وقوله: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ عطف عليها، وهو جمع نهر، وهو سيل الماء الجاري، وهو من أنهرت الطعنة، إذا وَسَّعتها، قال:
٣٥١ - مَلَكْتُ بِها كفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَها ... يَرى قَائِمٌ مِن دُونِها ما وراءها (١)
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: يحتمل أن يكون عطفًا على ما قبله معمولًا لعامله، على معنى: وخلق فيها من جميع أنواع الثمرات، ثم استأنف فقال: جعل فيها زوجين، أي: صنفين حلوًا وحامضًا، وأسود وأبيض، وصغيرًا وكبيرًا، وحارًا وباردًا، وما أشبه ذلك من الأصناف على ما فسر (٢). وأن يكون متعلقًا بالفعل الثاني [وهو جعل] ومعمولًا له، على: وجعل فيها زوجين اثنين من جميع أصناف الثمرات.
فالوقف على الوجه الأول: على ﴿الثَّمَرَاتِ﴾، وعلى الثاني: على (أنهارًا). ولك فيه وجه ثالث: وهو أن تجعله حالًا من ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ لتقدمه عليهما.
و﴿اثْنَيْنِ﴾ توكيد لزوجين، والزوج هنا: الفرد، وهو الواحد الذي له قرين، لأن الزوج يكون اثنين، ولذلك قيد هنا بقوله: ﴿اثْنَيْنِ﴾: ليعلم أن المراد بالزوج هنا الفرد.
وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ (يغشي) يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من المنوي في (جعل). والمُغشِي هنا هو الله جل ذكره، يُلْبِس
стр. 1997
اللهُ الليلَ مكان النهار فيصير أسودَ مظلمًا بعدما كان أبيضَ منيرًا، ويُلْبِس النهارَ مكانَ الليل فيصير أبيض منيرًا بعد ما كان أسودَ مظلمًا، فاجتزأ بذكر أحدهما، والليل والنهار كل واحد منهما مُغْشٍ ومُغْشىً، فالليل يُلْبِس النهار بظلمته، والنهار يجَلِّي الليل بضيائه. فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾:
قوله : ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إما بالابتداء والظرف خبره على رأي صاحب الكتاب رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أو بالظرف على مذهب أبي الحسن. وقرئ: (قِطَعًا مُتَجَاوِرَاتٍ) بالنصب (١)، على: وجعل فيها بقاعًا متدانيات تجاور بعضها بعضًا، ومع كونها متلاصقات تتفاضل: فمنها طيبة تنبت، ومنها سبخة لا تنبت.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ قرئ أيضًا: بالرفع والنصب (٢)، والكلام فيهما كالكلام في ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾، ولك في (جنات) وجه آخر، وهو أن تجعلها مجرورة عطفًا على قوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (٣).
وقوله: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ قرئ: برفع (زرعٌ) وما عطف عليه (٤) عطفًا على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ﴾ على: وفي الأرض زرع
стр. 1998
ونخيل. وقرئ: بالجر فيهن (١) عطفًا على ﴿أَعْنَابٍ﴾ على: وجنات من أعناب وزرع ونخيل.
وضَعَّفَ بعضُهم قراءةَ الجر وقال: لأنَّ الزرع ليس من الجنات (٢). وليس الأمر كما زعم؛ لأن الأرض إذا كان فيها النخيل والكروم والزرع تسمى جنة، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ (٣) فسماها جنة كما ترى بعد أن وصفها بالمذكورات.
وقيل: التقدير: ونبات زرع، فعطف على المعنى (٤). والوجه هو الأول لسلامته من الحذف.
والزرع هنا بمعنى المزروع، تسميةً للمفعول بالمصدر، كخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائد، لأن الزرع هو إلقاء الحب في الأرض للنبات.
والنخيل: جمع نخل كعبد وعبيد، والنخل: الشجر الذي ثمره التمر.
والصنوان: جمع صنو، كقنو وقنوان برفع النون في الجمع وبكسرها في التثنية، وفيه لغتان: كسر الصاد وضمها، وقد قرئ بهما (٥) فالكسر لأهل الحجاز، والضم لتميم وقيس (٦)، ويجمع في القلة على أصناء، كعِدْل وأعدال، وقُفْلٍ وأقفَالٍ.
стр. 1999
وعن بعض القراء: (صَنْوَان) بفتح الصاد (١)، قال أبو الفتح: فإن صح ذلك فهو اسم الجمع كالسَّعدان، وليس من أمثلة التكسير (٢).
وإذا خرجت نخلتان أو نخلات من أصل واحد فكل واحدة منهم صِنْوٌ، وفي الحديث: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيه" (٣). لأنهما فرعان من أصل واحد. وهي صفة لقوله: (نخيلٌ).
وقوله: (تُسْقَى بماءٍ واحدٍ) قرئ: بالتاء النقط من فوقه (٤) على التأنيث، أي: تسقى هذه الأشياء التي تقدم ذكرها. وبالياء النقط من تحتها (٥) على التذكير، أي: يسقى ذلك أو ما ذكر.
وقوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا﴾ قرئ بالنون (٦) على استئناف الخبر من الله جل ذكره عن نفسه. وبالياء النقط من تحته (٧) على البناء للفاعل وهو الله تعالى حملًا على قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وما عطف عليه من الأفاعيل المسندة إلى ذكره جل ذكره. وبالياء أيضًا النقط من تحته مع فتح الضاد على البناء للمفعول، ورفع (بعضها) به (٨)، ووجهها ظاهر.
стр. 2000
وقوله: ﴿فِي الْأُكُلِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة (نفضل)، وأن يكون حالًا من ﴿بَعْضَهَا﴾، أي: مأكولًا، على البناء للمفعول. وقرئ: بضم الكاف وإسكانها (١). وهو ثمر النخل والشجر، وكل ما يؤكل فهو أُكل، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢).
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾:
قوله : ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ الفاء جواب الشرط وما بعده مبتدأ وخبر، فالمبتدأ: ﴿قَوْلُهُمْ﴾، والخبر: (عَجَبٌ).
وقوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ (إذا) منصوب وعامله محذوف دل عليه ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تقديره: أنبعث إذا كنا ترابًا؟ ثم حذف لدلالة ما بعده عليه، ولا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿كُنَّا﴾ لوجهين:
أحدهما: أن (إِذا) مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
والثاني: أن القوم لم ينكروا كونهم ترابًا، وإنما أنكروا البعث بعد كونهم ترابًا، ولا جديد في قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، لأن ما بعد (إنْ) لا يعمل فيما قبله، ومن قرأ: (إِذا) على الخبر (٣) كان تقديره: لا نبعث إذا كنا ترابًا، لأنهم أنكروا البعث، فدل إنكارهم على هذا الحذف.
