس، ثم خففت الهمزة بأدن قلبت ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، وقد أوضحت هذا في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة.
قال الشيخ أبو علي: فأما إياس - اسم رجل - فليس مصدر أيس، ولكن مصدر أُسْتُهُ أَؤُسُه، إذا أعطيتَهُ، والإياس مثل القيام. انتهى كلامه (٢).
وقوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ خلصوا جواب (لما)، و ﴿نَجِيًّا﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿خَلَصُوا﴾، أي: انفردوا عن الناس متناجين، وهو واحد يُؤَدَّى عن الجمع، وجمعه أنجيةٌ، وينشد:
٣٤٣ - * إِنِّي إذا ما القومُ كانوا أَنْجِيَهْ *
* واخْتَلَفَ القومُ اخْتلاف الأَرْشِيَهْ *
* هناكَ أوصيني ولا تُوصي بِيَهْ (٣) *
стр. 1971
والنجي: على معنيين:
أحدهما: أن يكون بمعنى المناجي كالعشير والسمير، بمعنى المعاشر والمسامر، ومنه قوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (١) أي: مناجيًا.
والثاني: أن يكون بمعنى المصدر الذي هو التناجي، كما قيل: النجوى بمعناه، ومنه قيل: قوم نَجِيّ، كما قيل: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ (٢) تنزيلًا للمصدر منزلة الأوصاف، ولكونه مصدرًا وقع على الجمع، كما وقع (عدل) عليه في قولهم: قوم عدل، أي: عادلون. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ أي: متناجون.
وقوله: (من قبل) أي: ومن قبل هذا.
﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾: في (ما) ثلاثة أوجه:
أحدهما: صلة، ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ من صلة ﴿فَرَّطْتُمْ﴾، وكذا ﴿فِي يُوسُفَ﴾. والتفريط: التقصير، أي: وقصرتم من قبل في شأن يوسف.
والثاني: مصدرية، وفي محلها وجهان - أحدهما: الرفع بالابتداء وخبره الظرف وهو (من قبل)، أي وتفريطكم في شأن يوسف ثابت أو مستقر من قبل، وليس بالمتين لأن (قبل) إذا وقعت خبرًا لمبتدأ، أو صلةً لموصول، أو حالًا لذي حال لا تقطع عن الإضافة لئلا تبقى ناقصة. والثاني: النصب إما عطفًا على مفعول ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ وهو ﴿أَنَّ أَبَاكُمْ﴾، كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا وتعلموا تفريطكم في حفظ يوسف؛ أو على اسم (أنَّ)، وفيه أيضًا ما فيه لأجل الفصل بين العاطف والمعطوف.
والثالث: موصولة على معنى: ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدمتموه في حق يوسف من الجناية العظيمة. ومحلها الرفع أو النصب على
стр. 1972
الوجهين، ولك أن تجعل خبر ﴿مَا﴾ إذا كان محله الرفع على الابتداء والخبر ﴿فِي يُوسُفَ﴾ وهو الوجه عندي لما ذكرت آنفًا من أنَّ (قبل) إذا وقعت خبرًا أو صلة لا تقطع عن الإضافة، ويكون (من قبل) من صلة هذا الخبر الذي هو ﴿فِي يُوسُفَ﴾ وإن تقدم عليه، لأن الظرف تكفيه رائحة الفعل، فاعرفه.
وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ (الأرضَ) نصب بأبرح على أنها مفعول به، بمعنى: فلن أفارقها، أو ظرف له، بمعنى: فلن أزول فيها. و ﴿حَتَّى﴾ غاية له.
وقوله: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يعني في ظاهر الأمر، وقرئ: (سُرِّق) بضم السين وكسر الراء مع تشديدها (١)، بمعنى: نسب إلى السَّرقِ، كفُسِّقَ وَخُوّنَ، إذا نسب إلى الفسق والخيانة.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾:
قوله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: على حذف المضاف، أي: واسأل أهلها، ثم حذف المضاف، إذ لا يلبس أن المسؤول أهلها لا هي.
والثاني: لا حذف، والمعنى: واسأل القرية نفسَها عن القصة، لأنك نبي ذو جاه ومنزلة عند الله، ولا يستنكر أن تكلمك هي نفسها فتخبرك بالحال (٢).
стр. 1973
﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: أصحابها، أو العير نفسها على الوجهين.
وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (جميعًا) حال من الضمير في ﴿بِهِمْ﴾، أي: بيوسف وأخويه بنيامين والآخر الذي قعد في مصر مجتمعين.
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾:
قوله : ﴿يَاأَسَفَى﴾ الألف مبدلة من ياء النفْس، والأصل: يا أسفي، أضاف الأسفَ وهو أشد الحزن وأشد الحسرة إلى نفسه، مناديًا له مقبلًا عليه: هَلّمَّ فهذا أوانُكَ هو ذا، استثقلت الكسرة على الفاء ففتحت وأبدلت من الياء الألف. و ﴿عَلَى﴾ من صلة (أسفى).
وقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾ أي: انقلبت عيناه إلى البياض، قيل: إذا كثر الاستعبارُ مَحقتِ العَبرةُ سوادَ العين وقلبته إلى بياض كدر (١).
﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: من شدة الحُزْن، والحُزْنُ والحَزَنُ بمعنى، وقد قرئ بهما هنا (٢)، وأصل الحُزنِ: الغِلْظُ، مأخوذ من الحَزْن، وهو ما غلظ من الأرض.
وقوله: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فعيل، إما بمعنى فاعل، أي: حابس غيظه على أولاده، ولا يُظهر ما يسوؤهم، يقال كظم غيظه كظمًا إذا اجترعه فهو كظيم، والغيظ مكظوم، أو حزنه. أو بمعنى مفعول بشهادة قوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (٣) من كظم السقاء، إذا شمده على ملئه، أي: مملوء من الغيظ أو من الحزن، فاعرفه.
стр. 1974
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾:
قوله : ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أصله: لا تفتأ، فحذف حرف النفي لحصول العلم به، لأنه لا يلتبس بالإثبات، لأنه لو كان إثباتًا لم يكن بد من اللام والنون في الأمر العام، أو من أحدهما (١)، و ﴿تَذْكُرُ﴾ في موضع نصب بخبر ﴿تَفْتَأُ﴾، والمعنى: لا تزال تذكر يوسف بالتأسف والتوجع عليه.
وعن مجاهد: لا تفتر من حبه (٢). قيل: كأنه جعل الفتوء والفتور أخوين، يقال: ما فتئ يفعل (٣). قال أوس (٤):
٣٤٤ - فَمَا فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وَتَدَّعِي ... وَيَلْحَقُ مِنْهَا لاحِقٌ وَتَقَطَّعُ (٥)
أي: فما زالت.
وقوله: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ الحَرَضُ الذي أذابه الحزن أو العشق، وهو في معنى مُحْرَضٍ، وقد حَرِضَ بالكسر، وأحرضَهُ الحزن أو العشق، أي: أفسده، وأُنشد على ذلك:
٣٤٥ - إِنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي ... حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ (٦)
стр. 1975
أي: أذابني فتركني مُحْرَضًا، ويستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث لأنه مصدر، والصفة حرِض بالكسر، وقد ذكر آنفًا، ونظيرهما دَنَفٌ وَدَنِفٌ وَحَرَجٌ وحَرِجٌ.
وقرئ: (حُرُضًا) بضم الحاء والراء (١)، ونظيره في الصفات: جُنُبٌ. و ﴿حَتَّى﴾ متعلقة بقوله: ﴿تَذْكُرُ﴾ وغاية له.
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ البث: أشد الحزن الذي لا يصبر عليه صاحبه حتى يبثه إلى الناس، أي: ينشره. وأصل البث: البسط والنشر، وعن الحسن: (وَحَزَنِي) بفتح الحاء والزاي (٢). (وَحُزُنِي) بضمهما (٣).
وقوله: ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ عطف على ﴿اذْهَبُوا﴾، والتحسس: طلب الإحساس مرة بعد أخرى، والإحساس: الإدراك، ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْر﴾ (٤). وقرئ: بالجيم (٥) من الجس وهو الطلب، وكلاهما متقارب في المعنى.
стр. 1976
وقوله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي: من فَرَجِهِ وتنفيسه، والرَّوْحُ: الفَرَجُ، عن أبي عمرو (١).
وقرئ: من (رُوحِ الله) بالفحم (٢)، وفيه وجهان، أحدهما: من رحمته التي يحيا بها العباد. والثاني: من روحه الذي خلقه، أي: من الروح الذي هو من عند الله وبلطفه ونعمته، وهو روح يوسف ﵇.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾:
قوله : ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الهزال من الشدة والجوع.
وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ يقال: أزجيت الإبل، إذا سقتها وطردتها، والريح تزجي السحاب، والبقرة تزجي ولدها، أي: تسوقه وتدفعه، وَتَزَجَّيت بكذا: اكتفيت به، وقال:
* تَزَجَّ مِنْ دُنْياكَ بالبلاغِ (٣) *
والمُزْجَى: الشيء القليل. فإذا فهم هذا، فقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: بقطعة من المال مدفوعة، يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارًا لقلتها وخساستها. أو: بقطعة قليلة، من قولهم: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، أي: جئنا ببضاعة إنما ندافع بها
стр. 1977
ونتقوت، ليست مما يتسع به، وألفها عن ياء أصلها واو، من زجا الأمر يزجو، إذا تيسر وسهل.
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾:
قوله : ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرئ: على الاستفهام (١) ومعناه: الإلزام والإثبات، لأنه لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ .... ﴾ الآية، عرفوه أنه يوسف، تعضد قراءة من قرأ: (إنك) على الخبر وهو ابن كثير (٢). وقرئ: (أئنك أَو أنت يوسف) (٣) على حذف خبر (إنَّ)، أي: أَإِنَّك يوسف، أو أنت يوسف، كأنه قيل: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقف قال: أنا يوسف، وحَذْفُ خبر (إنَّ) جائز في كلام القوم نظمهم ونثرهم إذا دل عليه الدليل، قال الأعشى:
٣٤٧ - إِنَّ مَحَلًّا وإِنَّ مُرْتَحَلا ... وإنَّ فِي السَّفْر إذْ مَضَوْا مَهَلا (٤)
أي: إن لنا محلًّا، وإن لنا مرتحلًا، ويقولون: هل لكم أحد؟ إن الناس عليكم، فيقولون: إنَّ زيدًا وإنَّ عمرًا، أي: لنا (٥). وأما في الآية، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.
