← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

﴿بِمَا﴾ أي: بالذي أشركتمونيه وهو الله . ومعنى إشراكهم الشيطان بالله جل ذكره: طاعتهم له فيما يزينه لهم من المعاصي، والمعنى: إن كفري قبل كفركم، فكيف أنجيكم من العذاب وأغيثكم منه؟ . ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ﴾ الجمهور على فتح لام ﴿وَأُدْخِلَ﴾ وهو فعل ماض مبني للمفعول، معطوف على قوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾ (١)، وقرئ: (وأُدْخِلُ) برفعها على أنه فعل مضارع (٢)، والهمزة للمتكلم بمعنى: وأدخلهم أنّا - وهو الله على القطع والاستئناف. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بأُدخلَ على قراءة الجمهور، أو بخالدين، وانتصاب ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾، وأما على قراءة من قرأ: (وأدخلُ) برفع اللام فمتعلق بخالدين. وقال الزمخشري: هو متعلق بقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ على معنى: إن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم (٣)، أي: بأمره. وما أرى ذلك صوابًا، لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه (٤)، والمصدر مضاف إلى المفعول، ويحتمل أن يكون مضافًا إلى الفاعل، على معنى: يُحيِّي بعضُهم بعضًا بإذن ربهم، ويحتمل أن يكون ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: مأذونًا لهم في ذلك. وأما محل قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ النصب على الحال، إما من

стр. 2067

﴿الَّذِينَ﴾، أو من المستكن في ﴿خَالِدِينَ﴾. وقد جوز أن تكون في موضع الصفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ كـ ﴿تَجْرِي﴾ (١). ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً﴾ (كيف) في موضع نصب [على الحال] (٢) بـ ﴿ضَرَبَ﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ﴿ضَرَبَ﴾ بمعنى: وصف مثلًا، أو وضع مثلًا، و ﴿كَلِمَةً﴾ بدل من مثل. ﴿طَيِّبَةً﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَةً﴾. ﴿كَشَجَرَةٍ﴾: محل الكاف النَّصْبُ إما على أنها صفة أخرى لـ ﴿كَلِمَةً﴾، أو على الحال منها لكونها وصفت بـ ﴿طَيِّبَةٍ﴾ فقربت من المعرفة، أي: كلمةً طيبةً مشبهةً شجرةً طيبةً. وقال الزمخشري: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ اعتمد مثلًا ووضعه, و ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ نصب بمضمر، أي: جعل كلمة طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ، وهو تفسير لقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كقولك: شَرَّفَ الأميرُ زيدًا كساه حُلَّةً وحَمَلَهُ على فَرَسٍ. ويجوز أن ينتصب ﴿مَثَلًا﴾ و ﴿كَلِمَةً﴾ بـ ﴿ضَرَبَ﴾ أي: ضرب كلمة طيبة مثلًا، بمعنى: جعلها مثلًا، ثم قال: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى: هي ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، انتهى كلامه (٣). وقوله: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ ابتداء وخبر في موضع نعت لشجرة. وقرئ: (كشجرةٍ طيبةٍ ثابتٍ أصْلُها) (٤) على إجراء الصفة على الشجرة، لأن أصل

стр. 2068

الصفة أن يكون اسمًا مفردًا لا جملة، يدل على ذلك أن الجملة إذا جرت صفة للنكرة حكم على موضعها بإعراب المفرد الذي هي واقعة موقعه، فإذا قال: ثابت أصلها، فقد جرى لفظ المفرد صفة على النكرة، وإذا قال: أصلها ثابت، فقد وضع الجملة موضع المفرد، فالموضع إذًا له لا لها. واختيرت قراءة الجمهور لوجهين: أحدهما: لأجل "الإمام" مصحف عثمان ﵁. والثاني: لكونها أقوى من جهة المعنى، وذلك أنك إذا قلت: ثابت أصلها، فقد أجريت ثابتًا صفة على شجرة، وليس الثبات لها، إنما هو للأصل، وإن كانت الصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب الموصوف، فجرت عليه إلا أنها إذا كانت له كانت أخص لفظًا به، وإذا كان الثبات في الحقيقة إنما هو للأصل، فالمعتمد بالثبات هو الأصل ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل أبوه قائم، كان أقوى معنى من قولك: مررت برجلٍ قائمٍ أبوه، لأن المُخبَرَ عنه بالقيام إنما هو الأب لا رجل، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح (١). وقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ في موضع الصفة للشجرة، أو في موضع الحال من معنى الجملة الثانية، أي: ترتفع مُعطية ثمرها كل وقت وقَّته الله لإثمارها. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾: قوله : ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ﴾ الجمهور على رفعه بالابتداء خبره

стр. 2069

﴿كَشَجَرَةٍ﴾ وقرئ: (ومثلَ كلمةٍ) بالنصب (١) عطفًا على ﴿مَثَلًا كَلِمَةً﴾. وقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ في موضع الصفة لشجرة، ومعنى اجتثت: استؤصلت، كأنها أُخِذَت جثتُها وقُلعت بتمامها، وحقيقة الاجتثاث: أخذ الجثة كلها. وقوله: ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ محلها النصب على الحال من المنوي في ﴿اجْتُثَّتْ﴾، أو صفة أخرى لشجرة. ومعنى ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾، أي: من استقرار، أي: من أصل في الأرض، يقال: قر الشيء قرارًا، إذا استقر وثبت. وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من صلة ﴿يُثَبِّتُ﴾، وكذلك ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، أي: بسبب القول الثابت، أي: الدائم النفع. وقيل: الباء بمعنى على، أي: يثبتهم عليه (٢). وقيل: الباء من صلة (آمنوا) (٣)، أي: آمنوا بالقول الثابت، وهي كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (٤). وقد جُوِّز أن يكون قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من صلة ﴿الثَّابِتِ﴾ (٥). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾: قوله : ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (كفرًا) مفعول ثان لبدلوا، أي: بدلوا شكرها كفرًا. وقوله: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ مفعولان لأحلوا، و ﴿الْبَوَارِ﴾