ومحل قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ إلى منتهى قولهم - وهو ﴿جَدِيدٍ﴾ - إما الرفع
стр. 2001
على البدل من ﴿قَوْلُهُمْ﴾ في قوله: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾، أو النصب به، أعني بالقول، والمعنى: وإن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك فعجب أيضًا إنكارهم البعث وتكذيبهم إياه.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ الأغلال: جمع غل، وهو طوق تجمع فيه اليد إلى العنق.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾:
قوله : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ (قبل) ظرف للاستعجال، وقد جوز أن يكون حالًا من (السيئة)، وهي حال مقدرة، والمراد بالسيئة هنا: العقوبة المهلكة. وبالحسنة: العافية (١).
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ الجمهور على فتح ميم المَثُلات وضم ثائها، وهي العقوبات، أي: وقد مضت عقوبات نظرائهم من المكذبين. واحدها المَثُلة بفتح الميم وضم الثاء كالجمع، كَسَمُرَةٍ وسَمُراتٍ.
وقرئ: (المَثْلات) بفتح الميم وإسكان الثاء (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها مخففة من الجمع المضموم المذكور آنفًا هربًا من ثقل الضمة مع توالي الحركات.
والثاني: أن الواحد خفف، كما يقال السَّمْرة، ثم جمع على ذلك، ولم تفتح الثاء كما يقال في جَفْنَةٍ: جَفَنَاتٍ، لأنها ليست في الأصل فَعْلة وإنما هي مخففة من (فَعُلة)، ففصل بذلك بين فَعْلة مرتجلة وَفَعْلة مصنوعة
стр. 2002
منقولة من فَعُلة، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (١).
وقرئ: (المُثُلات) بضمتين (٢)، إما على إتباع الفاء العين، وإما فيها لغيّة أخرى، وهي مُثُلَةٌ كَبُسُرَةٍ فيمن ضم السين، وإما فيها لغة ثالثة وهي مُثْلَةٌ كغُرْفَةٍ في معنى مَثُلَةٍ، وهي العقوبة التي تبقي شيئًا في صاحبها. قال الرماني: هي لغة تميم.
وقرئ أيضًا: (المُثْلات) بضم الميم وسكون الثاء (٣). وهي إما تخفيف المُثُلات بضمتين على الأوجه الثلاثة، أو تخفيف الواحد وهي مُثْلَةٌ ثم جمع على ذلك، أو جمع على اللغة الثالثة وهي مُثْلَةٌ، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض وإشكال.
وأجاز أبو الفتح فيه وجهين آخرين:
أحدهما: أن يكون أراد - يعني القارئ - المَثُلات بفتح الميم وضم الثاء، ثم آثر إسكان الثاء استثقالًا للضمة، ففعل ذلك إلا أنه نقل الضمة إلى الميم، فقال: المُثْلات، كما قالوا في عَضُدٍ: عُضْدٌ، وفي عَجُزٍ: عُجْزٌ.
والآخر: أن يكون خفف في الواحد بنقل ضمة العين إلى الفاء بعد حذف حركة الفاء، ثم جمع على ذلك فقال: المُثْلات (٤).
وقرئ أيضًا: (المُثَلاتُ) بضم الميم وفتح الثاء (٥)، وهي جمع مُثْلَةٍ كَرُكَبَاتٍ وظُلَمَاتٍ في جمع رُكْبَةٍ وَظُلْمَةٍ على قول من فتح العين في الجمع هربًا
стр. 2003
إلى الخفة بالفتح (١).
قال أبو الفتح: وأصل هذا كله المَثُلات بفتح الميم وضم الثاء، يقال: أمْثَلْتُ الرجل من صاحبه إِمْثَالًا، وأَقْصصْتُهُ منه إِقْصَاصًا، بمعنىً واحدٍ، والاسم: المِثال، كالقِصاص (٢).
وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ محل ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ النصب على الحال من (الناس) والعامل المغفرة، أي يغفر لهم مع ظلمهم أنفسهم، بمعنى ظالمين لأنفسهم.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ ابتداء وخبر.
وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن ﴿هَادٍ﴾ رفع بالابتداء والظرف خبره وهو (لكل قوم)، أو بالظرف على رأي أبي الحسن. والهادي هو الله جل ذكره، على معنى: إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر لا أن تُثَبِّتَ الإيمان في صدورهم، ولست بقادر عليه. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قادر على هدايتهم بما يريد.
والثاني: أن ﴿هَادٍ﴾ معطوف على ﴿مُنْذِرٌ﴾، على: إنما أنت منذر وهاد لكل قوم، وفي هذا الوجه فصل بين العاطف والمعطوف بالظرف، يعضد هذا الوجه قول ابن عباس ﵄: ولكل قوم نبي يهديهم إلى الإيمان والطاعة بما يعطي الله من الآيات لا بما يريد (٣).
стр. 2004
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾:
قوله : ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ابتداء وخبر، وهو كلام مستأنف منقطع عما قبله، وقيل: اسم الله خبر مبتدأ محذوف متصل بما قبله مفسر لـ ﴿هَادٍ﴾ على الوجه الأول، أي: هو الله، ثم ابتُدِئ فقيل: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ (١).
و(ما) في قوله: ﴿مَا تَحْمِلُ﴾ يحتمل أن تكون موصولة ومحلها نصب بـ ﴿يَعْلَمُ﴾، و ﴿تَحْمِلُ﴾ صلتها، وعائدها محذوف من صلتها، أي: تحمله، على معنى: يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من الذكورة والأنوثة، والحسن والقبح، وغير ذلك من الأوصاف. وأن تكون مصدرية في موضع نصب أيضًا بـ ﴿يَعْلَمُ﴾ على معنى: يعلم حمل كل أنثى. وأن تكون استفهامية في موضع نصب بـ ﴿تَحْمِلُ﴾، أو في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿تَحْمِلُ﴾ على تقدير حذف الضمير من الخبر، والجملة في موضع نصب بـ ﴿يَعْلَمُ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ عطف عليها (٣)، وحكمها في الإعراب والتقدير حكمها، على معنى: ويعلم ما تَغيضه الأرحامُ، أي: تنقصه، يقال: غاض الماء يغيض غيضًا، إذا قل ونضب، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (٤) فُعل به ذلك، وغضته أنا، يتعدى ولا يتعدى، وكلاهما يحتمل هنا. أو يعلم غَيْضَ الأرحامِ. أو وأي شيء تغيض؟ أو وأي شيء تغيضه؟
стр. 2005
وكذا ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ أي: ويعلم ما تزداده، أو يعلم ازديادها، أو: وأي شيء تزداده؟ وازداد أيضًا يتعدى ولا يتعدى، يقال: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا، ومنه قوله : ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (١)، ويقال: زدته فزاد بنفسه وازداد، وكلاهما هنا محتمل أيضًا.
قال أهل المعاني: ومما تنقصه الرحم وتزداده عدد الولد، فإنها تشتمل على واحد، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة، ومنه جسد الولد، فإنه يكون تامًا وخديجًا، ومنه مدة ولادته، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر، وأزيد عليها إلى سنتين، وإلى أربع وإلى خمس على الخلاف في ذلك بين الفقهاء (٢)، وكلاهما على هذا التأويل متعدٍّ.