стр. 1978
واللام في ﴿لَأَنْتَ﴾ لام الابتداء، وأنت على قراءة الجمهور يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون فصلًا، ولا يجوز أن يكون توكيدًا للكاف، كقولك: مررت بك أنت، وبه هو؛ لأجل اللام الفاصل بينهما، ولا يجوز الفصل بين المؤكَّد والمؤكِّد بشيء، فاعرفه.
وقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ كلام مستأنف، وقيل: هو حال من ﴿يُوسُفُ﴾ و ﴿أَخِي﴾، وليس بشيء لعدم العامل، فإن قلت: العامل في الحال (هذا) قلت: لا يجوز، لأجل أن (هذا) إشارة إلى الأخ وحده، والمراد بـ ﴿عَلَيْنَا﴾ كلاهما (١).
وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: إن الأمر والشأن.
﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾: (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، ﴿يَتَّقِ﴾ جزم بها، وعلامة المجزم حذف الياء، ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عطف عليه.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ الفاء جواب الشرط، والخبر فعل الشرط أو الجواب على الخلاف المذكور في غير موضع. وقرأ قنبل عن ابن كثير: (يَتقي) بالياء (٢)، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه قدر الحركة على الياء فحذفها للجزم، وبقى الياء ساكنة، وجعل المعتل كالصحيح، كما قَدَّرَ ذلك وجعله كالصحيح مَنْ قال:
٣٤٨ - أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي ... ....................... (٣)
والثاني: أنه أشبع الكسرة فنشأت منها الياء كما تنشأ الألف من الفتحة والواو من الضمة.
والثالث: أنه جعل ﴿مَنْ﴾ موصولة، ورفع (يتقي) لأنه صلة
стр. 1979
الموصول، وعطف ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على المعنى، لأن (مَنْ) إذا كانت موصولة كانت بمنزلة الشرطية الجازمة لما فيها من العموم والإبهام، ولذلك دخلت الفاء في خبرها كما تدخل في جواب الشرط المحض، فلما كان كذلك عَطف ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على المعنى فجزمه، ونظيره ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ (١) في قراءة من جزم (٢)، وكذلك قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ (٣) جزمًا حملًا على موضع الفاء وما بعدها، أو هو (٤) مرفوع لكن حَذَفَ الضمةَ كراهة اجتماع الحركات، أو نوى الوقف عليه وأجرى الوصل مجرى الوقف، وله نظائر في التنزيل.
والمعنى: ومَن يَخَفِ اللهَ جل ذكره يصبر على البلاء، فإن الله لا يُضيع أجر المحسنين منهم، أو لا يضيع أجرهم، فوضع الظاهر موضع المضمر لاشتماله على الفريقين المتقين والصابرين، فاعرفه.
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾:
قوله : ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (تثريب) مبني مع (لا) على الفتح في موضع رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: ﴿عَلَيْكُمُ﴾، و ﴿الْيَوْمَ﴾ منصوب بالمقدر في ﴿عَلَيْكُمُ﴾ من معنى الاستقرار الذي هو الخبر في الحقيقة، أو بـ ﴿عَلَيْكُمُ﴾ نفسه.
الثاني: ﴿الْيَوْمَ﴾، و ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلق: إما باليوم عينه، أو بالمقدر فيه من معنى الاستقرار، ولك أن تجعل ﴿عَلَيْكُمُ﴾ صفة لاسم ﴿لَا﴾، واليوم الخبر، وأن تجعل ﴿عَلَيْكُمُ﴾ الخبر، و ﴿الْيَوْمَ﴾ منصوبًا بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ على وجه الدعاء لهم بالمغفرة من غير مسألة منهم، أو على وجه
стр. 1980
البشارة بغفران الله جل ذكره لهم، فيكون ﴿يَغْفِرُ﴾ خبرًا لا دُعاء، على معنى: أن الله قد أعلمني أنه يأخذكم بذنوبكم إلا أن أصفح، وقد صفحت.
ولا يجوز أن يكون العامل في اليوم ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ ولا أن يكون ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلقًا به، لأن الاسم الواقع بعد (لا) إذا كان عاملًا كان منونًا، وقد أجاز الزمخشري (١) أن يكون اليوم متعلقًا بقوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾، وهو خلاف ما عليه أهل هذه الصناعة (٢).
