طالب، وابن عباس، ونفر من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين (١).
و﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة في موضع نصب بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ لأنه بمعنى العلم والتبين، واسمها مضمر، وهو ضمير الشأن والحديث.
والثاني: على بابه، على معنى: أفلم يقنط الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لعلمهم أن الله تعالى لو أراد أن يهديهم لهداهم.
ولك أن تجعل ﴿أَنْ﴾ من صلة ﴿آمَنُوا﴾، على: أفلم ييئس من إيمان هؤلاء الكفار الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا. وانتصاب قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال.
وقوله: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ﴾ على: ولو شاء الله، على المضي، لأن (لو) تجعل الفعل للمضيَّ وإن كان مستقبلًا، لأنك في (لو) تخبر عن امتناع شيءٍ فيما مضى لامتناع غيره، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (٢) أي: لو أطاعكم لهلكتم، ولكن امتناع الهلاك لامتناع الطاعة.
وقوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ (ما) مصدرية، أي: بصنعهم، أو موصولةٌ، أي: بالذي صنعوه من سوء أعمالهم.
﴿قَارِعَةٌ﴾: داهية ومصيبة شديدة، تقرعهم بما يحل الله بهم في كلِّ وقت من أنواع البلايا كالأسر والقتل والقحط وغير ذلك.
وقوله: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا﴾ (قريبًا) ظرف لتحل، وفي فاعل الفعل الذي هو ﴿تَحُلُّ﴾ وجهان:
أحدهما: ضمير القارعة، أي: أو تحل القارعة قريبًا منهم، فيكون
стр. 2032
محله رفعًا على أنه نعت لقارعة، أي: قارعة حالّةٌ.
والثاني: ضمير المخاطب، وهو رسول الله ﷺ أي: أو تحل أنت يا محمد قريبًا منهم بجيشك، فيكون محله نصبًا على أنه خبر لقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ﴾ عطفًا على ﴿تُصِيبُهُمْ﴾.
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (من) موصولة في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلتها ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، و (ما) في ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ مصدرية أو موصولةٌ، وخبر المبتدأ محذوف، وفيه تقديران:
أحدهما: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كمن هو ساهٍ عن ذلك؟ ﴿وَجَعَلُوا﴾: عطف على كسبت (١).
والثاني: يقدر ما يقع خبرًا للمبتدأ، ويعطف عليه ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: أَفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه (٢).
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: جعلتم له شركاء فسموهم له ونبئوه بأسمائهم، لأن أسماء المعبود مأخوذة من صفاتها وأفعالها، كالقادر والخالق والعالم والرازق والمحيي والمميت، والمعنى: صفوهم حتى يتبين هل يستحقون أن يكونوا شركاء لله؟
وقوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ (أم) منقطعة و (ما) موصولة، أي: بل أتخبرونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض؟ وهو العالم بما
стр. 2033
في السموات والأرض، ولا يعلم فيهما شركاء له.
وقوله: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول مِن غير أن يكون لذلك حقيقة، كقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (١)، ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قرئ: بالحركات الثلاث (٣)، أما الفتح: فعلى البناء للفاعل، على معنى: صَدوا غيرهم عن سبيل الحق، أي: صَرفوهم عنه. وأما الضم: فعلى البناء للمفعول، على معنى: صُرفوا عن الطريق المستقيم، والصادُّ هو الشيطان، أو كُبراء الكفرة. وكذلك الكسر، غير أن الأصل صُدِدُوا فنقلت حركة العين إلى الفاء بعد أنه أزيلت حركة الفاء، لأنها لا تتحرك بحركةٍ وهي متحركة بأخرى، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٤).
وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ابتداء وخبر، وكلتا اللغتين هنا سواء لتقدم الخبر (٥).
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾:
стр. 2034
قوله : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ رفع بالابتداء، واخْتُلِف في خبره، فقال صاحب الكتاب - رحمه لله - تعالى: خبره محذوف، أي: فيما قصصنا عليكم، أو أنزلنا مثل الجنة، أي: شبهها (١).
وقال غيره: الخبر ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢)، على حذف الموصوف، أي: شِبْهُ الجنة التي وُعِدَ المتقون دخولها شبهُ جنة من صفتها كيت وكيت، تمثيلًا لما غاب عنا بما نشاهد، وذلك أن الله عَرَّفَنا شبه الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدناها وعايناها (٣). وقيل: صفة الجنة (٤). وقيل: صورة الجنة (٥).
وحقيقة المثل في اللغة: الشبه، ولذلك يجري مجراه في مواضع شتى، تقول: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شِبهك، وهذا مثل هذا، كما تقول: هذا شبه هذا. ثم استعمل في صفة الشيء وصورته لقربه منهما من جهة المعنى.
و﴿تَجْرِي﴾ على رأي صاحب الكتاب: في موضع الحال من الذكر الراجع، أي: وعدوا (٦) دخولها مقدَّرًا جريان أنهارها.
وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ أي: ثمرها دائم الوجود لا ينقطع شتاء ولا
стр. 2035
صيفًا، كقوله: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ (١). وقوله: ﴿وَظِلُّهَا﴾ أي: وظلها أيضًا دائم لا تنسخه الشمس ولا يزول أبدًا.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ الجمهور على نصبه عطفًا على ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، وقرئ: (ولا أشركُ) بالرفع (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: على الاستئناف، كأنه قال: وأنا لا أشرك به.
والثاني: في موضع الحال من المنوي في ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، أي: أمرت أن أعبد الله غير مشركٍ.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إنزالًا مثل ذلك الإنزال أنزلناه، أي: كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم، وكذلك أنزلناه إليك حكمًا عربيًا، وانتصاب قوله: ﴿حُكْمًا﴾ على الحال من الهاء في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، أي: حاكمًا، بمعنى: فاصلًا بين الحق والباطل، أي: ذا حكم، أي: محكمًا. وقيل: ﴿حُكْمًا﴾: حكمة (٣).
وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: بلسان العرب.
стр. 2036
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ذهب جماعة: إلى أن هذا عامٌّ في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء من الرزق والأجل، والسعادة والشقاوة، وغير ذلك مما لا يليق ذكره في هذا الكتاب (١).