وعن الحسن: الغيضوضة: أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد: أن تزيد على تسعة أشهر (٣)، فالفعلان على هذا غير متعديين وكلاهما مسند إلى الأرحام، وهو لما فيها، على ما فسر وأُوِّل فاعرفه.
وقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (كل شيء) مبتدأ والخبر ﴿بِمِقْدَارٍ﴾، أي: بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه. و ﴿عِنْدَهُ﴾ محله الرفع على النعت لـ (كل)، أو الجر على النعت لـ ﴿شَيْءٍ﴾ ولك أن تعلقه بالمقدر في ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ من معنى الاستقرار.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾:
قوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ يحتمل أن يكون كلامًا مستأنفًا، ورفعه إما على إضمار مبتدأ، أي: هو عالم الغيب، أو بالابتداء، والخبر:
стр. 2006
﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾. وأن يكون نعتًا لاسم الله جل ذكره، أي: الله عالم ما غاب عن العباد وما شاهدوه وعاينون.
ويجوز في الكلام نصبه على المدح، وجره على البدل من الهاء في ﴿عِنْدَهُ﴾، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ بهما لأن القراءة سنة متبعة.
و﴿الْكَبِيرُ﴾: العظيم الشأن، الذي كل شيء دونه، المتعالي: في صفاته عما لا يليق به، أو المستعلي على كل شيء بقدرته، الموصوف برفعة الشأن.
ويجوز في ﴿الْمُتَعَالِ﴾ حذف الياء منه في الوقف لكونه رأس آية، وفي الوصل إجراءً له مجرى الوقف ولعدمها في الإمام مصحف عثمان ﵁، وإثباتها في الحالين على الأصل، وقد قرئ بهما (١).
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾:
قوله : ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ (من) في موضع رفع بالابتداء، و (من جهر) عطف عليه، و ﴿سَوَاءٌ﴾ الخبر، وفي الكلام حذف مضاف إما من المبتدأ أو من الخبر، تقديره إن كان الحذف من المبتدأ: إسرارُ من أَسَرّ وجَهْرُ من جَهَرَ سواءٌ، وإن كان من الخبر تقديره: ذوا سواء المذكوران. وإنما احتيج إلى هذا ليكون المبتدأ هو الخبر في المعنى، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب.
فإن قلت: لم قدرت (ذوا) دون (ذو) كما قدر الجمهور؟ قلت: لأن (سواء) يطلب اثنين، تقول: سواء زيد وعمرو، ولا يجوز الاقتصار على
стр. 2007
أحدهما، والخبر يكون على عدد المخبر عنه، فلذلك قدرت (ذوا) دون (ذو). ولك أن تقدر ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى اسم الفاعل، فيكون في هذا الوجه مثنى في المعنى، ولا حذف على هذا الكلام لا من أوله ولا من آخره، كأنه قيل: من أسر ومن جهر مستويان، كما تقول: هما زَوْرٌ، على الوجهين: إما على: ذوا زور، أو زائران، فاعرفه.
﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿سَوَاءٌ﴾، ولا يجوز أن يكون حالًا من المنوي في ﴿أَسَرَّ﴾ أو ﴿جَهَرَ﴾؛ لأن ما كان في صلة الموصول لا يتقدم عليه.
وقوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ عطف أيضًا، وكذا (سارب)، والتقدير: ومن هو سارب، لا بد من هذا التقدير حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب، لأنك لو عطفته على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ كان معنى الاستواء متناولًا واحدًا هو مستخف وسارب، اللهم إلا أن تجعل (من) في معنى الاثنين، كقول الفرزدق:
٣٥٢ - تَعَشَّ فإِنْ عَاهَدْتَنِي لَا تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئّبُ يَصْطَحِبَانِ (١)
أي: نكن مثل إنسانين يصطحبان، فحينئذ يجوز عطفًا على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾، كأنه قيل: سواء منكم اثنان: مستخف بالليل وسارب بالنهار، أي: مستتر بالليل متوارٍ به، وظاهر في سَرَبه، أي: في طريقه، من قولهم: سَرَبَت الإبل تَسْرُبُ سُرُوبًا، إذا مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت.
ولله در أبي إسحاق حيث أوضح وقال: الجاهر بنطقه والمضمر له في
стр. 2008
نفسه والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات في علم الله تعالى سواء (١).
وقيل: المعنى: مستخف بعمله في الليل ومظهر له في النهار، أي: لا يخفى عليه المُخْفَى من العمل ولا المُظْهَرُ منه (٢).
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾:
قوله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ ابتداء وخبر، واختلف في الضمير في ﴿لَهُ﴾، فقيل: لله جل ذكره. وقيل: لـ (مَن) في قوله: ﴿مَنْ أَسَرَّ﴾ (٣)، كأنه قيل: لمن أسر، ومن جهر، ومن استخفى، ومن سرب معقباتٌ، أي: جماعة من الملائكة - في قول الجمهور - يعتقبون، يأتي بعضهم عقيب بعض.
والأصل مُعْتَقِبات، فأدغمت التاء في القاف بعد أن نقلت حركتها إلى العين. ويجوز في الكلام أن تحذف حركة التاء وتكسر العين لالتقاء الساكنين، فتقول: مُعِتْقبات، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به لأن القراءة سنة متبعة. والتاء فيها لتأنيث الجماعة، والواحد معقب. وقال الجوهري: وإنما أنث لكثرة ذلك منهم، والتاء فيها للمبالغة كنسّابةٍ وعلّامةٍ (٤). فالواحد على قوله معقبة. وقيل: معقبة صفة للجمع، ثم جمع على ذلك فتكون جمع الجمع، أي: جماعات منهم (٥).
стр. 2009
وقرئ: (لَه مَعاقِيبُ) (١) وهو تكسير مُعَقِّبٍ أو معقبة على الوجهين، والياء فيه عوض من إحدى القافين، كما قيل في جمع مُقدِّم: مقاديم، وليس التعويض بِضَرْبَة لازم، فلك أن تقول: معاقب كما قيل: مقادم (٢).
وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أن تجعله صفة لمعقبات، أو حالًا من المنوي فيها، وأن يكون من صلة ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾. و ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ صفة، لمعقبات، أي: له معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، أي: من بين يدي الإنسان.
وإن جعلت، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ من تتمة ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ جاز أن يكون ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ صفة لمعقبات، وأن يكون حالًا من المنوي في الظرف والعامل الظرف نفسه، أو المقدر في ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ من معنى الاستقرار.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ في محله وجهان:
أحدهما: الرفع على أنه صفة للمرفوع الذي هو ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾، والتقدير: له معقبات من أمر الله يحفظونه مما يخافه، وهو قول أبي الحسن ﵀ (٣).
والثاني: النصب على أنه من صلة ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾، كقولك: حفظت زيدًا من الأسد، فقولك: (من الأسد) منصوب الموضع، لأنه مفعول (حفظت)، كأنه قيل: يحفظونه من أجل أمر الله، أي: من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه، تعضد هذا الوجه - وهو أن يكون في محل النصب متعلقًا بالحفظ - قراءة من قرأ: (يحفظونه بأمر الله) (٤)، أي: يحفظونه من حوادث الدهر ومخاوفه بأمر الله، وهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعكرمة، وزيد
стр. 2010
ابن علي، وجعفر بن محمد الصادق رضوان الله عليهم أجمعين (١).