стр. 2070

الهلاك. و ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾، أو عطف بيان لها، ولم تنصرف ﴿جَهَنَّمَ﴾، لأنها مؤنثةٌ معرفةٌ. وعن علي بن أبي طالب ﵁: دار البوار بَدْرٌ (١). فانتصاب ﴿جَهَنَّمَ﴾ على هذا بمضمر، يفسره ما بعده، أي: يَصْلَوْنَ جهنم، ثم فسره بقوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾. فإن قلت: ما محل ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ من الإعراب على الوجهين؟ قلت: أما على الوجه الأول: فمحلها النصب على الحال، إما من القوم، أو من ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾، أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾، أو منهما [أو منهم] (٢). كقوله : ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ (٣). ولك أن تجعل (تحمله) حالًا من مريم، وأن تجعله حالًا من عيسى ﵇، لأن لكل واحد منهما في الحال ذكرًا، وأن تجعله حالًا منهما جميعًا كقوله: ٣٦٥ - فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعْلَمًا ... أيِّي وأيُّكَ فَارِسا الأَحْزَابِ (٤) وأما على الثاني: فلا محل لها لكونها مفسرة. وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ في الكلام حذف مضاف، والمقصود بالذم محذوف، أي: بئس موضع القرار جهنم، وسميت جهنم لعمقها، من قولهم: رَكِيَّةٌ جِهِنَّامٌ، إذا كانت مقعرة (٥). ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾:

стр. 2071

قوله : (وجعلوا لله أندادًا لِيَضِلُّوا) قرئ: بفتح الياء، أي: ليزيغوا عن الطريق المستقيم، وبضمها (١)، أي: لِيُضلوا غيرهم عنه. قيل: ولما كان الضلال أو الإضلال نتيجة اتخاذ الند، كما كان الإكرام في قولك: جئتك لتكرمني نتيجة المجيء، دخلته اللام وإن لم تكن غرضًا على طريق التشبيه والتقريب (٢). وبعضهم يسميها لام العاقبة، والمعنى: كانت عاقبة اتخاذهم الأنداد والضلال، أي: لمّا آلَ أمرهم إلى هذا كانوا بمثابة مَن فعل ذلك ليكون هذا (٣). ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾: قوله : ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اختلفت النحاة في إعراب ﴿يُقِيمُوا﴾، فقال بعضهم: هو مبني، وفيه قولان: أحدهما: هو جواب ﴿قُلْ﴾، والمقول محذوف دل عليه جواب ﴿قُلْ﴾ تقديره: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا، يقيموا الصلاة وينفقوا، أي: إن تقل لهم يقيموا وينفقوا؛ لأن المؤمنين إذا أمروا بشيء قبلوا، فهو جواب الأمر. والثاني: هو جواب لأمر محذوف، أي: قل لهم: أقيموا الصلاة يقيموا، فـ ﴿يُقِيمُوا﴾ المصرح به جواب أقيموا المحذوف. ورد بعضهم هذا

стр. 2072

القول، قال: لأن جواب الشرط يخالف الشرط، إما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما، فأما إذا كان مثله فلا، نحو: قم تقم، اذهب تذهب. وكذا في الآية: إن يقيموا يقيموا، وهذا في غاية البعد كما ترى لعدم الفائدة، وأيضًا فإن الأمر المقدر للمواجهة، و ﴿يُقِيمُوا﴾: على لفظ الغيبة، وهذا فاسد إذا كان الفاعل واحدًا. وقال بعضهم: هو مجزوم بلام محذوفة، والمعنى: ليقيموا ولينفقوا، قال: وإنما جاز حذف اللام، لأن الأمر الذي هو ﴿قُلْ﴾ عوض منه، لو قيل: يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز، كقولك: قل لزيد ليضرب عمرًا، وإن شئت: قل لزيد يضرب عمرًا، فتحذف اللام لدلالة قل عليه، ولو قلت: يضرب زيد عمرًا بالجزم ابتداء لم يجز، ويكون ﴿يُقِيمُوا﴾ على هذا القول هو المقول، فاعرفه (١). وقوله: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ مصدران في موضع الحال، أي: مسرين ومعلنين، أو ذوي سر وعلانيةٍ، [وقد ذكر] (٢)، وقد جوز أن يكون انتصابُهُما على الظرف، أي: ينفقوا إنفاق وقتي سر وعلانية، أو على المصدر على حذف المضاف، أي: ينفقوا إنفاق سرٍّ وعلانيةٍ (٣). والمراد بالسرَّ ما خفي، وبالعلانية ما ظهر (٤). وقيل: السر التطوع، والعلانية الواجب (٥). وقوله: ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ (الخلال) مصدر كالقتال، يقال: خاللته خلالًا ومُخَالَّةً، كما تقول: قاتلته قتالًا ومقاتلة، قال الشاعر:

стр. 2073

٣٦٦ - . . . . . . . . . . . ... ولَسْتُ بمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ (١) وعن أبي الحسن: هو جمع خُلَّة (٢). والوجه هو الأول لقوله: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ (٣). ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾: قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ ابتداء وخبر. وقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ قوله: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة (أخرج)، و ﴿رِزْقًا﴾ مفعول (أخرج). وأن يكون من صلة محذوف على أن يكون في موضع الحال، والتقدير: أخرج بالمطر رزقًا كائنًا من الثمرات، على الوصف، فلما قُدّم نُصب على الحال، والرزق بمعنى المرزوق. وقد جوز أن يكون ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ مفعول (أخرج)، و ﴿رِزْقًا﴾ حالًا من المفعول، أو نصبًا على المصدر من (أخرج) لأنه في معنى رَزَقَ (٤). وقوله: ﴿دَائِبَيْنِ﴾ انتصابهما على الحال من الشمس والقمر على

стр. 2074

التغليب (١)، كقولك: أتاني زيدٌ وجُمَلٌ راكبين. أي: دائبين مستمرين على إصلاح ما يصلحانه من النبات والحيوان وغيرهما لا يفتران، والدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادته، والدَّأْبُ: العادةُ، يقال: دَأَبَ يَدْأبُ دَأبًا ودُؤوبًا، وقد ذكر (٢). ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾: قوله : ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ الجمهور على ترك التنوين في ﴿كُلِّ﴾ على الإضافة، والمفعول الثاني للإيتاء على مذهب صاحب الكتاب ﵀ محذوفٌ أي: وآتَاكم من كل ما سألتموه شيئًا، أو وآتاكم ما ساغ إيتاؤه إياكم منه نظرًا في مصالحكم. كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) أي: وأوتيت من كل شيء شيئًا. وأما على رأي أبي الحسن -رحمه الله تعالى- فالمفعول الثاني هو ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ و (مِن) صلة، أي: وآتاكم كل ما سألتموه وما لم تسألوه، لأن الله آتى العباد أشياء ما طلبوها منه ولا عرفوها، وإنما حذف للعلم به، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٤) أي: وتقيكم البرد. و(ما) في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ مَا﴾ تحتمل أن تكون مصدرية، أي: وآتاكم من كل سُؤْلِكم، فيكون الذكر في قوله: ﴿سَأَلْتُمُوهُ﴾ يعود إلى الله عز اسمه، لأن (ما) إذا كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد. وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها. وأن تكون موصولة وما بعدها صلتها، والضمير راجع إليها