وقوله: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ أي: ويثبته، فاستُغني بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني، كقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقرئ: (ويُثْبِتُ) بالتخفيف من الإثبات، وبالتشديد من التثبّت (٢).
وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، وهو أصل كل كتاب، لأن كل كائن مكتوب فيه.
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾:
قوله : ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ الأصل إنْ ما، (إنْ) شرطية دخلت عليها (ما) لتوكيد الشرط، فدخلت على الفعل النون الثقيلة لتأكيد الفعلِ، وقد مضى الكلام على هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٣).
стр. 2037
وقوله: ﴿نَنْقُصُهَا﴾ في محل النصب على الحال من المنوي في ﴿نَأْتِي﴾.
وقوله: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في الحكم، أي: نافذًا حكمه، كقولك: جاءني زيد لا شيء على بدنه، أي: حاسرًا.
قال الفراء: لا معقب لحكمه، أي: لا راد لحكمه (١). والتعقيب رد الحكم بعد فصله، قاله الرماني.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ انتصابه على الحال من المنوي في الظرف، أو من ﴿الْمَكْرُ﴾ على رأي أبي الحسن.
وقوله: (وسيعلمُ الكافرُ) بالتوحيد على إرادة الجنس، كالباقر والجامل، وبالجمع على الأصل (٢).
وقوله: ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ابتداء وخبر، والجملة في موضع نصب بقوله: (سيعلم)، والفعل معلق عنها لفظًا، لأن هذا الفعل يُعَلَّقُ مع الجار كما يُعَلَّقُ مع غير الجار. تقول: علمت لمن الدار، كما تقول: علمت أيهم عندك.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾:
стр. 2038
قوله : ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ انتصابه عل الحال أو على التمييز، ومفعولا (كَفَى) محذوفان، والباء صلة، أي: كفاك الله أذاهم أو مكرهم، وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ الجمهور على فتح ميم ﴿وَمَنْ﴾ وهو موصول، ومحله: إما الرفع عطفًا على موضع اسم الله جل ذكره، على معنى: كفى الله وكفى الذي عنده علم القرآنِ، أو علم التوراةِ، أو علم ما في اللوح المحفوظِ، على أَنَ المراد بـ (مَن) الله عز سلطانه، على ما فسر (٢)، على معنى: كفى بالذي يستحق العبادة، وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدًا بيني وبينكم، تعضده قراءه من قرأ: (ومِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكتابِ) على أنه حرفٌ جارٌ - والكلام يأتي عليه آنفًا إن شاء الله تعالى - وهو النبي ﷺ ، وعلي بن أبي طالب، وجماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين (٣).
أو الجر عطفًا على لفظ اسم الله، وما بعده صلته، وارتفاعُ العِلم على قراءة الجمهور بنفس الظرف على المذهبين، لأن الظرف إذا وقع صلة رفع الظاهر لإيفائِهِ في قوة شبهه بالفعل لاعتماده على الموصول، كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه، فارتفاع قولك: أخوه بنفس الظرف لِما ذكرت آنفًا فاعرفه.
وقرئ: (ومِنْ عِنْدِهِ) بكسر الميم (٤) على أنها الجارة، و ﴿عِلْمُ
стр. 2039
الْكِتَابِ﴾، على هذه القراءة ارتفاعه بالابتداء، والجار خبره، أو بالجار على رأي أبي الحسن، أي: من فضله ولطفه علمُ الكتابِ، لأن العلم علمه من فضله ولطفه.
وقرئ: (ومِنْ عِنْدَهُ عُلِمَ الكتابُ) بضم العين وكسر اللام وفتح الميم على البناء للمفعول ورفع الكتاب به (١)، فـ (مِن) على هذه القراءة متعلقةٌ بنفس (عُلِمَ) فاعرفه،
وكلتا هاتين القراءتين تقوي قول مَن قال: إنَّ المراد بقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ الله ، وهو الحسن -رحمه الله تعالى- (٢).
هذا آخر إعراب سورة الرعد
والحمد لله رب العالمين
стр. 2040
الكِتَابُ الفَرِيدُ
في إعرَابِ القُرْآنِ المَجِيدِ
(إعرَابٌ, مَعَانٍ, قِراءَات)
تأليف
العَلّامَة الحَافِظِ المُقْرئ
المنتَجَب الهَمَذانيّ
(المتوفّى سنة ٦٤٣ هـ)
"وقد انتدب الناس لتأليف إعراب القرآن، ومن أوضحها كتاب الحوفي، ومن أحسنها كتاب المشكل، وكتاب أبي البقاء العكبري، وكتاب المنتجب الهمذاني. . ."
(الإمام الزركشي)
حَقّقَ نصُوصَه وخرَّجه وَعَلَّق عَلَيْه:
محَمَّد نِظَامُ الدّين الفَتيّح
الجزء الرّابع
مِنْ أَوَّلِ سُورَة إِبْرَاهِيمَ إِلى آخِرِ سُورَةِ النُّورِ
مكتبة
دار الزمان
للنشر والتوزيع
стр. 2041
ح مكتبة دار الزمان للنشر والتوزيع، ١٤٢٧ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الهمذاني، المنتجب
الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد/ المنتجب الهمذاني،
محمد نظام الدين الفتيح - المدينة المنورة، ١٤٢٧ هـ
٦ مج
٦٧٤ ص، ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٠ - ٠ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٣ - ٤ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (ج ٤)
١ - القرآن - إعراب أ. الفتيح، محمد نظام الدين (محقق) ب. العنوان
ديوي ٢٢٤,٢
٨٨٤/ ١٤٢٧
رقم الإيداع: ٨٨٤/ ١٤٢٧
ردمك: ٠ - ٠ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٣ - ٤ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (ج ٤)
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
مكتبة
دار الزمان
للنشر والتوزيع
DAR
AL-ZAMAN LIBRARY
FOR PUBLISHING & DISTRIBUTION
المملكة العربية السعودية - المدينة المنورة - ص. ب: ١٥٥٦
شارع الستين - هاتف: ٨٣٦٦٦٦٦ - فاكس ٨٣٨٣٢٢٦
شارع الضيافة - إمتداد شارع أبا ذر
هاتف: ٨٣٦٢٩٩٣ - هاتف وفاكس: ٨٣٤٤٩٤٦
موقعنا على الإنترنت: www. daraIzaman.com
البريد الإلكتروني: zaman@daraIzaman.com
Saudi Arabia - Medina Monawara - P.O.Box: ١٥٥٦
AI-Sittin Str. - Tel: ٨٣٦٦٦٦٦ - Fax: ٨٣٨٣٢٢٦
AI-Diafa Str. - Aba zar Str. Tel. ٨٣٦٢٩٩٣
Telefax: ٨٣٤٤٩٤٦
Website: www.daraIzaman.com
email: zaman@daraIzaman.com
стр. 2042
الكِتَابُ الفَرِيدُ
في إعرَابِ القُرْآنِ المَجِيدِ
(إعرَابٌ, مَعَانٍ, قِراءَات)
стр. 2043
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2044
إعراب سُورَةُ إبْرَاهِيْمَ ﵇ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾:
قوله : ﴿كِتَابٌ﴾ ارتفاعه على خبر ابتداء مضمر، أي: هذا أو هو كتاب، يريد السورة أو القرآن. وقيل: ﴿الر﴾ مبتدأ، و ﴿كِتَابٌ﴾ خبره، أي: القرآنُ كتابٌ، ويجوز في ﴿الر﴾ أوجه من الإعراب، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب.
وقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ في موضع رفع على أنها صفة للكتاب.
وقوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ من صلة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ في موضع نصب، وفيه وجهان:
أحدهما: مفعول به متعلق بقوله: ﴿لِتُخْرِجَ﴾، أي: لتخرجهم بما أذن الله لك في تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان، أي: بسبب الإذن. وقيل: بتوفيقه إياهم (١). وقيل: بتسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب (٢).
стр. 2045
والثاني: في موضع الحال من المنوي في ﴿لِتُخْرِجَ﴾ أي: مأذونًا لك، أو من ﴿النَّاسَ﴾، أي: مأذونًا لهم.
وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بدل من قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾ بتكرير العامل، كقوله ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١).
والثاني: مستأنف، كأنه قيل: إلى أي نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد، وهو دين الإسلام الذي مَن سلكه أدّاه إلى الجنة، و ﴿الْعَزِيزِ﴾: الغالب الذي لا يُغْلَبُ، وفي الحميد وجهان: أحدهما فعيل بمعنى محمود. والثاني: بمعنى فاعل، لأنه يَحْمَدُ طاعةَ المطيعين.
﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾:
قوله : ﴿اللَّهِ الَّذِي﴾ قرئ: بالجر (٢) على البدل من ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، ولا يجوز أن يكون صفة، لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام، لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة، كما غَلَبَ النجمُ على الثريا، فلما غلب حتى صار في الغلبة لذلك كالعَلَم، والعَلَمُ لا يوصف به، لأنه ليس بحلية ولا قرابة ولا نسب.
وقرئ: بالرفع (٣) على الابتداء، وخبره ﴿الَّذِي﴾، أو على: هو الله، و ﴿الَّذِي﴾ صفة له.
وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (ويل) رفع بالابتداء خبره
стр. 2046
للكافرين، و ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ في موضع الصفة لويل بعد الخبر، وجاز ذلك لأنَّ الصفة تُقطع كثيرًا عن الموصوف (١) وتُنصب على إضمار فعل، وتُرفع على إضمار مبتدأ، أو في موضع نصب على الحال من المنوي في الخبر، ولا يجوز أن يكون من صلة (ويل) كما زعم بعضهم، لأجل الفصل بينهما بالخبر، وذلك غير جائز، لأن الويل اسم معنىً كالهلاك، إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال: ويلًا له، فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات، فيقال: ويل له، كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ﴾ (٢)، و ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ (٣)، فاعرفه.
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع، إمَّا على الابتداء وخبره ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، أو على: هم الذين، أو النصب على الذم، أو الجر على الصفة للكافرين. ومعنى يستحبون: يختارون، أي: يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، أي يؤثرونها عليها، والاستحباب: الاختيار والإيثار، وهو استفعال من المحبة، لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها وأفضل عندها من الآخر (٤).
وقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ الجمهور على فتح يائه وضم الصاد، وقرئ: (ويُصِدون) بضم الياء وكسر الصاد (٥)، قيل: يقال: صده عن كذا وأصده، إذا منعه عنه، قال الشاعر:
стр. 2047
٣٥٧ - أُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيفِ عنهمُ ... . . . . . . . . . . . (١)
والهمزة داخلة على صَدَّ صُدُودًا، لتنقله من غير التعدي إلى التعدي، وأما صَدَّهُ فموضوع على التعدية كمنعه، وليست بفصيحة كأوقفه، لأن الفصحاء استغنوا بصده ووقفه عن تكلف التعدية بالهمزة (٢).
وقوله: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ في انتصاب قوله: ﴿عِوَجًا﴾ وجهان:
أحدهما: مفعول ثان ليبغون، وهو مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بالجار، والأصل: ويبغون لها، فحذف الجار وأوصل الفعل.
والثاني: مصدر في موضع الحال من ضمير الفاعل، أي: ذوي عوج، والمعنى: ويطلبون لسبيل الله زيغًا واعوجاجًا، تقول: بغيتُ الشيءَ، إذا طلبتَهُ، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾:
قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ قوله: ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ يحتمل أو يكون من صلة ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وأن يكون في موضع الحال من قوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ لكونه في ضمن النفي، أي: إلا متكلمًا بلغتهم.
وقرئ: (بلِسْن قومه) بكسر اللام وإسكان السين (٤)، وهو بمعنى اللسان، فاللِّسْن واللسان، كالرِّيش والرِّياش، فِعْلٌ وفِعَالٌ بمعنىً، قاله أبو الفتح (٥).
стр. 2048
وقرئ أيضًا: (بلُسُن قومه) بضم اللام، والسين مضمومةٌ أو ساكنة (١)، وهو جمع لسانٍ ككتابٍ وكُتُبٍ وكُتْبٍ على التخفيف.
وقوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ من صلة ﴿أَرْسَلْنَا﴾.
وقوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ﴾ مستأنف، ولم يُنْصَبْ عطفًا على ﴿لِيُبَيِّنَ﴾، لأن الرسل أُرسلوا للبيان لا للضلال (٢).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾:
قوله : ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ في ﴿أَنْ﴾ هنا وجهان:
أحدهما: هي المفسرة، بمعنى: أي أَخرج، لأن الإرسال فيه معنى القول، كأنه قيل: أرسلناه وقلنا له أخرج، أو لأن الإرسال نوع من القول.
والثاني: هي الناصبة للفعل، أي: بأن يخرج، وإنما حسن أن توصل بفعل الأمر، لأن الغرض وصلها بما تكونُ معه في تأويل المصدر وهو الفعل، والأمر وغيره سواء في الفعلية، قال صاحب الكتاب ﵀: تقول: كتبت إليه أن قم، وأمرته أن قم، إن شئت كانت (أن) وُصلتْ بالأمر والتأويل [تأويل] الخبر، المعنى: كتبت إليه أن يقوم، وأمرته أن يقوم، إلا أنها وصلت بلفظ الأمر للمخاطب، والمعنى معنى الخبر، قال: ويجوز أن يكون في معنى (أي) ومثله: أرسلت إليه أن قم. والمعنى: أي قم، انتهى كلامه (٣).
стр. 2049
فقد جوز أن توصل (أَنْ) بفعل الأمر كما توصل بالخبر كما ترى لما ذكرتُ فاعرفه، فتكون على هذا الوجه في موضع نصب على تقدير: بأن أَخْرِج، وقد ذكر في غير موضع، وعلى الوجه الأول: لا موضع لها من الإعراب.
وقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ﴾ عطف على ﴿أَخْرِجْ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾:
قوله : ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا به، وأن يكون حالًا منه، بمعنى: اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم.
وقوله: ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا للنعمة بمعنى الإنعام، أي اذكروا إنعامه عليكم ذلك الوقت، وأن يكون ظرفًا للمقدر في ﴿عَلَيْكُمْ﴾ من معنى الاستقرار إذا جعلته حالًا، والفصل بين الوجهين: أنك إذا جعلت ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقًا بالنعمة بمعنى الإنعام لم يكن فيه ذكر، ولم يعمل في الظرف، وإن جعلته حالًا من النعمة وأردت بالنعمة العطية، كان فيه ذِكَرٌ، وعَمِلَ في الظرف، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال.
وقد جوز أن يكون ﴿إِذْ﴾ بدلًا من نعمة الله، أي: اذكروا وقت إنجائكم، وهو من بدل الاشتمال (١).
وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ محلها النصب على الحال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وكذا ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ حال أخرى عطف على الأولى.
стр. 2050
قيل: فإن قيل: في سورة البقرة (يُذَبِّحُونَ) (١). بغير العاطف، وهنا (يُذَبِّحُونَ) مع العاطف، فما الفرق؟ فالجواب: أن التذبيح حيث طُرح منه العاطف جُعل تفسيرًا للعذاب وبيانًا له، وحيث أُثبت لم يُجعل تفسيرًا له، بل زيد عليه كأنه جنس آخر (٢).
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ عطف على قوله: ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ﴾، فيكون الظرف معمول النعمة التي هي بمعنى الإنعام، أي: واذكروا إنعامه عليكم ذلك الوقت ووقت تأذَّن ربكم، أو معمول ﴿عَلَيْكُمْ﴾ على ما أوضحت قبيل، أو على قوله: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ فيكون معمول (واذكروا)، كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا حِين تأذَّن ربكم.
وَتَأَذَّنَ وآذن بمعنىً، والتأذن والإيذان: الإعلام، والعرب قد تستعمل تَفَعَّلَ بمعنى أفعَلَ، ونظير تَأَذَّنَ وآذنَ: تَوَعَّدَ وأَوْعَدَ، وَتَفَضَّلَ وأَفْضَل، وقال أهل التأويل: ولا بد في تفعَّل من زيادة معنىً ليس في أفعل، كأنه قيل: وإذ آذن ربكم إيذانًا بليغًا تنتفي عنده الشكوك، وتنزاح الشُّبَهُ. وقيل: أراد: قال ربكم، لأن العرب تعبر بهذا اللفظ عن القول، لأنه نوع منه، تعضده قراءة من قرأ: (وإذ قال ربكم) وهو ابن مسعود ﵁ (٣).
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)
стр. 2051
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾:
قوله : ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال من المنوي في الظرف.
وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ جر ﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾. [ولك أن تعطف ﴿وَالَّذِينَ﴾ على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾، و ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾] (١) اعتراض.
وقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ (في) على بابها، واختلف في المعنى:
فقيل: عضوا أناملهم غيظًا وضجرًا مما أتتهم به الرسل، كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٢).
وقيل: أومؤوا إلى الرسل أن اسكتوا، فكأنهم وضعوا أيديهم في أفواههم فمنعوهم بها من النطق (٣).
وقيل: (في) بمعنى الباء، والأيدي جمع يد، وهي النعمة، والهاء والميم للرسل، أي: رَدُّوا بِنعَم التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم
стр. 2052
وما أوحي إليهم من الشرائع والأحكام بالنطق بالتكذيب (١).
وقيل: هي بمعنى (إلى) (٢).
والأول أوجه وأمتن، وهو أن تكون على بابها.
وقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أي: موقع في الريبة، أو ذي ريبة، من أرابه، قال الشاعر:
٣٥٨ - * كَأَنَّنِي أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ (٣) *
وأراب فلان، إذا أتى ما يوجب الريبة، والريب: الشك، والاسم: الرِّيبة بالكسر، وهي التهمة والشك.
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾:
قوله : ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ارتفاع قوله: ﴿شَكٌّ﴾ على الفاعلية على المذهبين لاعتماد الظرف على همزة الاستفهام الذي معناه الإنكار، وهو جواب لقولهم: وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه من الإيمان.
وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ جر ﴿فَاطِرِ﴾ على البدل، أو على النعت.
стр. 2053
وقوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (مِن) عند أبي الحسن مزيدة (١)، أي: يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم ذنوبكم، أو يدعوكم لأجل مغفرة ذنوبكم، كما تقول: دعوته لينصرني، ودعوته ليأكل معي.
وعند صاحب الكتاب: للتبعيض (٢)، والمفعول محذوف، أي: شيئًا من ذنوبكم، وفيه وجهان:
أحدهما: هو ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها.