وقيل: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: من خلق الله، كالجن والإنس، والحيات والعقارب، وغيرهما من الحشرات، ما لم يأت قدر، فإذا جاء القدر خلّوا بينه وبينه (٢).
وقيل: من الموت ما لم يأت أجل (٣).
وقيل: ﴿مِنْ﴾ بمعنى (إلى) أي: يحفظونه إلى أن يأمر بالكف فيكفوا عنه (٤).
وقيل: (مِن) بمعنى (عن) كقولك: أطعمه عن جوع ومن جوع (٥).
وقيل: الضمير في (له) لرسول الله ﷺ ، دل عليه قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾، أي له معقبات من الله يحفظونه عن الأعداء (٦).
وقيل: المعقبات: الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه على زعمه أو زعمهم، ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ من قضاياه ونوازله (٧).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من العافية والنعمة، ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا
стр. 2011
مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من الحال الجميلة، والمعنى: لا يسلب الله تعالى قومًا ما أعطاهم من العافية والنعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم من الصلاح والحال الجميلة بكثرة المعاصي. و ﴿مَا﴾ في كلا الموضعين في موضع نصب بالفعل الواقع قبله، وهو بمعنى (الذي)، و ﴿بِقَوْمٍ﴾ صلته.
وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ العامل في (إذا) ما دل عليه الجواب وهو ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾، أي: لا يرده أحد، والمَرَدّ: مَفْعَلٌ، من رَدَّ الشيءَ يَرُدُّه رَدًّا وَمَرَدًّا، وهو مصدر مبني مع (لا) في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿لَهُ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ أي: من ناصر يلي أمرهم فيصرف العذاب عنهم.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢)﴾:
قوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (هو) مبتدأ، وخبره ﴿الَّذِي﴾، وفي انتصاب قوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وجهان:
أحدهما: مصدران في موضع الحال، وفي ذي الحال وجهان: أحدهما: الكاف والميم في ﴿يُرِيكُمُ﴾، أي: يريكموه خائفين وطامعين، أو ذوي خوف وذوي طمع. والثاني: ﴿الْبَرْقَ﴾، كأنه في نفسه خوف وطمع، أي: خائفًا وطامعًا، أو ذا خوف وذا طمع، والأول أمتن، لأن ذلك من البرق مجاز.
والثاني: مفعولان من أجلهما وفيه وجهان - أحدهما: على تقدير حذف المضاف، أي: يريكموه إرادة خوف وطمع. والثاني: يريكموه إخافة وإطماعًا، كقولك: فعلت ذلك رغمًا للشيطان، أي: إرغامًا له.
ولا يجوز أن يكونا مفعولًا من أجلهما إلا على هذين التقديرين، وإلا فلا، لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المُعَلَّلِ، ومن شرط المفعول له أن يكون
стр. 2012
مصدرًا وفعلًا لفاعل الفعل المعلل ومقارنًا له في الوجود، نحو: ضربته تقويمًا له، لأن التقويم مصدر وهو فعل الضارب، إذ ليس المقوم غيره ومقارن للضرب في الوجود، فاعرفه وقس عليه ما يرد عليك في الكتاب العزيز وفي غيره.
وفي معنى الخوف والطمع قولان:
أحدهما: خوفًا من صواعق البرق وطمعًا في غيثه المزيل للقحط، عن الحسن (١). قال أبو الطيب:
٣٥٣ - فَتىً كالسَّحَابِ الجُونِ تُخْشَى وَتُرْتَجَى ... يُرَجَّى الحَيا مِنْهَا وَتُخْشَى الصَّوَاعقُ (٢)
الجَون: الأسود والأبيض، وهو من الأضداد، والجمع: جُوْنٌ.
والثاني: خوفًا للمسافر يخاف أذى المطر في سفره، وطمعًا للمقيم في الغيث الذي هو سبب الرزق والخصب، عن قتادة ﵀ (٣).
وقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ السحاب: جمع سحابة، والسحاب: الغيم المنسحب في الهواء، والثقال: جمع ثقيلة، تقول: ثقلت السحابة بالماء، فهي ثقيلة، وجمعها: ثقال، ككريمة وكرام، وظريفة وظراف.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾:
стр. 2013
قوله : ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ (بحمده) في موضع نصب على الحال من الرعد، أي: ملتبسًا به، أو حامدًا له. واختلف في الرعد:
فقيل: هو مَلَكٌ يسوق السحاب، وما يُسْمَعُ من السحاب صوته (١).
وقيل: الرعد ملك والصوت تسبيحه، والبرق: سوطه الذي يزجر به السحاب (٢).
وقيل: في الكلام حذف مضاف تقديره: ويسبح سامعو الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له، أي: يضجون بسبحان الله والحمد لله (٣).
والوجه هو الأول بشهادة قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٤). وقوله ﵇: "سبحان من يسبح الرعد بحمده" (٥).
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أي: من خشيته.
وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ محل الجملة النصب على الحال، أي: فيصيب بالصواعق من يشاء في حال جدالهم، وهي جمع صاعقة، والصاعقة: نار تسقط من السماء برعد شديد، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب (٦). ويجوز أن تكون مستأنفة (٧).
стр. 2014
وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ الجمهور على كسر ميم (المِحَال)، وهو فِعَال من المَحْلِ. قال أبو إسحاق: والمَحْلُ في اللغة الشدة (١)، أي: شديد القدرة والقوة، يقال: محل به، إذا غلبه، والمحل أيضًا: المكر والكيد، وهو المشهور في اللغة، يقال: محل به، إذا كاده وسعى به إلى السلطان. وفي الدعاء: "ولا تجعلْه ماحلًا مصدقًا" (٢). والمماحلة: المماكرة والمكايدة، والمعنى على هذا: إنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون، يعضده: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٤).
وقرئ: بفتح الميم (٥)، على أنه مْفعَلٌ من حال يحول حولًا ومَحالًا، إذا احتال، ومنه أحول من ذئبٍ، أي: أشد حيلة، وهو أَحْوَلُ منكَ، أي: أكثر حِيلَةً، وما أحوله! ومنه: رجل حُوَلَةٌ، أي: محتال.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾:
قوله : ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال الحسن: ﴿الْحَقِّ﴾ هو الله تعالى (٦)،
стр. 2015
وكل دعاء إليه دعوة الحق، على معنى: دعوة المدعو الحق، لأن دعاءه يجاب ودعاء غيره لا يجاب.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ والمعنى: والآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله لا يستجيبون للكفار بشيء من طلباتهم، أو بالعكس، أي: والكفار الذين يدعون الآلهة من دون الله لا يستجيب الآلهة لهم بشيء من الإجابة، والفاعل في ﴿يَدْعُونَ﴾ على الوجه الأول - وهو الواو - ضمير الكفار، والعائد إلى الموصول من الصلة محذوف، وهو مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ المحذوف، وهو ضمير المعبود المذكور في قول: والآلهة الذين يدعوهم الكفار، فحذف حذفًا لطول الإسم بالصلة، كما حذف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (١)، أي: تدعونهم، وإنما جمعهم جمع من يعقل على اعتقادهم فيها. والعائد إلى الموصول على الوجه الثاني فاعل الفعل الذي ﴿يَدْعُونَ﴾ وهو الواو في ﴿يَدْعُونَ﴾، ومفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف، وهو المعبود المذكور في قول: والكفار الذين يدعون الآلهة من دون الله.
وقوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ (إلا) حرف استثناء، ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، والمستثنى منه ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾، والتقدير: لا يستجيبون لهم بشيء من طلباتهم إلا استجابة [مثل استجابة] باسط كفيه، والمصدر المحذوف المقدر المذكور آنفًا في التقدير مضاف إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٢)، أي: من دعائه الخير، وفاعل هذا المصدر مضمر مراد،
стр. 2016
وهو ضمير الماء، أي: استجابة مثل استجابة الماء باسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، واللام في قوله: ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ من صلة (باسط) ومتعلق به، والمنوي في (يبلغ) ضمير الماء، أي: ليبلغ الماء فاه.
ولك أن تجعل الكاف في ﴿كَبَاسِطِ﴾ حرفًا متعلقًا بمحذوف، وذلك المحذوف هو صفة المصدر المقدر، أي: استجابة كائنة أو مستقرة كاستجابة الماء مَن بسط كفيه.
والفصل بين الموضعين: أنك إذا جعلته حرفًا كان فيه ذكر منتقل إليه من اسم الفاعل الذي هو كائنة أو مستقرة يعود إلى الموصوف (١) وكان متعلقًا به، وإذا جعلته اسمًا لم يكن فيه ضمير ولم يكن متعلقًا بمحذوف تعلق الجار بالاستقرار.
قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما (أَن) ﴿هُوَ﴾ كناية عن [الماء، أي: وما الماء ببالغ فاه بدعائه إياه. والثاني: أنَّ ﴿هُوَ﴾ كناية عن الفم، أي: وما فُوه ببالغ الماء، فإن جعلت ﴿هُوَ﴾ كناية عن الماء، كان المستكن في (ببالغ) للماء، وإن جعلته كناية عن] (٢) الفم كان المستكن في (ببالغ) للفم.
ولك أن تجعل ﴿هُوَ﴾ كناية عن الباسط، والمنوي في (ببالغ) له أيضًا، والضمير في ﴿بِبَالِغِهِ﴾ المفعول للماء، أي: وما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء، ولا يجوز أن تجعل ﴿هُوَ﴾ كناية عن الباسط أو عن الفم والمنوي في (ببالغ) للماء، لأن بالغًا إذا كان للماء وجرى على ﴿هُوَ﴾ الذي يكون كناية عن الباسط أو عن الفم، فقد جرى على غير من هو له، واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له لزم إبراز الفاعل، فيجب أن تقول: وما هو ببالغه
стр. 2017
هو، فيكون (هو) مرتفعًا بأنه فاعل البلوغ، وأظهرته لجريه على غير من هو له، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
و(ما) حجازية ليس إلا، لدخول الباء في الخبر، وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب (١).
وقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف وهو المعبود سوى الله، أو الله جل ذكره، على معنى: وما دعاؤهم الأصنام أو الله إلا في ضياع لا يجدي نفعًا، لأنهم إن دعوا لمعبود سوى الله لم يستطع إجابتهم، وإن دعوا الله لم يجبهم.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾:
قوله : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (من) في موضع رفع على الفاعلية.
﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾: مصدران في موضع الحال مِنْ ﴿مَنْ﴾ أي: طائعين وكارهين، وقد اضطربت أقاويل العلماء في معنى هذه الآية (٢)، وأجود ما قيل فيها: أنهم ينقادون لِمَا أراده فيهم من أفعاله شاؤوا أو أبوا، لا يقدرون أن يمتنعوا عليه (٣). والسجود في اللغة هو الخضوع.
وقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ﴾ في ارتفاعه وجهان:
أحدهما: ارتفع بالعطف على ﴿مَنْ﴾ على معنى: وتنقاد له ظلالهم أيضًا، حيث تتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص، والفيء والزوال.
стр. 2018
والثاني: ارتفع بالابتداء، وخبره محذوف على معنى: وظلالهم أيضًا منقادة له. والأول أمتن لاستغنائه عن الحذف.
وقوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ متعلق بقوله: ﴿يَسْجُدُ﴾ أو بالخبر المحذوف على الوجهين المذكورين، والغدو: أول النهار، وهو في الأصل مصدر قولك: غَدا غُدُوًا، تعضده قراءة من قرأ: (والإيصال) بكسر الهمزة (١)، وهو مصدر آصل إذا دخل في وقت الأصيل، وقيل: الغُدُوُّ جمع غَداةٍ، كقُنِي في جمع قَنَاةٍ، تعضده قراءة الجمهور، وقد ذكرتُ فيما سلف من الكتاب (٢) أن الآصال جمع أُصُلٍ، وأُصْلٌ جمع أصيل، وهو آخر النهار مما بين العصر إلى المغرب، وأن قوله: بالغدو أراد بالغدوات، فعبر بالفعل عن الوقت، كما تقول: أتيتك خُفوقَ النجم، ومَقْدَمَ الحَاجِّ، أي: وقت ذلك.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾:
قوله : ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (مَنْ) استفهام تقرير في موضع رفع بالابتداء و ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ الخبر، أي: من خالقهما ومدبرهما؟
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف إن أقروا في الحال وأقدموا على الجواب، أي: قل هو الله كما قلتم, فقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ حكاية لاعترافهم بذلك وتأكيد له عليهم، أو بالعكس إن لم يقرّوا في الحال ولم يقدموا على الجواب، على معنى: إن سكتوا فلقنهم فإنهم يتلقنونه ولا يقدرون أن
стр. 2019
ينكروه، أي: قل الله ربهما (١)، إذ لا جواب لهم إلا هذا.
وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ محل الجملة النصب على النعت لأولياء.
وقوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ﴾ قرئ: بالتاء النقط من فوقه (٢) لأنه مسند إلى مؤنث. وبالياء النقط من تحته (٣) لأن التأنيث غير حقيقي، أو لأن الظلمات عبارة عن الكفر، فحمل على المعنى فذُكِّر على ذلك.
وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا﴾ (أم) هنا منقطعة، على معنى: بل أَجعلوا؟ ومعنى الهمزة: الإنكار.