стр. 2075

على هذين الوجهين (١). وقرئ: (من كلٍّ ما سألتموه) بالتنوين (٢)، وهو عوض من المضاف إليه، وفي (ما) ثلاثة أوجه: أحدها: موصولة. والثاني: مصدرية، وهو في موضع نصب في كلا الوجهين بوقوع الفعل عليه وهو (أتاكم)، أي: وآتَاكم من كل شيء سألتموه أن يؤتيكم منه ما سألتموه، ثم حذف المضاف إليه وجعل التنوين عوضًا منه، أو وآتَاكم من كل ذلك سؤلكم، والضمير في ﴿سَأَلْتُمُوهُ﴾ على الوجه الأول يعود إلى ﴿مَا﴾ وعلى الثاني يعود إلى الله جل ذكره. والثالث: نافية، أي: وآتاكم من كل شيء لم تسألوه، وقد جوز أن تكون في محل النصب على الحال، أي: وآتاكم من جميع ذلك غير سائليه (٣). ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ أي: واذكر إذ قال، و ﴿الْبَلَدَ﴾: نعت لـ ﴿هَذَا﴾، أو عطف بيان له، و ﴿آمِنًا﴾ مفعول ثان، أي: ذا أَمْنٍ، يعني مأمونًا فيه.

стр. 2076

وقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ الجمهور على وصل الألف وضم النون، وقرئ: (وأَجنِبني) بقطع الألف وكسر النون (١)، وفيه ثلاث لغات: جَنَبْتُهُ الشيءَ أَجْنُبُهُ جُنُوبًا، وَأَجْنَبْتُهُ أَجْنِبُهُ إجْنَابًا، وَجَنَّبْتُهُ أُجَنِّبُهُ تَجْنِيبًا بمعنىً، أي: بَعَّدْتُهُ عنه. والجنوب لأهل نجد، والإجناب لتميم، والتجنيب لأهل الحجاز (٢)، والمعنى: ثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها. قيل: وهذه الدعوة مخصوصة لأبنائه من صلبه (٣). وقوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ (من) شرط في موضع رفع بالابتداء، وخبره فعل الشرط، والعائد: المنوي فيه، أو الجواب، والعائد محذوف، أي: فإنك غفور رحيم له إن آمن، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٤). ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ المفعول محذوف، أي: بعضًا من ذريتي (٥). وقيل: (مِن) صلة، و ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ هو المفعول (٦)، والأول

стр. 2077

أمتن، لأن إبراهيم ﵇ لم يسكن مكة حرسها الله تعالى، إلا إسماعيل ﵇ وأمه على ما فُسِّرَ، وهما بعض الذرية (١). وقوله: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿أَسْكَنْتُ﴾، وأن يكون صفة لوادٍ، وأن يكون حالًا منه لكونه قد وصف. وقوله: ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اللام من صلة ﴿أَسْكَنْتُ﴾، أي: أسكنتهم ليقيموا الصلاة، أي: ليديموها. وقيل: اللام لام الأمر (٢)، وهو دعاء لهم بإقامة الصلاة. وقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ الجعل هنا يطلب مفعولين، لأنه بمعنى التصيير، وهما (أفئدة) و (تهوي). و (مِن) للتبعيض، قال أبو إسحاق: أي: اجعل أفئدةَ جماعة من الناس (٣). وإنما نُكّر المضاف إليه لتنكير ﴿أَفْئِدَةً﴾ في الآية ليتناول بعض الأفئدة، والأفئدة: جمع فؤاد، وهو القلب، سمي فؤادًا لاتِّفاده بالخواطر والعُزُوم، من قولهم: فأدت اللحم وافتأدته، إذا شويته (٤). وقرئ: (آفدة) على القلب (٥)، كقولهم: آدر في أدؤر، فيكون وزنها أعفلةً. وقوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ الجمهور على فتح التاء وكسر الواو، وماضيه هَوَى بفتح العين، يقال: هوى إليه يهوي هويًا، إذا أسرع إليه ومال، يعضده

стр. 2078

قول ابن عباس ﵄: تريدهم وتسرع إليهم (١). وقرئ: (تهوَى إليهم) بفتح الواو (٢)، من هوِيت فلانًا أهواه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر هوى، إذا أحببته، غير أنه ضمن معنى تميل، فعدي تعديته، لأن معنى هويت فلانًا: ملت إليه. وقرئ: (تُهْوَى إليهم) بضم التاء على البناء للمفعول (٣) على النقل من تهوِي، يقال: هوى إليه وأهواه غيره إليه، ويجوز أن يكون منقولًا من تهوَى، كلاهما هنا شائع (٤). ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾: قوله : ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: شيء ما. و ﴿مِنْ﴾ لاستغراق الجنس. وقوله: ﴿عَلَى الْكِبَرِ﴾ أي: مع الكبر، ومحله النصب على الحال، من ياء النفْس في ﴿وَهَبَ لِي﴾ أي: وهب لي وأنا كبير.

стр. 2079

وقوله: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من إضافة الصفة إلى مفعولها، والأصل: لسميعٌ الدعاءَ، وفعيل من أبنية المبالغة، وهو يعمل عمل الفعل. والثاني: من إضافة فعيل إلى فاعله، ويجعل دعاء الله سميعًا على الإسناد المجازي، والمراد: سماع الله جل ذكره (١). وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعل بعضًا من ذريتي مقيم الصلاة، فحُذف الفعل ومفعولاه لدلالة ما تقدم، قيل: وإنما بَعَّضَ لأنه عَلِمَ بإعلام الله أَنه يكون في ذريته كفار، وذلك قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٢). ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١) وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾: قوله : ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قيل: بشرط الإيمان، وكانا حيَّيْن فطمع في إيمانهما (٣). وقيل: أراد بوالديه آدم ﵇ وحواء (٤). وقرئ: (ولوالدِيْ) على التوحيد (٥)، يعني: أباه وحده وقرئ: (وَلِوَلَدَيَّ) (٦)، والمراد بهما إسماعيل وإسحاق ﵉ وقرئ: (وَلِوُلْدي) بضم الواو وسكون اللام (٧)، وفيه وجهان:

стр. 2080

أحدهما: بمعنى الوَلَدِ. كالعُدْمِ والعَدَمِ، قال الشاعر: ٣٦٧ - فَلَيْتَ زِيَادًا كَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ... وَلَيْتَ زِيَادًا كانَ وُلْدَ حِمَارِ (١) ومن كلام بني أسد: "وُلْدُكِ مَن دَمَّى عَقِبيكِ" (٢) أي: وَلَدُكِ مَن ولدتهِ فسال دمكِ على عقبكِ عند ولادته، لا من اتخذته ولدًا، قريبًا كان منكِ أو بعيدًا. والثاني: هو جمعُ وَلَدٍ، كأُسْدٍ في أَسَدٍ. وقد جوز أن يكون الوُلْدُ أيضًا جمعُ وُلْدٍ كالفُلْك في أنه جمع الفُلْك، وقد مضى الكلام على الفلك فيما سلف من الكتاب بأوضح من هذا (٣). والولد اسم يجمع الواحد والجمع والذكر والأنثى، وقالوا أيضًا: وِلْدٌ بكسر الواو (٤). وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (يومَ) ظرف للغفران، ومعنى ﴿يَقُومُ﴾: يثبت (٥)، قيل: وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها (٦). وقيل: أراد: يقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب تخفيفًا، وللعلم به (٧). وقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ الجمهور على الياء النقط من تحته لتقدم ذكر

стр. 2081

اسم الله جل ذكره، وقرئ: بالنون (١)، على وجه التفخيم والتعظيم. وقوله: ﴿لِيَوْمٍ﴾ أي: لأجل جزاء يوم، أو لعقوبة يوم تشخص فيه الأبصار. وقوله: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ من صفة اليوم، يقال: شخص بصره شخوصًا، إذا ارتفع، وجاء في التفسير: أن أبصارهم لا تَقَرّ في أماكنها من هول ما ترى في ذلك اليوم (٢). ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾: قوله : ﴿مُهْطِعِينَ﴾ انتصابه على الحال من ﴿الْأَبْصَارُ﴾، إذ المراد بها أصحابها، أو من محذوفٍ، أي: تراهم مهطعين، أي: مسرعين إلى الداعي، قال الشاعر: ٣٦٨ - بِدِجْلَةَ أَهْلُهَا وَلَقَدْ أَرَاهم ... بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إِلَى السَّمَاعِ (٣) أي: مسرعين إليه. وقيل: الإهطاع: أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف (٤)، قال الشاعر في المعنى: ٣٦٩ - تَعَبَّدَنِي نمرُ بْنُ سَعْدٍ وَقَدْ أُرَى ... ونمرُ بنُ سعدٍ لِي مُطِيعٌ ومَهْطِعُ (٥)

стр. 2082

وقوله: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حال بعد حال في قول من جوز حالين من ذي حال واحد، أو من المنوي في ﴿مُهْطِعِينَ﴾ في قول من لم يجوز ذلك، أي: مسرعين أو مديمين النظر في حال رفع رؤوسهم، والإضافة غير محضة إذ المراد بها الاستقبال، والإقناع: رفع الرأس، يقال: أقنع رأسه، إذا نصبه لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، وجعل طرفه موازيًا لما بين يديه (١). وقال ابن زيد: ناكسي رؤوسهم بلغة قريش (٢). والأول هو الوجه وعليه الجل. وقوله: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿مُقْنِعِي﴾، أي: غير مرتد إليهم طرفهم، والطرف في الأصل مصدر، قيل: والمعنى: لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم، أي: لا يطرفون، ولكن عيونهم مفتوحة من غير تحريك منهم للأجفان، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم (٣). وقوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ الواو للحال، فإن قلت من شرط الخبر أن يكون وفق المخبر عنه، والمخبر عنه هنا جمع والخبر مفرد. قلت: قيل: لَمّا كان معنى ﴿هَوَاءٌ﴾ هنا خالية متخرقة، جاز أن يُفْرَدَ، لأن تاء التأنيث فيها تدل على تأنيث الجمع في الأفئدة، كقولك: أحوال صعبة، وعقول فاسدة (٤)، وكفاك دليلًا: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ (٥). وقيل: هواءٌ أي: زائلة عن مقارّها. وعن ابن عباس ﵄ خرجت

стр. 2083

القلوب عن مواضعها فصارت في الحناجر (١). وقال: أريد بالأفئدة مواضع القلوب، وأنها خلت عن القلوب، فصارت هواءً. وعن أبي عبيدة: جُوْفٌ لا عقول لهم (٢). وقيل فيه غير ذلك (٣). ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾: قوله : ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ (يوم) مفعول ثان لأنذر، أي: خَوَّفْهم إياه، والإنذار: إعلام مع تخويف، وهو يوم القيامة، ولا يجوز أن يكون ظرفًا للإنذار، لأن الإنذار لا يكون في ذلك اليوم. وقوله: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ﴾ عطف على قوله: ﴿يَأْتِيهِمُ﴾، فلذلك رفع بالابتداء (٤)، ولا يجوز نصبه على الجواب، إذ المعنى ليس عليه (٥). وقوله: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ جزمًا على جواب شرط محذوف. وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: فيجابون ويقال لهم: كيت وكيت، و ﴿مَا لَكُمْ﴾ جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله: ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ ولو حكي لفظ المقسمين لقيل: ما لنا من زوال، واختلف في معناه:

стр. 2084

فقيل: حلفتم أنكم باقون في الدنيا لا تُزالون بالموت والفناء عما أنتم عليه من طيب العيش والنعمة (١). وقيل: لا تبعثون ولا تنتقلون إلى دار الآخرة، لقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (٢) وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، على معنى: أو لم تكونوا أقسمتم من قبل أن لا قيامة ولا بعث، ثم استأنف فقال: ما لكم من زوال، أي: لا تُزالون عن هذه الحالة، ولا تُردّون إلى الدنيا بحال (٣). وقوله: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ فاعل (تبين) مضمر دل عليه الكلام، أي: وظهر لكم فعلنا بهم حين كفروا وكذبوا الرسل، أو حالهم، ولا يجوز أن يكون فاعله ﴿كَيْفَ﴾ لوجهين - أحدهما: أن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. والثاني: أن ﴿كَيْفَ﴾ لا يخبر عنه، وإنما يكون خبرًا أو ظرفًا، على اختلاف النحاة في ذلك، وهي هنا منصوبة بقوله: ﴿فَعَلْنَا﴾ ليس إلا (٤). ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾: قوله : ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المصدر الذي هو ﴿مَكْرُهُمْ﴾ مضاف إلى الفاعل، كقوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ على معنى: وعند الله جزاء مكرهم، أو ثابت عند الله مكرهم، فهو يجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظم منه.