ومعنى لا تثريب: لا تعيير ولا توبيخ، قيل: وأصل التثريب من الثَّرَبِ وهو الشحم الذي هو غاشية الكَرِش، ومعناه: إزالة الثرب، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضُرب مثلًا للتقريع الذي يمزق الأعراض، ويذهب بماء الوجوه (٣)، قال بشر (٤):
٣٤٩ - فَعَفَوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غَيْرِ مُثَرِّبِ ... وَتَرَكْتُهُمْ لِعِقَابِ يَوْمٍ سَرْمَدِ (٥)
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾:
قوله : ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ في القميص وجهمان:
أحدهما: مفعول به، أي: اذهبوا به إلى يعقوب ﵇ (٦).
стр. 1981
والثاني: حال، أي: اذهبوا إليه وقميصي معكم، كما تقول: خرج بثيابه.
وقوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ انتصاب قوله: ﴿بَصِيرًا﴾ على الحال من المنوي في ﴿يَأْتِ﴾، على معنى: يأت إليَّ وهو بصير. وقد جوز أن يكون منصوبًا على خبر ﴿يَأْتِ﴾: ، أي: يصير بصيرًا، كقولك: جاء البناء محكمًا، بمعنى صار، ويشهد له ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.
وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ في موضع جر توكيد لأهلكم، ولا يجوز أن يكون حالًا لأنه معرفة تابع لما قبله (١).
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾:
قوله : ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾: أي: خرجت من مصر، يقال: فصل فلان من البلد، إذا انفصل منه وجاوز حيطانه، فصولًا.
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أن وما بعدها في موضع رفع بالابتداء، أي: لولا تفنيدكم إياي، والخبر محذوف، وإظهار خبر المبتدأ الواقع بعد لولا مرفوض، لأن الجواب قد سد مسده، والجواب هنا محذوف أيضًا تقديره: لقلت: إنه قريب أو واصل، أو لصدقتموني، وشبه ذلك، والتفنيد: النسبة إلى الفَنَد، وهو الخَرَفُ وإنكار العقل من هَرَمٍ، قال:
٣٥٠ - يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... فَلَيسَ مَا فَات مِنْ أَمْرٍ بِمَرْدُودِ (٢)
والنسبة إلى الشيء تأتي بلفظ التفعيل، نحو: فَسَّقْتُهُ وزَنَّيْتُهُ، أي: نسبته
стр. 1982
إلى الفسق والزنا، يقال: شيخٌ مُفْنِدٌ، ولا يقال: عجوزٌ مُفْنِدَةٌ، قال الجوهري: لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فَتُفَنَّدَ في كِبَرِها (١).
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾:
قوله : ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير﴾ (أن) صلة مؤكدة تأتي بعد لما وحتى ولا تأتى.
وقوله: ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ المنوي في ﴿أَلْقَاهُ﴾ للبشير أو ليعقوب ﵇ (٢).
وقوله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ انتصاب قوله: ﴿بَصِيرًا﴾ على خبر ﴿فَارْتَدَّ﴾، أي: فانقلب بصيرًا، أو فارتجع بصيرًا (٣). قال الرماني: الارتداد انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها، ولو انقلب إلى حال لم يكن عليها لم يكن ارتدادًا، ثم قال: الارتداد والرجوع نظائر.
وقيل: انتصابه على الحال (٤)، والوجه هو الأول.
وقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ قيل: يعني قوله: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ (٥) أو قوله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ (٦).
وقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ كلام مبتدأ لم يقع عليه القول، ولك أن توقعه
стр. 1983
عليه وتريد قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾:
قوله : ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ انتصاب قوله: (آمنين) على الحال من الواو في ﴿ادْخُلُوا﴾، وهي حال مقدرة؛ لأن الأمن يكون بعد الدخول، والمشيئة متعلقة بالدخول والأمن معًا، أي: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله، [كقولك للغازي: ارجع سالمًا غانمًا إن شاء الله] (٢).
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾:
قوله : ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾: أي: ليوسف. ﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد، وانتصابه على الحال من الضمير في ﴿وَخَرُّوا﴾ أي: خر الأبوان والأخوة جميعًا له ساجدين.
قيل: وكان السجود من بعضهم لبعض على سبيل التعظيم والتوقير، بدل السلام جائزًا في شريعتهم (٣).
وقيل: المعنى: وخروا لأجل يوسف ﵇ سجدًا لله شكرًا (٤). والخرور: السقوط.
стр. 1984
وقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ محل ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ النصب على الحال من ﴿رُؤْيَايَ﴾، أي: سابقة، والعامل ما في هذا وذا من معنى الفعل، ويحتمل أن يكون ظرفًا للرؤيا.
وقوله: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ محل الجملة النصب على الحال. و ﴿حَقًّا﴾ مفعول ثان على جَعْلِ الجَعْلِ بمعنى التصيير، ولك أن تجعله مصدرًا من غير لفظ الفعل على تضمين الجعل معنى التحقيق، أي: وحققها ربي حقًّا، أي: تحقيقًا. والأول أحسن لسلامته من التأويل والتقدير.
وقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ في الباء وجهان: أحدهما على بابها والمفعول محذوف، أي: وقد أحسن صنعه بي. والثاني: بمعنى إلى، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لصنعه أو لأحسن.
وقوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: من البادية، لأنهم كانوا أهلَ عُمُدٍ وأصحابَ مواشٍ، وأصلُ البدو: الظهور، من بدا يبدو.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾ أي: أفسد وأغرى، قيل: وأصله من نَخْسِ الرائِض الدَّابَّةَ وحمله على الجري، يقال: نَزَغَهُ وَنَسَغَهُ، إذا نَخَسَهُ. وَنَزَغَهُ بكلمةٍ، أي: طعن فيه.
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾:
قوله : ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ في (مِنْ) وجهان: أحدهما للتبعيض، لأنه أوتي ملك مصر ولم يؤت ملك الدنيا. والثاني: للتبيين. وكذلك القول في (مِنْ) في قوله: ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (١).
стр. 1985
وقوله: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾: انتصاب قوله: ﴿فَاطِرَ﴾ إما على النعت لقوله: ﴿رَبِّ﴾، أو على أنه نداء ثان (١).
وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ انتصاب قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ على الحال من الياء في ﴿تَوَفَّنِي﴾. ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ عطف عليها.
وقوله: ﴿بِالصَّالِحِينَ﴾: فيه وجهان: أحدهما بالأنبياء (٢). والثاني: على وجه العموم (٣)، وهو أحسن.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ (ذلك) مبتدأ، و ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ خبره، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما سبق من قصة يوسف ﵇، والخطاب لرسول الله ﷺ .
وقوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، أو حال من المنوي في الخبر، ولك أن تجعل ﴿نُوحِيهِ﴾ خبر ﴿ذَلِكَ﴾ و ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ حالًا من الهاء في ﴿نُوحِيهِ﴾. وأجاز أبو إسحاق: أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ اسمًا موصولًا بمعنى الذي، و ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ صلته، و ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الخبر، أي: الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك (٤).
وقوله: ﴿إِذْ أَجْمَعُوا﴾: (إذ) ظرف للاستقرار.
стр. 1986
وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ أكثر الناس اسم (ما)، و ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ الخبر. ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعتراض.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾:
قوله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾ هي (أيّ) دخلت عليها كاف التشبيه فصارتا بمعنى (كم) (١) ومحله الرفع بالابتداء، و ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الخبر.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الجمهور على جر الأرض عطفًا على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وقرئ: (والأرضُ) بالرفع (٢) على الابتداء، والجملة بعدها خبر عنها وهي ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ والعائد منها عليها: الهاء من ﴿عَلَيْهَا﴾.
وقرئ: (والأرضَ) بالنصب (٣) على إضمار فعل، أي: ويدوسون أو: ويطؤون الأرضَ ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾، يعضده قراءة من قرأ: (والأَرضُ يمشون عليها) برفع الأرض وجعل (يمشون) مكان ﴿يَمُرُّونَ﴾ وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (٤).
والوقف على هاتين القراءتين على: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. وأما على قراءة الجمهور فعلى: (الأرض)، أو على ﴿مُعْرِضُونَ﴾.
فإن قلت: ما محل قوله: ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾؟ قلت: النصب على الحال من الضمير في ﴿يَمُرُّونَ﴾، أي: يتجاوزونها غير مفكرين فيها ولا معتبرين بها. والضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾ على قراءة الجمهور للآية، وعلى قراءة
стр. 1987
من رفع الأرض أو نصبها للأرض، وأما الضمير في ﴿عَنْهَا﴾ فللآية ليس إلا.
﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾:
قوله : ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ﴾ أي: عقوبة تغشاهم وتشملهم جميعًا.
وقوله: ﴿بَغْتَةً﴾ مصدر في موضع الحال من الساعة.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ﴾، أي: غير عالمين بإتيانها وقيامها.
وقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ مفسر للسبيل، أي: أدعو الناس إلى دينه.
﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: في موضع الحال من المنوي في ﴿أَدْعُو﴾ أي: محقًا، أو مستيقنًا، والبصيرة: المعرفة التي يميز بها الإنسان الحق من الباطل، يقال: هو على بصيرة من أمره، أي: كأنه يبصره بعينه.
وقوله: ﴿أَنَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: توكيد للمنوي في ﴿أَدْعُو﴾، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطف عليه، على معنى: أدعو إليها أنا ويدعو إليها من اتبعني.
والثاني: ﴿أَنَا﴾ مبتدأ، على أن الكلام قد تم على قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطف عليه، والخبر ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾.
وفيه وجه ثالث وهو أن يكون مرتفعًا بقوله: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ على قول من جعله في موضع الحال من المنوي في ﴿أَدْعُو﴾، أي: محقًا أو مستيقنًا أنا ومن اتبعني.
стр. 1988
وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ انتصابه على المصدر، أي: وقل أنزهه عما لا يليق به.
وقوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ في موضع النصب على النعت لرجال، وكذا قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. ولك أن تجعل ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: حالًا من الضمير في إليهم، أي: كائنين من أهل القرى.
وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ أي: ولدار الساعة أو الحال الآخرة (١)، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢).
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾:
قوله : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (حتى) متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام، أي: تأخر نصرهم حتى ظن قومهم ما ظنوا.