وقوله: ﴿خَلَقُوا﴾ في موضع النعت لشركاء. ﴿كَخَلْقِهِ﴾: محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، على معنى: بل أجعلوا لله شركاء خالقين خلقًا مثل خلق الله، فاشتبه عليهم خلق الله وخلق الشركاء فلم يميزوا بينهما؟ كلّا ليس الأمر كما زعموا، بل الله خالق كل شيء.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾:
قوله : ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ جمع وادٍ على غير قياس، لأنَّ فاعلًا لا يجمع على أَفْعِلَةٍ، ولم يسمع في غير هذا الحرف، والذي سوغ ذلك أن فعيلًا وفاعلًا يتعاقبان كثيرًا في الكلام، كرحيم وراحم، وحفيظ وحافظ، وقد جاء أَفْعلَةٌ في جمع فَعِيلٍ كثيرًا، كجَريبٍ وأَجربةٍ، وقَفيزٍ وأَقْفزةٍ، وسَرِيّ
стр. 2020
وأَسْرِيةٍ للنهر، فكذلك فاعلٌ، جُمع على أفعلة كذلك وإن كان عزيزًا، أو كأنه جمع ودي في التقدير، كسري وأسرية، والوادي: الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة.
وقوله: ﴿بِقَدَرِهَا﴾ نعت لأودية. واختلف في معناه، فقيل: بمقدارها الذي عرف الله سبحانه أنه نافع للممطور عليهم غير ضار (١). وقيل: بما قدّر لها من ملئها، أي: بقدر الأودية، فإنْ صَغُرَ الوادي قَلَّ الماء، وإن اتسع كثر (٢).
وقوله: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾ أي: فرفع زبدًا رابيًا، أي: خبثًا طافيًا عاليًا فوق الماء، والزبد: وَضَرُ الماء وخبثه الذي يعلوه، والمعنى: أن السيل طفا فوقه زبده.
وقوله: (ومما تُوقِدونَ) (من) هنا تحتمل أن تكون لابتداء الغاية، و (ما) موصول، على معنى: ومِنَ الذي توقدون عليه حتى يذوب، كالذهب والفضة والرصاص والنحاس وغير ذلك من جواهر الأرض، ينشأ زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل، وأن تكون للتبعيض.
وقرئ: (توقدون) بالتاء النقط من فوقها حملًا على قوله: (قُلْ أَفَتَّخَذْتُم)، وبالياء النقط من تحتها (٣) حملًا على قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (٤).
стр. 2021
وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ (توقدون)، وأما قوله: ﴿فِي النَّارِ﴾ فيحتمل أن يكون متعلقًا به أيضًا، لأنه قد يوقد على ما ليس في النار، بشهادة قوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ (١) فهذا إيقاد على ما ليس في النار وإن كان يلحقه وهجها ولهبها، وأما قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ (٢) فالمعنى على: من في قرب النار، ليس المراد به متوغلها ومَن حولها ممن لم يقرب منها قرب الآخرين، فاعرفه فإنه قول الشيخ أبي علي الفارسي ﵀ (٣).
وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾، أي: وما توقدون عليه كائنًا أو ثابتًا في النار (٤). والفصل بين الموضعين أنك إذا جعلته من صلة (توقدون) كان عاريًا من الذكر، وإذا جعلته من صلة محذوف كان فيه ذكر عائد إلى ذي الحال مرتفع به ارتفاعه باسم الفاعل الذي ناب هذا عنه، وقد ذكر نظيره قبيل.
وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ مفعول من أجله. أي: لطلب حلية، وقد جوز أن يكون في موضع الحال (٥).
وقوله: ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ عطف على ﴿حِلْيَةٍ﴾، والحلية: الزينة، كالذهب والفضة وغيرهما من الجواهر، كحلية المرأة والسيف وغيرهما، وجمعهما: حِلىً بالكسر كلِحية ولِحىً وربما ضم (٦). والمتاع: ما ينتفع به كالصُّفْر والحديد وغيرهما من جواهر الأرض.
وقوله: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ (زبد) رفع بالابتداء، و (مثله) صفته، والظرف
стр. 2022
خبره، وهو: (ومما توقدون)، أو بالظرف على رأي أبي الحسن.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: ضربًا مثل ذلك الضرب.
وقوله: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ انتصاب قوله: ﴿جُفَاءً﴾ على الحال من المستكن في ﴿فَيَذْهَبُ﴾، أي: باطلًا مطروحًا، يقال: جَفَأَ الوادي يَجْفَأُ جَفْئًا، إذا رمى بالوسخ، وكذلك القِدْر إذا رمت بزبدها عند الغليان، وأَجفَأَتْ لغية فيه (١). والجفاء مثل الغُثاء: والغثاء: ما يحمله السيل، غير أن همزة الجفاء أصلية، وهمزة الغثاء منقلبة.
والجفال أيضًا: ما نفاه السيل. يقال: أجفل السيل كأجفأ، قيل: وفي قراءة رؤبة بن العجاج: (جُفَالًا) (٢). وعن أبي حاتم: لا يُقرَأ بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر (٣).
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾:
قوله : ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ فيه وجهان:
أحدهما: كلام مستأنف، و ﴿الْحُسْنَى﴾ رفع بالابتداء، و ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ الخبر، أي: للذين أجابوا الله إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والطاعة الحسنى، أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة، واستجاب وأجاب بمعنى. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ مبتدأ خبره ﴿لَوْ﴾ مع ما في حيزه.
стр. 2023
و ﴿أَنَّ﴾ في موضع رفع بفعل مضمر، أي: لو وقع لهم أنَّ لهم. و ﴿مَا﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾، و ﴿لَهُمْ﴾ خبرها. و ﴿جَمِيعًا﴾ حال من المنوي في الظرف. و (مثله) عطف على ﴿مَا﴾. و ﴿مَعَهُ﴾ صفة لـ (مثله). ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ وفي الكلام حذف، أي: لو أن لهم المذكور، وقيل الفداء، لافتدوا به.
والثاني: أن اللام في ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقة بقوله: ﴿يَضْرِبُ﴾، أي: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين أجابوا ربهم، وللكافرين الذين لم يجيبوا، أي: هما مثلا الفريقين. و ﴿الْحُسْنَى﴾: صفة لمصدر ﴿اسْتَجَابُوا﴾، أي: استجابوا الاستجابة الحسنى.
وقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعد لغير المستجيبين، والوجه هو الأول وعليه الجمهور.
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ﴾ (مَنْ) مبتدأ، ونهاية صلة الموصول الذي هو (ما): ﴿الْحَقُّ﴾.
وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ خبر المبتدأ الذي هو (مَن).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع، إما على الابتداء وخبره وما عطف عليه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (١) أو على أنه وصف لقوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أو على: هم الذين يوفون، أو النصب على المدح.
стр. 2024
وقوله: ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾ أي: بأن يوصل.
وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ مفعول له.
وقوله: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ مصدران في موضع الحال، أي: مسرين ومعلنين، أو ذوي سر وعلانية. قيل: وكلاهما يتناول النوافل، لأنها في السر أفضل، والفرائض لوجوب المجاهرة بها نفيًا للتهمة (١).
وقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ عطف على طريق الاستئناف، أي: وهم يدرؤون، أي: ويدفعونها بها، والدرء: الدفع.