والثاني: هو ما سلف قبل الإيمان.
وقال الرماني: ﴿مِنْ﴾ للبدل (٣)، أي: لتكون المغفرة بدل الذنوب، كقوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (٤).
و﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾ عطف على ﴿لِيَغْفِرَ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما). و ﴿مِثْلُنَا﴾ صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾، وكذا ﴿تُرِيدُونَ﴾ صفة بعد صفة.
﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾:
قوله : ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (أن نأتيكم) اسم كان، و ﴿لَنَا﴾ خبرها. و ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة
стр. 2054
﴿نَأْتِيَكُمْ﴾، وأن يكون في موضع الحال، على ما ذكر في أول السورة (١).
وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ الجمهور على إسكان اللام، وقرئ: (فَلِيتوكل) بكسرها (٢) على الأصل، بشهادة قوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ (٣) والإسكان تخفيف.
وقوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿لَنَا﴾، وأن في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع، أي: وأي عذر لنا في ألا نتوكل عليه؟ والمعنى: لا عذر لنا في ترك التوكل إذ فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو الإرشاد للإيمان.
وقد جوز أن يكون في موضع الحال، أي: غير متوكلين (٤)، وليس بالمتين، لأن (أنْ) عَلَمٌ للاستقبال، وهو مع الفعل بتأويل المصدر فتمتنع الحال، اللهم إلا أن يقدر حذف مضاف، أي: وما لنا ذوي ألا نتوكل عليه.
وقوله: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ اللام لام جواب قسم محذوف، و (ما) مع الفعل بتأويل المصدر، وهو الإيذاء أي: والله لنصبرن على إيذائكم.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ
стр. 2055
لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾:
قوله : ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ قيل: حكاية تقتضي إضمار القول، أو إجراء الإيحاء مجرى القول؛ لأنه ضَرْبٌ منه (١).
وقرئ: (لَيُهْلِكَنَّ) و (لَيُسْكِنَنَّكم) بالياء فيهما النقط من تحته (٢) اعتبارًا لأَوحَى، وأن لفظه لفظ الغيبة، ونحوه قولك: أقسم زيد لَيَخْرُجَنَّ، ولأَخْرُجَنَّ.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ (ذلك) مبتدأ، والإشارة إلى الموعود به، وهو إهلاك قوم وإسكان قوم، والخبر ﴿لِمَنْ خَافَ﴾، أي: ذلك الأمر كائن من خاف مقامي، أي: مقامه بين يديّ، وهو موقف الحساب، وإنما أضافه إلى نفسه؛ لأنه يقيمه فيه، أو على إقحام المقام.
وقيل: هذا من إضافة المصدر إلى المفعول، كقولك: ندمت على ضربك، أي: على ضربي إياك (٣).
وقيل: المراد: خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله (٤).
﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾:
قوله : ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ الجمهور على فتح تاء (واستفتَحوا) على لفظ الخبر، على معنى: أن الرسل استنصروا الله، ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وهو معطوف على ﴿فَأَوْحَى﴾ (٥).
وقرئ: (واستفتِحوا) بكسر التاء بلفظ الأمر (٦) عطفًا على ما سبق من
стр. 2056
قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ﴾، أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم: لنهلكن، وقال لهم: استفتحوا، أي: استنصروا الله عليهم واستحكموه بينكم وبينهم: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (١) ومنه الحديث: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين" (٢) أي يستنصر بهم.
وقيل: استفتح القوم على الرسل ظنًا منهم أنهم على الحق (٣).
وقيل: استفتح الجميع: الرسل والمرسل إليهم (٤).
﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: بطل أمل كل عات متكبر عن طاعة ربه، مائل عن الحق، عادل عنه. ويجوز في الكلام رفع ﴿عَنِيدٍ﴾ على النعت لـ ﴿كُلُّ﴾.
﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾:
قوله : ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ في موضع رفع على النعت لـ ﴿كُلُّ﴾ أو جر على النعت لـ ﴿جَبَّارٍ﴾.
وقوله: ﴿وَيُسْقَى﴾ عطف على محذوف، كأنه قيل: من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد.
وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: صفة الماء محذوفة، أي: من ماء مثل صديد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والصديد، ماء الجُرْحِ، وهو ماء رقيق
стр. 2057
مختلِط بالدم قبل أن تَغْلظَ المِدَّةُ، هذا أصله في اللغة، وفي التفسير: هو ما يسيل من جلود أهل النار (١).
والثاني: هو وصف للماء، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: من ماء مصدود عنه لكراهيته.
وقيل: ﴿صَدِيدٍ﴾ عطف بيان لـ ﴿مَاءٍ﴾، وذلك أنه لما قال: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ﴾ فأبهمه إبهامًا، ثم بينه بقوله: ﴿صَدِيدٍ﴾ (٢).
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾:
قوله : ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ فيه وجهان، أحدهما: وصف لـ ﴿مَاءٍ﴾ والثاني: حال من المنوي في (يسقى)، ومعنى يتجرعه: يتكلف جرعه، وهو أن يشرب جرعة جرعة لمرارته وكراهيته (٣).
وقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ قيل: دخل (كاد) هنا للمبالغة، يعني: ولا يقارب أن يسِيغه فكيف تكون الإساغة؟ كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٤)، أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها (٥)؟ والإساغة: إجراء الشراب في الحلق مع تقبل النفْس، يقال: ساغ الشرابُ يَسوغ سَوغًا، إذا جاوز الحلْقَ مع سهولة، وسُغته أنا أسُوغه، يتعدى ولا يتعدى، وأسغته إساغة، وهو لغة التنزيل كما ترى.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾:
стр. 2058
قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ارتفاعه بالابتداء، وخبره محذوف على مذهب صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى-، أي: فيما يتلى عليكم مَثَلُ الذين كفروا بربهم (١). وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ ابتداء وخبر، وهو كلام مستأنف مفسر للمثل، على تقدير سؤال سائل: كيف مثلهم؟ فقيل: أعمالهم كرماد.
وقال غيره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم﴾ مبتدأ، و ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ بدل من ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ وهو بدل الاشتمال، والخبر ﴿كَرَمَادٍ﴾، أو مثل الذين كفروا بربهم مثل أعمالهم، على البدل أيضًا، إلا أنه على حذف المضاف و ﴿كَرَمَادٍ﴾ الخبر.