وقوله: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ جواب (إذا).
وقوله: (وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا) قرئ: بضم الكاف وكسر الذال مع تشديدها (٣)، أي: وظن الرسل أن قومهم قد كذَّبوهم، والظن هنا يحتمل أن يكون بمعنى اليقين، وأن يكون على بابه. وقرئ: كذلك إلا أن الذال مخففة (٤)، وفيه وجهان:
أحدهما: أن القوم ظنوا أنهم قد كُذِبوا فيما أُبلِغوا، أي: أن رسلهم
стр. 1989
قد كَذَبوهم، فيما أبلغوهم عن الله .
والثاني: أن المعنى: وظن الرسل أنهم كُذِبوا فيما وعدوا به من الإيمان، أي: أن قومهم قد كَذَبوهم فيما وعدوهم به من الإيمان بهم. وهذه آية مشكلة، وقد أوضحتها في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة.
وقرئ: (كَذَبُوا) بفتح الكاف والذال مخففة على البناء للفاعل (١)، على: وظن المُرْسَلُ إليهم أن الرسل قد كَذَبوا، هذا هو الوجه. وقيل: فيه غير هذا (٢).
وقوله: (فَنُنْجِي) قرئ: بنونين وتخفيف الجيم (٣)، من الإنجاء، وهو حكاية حال ماضية، كما أن قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤] حكاية حال آتية، لأن الأولى قد كانت، والثانية لم تكن.
وقرئ: (فَنُجِّيَ) على لفظ الماضي المبني للمفعول (٤).
وقرئ: كذلك إلا أن الياء ساكنة (٥)، أسكنت تخفيفًا لثقلها بحركتها وانكسار ما قبلها، تعضده قراة من قرأ: (وَذَرُوا مَا بَقِيْ مِن الرِّبَا) (٦) بإسكان الياء للعلة المذكورة آنفًا، وهو الحسن البصري ﵀ (٧).
стр. 1990
(مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ على القراءة الأولى في موضع نصب بوقوع الفعل عليها، وعلى هاتين القراءتين في موضع رفع على الفاعلية.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾:
قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ الجمهور على فتح القاف في ﴿قَصَصِهِمْ﴾، وهو مصدر قولك: قَصَصتُ عليه الخبر قَصصًا، والاسم أيضًا: القَصص بالفتح، وُضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، وقرئ: بكسرها (١)، وهو جمع قِصة.
واختُلِف في الضمير في ﴿قَصَصِهِمْ﴾ فقيل: للرسل، تعضده قراءة من قرأ: (في قِصصهم) بكسر القاف. وقيل: ليوسف وإخوته ﵇ (٢).
وقوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: ما كان هذا القرآن حديثًا مفترى مختلقًا، أو ما كان حديث يوسف وأخوته حديثًا مفترى.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ الجمهور على نصب (تصديقَ) و (تفصيلَ) و (هدًى ورحمةً)، على: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، أي: بين يدي القرآن، أي: قبله من الكتب المنزلة وتفصيل كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين، وهدى من الضلال، ورحمة من العذاب، و (تفصيل) و (هدى ورحمة) عطف على خبر كان المذكورة.
стр. 1991
وقرئ: برفع قوله: (تصديق) وما بعده من المعطوف (١)، على: ولكن هو تصديقُ الذي بين يديه وتفصيلُ كل شيءٍ وهدًى ورحمةٌ، فحذف المبتدأ للعلم به، وبقي الخبر على حاله.
هذا آخر إعراب سورة يوسف ﵇ والحمد لله رب العالمين
стр. 1992
إعراب سورة الرعد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾:
قوله : ﴿المر﴾ قد مضى الكلام عليه فيما سلف من الكتاب وما قيل في معناه.
وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ابتداء وخبر. و ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة. واختلف في الكتاب. قيل: المراد به السورة، أي: تلك الآيات آيات السورة. وقيل: المراد به القرآن، و ﴿تِلْكَ﴾ على هذا بمعنى هذه، أي: هذه آيات القرآن المبين. وأبان الشيءُ، وأبنتُهُ أنا، يتعدى ولا يتعدى، وكلاهما محتمل هنا، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
وقوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ في محل (الذي) وجهان:
أحدهما: الرفع: إما على الابتداء، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبره. وإما على العطف على ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، أي: آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك من ربك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمراد على هذا
стр. 1993
بالكتاب: السورة، وبالذي أنزل: القرآن كله، و ﴿الْحَقُّ﴾ على هذا خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق الذي لا مزيد عليه لا هذه السورة وحدها.
والثاني: الجر: إما على النعت للكتاب، وادخلت الواو في النعت كما دخلت في "النازلين والطيبين" (١) كأنه جمع بين كونه كتابًا وكونه منزلًا، وإما على العطف على الكتاب أو على ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على إعرابه، كقولهم: "ما كلُّ سوداءَ تمرةً، ولا بيضاءَ شحمةً" (٢). وكقراءة من قرأ: (تريدونَ عَرَضَ الدنيا واللهُ يريدُ الآخرةِ) بجر الآخرة (٣).