قيل: الحسنة: التوبة. والسيئة: الذنب (٢)، وقيل: يجازون بالإحسان إساءة من يسيء إليهم (٣).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ قيل: لهم عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي أراد الله تعالى أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها (٤).
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ فيه أربعة أوجه, أحدها: بدل من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾. والثاني: خبر مبتدأ محذوف، أي: هي جنات عدن. والثالث: ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾ ظرف، أي: لهم في عقبى الدنيا جنات عدن، وعقبى الشيء آخره، فتكون على هذا رفعًا بالابتداء أو بالظرف الذي هو ﴿لَهُمْ﴾. والرابع: مبتدأ، خبره ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ وإن كان نكرة، لأن فيه تخصيصًا ما.
стр. 2025
و ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ عل الأوجه السالفة صفة لـ ﴿جَنَّاتُ﴾، وعن أبي عمرو: (يُدخَلونها) على البناء للمفعول (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ محل (مَن) الرفع عطفًا على الضمير في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، وجاز ذلك من غير توكيد لأجل الفصل بالمفعول، وله نظائر في التنزيل، أو النصب على أن تكون الواو بمعنى (مع)، أو الجر وإن كان ضعيفًا عند البصريين لعدم الجار عطفًا على ﴿لَهُمْ﴾، على معنى: أولئك لهم ولمن صلح مع ما اتصل به عقبى الدار (٢).
وقد أجاز أبو جعفر: أن يكون عطفًا على ﴿أُولَئِكَ﴾ على معنى: أولئك ومن صلح مع ما بعده لهم عقبى الدار (٣). فيكون في موضع رفع أيضًا، والوجه هو الأول، والثاني لسلامته من الرد والدخل.
وقرئ: (صَلُحَ) بضم اللام (٤)، وهما لغتان، غير أن الفتح أفصح.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ابتداء وخبر، أي: يقولون: سلام عليكم.
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف و (ما) مصدرية، أو موصولة، أي: هذا الثواب والملاذ بصبركم، أي بسبب صبركم على ما أمر الله به ، أو بالذي صبرتم عليه، ولك أن تعلق الباء بما تعلق به الخبر وهو ﴿عَلَيْكُمْ﴾، ولا يجوز أن تعلقه بـ ﴿سَلَامٌ﴾ لأجل الفصل بالخبر.
وقوله: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي: فنعم عاقبةُ الدارِ الدنيا الجناتُ.
стр. 2026
والجمهور على كسر النون (فنِعم)، وقرئ: (فَنَعْمَ) بفتحها (١)، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب أن أصلَ نِعْمَ: نَعِمَ كعَلِمَ، وأَنَّ فيه وما كان على وزنه وثانيه حرفٌ حَلْقِيّ أربع لغات: نَعِمَ ونَعْمَ ونِعِمَ ونِعْمَ، وأوضحته فأغنى عن الإعادة هنا (٢).
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾:
قوله : ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ الحياةُ: مبتدأ، و ﴿مَتَاعٌ﴾ خبره، أي: وما الحياة الدنيا في جنب نعيم الآخرة إلا متاع، أي: إلا قليل ذاهب يُتَمَتَّعُ به قليلًا ثم يفنى.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما النصب على البدل مِن ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ أَنَابَ﴾، أو الرفع على: هم الذين. و ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ يحتملُ أن يكون من صلة قوله: (تطمئن)، أي: الطمانينة تحصل لهم بذكر الله، وهو القرآن (٣). وقيل: بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته (٤). وأن يكون حالًا من القلوب، أي: تطمئن وفيها ذكر الله، أي: ملتبسًا به.
стр. 2027
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، و ﴿طُوبَى﴾ مبتدأ ثان و ﴿لَهُمْ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن الأول. وقد جوز أن يكون بدلًا من القلوب على تقدير حذف المضاف، أي: تطمئن القلوب قلوب الذين آمنوا. ولك أن ترفعه على إضمار (هم)، وأن تنصبه على إضمار أعني.
و(طوبى) عند النحاةِ (فُعْلى) من الطِّيب، أي: وهي طيب العيش لهم، مصدر طاب كبُشرى وزُلفى، وواوها منقلبة عن ياء، لأنها من الطيب أُبدلت واوًا لضمة ما قبلها كما أبدلت في مُوقن ومُوسر لذلك.
وقرئ: (طِيبَى لهم) بكسر الطاء (١)، لتسلم الياء، كما قيل: بِيضٌ ومَعِيشةٌ، ومحلها الرفع على الابتداء، أو النصب على: جَعَل الله لهم طوبى. وقوله: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ عطف على ﴿طُوبَى﴾.
وقرئ: (وحُسْنُ مآبٍ) مرفوعًا وعليه الجمهور. ومنصوبًا (٢) عطفًا على محليها المذكورين آنفًا.
وقرئ: (وحُسْنَ مآبٌ) بضم الحاء وإسكان السين وفتح النون ورفع مآب على أنه فعل ماض (٣)، نُقلت ضمةُ السين إلى الحاء بعد أن أزيلت حركتها، لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى، كما فعل في قولهم:
стр. 2028
٣٥٤ - . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . حُسْنَ ذا أَدَبا (١)
ونحو هذا مطّرد في كل ما كان على فَعُلَ، مضموم العين إذا كان للمدح أو الذم، ومعنى (وحُسن مآبٍ) أي: وحسن مرجع لهم.
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾:
قوله : ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أرسلناك إرسالًا مثل ذلك الإرسال، أي: كما أرسلنا قبلك رسلًا إلى أمم كذلك أرسلناك في أمةٍ، أي: إلى أُمة، وعن ابن عباس ﵄ ﴿فِي أُمَّةٍ﴾، أي: في قرن قد مضت من قبلها قرون، وليست بأول رسول أرسل إلى أُمةٍ، وليست أمتك بأوَّل أمةٍ أُرسل إليها الرسول (٢).
وقوله: ﴿لِتَتْلُوَ﴾ من صلة (أرسلنا)، أي: أرسلناك لتقرأ عليهم الكتاب العزيز الذي أوحينا إليك.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾ الواو للحال.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ
стр. 2029
جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ جواب (لو) محذوف، أي: لكان هذا القرآن، لكونه غاية في التذكير، ونهاية في الإنذار والتخويف، أو: لَمَا آمنوا به، عن ابن عباس ﵄ (١)، يعضده: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢).
وعن الفراء: جوابهُ مُقَدَّمٌ عليه، أي: فهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرانًا سيرت به الجبال، وما بينهما اعتراض (٣).
ومحل ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ وما عطف عليها النصب على النعت لقرآن. فإن قلت: لم ذكِّر فعل الموتى وأنث فعل الجبال والأرض؟ قلت: على وجه التغليب، لأن الموتى فيها المذكر الحقيقي والتغليب له إذا انضم إليه غيره.
وقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ انتصاب قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال من المنوي في ﴿لِلَّهِ﴾ على رأي صاحب الكتاب، أو من ﴿الْأَمْرُ﴾ على رأي أبي الحسن.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ﴾ في (ييئس) وجهان:
стр. 2030
أحدهما: بمعنى (يعلم)، قيل: وهي لغة طائفة من النَّخَع (١). وقيل: لغة هوزان (٢). قال الشاعر:
٣٥٥ - أَلَمْ ييئسِ الأقوامُ أَني أنا ابنُهُ ... وإنْ كنتُ عن أرضِ العشيرةِ نائيًا (٣)
أي: ألم يعلم. وقال آخر:
٣٥٦ - أقولُ لاهلِ الشِّعْبِ اذ يَيْسِرُونني ... أَلَم تَيْئَسُوا أني ابنُ فارسِ زَهْدَمِ (٤)
أي: ألم تعلموا. قيل: وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه، لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك (٥).
والمعنى: ألم يعلم المؤمنون أن الله تعالى لو شاء لهدى الناس جميعًا إلى دينه فلم يبق كافر؟ كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٦)، تعضده قراءة من قرأ: (أفلم يتبين الذين آمَنوا) وهو علي ابن أبي
стр. 2031
طالب، وابن عباس، ونفر من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين (١).
و﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة في موضع نصب بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ لأنه بمعنى العلم والتبين، واسمها مضمر، وهو ضمير الشأن والحديث.
والثاني: على بابه، على معنى: أفلم يقنط الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لعلمهم أن الله تعالى لو أراد أن يهديهم لهداهم.
ولك أن تجعل ﴿أَنْ﴾ من صلة ﴿آمَنُوا﴾، على: أفلم ييئس من إيمان هؤلاء الكفار الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا. وانتصاب قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال.
وقوله: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ﴾ على: ولو شاء الله، على المضي، لأن (لو) تجعل الفعل للمضيَّ وإن كان مستقبلًا، لأنك في (لو) تخبر عن امتناع شيءٍ فيما مضى لامتناع غيره، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (٢) أي: لو أطاعكم لهلكتم، ولكن امتناع الهلاك لامتناع الطاعة.
وقوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ (ما) مصدرية، أي: بصنعهم، أو موصولةٌ، أي: بالذي صنعوه من سوء أعمالهم.
﴿قَارِعَةٌ﴾: داهية ومصيبة شديدة، تقرعهم بما يحل الله بهم في كلِّ وقت من أنواع البلايا كالأسر والقتل والقحط وغير ذلك.
وقوله: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا﴾ (قريبًا) ظرف لتحل، وفي فاعل الفعل الذي هو ﴿تَحُلُّ﴾ وجهان:
أحدهما: ضمير القارعة، أي: أو تحل القارعة قريبًا منهم، فيكون
стр. 2032
محله رفعًا على أنه نعت لقارعة، أي: قارعة حالّةٌ.
والثاني: ضمير المخاطب، وهو رسول الله ﷺ أي: أو تحل أنت يا محمد قريبًا منهم بجيشك، فيكون محله نصبًا على أنه خبر لقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ﴾ عطفًا على ﴿تُصِيبُهُمْ﴾.
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (من) موصولة في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلتها ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، و (ما) في ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ مصدرية أو موصولةٌ، وخبر المبتدأ محذوف، وفيه تقديران:
أحدهما: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كمن هو ساهٍ عن ذلك؟ ﴿وَجَعَلُوا﴾: عطف على كسبت (١).
والثاني: يقدر ما يقع خبرًا للمبتدأ، ويعطف عليه ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: أَفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه (٢).
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: جعلتم له شركاء فسموهم له ونبئوه بأسمائهم، لأن أسماء المعبود مأخوذة من صفاتها وأفعالها، كالقادر والخالق والعالم والرازق والمحيي والمميت، والمعنى: صفوهم حتى يتبين هل يستحقون أن يكونوا شركاء لله؟
وقوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ (أم) منقطعة و (ما) موصولة، أي: بل أتخبرونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض؟ وهو العالم بما
стр. 2033
في السموات والأرض، ولا يعلم فيهما شركاء له.
وقوله: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول مِن غير أن يكون لذلك حقيقة، كقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (١)، ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قرئ: بالحركات الثلاث (٣)، أما الفتح: فعلى البناء للفاعل، على معنى: صَدوا غيرهم عن سبيل الحق، أي: صَرفوهم عنه. وأما الضم: فعلى البناء للمفعول، على معنى: صُرفوا عن الطريق المستقيم، والصادُّ هو الشيطان، أو كُبراء الكفرة. وكذلك الكسر، غير أن الأصل صُدِدُوا فنقلت حركة العين إلى الفاء بعد أنه أزيلت حركة الفاء، لأنها لا تتحرك بحركةٍ وهي متحركة بأخرى، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٤).
وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ابتداء وخبر، وكلتا اللغتين هنا سواء لتقدم الخبر (٥).
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾:
стр. 2034
قوله : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ رفع بالابتداء، واخْتُلِف في خبره، فقال صاحب الكتاب - رحمه لله - تعالى: خبره محذوف، أي: فيما قصصنا عليكم، أو أنزلنا مثل الجنة، أي: شبهها (١).
وقال غيره: الخبر ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢)، على حذف الموصوف، أي: شِبْهُ الجنة التي وُعِدَ المتقون دخولها شبهُ جنة من صفتها كيت وكيت، تمثيلًا لما غاب عنا بما نشاهد، وذلك أن الله عَرَّفَنا شبه الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدناها وعايناها (٣). وقيل: صفة الجنة (٤). وقيل: صورة الجنة (٥).
وحقيقة المثل في اللغة: الشبه، ولذلك يجري مجراه في مواضع شتى، تقول: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شِبهك، وهذا مثل هذا، كما تقول: هذا شبه هذا. ثم استعمل في صفة الشيء وصورته لقربه منهما من جهة المعنى.
و﴿تَجْرِي﴾ على رأي صاحب الكتاب: في موضع الحال من الذكر الراجع، أي: وعدوا (٦) دخولها مقدَّرًا جريان أنهارها.
وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ أي: ثمرها دائم الوجود لا ينقطع شتاء ولا
стр. 2035
صيفًا، كقوله: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ (١). وقوله: ﴿وَظِلُّهَا﴾ أي: وظلها أيضًا دائم لا تنسخه الشمس ولا يزول أبدًا.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ الجمهور على نصبه عطفًا على ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، وقرئ: (ولا أشركُ) بالرفع (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: على الاستئناف، كأنه قال: وأنا لا أشرك به.
والثاني: في موضع الحال من المنوي في ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، أي: أمرت أن أعبد الله غير مشركٍ.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إنزالًا مثل ذلك الإنزال أنزلناه، أي: كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم، وكذلك أنزلناه إليك حكمًا عربيًا، وانتصاب قوله: ﴿حُكْمًا﴾ على الحال من الهاء في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، أي: حاكمًا، بمعنى: فاصلًا بين الحق والباطل، أي: ذا حكم، أي: محكمًا. وقيل: ﴿حُكْمًا﴾: حكمة (٣).
وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: بلسان العرب.