стр. 2085

والثاني: أنه مضاف إلى المفعول، على معنى: وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه، يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون، [والله أعلم] (١) وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قرئ: (لِتَزولَ) بكسر اللام الأولى ونصب الثانية (٢)، فـ (إنْ) على هذه القراءة بمعنى (ما) النافية، كالتي في قوله عز وعلا: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٣) واللام لام الجحد جيء بها لتأكيد النفي، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم﴾ (٤). والمعنى: إن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، على أن الجبال مَثَلٌ لأمر النبي ﷺ وما جاء به، لأنه بمثابة الجبال الراسية بيانًا وتمكنًا ﷺ ، وقد وعده إظهار دينه على كل الأديان، فقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٥). ثم أكده بقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ (٦). ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (٧) وقرئ: (لَتزولُ) بفتح اللام الأولى وضم الثانية (٨)، و (إنْ) على هذه القراءة مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وليست بلام الابتداء كما زعم بعضهم، لأن لام الابتداء لك أن تسقطها، وهذه لا يجوز إسقاطها.

стр. 2086

قال أبو الفتح: دخلت يومًا على أبي علي رَحِمَهُ الله تعالى بُعَيْدَ عَوْدِهِ من شيراز سنة تسع وستين، فقال لي: ألا أحدثك، فقلت له: قل، قال: دخل إلَيَّ هذا الأندلسي فظننته قد تعلم، فإذا هو يظن أن اللام التي تصحب (إِنْ) المخففة من الثقيلة هي لام الابتداء، قلت: لا تعجب فأكثر من ترى هكذا (١). وهذا مبالغة في وصف مكرهم بالعِظَمِ خلاف القراءة الأخرى، والمعنى: وإنه كان مكرهم من العِظَمِ والشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع عن أماكنها، ومع ذلك لا يقدرون على إزالة ما جاء به محمد ﷺ ؛ لأن الله تعالى وعده إظهار دينه، ونصره على أعدائه. وعن أبي إسحاق: أنَّ (إِنْ) على هذه القراءة شرطية، على: وإِنْ كان مكرهم في العِظَم يبلغ إلى إزالة الجبال، فإن الله تعالى ينصر دينه ويؤيد نبيه (٢). و﴿كَانَ﴾ هنا هي الناقصة، وقد جوز أن تكون التامة. والمراد بالجبال على القراءة الأولى: أمر النبي ﷺ وما جاء به، وعلى الثانية: هذه الجبال التي تراها، فلا تناقض فيهما من قد تأمل، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال (٣). ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾: قوله : ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ اسم الله و ﴿مُخْلِفَ﴾ مفعولا الحسبان، و ﴿وَعْدِهِ﴾ و ﴿رُسُلَهُ﴾: مفعولا ﴿مُخْلِفَ﴾، فرسله مفعول أول، ووعده ثان، والتقدير: مخلف رسله وعده، كقولك: هذا معطي درهم زِيدًا: وإنما قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد

стр. 2087

أصلًا، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١) ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدًا، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته (٢)؟ قلت: وتغيير الشيء عن موضعه إما بتقديم أو بتأخير في كلام القوم نظمهم ونثرهم لا يكون إلا بسبب وحكمة خصوصًا في الكتاب العزيز، أنشد صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى-: ٣٧٠ - تَرَى الثَّوْرَ فِيهَا مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ ... وَسَائِرُهُ بَادٍ إِلَى الشَّمْسِ أجمَعُ (٣) يريد مدخلًا رأسه الظل، فأضافه إلى الظل توسعًا وإعلامًا بأنه مفعول لا ظرف، إذ الظرف لا يُجَرّ. وقرئ: (مخلفَ وعدَه رسلِه) بجر الرسل ونصب الوعد (٤) على الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، كقوله: ٣٧١ - فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجِّةٍ ... زَجِّ القَلُوصَ أَبِي مَزَادَه (٥) والتقدير: فزججتها زج أبي مزادة القلوصَ، والأصل: زجًّا مثل زجّ أبي مزادة القلوص. والذي جَسِّره على ذلك في الكتاب العزيز التنبيه على الأصل، والإشعار به مع بقاء اللفظ على ما هو عليه لأجل الرسم، وللمعنى المذكور آنفًا، وهو أنه لا يخلف الوعد أصلًا، فاعرفه.

стр. 2088

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ انتصاب ﴿يَوْمَ﴾ على البدل من قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ (١) فيكون مفعولًا به، أو على الظرف لـ ﴿انْتِقَامٍ﴾، أي: ينتقم من أعدئه في ذلك اليوم. ولا يجوز أن يكون ظرفًا لـ ﴿مُخْلِفَ﴾ ولا لـ ﴿وَعْدِهِ﴾، كما زعم بعضهم لوجهين: أحدهما: أن ما قبل (إنَّ) لا يعمل فيما بعدها. والثاني: أن المعنى: لا تظن أن الله مخلفُ رسلِه ما وعدهم به من نصرهم وإظهار دينهم، وذلك في الدنيا لا في الآخرة. ولا يجوز أن يكون ظرفًا لفعل دل عليه قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾، أي: لا يخلف وعده يوم تبدل كما زعم بعضهم، لِما ذكرت آنفًا من أنَّ ذلك في الدنيا لا في الآخرة، ولكن لك أن تنصبه أيضًا بفعل محذوف، أي: اذكر ذلك اليوم، فيكون مفعولًا به كالوجه الأول. و﴿غَيْرَ﴾: مفعول ثان لبدّل، لأنه يتعدى إلى مفعولين، بشهادة قوله سبحانه: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (٢)، والأصل: تُبَدَّلُ الأرضُ أرضًا غيرَ الأرض، كما في الآية ﴿جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فحُذف الموصوف وأقيم الوصف مقامه. وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أي: وتبدل السموات غير السماوات، ثم حذف لدلالة ما قبله. واختلف في تبديل الأرض والسموات: فقيل: تبدل أرضًا غير هذه، وسماء غير هذه.

стр. 2089

وقيل: تغيير أوصافها، أما تغيير الأرض فهو إذهاب جبالها وما عليها وجعلها قاعًا صفصفًا، يعضده قول ابن عباس ﵄: هي تلك الأرض وإنما تغير (١)، وأنشد: ٣٧٢ - وما النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدْتَهُمْ ... وَمَا الدَّارُ بِالدَّارِ التي كُنْتَ تَعْلَمُ (٢) وأما تغيير السماء: فهو انفطارها، وانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وغير ذلك على ما فسر (٣). وقوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، أي: ويبرزون له، وقد ذكرت قبيل سبب مجيئه بلفظ الماضي في نظيره (٤). وأن يكون حالًا وقد معه مرادة، وذو الحال محذوف دل عليه تبديل الأرض، أي: خرجوا من قبورهم بارزين من لا تخفى عليه خافية. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾: قوله : ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ انتصاب ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ على الحال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، ولا يجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ (ترى) كما زعم بعضهم (٥)، لأن الرؤية هنا من رؤية العين، أي: وتراهم يومئذ مشدودين في القَرَنِ، والقَرَنُ: حبل يقرن به البعيران.