وقيل: المعنى: مثل أعمال الذين كفروا بربهم، والجملة خبر عنه، أي: صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد، كقولك: صفة زيد عِرْضُه مصونٌ، ومالُه مبذولٌ.
وقيل: ﴿مَثَلُ﴾ صلة، أي: الذين كفروا بربهم، والجملة خبر للمبتدأ الذي هو ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ويجوز في الكلام جر أعمالهم على البدل من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو بدل الاشتمال، والخبر ﴿كَرَمَادٍ﴾.
والوجه هو الأول لسلامته من الدَّخَل والرد، وهو قول صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى- (٢).
٣٥٩ - إذا قالتْ حَذامِ فصدِّقُوها ... فإنَّ القوَلَ ما قالتْ حَذامِ (٣)
стр. 2059
والمثل في اللغة: الشبه، وهنا مستعار للصفة فيها غرابة، والرماد معروف، وجمعه: أَرْمِدَةٌ، ورُمْدٌ.
وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ جُعل العصفُ لليوم وهو لما فيه وهو الريح، أي: عاصف ريحه، ثم حُذفت الريحُ وجعلتِ الصفةُ لليوم مجازًا واتساعًا مع عدم اللبس، كقولهم: نهارك صائم، وليلك قائم. وقيل على النسب (١)، أي: في يوم ذي عصف، كلابنٍ وتامرٍ. والعَصْفُ: شدة هبوب الريح، يقال: عصفت الريح، إذا اشتدت، فهي عاصف وعصوفٌ.
وقرئ: (يومِ عاصفٍ) بالإضافة (٢)، على حذفِ الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أي: في يوم ريحٍ عاصفٍ.
وقوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ مستأنف.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾: الجمهور على فتح راء (ألم ترَ) على الأصل، وقرئ: (أَلَمْ تَرْ) بسكونها (٣) إجراء للوصل مجرى الوقف، وله نظائر في التنزيل.
وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ قرئ: بلفظ المضيّ على فَعَل، لأنه أمر قد كان ومضى، ﴿وَالْأَرْضَ﴾ عطف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، لأن كسرة التاء فيه علامة
стр. 2060
النصب، وقرئ: (خالقُ السمواتِ) على فاعل (١)، لأن فاعلًا يكون للمضي كفعل، كفاطرِ السمواتِ، والإضافة محضة، لأنه لِما مضى، (والأرضِ) عطفٌ على (السمواتِ) لأن كسرة التاء علامة الجر في هذه القراءة.
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾:
قوله : ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال، أي: ويبرزون، وإنما جيء بلفظ الماضي، لأن ما أخبر به لصدقه كأنه قد كان ووجد (٢). و ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير فيه.
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ (تَبَعًا) هنا يحتمل أن يكون جمع تابع، كحرسٍ وخدمٍ في جمع حارسٍ وخادمٍ، أي: إنا كنا تابعين لكم، وأن يكون مصدر تبع يتبع تبعًا، أي: إنا كنا لكم ذوي تبع، ولك أن تقدره باسم الفاعل، والتَّبَعُ: الاتباع، يقال: تَبِعَهُ تَبَعًا واتَّبَعَهُ اتّباعًا، والأَوْلَى أن يكون جمع تابع، لأجل تعلق ﴿لَكُمْ﴾ به.
وقوله: ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (من شيء) من صلة ﴿مُغْنُونَ﴾، و ﴿مِنْ﴾ صلة. و ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ متعلق بمحذوف، لأنه في موضع نصب على الحال من ﴿شَيْءٍ﴾ لتقدمه، والتقدير والمعنى: فهل أنتم قادرون على أن تدفعوا عنا شيئًا كائنًا من عذاب الله؟ إما بتحمله عنا أو بصرفه منا على الوصف، فلما قدم عليه نصب على الحال، ولك أن تجعل ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿مُغْنُونَ﴾، و (شيئًا) مصدرًا، أي: غناءً.
стр. 2061
فإن قلت: أي: فرق بين أغنى عنه وبين أغناه؟ قلت: الفرق بينهما ظاهر، وذلك أنه إذا قيل: أغنى عنه، معناه: رفع عنه ما يكرهه، وأغناه: إذا أوصل إليه ما يسره.
وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ الكلام فيه كالكلام في ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (١). والجزع: انزعاج النفس.
وقوله: ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ ابتداء وخبر، والمحيص هنا: يحتمل أن يكون مصدرًا كالمغيب والمشيب، أي: ما لنا من محيص، أي: عدول، وأن يكون مكانًا كالمبيت والمصيف، أي: ما لنا من ملجأ، أي: مكان نعدل إليه.
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ (أن دعوتكم) في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، لأن الدعاء ليس من جنس السلطان (٢).
وقوله: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي: ما أنا بمغيثكم فأخرجكم من النار، وأنجيكم منها، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي: لا يُنَجِّي بعضنا بعضًا من عذاب
стр. 2062
الله ولا يغيثه.
والإصراخ: الإغاثة، يقال: استصرخني فلان فأصرخته، أي: استغاثني فأغثته. قيل: والكلمة من الصراخ، وهو الصوت الشديد من الفزع وغيره، والهمزة في أصرخته للسلب، كالتي في أشكيته، لأنك سلبته الصراخ حين أغثته.
وقرئ: (بمُصْرِخِيَّ)، بفتح الياء على الأصل (١)، لأنها تُفتح - أعني ياء النفْس - وليس قبلها ساكن، فإذا احتيج إلى حركتها للساكن الذي قبلها وهو ياء الجمع، لم يكن غير الفتح، إما على الأصل، أو لالتقاء الساكنين، وذلك أن يكون أدغمت ياء الجمع فيها وهي ساكنة ففتحت لالتقاء الساكنين، وكان الفتح أولى بها لأنه أصلها، وإنما كان أصلها الفتح، لأن الكسرة والضمة كلتيهما في الياء ثقيلة، لأنها منها، فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ياء النفس، فأدغمت الأولى في الثانية وهي مفتوحة، أو فتحت لالتقاء الساكنين على ما أوضحت آنفًا.