ويجوز في الكلام جر (الحق) على النعت للرب (٤)، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به، لأن القراءة سنة متبعة.
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾:
قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ اسم الله رفع بالابتداء، وخبره ﴿الَّذِي﴾، بشهادة قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ (٥). ولك أن تجعل ﴿الَّذِي﴾ صفة لاسم الله (٦).
стр. 1994
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، أي: رفعها خالية من عمد، أو من الضمير في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ علي أن الضمير للسموات، فعلى هذا يحسن الوقف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، و ﴿تَرَوْنَهَا﴾ على هذا كلام مستأنف استشهادٌ برؤيتهم لها كذلك، ولا محل له من الإعراب على: وأنتم ترونها كذلك، أو في محل النصب على الحال من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، أي: رفعها مرئية خالية عن عمد، فلا وقف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾.
وقيل: الضمير في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ للعمد، فيكون في موضع جر على النعت لعمد، أي: رفعها بغير عمد مرئية، تعضده قراءة من قرأ: (ترونه) بتذكير الضمير، وهو أُبي بن كعب ﵁ (١). ويكون المعنى على هذا: إن هنا عمدًا ولكن لا ترونها، فأثبت العمد ونفى رؤيتها.
واختلف في العمد على هذا الوجه، فقيل: هي قدرة الله جل ذكره (٢). وقيل: هي جبل قاف (٣).
والعَمَدُ بفتح العين والميم يحتمل أن يكون جمع عماد، كإهاب وأَهَب (٤)، وأن يكون جمع عمود كأديم وأَدَم (٥).
وقرئ: (بغير عُمُدٍ) بضمتين (٦)، وهو جمع عمود، كرسول ورُسُل، أو جمع عماد، ككتاب وكُتُب، وكلاهما جمع كثرة، وأما جمع القلة: فأعمدة، فاعرفه.
стр. 1995
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ التسخير: التذليل.
وقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ ابتداء وخبر، والتنوين عوض من المضاف إليه، أي: كل واحدٍ منهما.
وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ كلاهما مستأنف، وقد جوز أن يكون الأول حالًا من المنوي في (سخر)، والثاني: حالًا من المستكن في ﴿يُدَبِّرُ﴾، ولك أن تجعل كليهما حالًا من المستكن (١) في (سخر)، على قول من جوز حالين من ذي حال واحد. والجمهور على الياء فيهما النقط من تحته، والمنوي فيهما لله تعالى، وقرئ: (ندبر ونفصل) بالنون فيهما (٢) على وجه الإخبار عن الله جل ذكره بلفظ الجمع تفخيمًا وتعظيمًا.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾:
قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ أي: بسطها طولًا وعرضًا، والمد، والبسط، والدحو نظائر في اللغة.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ (فيها) يحتمل أنه يكون من صلة (جعل)، أي: وخلق فيها جبالًا ثوابت، والرواسي: الثوابت، واحدها راسية. وأن يكون حالًا من ﴿رَوَاسِيَ﴾ لتقدمه عليها وتقول في رفع (رواسي) أو جرها: رواسٍ، كغواشٍ وجوارٍ، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب موضَّحًا (٣).
стр. 1996
وقوله: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ عطف عليها، وهو جمع نهر، وهو سيل الماء الجاري، وهو من أنهرت الطعنة، إذا وَسَّعتها، قال:
٣٥١ - مَلَكْتُ بِها كفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَها ... يَرى قَائِمٌ مِن دُونِها ما وراءها (١)
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: يحتمل أن يكون عطفًا على ما قبله معمولًا لعامله، على معنى: وخلق فيها من جميع أنواع الثمرات، ثم استأنف فقال: جعل فيها زوجين، أي: صنفين حلوًا وحامضًا، وأسود وأبيض، وصغيرًا وكبيرًا، وحارًا وباردًا، وما أشبه ذلك من الأصناف على ما فسر (٢). وأن يكون متعلقًا بالفعل الثاني [وهو جعل] ومعمولًا له، على: وجعل فيها زوجين اثنين من جميع أصناف الثمرات.
فالوقف على الوجه الأول: على ﴿الثَّمَرَاتِ﴾، وعلى الثاني: على (أنهارًا). ولك فيه وجه ثالث: وهو أن تجعله حالًا من ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ لتقدمه عليهما.
و﴿اثْنَيْنِ﴾ توكيد لزوجين، والزوج هنا: الفرد، وهو الواحد الذي له قرين، لأن الزوج يكون اثنين، ولذلك قيد هنا بقوله: ﴿اثْنَيْنِ﴾: ليعلم أن المراد بالزوج هنا الفرد.
وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ (يغشي) يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من المنوي في (جعل). والمُغشِي هنا هو الله جل ذكره، يُلْبِس
стр. 1997
اللهُ الليلَ مكان النهار فيصير أسودَ مظلمًا بعدما كان أبيضَ منيرًا، ويُلْبِس النهارَ مكانَ الليل فيصير أبيض منيرًا بعد ما كان أسودَ مظلمًا، فاجتزأ بذكر أحدهما، والليل والنهار كل واحد منهما مُغْشٍ ومُغْشىً، فالليل يُلْبِس النهار بظلمته، والنهار يجَلِّي الليل بضيائه. فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾:
قوله : ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إما بالابتداء والظرف خبره على رأي صاحب الكتاب رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أو بالظرف على مذهب أبي الحسن. وقرئ: (قِطَعًا مُتَجَاوِرَاتٍ) بالنصب (١)، على: وجعل فيها بقاعًا متدانيات تجاور بعضها بعضًا، ومع كونها متلاصقات تتفاضل: فمنها طيبة تنبت، ومنها سبخة لا تنبت.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ قرئ أيضًا: بالرفع والنصب (٢)، والكلام فيهما كالكلام في ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾، ولك في (جنات) وجه آخر، وهو أن تجعلها مجرورة عطفًا على قوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (٣).
وقوله: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ قرئ: برفع (زرعٌ) وما عطف عليه (٤) عطفًا على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ﴾ على: وفي الأرض زرع
стр. 1998
ونخيل. وقرئ: بالجر فيهن (١) عطفًا على ﴿أَعْنَابٍ﴾ على: وجنات من أعناب وزرع ونخيل.
وضَعَّفَ بعضُهم قراءةَ الجر وقال: لأنَّ الزرع ليس من الجنات (٢). وليس الأمر كما زعم؛ لأن الأرض إذا كان فيها النخيل والكروم والزرع تسمى جنة، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ (٣) فسماها جنة كما ترى بعد أن وصفها بالمذكورات.
وقيل: التقدير: ونبات زرع، فعطف على المعنى (٤). والوجه هو الأول لسلامته من الحذف.
والزرع هنا بمعنى المزروع، تسميةً للمفعول بالمصدر، كخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائد، لأن الزرع هو إلقاء الحب في الأرض للنبات.
والنخيل: جمع نخل كعبد وعبيد، والنخل: الشجر الذي ثمره التمر.
والصنوان: جمع صنو، كقنو وقنوان برفع النون في الجمع وبكسرها في التثنية، وفيه لغتان: كسر الصاد وضمها، وقد قرئ بهما (٥) فالكسر لأهل الحجاز، والضم لتميم وقيس (٦)، ويجمع في القلة على أصناء، كعِدْل وأعدال، وقُفْلٍ وأقفَالٍ.
стр. 1999
وعن بعض القراء: (صَنْوَان) بفتح الصاد (١)، قال أبو الفتح: فإن صح ذلك فهو اسم الجمع كالسَّعدان، وليس من أمثلة التكسير (٢).
وإذا خرجت نخلتان أو نخلات من أصل واحد فكل واحدة منهم صِنْوٌ، وفي الحديث: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيه" (٣). لأنهما فرعان من أصل واحد. وهي صفة لقوله: (نخيلٌ).
وقوله: (تُسْقَى بماءٍ واحدٍ) قرئ: بالتاء النقط من فوقه (٤) على التأنيث، أي: تسقى هذه الأشياء التي تقدم ذكرها. وبالياء النقط من تحتها (٥) على التذكير، أي: يسقى ذلك أو ما ذكر.
وقوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا﴾ قرئ بالنون (٦) على استئناف الخبر من الله جل ذكره عن نفسه. وبالياء النقط من تحته (٧) على البناء للفاعل وهو الله تعالى حملًا على قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وما عطف عليه من الأفاعيل المسندة إلى ذكره جل ذكره. وبالياء أيضًا النقط من تحته مع فتح الضاد على البناء للمفعول، ورفع (بعضها) به (٨)، ووجهها ظاهر.
стр. 2000
وقوله: ﴿فِي الْأُكُلِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة (نفضل)، وأن يكون حالًا من ﴿بَعْضَهَا﴾، أي: مأكولًا، على البناء للمفعول. وقرئ: بضم الكاف وإسكانها (١). وهو ثمر النخل والشجر، وكل ما يؤكل فهو أُكل، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢).
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾:
قوله : ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ الفاء جواب الشرط وما بعده مبتدأ وخبر، فالمبتدأ: ﴿قَوْلُهُمْ﴾، والخبر: (عَجَبٌ).
وقوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ (إذا) منصوب وعامله محذوف دل عليه ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تقديره: أنبعث إذا كنا ترابًا؟ ثم حذف لدلالة ما بعده عليه، ولا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿كُنَّا﴾ لوجهين:
أحدهما: أن (إِذا) مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
والثاني: أن القوم لم ينكروا كونهم ترابًا، وإنما أنكروا البعث بعد كونهم ترابًا، ولا جديد في قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، لأن ما بعد (إنْ) لا يعمل فيما قبله، ومن قرأ: (إِذا) على الخبر (٣) كان تقديره: لا نبعث إذا كنا ترابًا، لأنهم أنكروا البعث، فدل إنكارهم على هذا الحذف.
ومحل قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ إلى منتهى قولهم - وهو ﴿جَدِيدٍ﴾ - إما الرفع