стр. 2090

قال الشاعر: ٣٧٣ - . . . . . . . . . . . . ... أَنِّي لَدَى البَابِ كَالمَشْدُودِ فِي قَرَنِ (١) وقيل: قُرن بعضهم مع بعض ثم مع الشياطين، يقال: قرنت الشيء بالشيء، إذا وصلته به. وقيل: قُرِنَتْ أيديهم إلى أرجلهم مغللين (٢): وقوله: ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، أي: يقرنون في الأصفاد، وأن يكون في موضع الحال إما من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أو من المنوي في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي: مصفودين، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِدُه صَفْدًا، إذا شده وأوثقه، أو مصفدين من صَفَّدَهُ، يُشَدَّدُ للكثرة، قال الشاعر: ٣٧٤ - فآبُوا بالنِّهَابِ وبالسَّبَايا ... وَأُبْنَا بالمُلُوكِ مُصَفِّدِينَا (٣) والأصفاد: القيود (٤). وقيل: الأغلال (٥). والصفد يقع على القيد والغل جميعًا. ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾:

стр. 2091

قوله : ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ ابتداء وخبر في موضع الحال إما من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أو من المنوي في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أو مصفدين (١). والسرابيل: القمصان، واحدها: سِرْبالٌ، والسربال: القميص، وَسَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ، أي: ألبسته السِرْبالَ. وقيل: السربال كل ما يلبس (٢). والقَطِران: شيء يُتَحَلَّبُ من شجر يسمى الأَبْهَلَ فيطبخ فَتُهْنَأ به الإبل الجربى (٣). يقال: قطرت البعير، إذا طليته بالقطران. قال أبو الفتح: وفيه ثلاث لغات: قَطِران بفتح القاف وكسر الطاء، وَقَطْران وقِطْران بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء (٤). وقرئ: (مِن قِطْرٍ آنٍ) (٥). والقِطْر: بالكسر النحاس، أو الصُّفْر المذاب، والآني: الذي قد انتهى حره.

стр. 2092

وقوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ عطف على قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ عطف جملة على جملة، ومحلها النصب أيضًا على الحال. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿تُبَدَّلُ﴾ وأن يكون من صلة ﴿وَبَرَزُوا﴾، وأن يكون من صلة محذوف، أي: فعل بالمجرمين ما فعل للجزاء. وقوله: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ أي: جزاء كسبها، أو بكسبها على إرادة الباء، ولك أن تجعل ﴿مَا﴾ موصولة على الوجهين. ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾: قوله : ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ يحتمل أن يكون ﴿لِلنَّاسِ﴾ من صلة ﴿بَلَاغٌ﴾، وأن يكون صفة له. واختلف في الإشارة في ﴿هَذَا﴾ فقيل: إلى القرآن (١). وقيل: إلى ما ذكره من قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣) أي: هذا كاف في التحذير والتذكير. وقوله: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿بَلَاغٌ﴾ عطفًا على قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ على الوجه الأول، وهو أن تجعله من صلة (بلاغ) حملًا على المعنى، كأنه قيل: هذا بلاع لهم وللإنذار، وأن يكون من صلة محذوف، أي: هذا بلاغ للناس وأنزل لينذروا به، بشهادة قوله (٤) جل

стр. 2093

ذكره: (كتاب أنزل إليك. . . . . . لِتُنْذِرَ به) ونحوه في غير موضع من التنزيل. وقيل: عطف على محذوف، أي: ليُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا. ﴿بِهِ﴾ بهذا البلاغ (١). وقرئ: (وَليَنْذَرُوا) بفتح الياء والذال (٢)، من نَذِرَ بالعدو - بالكسر - إذا علم به فاستعد له. قال أبو الفتح: ولم تستعمل منه العرب مصدرًا، كما لم يستعملوا من عسى وليس، وكأنهم استغنوا عنه بأنْ والفعل، نحو: سرني أن نَذِرْتُ بالشيء، ويسرني أن تَنْذَرَ به، انتهى كلامه (٣). وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ ﴿وَلِيَذَّكَّرَ﴾ عطف على و ﴿وَلِيُنْذَرُوا﴾، أي: وليتعظ ذوو العقول، والله أعلم. هذا آخر إعراب سورة إبراهيم ﵇ والحمد لله وحده

стр. 2094

إعراب سُورَةُ الحِجْر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾: قوله : ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ (تلك) في موضع رفع بالابتداء خبره ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، أي: هذه آيات الكتاب. والإشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والكتاب هو القرآن، ثم قال: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ فجمع بين الوصفين لموصوف واحد، والوصفان: كونه كتابًا، وكونه قرآنًا، أما الكتاب فأفاد لأنه مما يكتب (١) ويُدَوَّنُ، وأما القرآن فأفاد، لأنه مما يؤلف ويجمع بعض حروفه إلى بعض، والمعنى: آيات هذه السورة آيات الكتاب، وآيات قرآن مبين. قيل: وتنكير القرآن للتفخيم (٢). وقيل: المراد بالكتاب الجنس، وهو ما تقدم القرآن من الكتب المنزلة (٣). ويجوز في إعراب ﴿تِلْكَ﴾ غير ما ذكرت، وقد مضى فيما سلف من

стр. 2095

الكتاب في أوائل السور (١). ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾: قوله : (رُبَّمَا) قرئ: بتشديد الباء وتخفيفها (٢)، وهما لغتان. قال أبو إسحاق: العرب تقول: رب رجل جاءني، ويخففون. انتهى كلامه (٣). والتشديد هو الأصل، بشهادة قول صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى-: لو سميت رجلًا برب المخففة ثم حقرته لقلت: رُبَيْبٌ (٤)، فرددته إلى أصله، كما أنت لو حقرت (مذ) لقلت (منيذ) لأنَّ الأصل منذ. وحُكي فيها ثماني لغات: منهن المذكورتان آنفًا، والثالثة والرابعة كالمذكورتين غير أن الراء فيهما مفتوحة، فهذه أربع لغات، ويجوز ضم الباء مع التخفيف والراء مضمومة، وإسكانهما مع ضم الراء وفتحها، وأما الأربع الأُخر: فبتاء التأنيث مع التخفيف والتشديد والضم والفتح، فالتخفيف والتشديد في الباء، والضم والفتح في الراء (٥). وبعد: فإن رب حرف جار عند صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى- (٦)، وعند أبي الحسن: هو اسم (٧). والدليل على مذهب صاحب الكتاب: امتناع