وقرئ: (بمُصرِخِيِّ) بكسرها، وهي قراءة حمزة ﵀ (٢)، وفيها أوجه:
أحدها: أنه قَدّر ياء الإضافة ساكنةً مشيًا على أصله فيها، وقبلها ياء ساكنة، فحرّكها بالكسر على أصل التقاء الساكنين.
والثاني: أنه شَبَّهَ ياء الإضافة بهاء الإضمار، فوصلها بياء كما توصل هاء الإضمار، ثم حذف الياء كراهة اجتماع ثلاث ياءات: ياء الجمع، وياء النفس، وياء الصلة، وبَقَّى الكسرة قبلها تدل عليها.
стр. 2063
قال الشيخ أبو علي: وزعم قطرب أنها لغة في بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء (١). وأنشد على ذلك:
٣٦٠ - مَاضٍ إِذَا ما هَمَّ بالمُضِيِّ ... قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ يَاتَا فِيِّ (٢)
وأنشد أيضًا الفراء:
٣٦١ - أَقْبَلَ في ثَوْبي مَعَافِريِّ ... يَجُرُّ ثَوْبًا لَيْسَ بِالخفِيِّ
٣٦٢ - قَالَ لَهَا هَلْ لَك يَا تَافِيِّ ... قَالَتْ لهُ مَا أنتَ بالمَرْضِيِّ (٣)
قال الشيخ أبو علي: ووجه ذلك من القياس أن الياء ليست تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما، وكالكاف في أكرمتك، وهذا لك، فكما أن الهاء قد لحقتها الزيادة في: هذا لهو، وضربهو، ولحق الكاف أيضًا الزيادة في قول من قال: أعطيتكاه، وأعطيتكيه، فيما حكاه سيبويه (٤)، وهما أختا الياء. كذلك ألحقوا الياء الزيادة من المد فقالوا: فِيِّي ثم حذفت الياء الزائدة على الياء كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال:
٣٦٣ - . . . . . . . . . ... . . . . . لهْ أَرِقانِ (٥)
стр. 2064
وزعم أبو الحسن: أنها لغة (١)، وكما حذفت الزيادة من الكاف فقيل: أعطيتكَهُ، وأعطيتكِهِ، كذلك حذفت الياء اللاحقة للياء كما حذفت من أختيها، وأُقِرَّت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة، فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرة.
وكما لحقت الكاف والتاء والهاء الزيادة، كذلك لحقت الياء الزيادة، فلَحاق التاء الزيادة، نحو: ما أنشد في قول الشاعر:
٣٦٤ - رَمَيْتِيه فأصْمَيْتِ ... وما أخْطَأتِ الرَمْيَه (٢)
فإذا كانت هذه الكسرة في الياء على هذه اللغة، وإن كان غيرها أفشى منها، وعضده من القياس ما ذكرنا؛ لم يجز لقائل أن يقول: إن القراءة بذلك لحن لاستقامة (٣) ذلك في السماع والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحنًا، انتهى كلامه (٤). هكذا أخبرني شيخنا أبو اليمن الكندي ﵀ بالإسناد عنه بقراءة غيري عليه وأنا أسمع بدمشق المحروسة.
والثالث: أنه كسرها إتباعًا للكسرة التي بعدها، وهي كسرة الهمزة كما قرأ بعضهم: (الحمدِ للهِ) بكسر الدال (٥) إتباعًا لكسرة اللام بعدها، ونحو هذا شائع كثير في كلام القوم.
стр. 2065
فهذه الوجوه صحيحة فاشية حسنة على الأصول، وإذا كان كذلك فلا وجه لمن ضعف هذه القراءة وعدها من اللحن (١)، ولو لم يكن لها إلا وجه واحد لا يحل لمسلم أن يقدم على الطعن في شيء ثبتت روايته عن رسول الله ﷺ [مع صحة مخرجه، فالرَّادُّ عليه كالرَّاد على رسول الله ﷺ ] (٢) وبالكسر قرأ الأعمش، ويحيى بن وثابٍ، وحمران بن أعين وغيرهم ﵏ (٣).
وقوله: ﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ في (ما) ثلاثة أوجه:
أحدهما: مصدرية، و (مِن) متعلقة بـ ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾، على معنى: إني كفرت الآن بإشراككم إياي مع الله في الطاعة ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل هذا اليوم، يعني في الدنيا. ومعنى كُفْرِهِ بإشراكهم إياه: تبرُّؤه منه واستنكاره له.
والثاني: موصولة، أي: كفرت اليوم بالذى، أي: بالصنم الذي أشركتمونيه، أي: جعلتموه لي شريكًا من حيث أطعتموه كما أطعتموني، تقول: شركت زيدًا، فإذا نقلته بالهمزة، قلت: أشركنيه فلان، أي: جعلني له شريكًا.
والثالث: بمعنى مَنْ، و (مِن) متعلقة بكفرت، أي: كفرت من قبل، يعني في زمن آدم ﵇ حين أبيتُ السجود له.
стр. 2066
﴿بِمَا﴾ أي: بالذي أشركتمونيه وهو الله . ومعنى إشراكهم الشيطان بالله جل ذكره: طاعتهم له فيما يزينه لهم من المعاصي، والمعنى: إن كفري قبل كفركم، فكيف أنجيكم من العذاب وأغيثكم منه؟ .
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ﴾ الجمهور على فتح لام ﴿وَأُدْخِلَ﴾ وهو فعل ماض مبني للمفعول، معطوف على قوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾ (١)، وقرئ: (وأُدْخِلُ) برفعها على أنه فعل مضارع (٢)، والهمزة للمتكلم بمعنى: وأدخلهم أنّا - وهو الله على القطع والاستئناف.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بأُدخلَ على قراءة الجمهور، أو بخالدين، وانتصاب ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾، وأما على قراءة من قرأ: (وأدخلُ) برفع اللام فمتعلق بخالدين.
وقال الزمخشري: هو متعلق بقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ على معنى: إن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم (٣)، أي: بأمره. وما أرى ذلك صوابًا، لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه (٤)، والمصدر مضاف إلى المفعول، ويحتمل أن يكون مضافًا إلى الفاعل، على معنى: يُحيِّي بعضُهم بعضًا بإذن ربهم، ويحتمل أن يكون ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: مأذونًا لهم في ذلك.