стр. 2096

الجار عليه، فلا يقال: برب رجل مررت، كما يقال: بكم رجل مررت، ومن الدليل أيضًا: أنه لا بد له من عامل يعمل فيه مع المجرور به، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. وتلحقه (ما) وفيها وجهان: أحدهما: أنها كافة، وتسمى أيضًا مُهَيِّئَةٌ، لأنها بدخولها كفت الحرف عن العمل الذي كان وهيأته لوقوع الفعل بعده، فهي حرف، أعني: (ما) ومن شرط الفعل الواقع بعده أن يكون ماضيًا، كقوله: ٣٧٥ - رُبَّمَا أوْفَيْتُ فِي عَلَمٍ. . . . . . . . . . . . . . (١) لأنها موضوعة للإخبار عما مضى، وأما وقوع المستقبل بعدها في الآية ففيه أوجه: أحدها: أنه حكاية حال آتية، كما أن قوله عز وعلا: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) حكاية لحال آتية، ومن حكاية الحال قول الشاعر: ٣٧٦ - جَارِيَةٌ فِي رَمَضَانَ المَاضِي ... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ (٣) والثاني: أنه على إضمار (كان) أي: ربما كان يود الذين كفروا (٤). وأنكر أبو علي هذا وقال: من زعم أن الآية على إضمار (كان) فقد خرج بذلك عن قول سيبويه، ومعنى قوله هذا أن من أضمر (كان) فقد خالف صاحب الكتاب ﵀، لأن (كان) لا تضمر عنده إلا حيث يكون حذفٌ

стр. 2097

يقتضيها، وفي موضع تقوى الدلالة عليها (١). والثالث: أن هذا لما كان واقعًا لا محالة لِصدق المخبر صار بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ود الذين كفروا (٢). والرابع: أن (ما) لما دخلت عليها صارت بدخولها عليها قد تغيرت عما كانت عليه، فوقع بعدها ما لم يقع قبل، لأجل أن الحروف يتغير أحكامها ومعانيها بالتركيب وشهرتها تغني عن ذكرها. والثاني: هي نكرة موصوفة، و (يود) صفتها، أي: رب شيء أو رب وُدٍّ يَوَدُّه الذين كفروا، لأن (ما) لعمومها تقع على كل شيء. والوجه هو الأول، وهو أن تكون (ما) كافة، لأن المودود هنا كونهم مسلمين ليس إلا فاعرفه، فإنه موضع لطيف. ولا بد لربَّ من عامل يعمل فيها، وهو هنا محذوف، تقديره: رب كافر يود الإسلام يوم القيامة، أنذرت أو نحوه (٣). واختلف في وقت ودادهم، فقيل: عند الموت. وقيل: يوم القيامة، إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين (٤). وأصل رُبَّ: أن يكون للتقليل، تقول: ربما فعل كذا، تريد أنه يفعله في بعض الأوقات، وقد تستعمل بمعنى الكثرة، كقولهم: رب بلد قطعته، ورب يوم كان من شأنه كذا وكذا، يقصدون بذلك الوفور، لأنهم يأتون به في مواضع المدح، وقد وردت في أشعارهم كثيرًا بمعنى الكثرة، وهو من استعمال الشيء موضع ضده، وكذا هنا بمعنى التكثير والتحقيق، وإن كانت

стр. 2098

في الأصل موضوعة للتقليل، لأنهم يودون الإسلام في كل ساعة ولحظة. وقيل: هو على بابه، لأنهم في النار في شغل شاغل، فربما يفيقون في بعض الأحيان فيتمنون ذلك (١). ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾: قوله : ﴿ذَرْهُمْ﴾ لم يستعمل منه ماض، ولا اسم فاعل استغناء عنهما بتَرَكَ وتاركِ، وحذفت الواو من مضارعه لوقوعها بين ياء وكسرة في الأصل، وإنما فتحت عينه حملًا على ما هو في معناه وهو (يدع)، فجعل لفظه كلفظه لذلك. وقوله: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ﴾ محل الجملة الجر أو النصب على النعت لقرية، إما على اللفظ أو المحل، كقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢). قيل: والقياس ألا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ (٣)، وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب (٤). وقوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ أي: أُمَّةٌ، و (مِن) مزيدة، وأنَّث الأمة أولًا ثم ذكَّرها آخرًا حملًا على اللفظ والمعنى، وقال ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بحذف (عنه) لأنه معلوم.

стр. 2099

﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾: قوله : ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا﴾ أي: هلا تأتينا. ولوما، ولولا، وهلَّا، وأَلَا بمعنىً، وهو دعاء إلى الفعل وتحضيض عليه. وبعدُ، فإن (لو) إذا ركبت مع (لا) و (ما) كانت لمعنيين: معنى التحضيض، ومعنى امتناع الشيء لوجود غيره، كقوله: ٣٧٧ - تَعُدُّون عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ ... بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلَا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (١) أي: هلا تعدون، وقوله: ٣٧٨ - لَوْمَا الْحَياءُ وَلَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكُمَا ... بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إِذْ عِبْتُمَا عَوَرِي (٢) ولوما هنا في معنى: لولا التي لها جواب، أي: لولا الحياء. وأما (هل) فلم تركب إلا مع (لا) وحدها للتحضيض. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: [إن] كنت من الصادقين في دعواك أنك مرسل فأتنا بالملائكة حتى يشهدوا لك. ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾: قوله : (ما تَنَزَّلُ الملائكةُ) قرئ: بفتح التاء والنون والزاي مشددة، بمعنى: تتنزل، فحذفت إحدى التاءين كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة، و (الملائكةُ) رفع به على الفاعلية (٣).

стр. 2100

وقرئ: (ما تُنَزَّلُ) بضم التاء على البناء للمفعول، من نُزِّلَ، (والملائكةُ) رفع به على الفاعلية (١). وقرئ: (ما تُنَزِّلُ الملائكةَ) بالنون ونصب (الملائكةَ) به على المفعولية (٢). وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من صلة محذوف، فيكون في موضع نصب على الحال من الملائكة، أي: ملتبسين بالحكمة والمصلحة. والثاني: من صلة (تَنَزَّلُ)، فالباء على هذا تكون بمعنى الاستعانة، كالتي في قول القائل: بتوفيق الله حججت. وقيل: الحق: العذاب، وقيل: الوحي (٣). وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ (إذًا) جواب وجزاء، لأنه جواب لهم، وجزاء لشرط مقدر تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، أي: مؤخرين، يقال: أنظرته، إذا أخرته وأمهلته. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾: قوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ محل (نحن) النصب على التأكيد لاسم (إن) أو الرفع على الابتداء، ولا يجوز أن يكون هنا فصلًا كما زعم بعضهم (٤) لأن من شرط الفصل أن يكون بين اسمين، أو بين اسم وفعل مضارع، وأما بين اسم وفعل ماض فلا أعرف في ذلك خلافًا بين النحاة، وقالوا: إنما جوزنا مع المضارع دون الماضي، لأن المضارع مشابه للاسم، والألف واللام من صفات الاسم وخصائصه، فجاز تقديرها مع المضارع لما

стр. 2101

بينه وبين الاسم من الامتزاج، ولم نجوز مع الماضي؛ لأن الماضي لم ينل هذه المشابهة، فلم يجز تقديرها معه. ومعنى قولهم هذا وتحقيقه: أن الفعل المضارع لما كان ممتزجًا بالاسم على ما ثبت حتى استحق بذلك الإعراب، جاز أن يقال: إنه في تقدير اسم دخله الألف واللام، ولم يجز ذلك في الماضي، لأنه إذا لم يكن مشابهًا للاسم كان تقدير ما هو من صفات الاسم وخصائصه فيه وضعًا للشيء في غير موضعه، فاعرفه، فإنه من الأصول (١). وقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الضمير في (له) لِلذِّكْرِ. وقيل: لرسول الله ﷺ (٢)، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾ (٣). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾: قوله : ﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في فرقهم، والشيع: جمع شيعة، وهي الفرقة الأتباعُ، يقال: شاعه، إذا تبعه. وقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ حكاية حال ماضية، لأن (ما) لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال (٤).

стр. 2102

وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ جملة واقعة صفة لـ ﴿رَسُولٍ﴾، اما على اللفظ أو على الموضع، أو حالًا من الهاء والميم في ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾، وهي حال مقدرة. وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ محل الكاف النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: سَلْكًا مثل ذلك السَّلْكِ، والمعنى: كما سَلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل في قلوب شيع الأمم الأولين، كذلك نسلكه، أي: نُدْخِلُه، يقال: سلكت الشيء في الشيء أسْلُكُهُ سَلْكًا، وأسلكتُه إسلاكًا، إذا أدخلته فيه. وبضم النون قرأ هنا بعض القراء: (نُسْلِكُهُ) (١). واختلف في الضمير في قوله: (نَسلكه) فقيل: للكفر والاستهزاء. وقيل: للذِّكْر، على معنى: أنه نلقيه في قلوبهم مُكَذَّبًا مُسْتَهْزأً به غير مقبول (٢). ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في موضع الحال، أي: غير مؤمنين به، أو تاركين الإيمان به، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للذكر، وقيل: (لله)، وقيل: لِلرَّسُولِ، وقيل: للعذاب. وقيل: للاستهزاء على معنى: بسبب الاستهزاء، فحذف المضاف (٣).

стр. 2103

وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم. وقوله: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ يقال: ظل فلان يفعل كذا، إذا فعله طول نهاره، والضمير في ﴿فَظَلُّوا﴾ للمشركين (١)، أو للملائكة (٢)، وفي ﴿فِيهِ﴾ للباب. و ﴿يَعْرُجُونَ﴾: خبر (ظل)، ومعناه: يصعدون. وهذيل تكسر الراء من (يعرِجون) وبه قرأ بعض القراء هنا (٣). ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾: قوله : ﴿سُكِّرَتْ﴾ قرئ: بالتشديد والضم على البناء للمفعول (٤)، على معنى: سُدَّتْ أبصارنا بالسحر، من سَكَرْتُ النهر أسْكُرُهُ سَكْرًا إذا سددته، فكأن الأبصار مُنِعَتْ من النظر كما يُمنع الماء من الجري. وقيل: هو من سُكْرِ الشراب. يقال: سَكِرَ يَسْكَرُ سَكَرًا، والاسم السُّكْرُ بالضم، كأن العين لحقها كما يلحق السكران من الشرب. والتشديد فيه للتكثير لا لِتَعَدِّيه كما زعم بعضهم (٥) بشهادة قراءة من قرأ: (سُكِرَتْ) بالتخفيف مع الضم، وهو ابن كثير (٦). وقرئ: (سَكِرَتْ)، بفتح السين، وكسر الكاف مع التخفيف على البناء

стр. 2104

للفاعل (١)، من السُّكْرِ، أي: حارت كما يحار السكران في عدم نفوذ نورها، وإدراك الأشياء على حقيقتها. فإن قلت: هذه القراءة تنصر قول من زعم أن التضعيف للتعدية، وأن سَكِر لا يتعدى. قلت: ليست بناصرة له، ولا له فيها دلالة على ما ادعاه، لأن الفعل إذا بُني للمفعول من غير تضعيف، ولا نقل، ولا جارّ، دل على تعديه بنفسه في أول وضعه، مع أن لنا كثيرًا من الأفعال سُمع مُعدّى وغير مَعَدّى، نحو: غَاضَ المَاء، وغَاضَهُ الله. وَصَعِقَ زَيْدٌ، وصُعِقَ وَغَارَتْ عينه، وغرْتُهَا. وَسَعِدَ زَيْدٌ، وسُعِدَ. ونحو ذلك، فيكون سَكِر منها، والله أعلم. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾: قوله : ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ الضمير للسماء، وقيل: للبروج (٢)، والأول هو الوجه لقوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾، وقوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ﴾. وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ محل (مَنْ) النصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون محلها الجر على البدل من ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ كما زعم أبو إسحاق، لأن البدل في باب الاستثناء لا يكون في الموجب (٣).

стр. 2105

وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ أي: تبعه نار ساطعة محرقة، أو: كوكب ساطع مضيء كالنار على ما فسر (١). (مُبِينٌ): ظاهر للرائين. وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ انتصاب الأرض بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر، أي: ومددنا الأرض مددناها، ويجوز رفعها على الابتداء، والمختار النصب لأجل التشاكل. وقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ مفعول الإنبات محذوف على رأي صاحب الكتاب (٢)، أي: أنواعًا من كل شيء، و ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هو المفعول عند أبي الحسن، و ﴿مِنْ﴾ صلة عنده (٣). ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ الوجه فيها تصريح الياء، بخلاف صحائف وشبهها، فإن تصريح الياء فيها خطأ، والوجه الهمز (٤). وقرئ: (معائش) بالهمز (٥) على التشبيه، وقد مضى الكلام عليها في "الأعراف" بأشبع من هذا (٦). وهي جمع معيشة، وفيها وجهان - أحدهما: اسم لما يعاشُ به من المطاعم والمشارب والملابس. والثاني: هي مصدر بمعنى العيش، أي: أنواعًا من العيش.
следующие страницы →