وأما محل قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ النصب على الحال، إما من
стр. 2067
﴿الَّذِينَ﴾، أو من المستكن في ﴿خَالِدِينَ﴾. وقد جوز أن تكون في موضع الصفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ كـ ﴿تَجْرِي﴾ (١).
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً﴾ (كيف) في موضع نصب [على الحال] (٢) بـ ﴿ضَرَبَ﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ﴿ضَرَبَ﴾ بمعنى: وصف مثلًا، أو وضع مثلًا، و ﴿كَلِمَةً﴾ بدل من مثل. ﴿طَيِّبَةً﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَةً﴾.
﴿كَشَجَرَةٍ﴾: محل الكاف النَّصْبُ إما على أنها صفة أخرى لـ ﴿كَلِمَةً﴾، أو على الحال منها لكونها وصفت بـ ﴿طَيِّبَةٍ﴾ فقربت من المعرفة، أي: كلمةً طيبةً مشبهةً شجرةً طيبةً.
وقال الزمخشري: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ اعتمد مثلًا ووضعه, و ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ نصب بمضمر، أي: جعل كلمة طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ، وهو تفسير لقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كقولك: شَرَّفَ الأميرُ زيدًا كساه حُلَّةً وحَمَلَهُ على فَرَسٍ. ويجوز أن ينتصب ﴿مَثَلًا﴾ و ﴿كَلِمَةً﴾ بـ ﴿ضَرَبَ﴾ أي: ضرب كلمة طيبة مثلًا، بمعنى: جعلها مثلًا، ثم قال: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى: هي ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، انتهى كلامه (٣).
وقوله: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ ابتداء وخبر في موضع نعت لشجرة. وقرئ: (كشجرةٍ طيبةٍ ثابتٍ أصْلُها) (٤) على إجراء الصفة على الشجرة، لأن أصل
стр. 2068
الصفة أن يكون اسمًا مفردًا لا جملة، يدل على ذلك أن الجملة إذا جرت صفة للنكرة حكم على موضعها بإعراب المفرد الذي هي واقعة موقعه، فإذا قال: ثابت أصلها، فقد جرى لفظ المفرد صفة على النكرة، وإذا قال: أصلها ثابت، فقد وضع الجملة موضع المفرد، فالموضع إذًا له لا لها.
واختيرت قراءة الجمهور لوجهين:
أحدهما: لأجل "الإمام" مصحف عثمان ﵁.
والثاني: لكونها أقوى من جهة المعنى، وذلك أنك إذا قلت: ثابت أصلها، فقد أجريت ثابتًا صفة على شجرة، وليس الثبات لها، إنما هو للأصل، وإن كانت الصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب الموصوف، فجرت عليه إلا أنها إذا كانت له كانت أخص لفظًا به، وإذا كان الثبات في الحقيقة إنما هو للأصل، فالمعتمد بالثبات هو الأصل ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل أبوه قائم، كان أقوى معنى من قولك: مررت برجلٍ قائمٍ أبوه، لأن المُخبَرَ عنه بالقيام إنما هو الأب لا رجل، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح (١).
وقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ في موضع الصفة للشجرة، أو في موضع الحال من معنى الجملة الثانية، أي: ترتفع مُعطية ثمرها كل وقت وقَّته الله لإثمارها.
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾:
قوله : ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ﴾ الجمهور على رفعه بالابتداء خبره
стр. 2069
﴿كَشَجَرَةٍ﴾ وقرئ: (ومثلَ كلمةٍ) بالنصب (١) عطفًا على ﴿مَثَلًا كَلِمَةً﴾.
وقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ في موضع الصفة لشجرة، ومعنى اجتثت: استؤصلت، كأنها أُخِذَت جثتُها وقُلعت بتمامها، وحقيقة الاجتثاث: أخذ الجثة كلها.
وقوله: ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ محلها النصب على الحال من المنوي في ﴿اجْتُثَّتْ﴾، أو صفة أخرى لشجرة. ومعنى ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾، أي: من استقرار، أي: من أصل في الأرض، يقال: قر الشيء قرارًا، إذا استقر وثبت.
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من صلة ﴿يُثَبِّتُ﴾، وكذلك ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، أي: بسبب القول الثابت، أي: الدائم النفع. وقيل: الباء بمعنى على، أي: يثبتهم عليه (٢). وقيل: الباء من صلة (آمنوا) (٣)، أي: آمنوا بالقول الثابت، وهي كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (٤).
وقد جُوِّز أن يكون قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من صلة ﴿الثَّابِتِ﴾ (٥).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (كفرًا) مفعول ثان لبدلوا، أي: بدلوا شكرها كفرًا.
وقوله: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ مفعولان لأحلوا، و ﴿الْبَوَارِ﴾
стр. 2070
الهلاك. و ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾، أو عطف بيان لها، ولم تنصرف ﴿جَهَنَّمَ﴾، لأنها مؤنثةٌ معرفةٌ.
وعن علي بن أبي طالب ﵁: دار البوار بَدْرٌ (١). فانتصاب ﴿جَهَنَّمَ﴾ على هذا بمضمر، يفسره ما بعده، أي: يَصْلَوْنَ جهنم، ثم فسره بقوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾. فإن قلت: ما محل ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ من الإعراب على الوجهين؟ قلت: أما على الوجه الأول: فمحلها النصب على الحال، إما من القوم، أو من ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾، أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾، أو منهما [أو منهم] (٢). كقوله : ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ (٣). ولك أن تجعل (تحمله) حالًا من مريم، وأن تجعله حالًا من عيسى ﵇، لأن لكل واحد منهما في الحال ذكرًا، وأن تجعله حالًا منهما جميعًا كقوله:
٣٦٥ - فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعْلَمًا ... أيِّي وأيُّكَ فَارِسا الأَحْزَابِ (٤)
وأما على الثاني: فلا محل لها لكونها مفسرة.
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ في الكلام حذف مضاف، والمقصود بالذم محذوف، أي: بئس موضع القرار جهنم، وسميت جهنم لعمقها، من قولهم: رَكِيَّةٌ جِهِنَّامٌ، إذا كانت مقعرة (٥).
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾: