بينه وبين الاسم من الامتزاج، ولم نجوز مع الماضي؛ لأن الماضي لم ينل هذه المشابهة، فلم يجز تقديرها معه.
ومعنى قولهم هذا وتحقيقه: أن الفعل المضارع لما كان ممتزجًا بالاسم على ما ثبت حتى استحق بذلك الإعراب، جاز أن يقال: إنه في تقدير اسم دخله الألف واللام، ولم يجز ذلك في الماضي، لأنه إذا لم يكن مشابهًا للاسم كان تقدير ما هو من صفات الاسم وخصائصه فيه وضعًا للشيء في غير موضعه، فاعرفه، فإنه من الأصول (١).
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الضمير في (له) لِلذِّكْرِ. وقيل: لرسول الله ﷺ (٢)، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾ (٣).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾:
قوله : ﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في فرقهم، والشيع: جمع شيعة، وهي الفرقة الأتباعُ، يقال: شاعه، إذا تبعه.
وقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ حكاية حال ماضية، لأن (ما) لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال (٤).
стр. 2102
وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ جملة واقعة صفة لـ ﴿رَسُولٍ﴾، اما على اللفظ أو على الموضع، أو حالًا من الهاء والميم في ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾، وهي حال مقدرة.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ محل الكاف النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: سَلْكًا مثل ذلك السَّلْكِ، والمعنى: كما سَلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل في قلوب شيع الأمم الأولين، كذلك نسلكه، أي: نُدْخِلُه، يقال: سلكت الشيء في الشيء أسْلُكُهُ سَلْكًا، وأسلكتُه إسلاكًا، إذا أدخلته فيه.
وبضم النون قرأ هنا بعض القراء: (نُسْلِكُهُ) (١).
واختلف في الضمير في قوله: (نَسلكه) فقيل: للكفر والاستهزاء. وقيل: للذِّكْر، على معنى: أنه نلقيه في قلوبهم مُكَذَّبًا مُسْتَهْزأً به غير مقبول (٢).
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾:
قوله : ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في موضع الحال، أي: غير مؤمنين به، أو تاركين الإيمان به، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للذكر، وقيل: (لله)، وقيل: لِلرَّسُولِ، وقيل: للعذاب. وقيل: للاستهزاء على معنى: بسبب الاستهزاء، فحذف المضاف (٣).
стр. 2103
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم.
وقوله: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ يقال: ظل فلان يفعل كذا، إذا فعله طول نهاره، والضمير في ﴿فَظَلُّوا﴾ للمشركين (١)، أو للملائكة (٢)، وفي ﴿فِيهِ﴾ للباب. و ﴿يَعْرُجُونَ﴾: خبر (ظل)، ومعناه: يصعدون.
وهذيل تكسر الراء من (يعرِجون) وبه قرأ بعض القراء هنا (٣).
﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾:
قوله : ﴿سُكِّرَتْ﴾ قرئ: بالتشديد والضم على البناء للمفعول (٤)، على معنى: سُدَّتْ أبصارنا بالسحر، من سَكَرْتُ النهر أسْكُرُهُ سَكْرًا إذا سددته، فكأن الأبصار مُنِعَتْ من النظر كما يُمنع الماء من الجري.
وقيل: هو من سُكْرِ الشراب. يقال: سَكِرَ يَسْكَرُ سَكَرًا، والاسم السُّكْرُ بالضم، كأن العين لحقها كما يلحق السكران من الشرب.
والتشديد فيه للتكثير لا لِتَعَدِّيه كما زعم بعضهم (٥) بشهادة قراءة من قرأ: (سُكِرَتْ) بالتخفيف مع الضم، وهو ابن كثير (٦).
وقرئ: (سَكِرَتْ)، بفتح السين، وكسر الكاف مع التخفيف على البناء
стр. 2104
للفاعل (١)، من السُّكْرِ، أي: حارت كما يحار السكران في عدم نفوذ نورها، وإدراك الأشياء على حقيقتها.
فإن قلت: هذه القراءة تنصر قول من زعم أن التضعيف للتعدية، وأن سَكِر لا يتعدى. قلت: ليست بناصرة له، ولا له فيها دلالة على ما ادعاه، لأن الفعل إذا بُني للمفعول من غير تضعيف، ولا نقل، ولا جارّ، دل على تعديه بنفسه في أول وضعه، مع أن لنا كثيرًا من الأفعال سُمع مُعدّى وغير مَعَدّى، نحو: غَاضَ المَاء، وغَاضَهُ الله. وَصَعِقَ زَيْدٌ، وصُعِقَ وَغَارَتْ عينه، وغرْتُهَا. وَسَعِدَ زَيْدٌ، وسُعِدَ. ونحو ذلك، فيكون سَكِر منها، والله أعلم.
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾:
قوله : ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ الضمير للسماء، وقيل: للبروج (٢)، والأول هو الوجه لقوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾، وقوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ محل (مَنْ) النصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون محلها الجر على البدل من ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ كما زعم أبو إسحاق، لأن البدل في باب الاستثناء لا يكون في الموجب (٣).
стр. 2105
وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ أي: تبعه نار ساطعة محرقة، أو: كوكب ساطع مضيء كالنار على ما فسر (١). (مُبِينٌ): ظاهر للرائين.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ انتصاب الأرض بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر، أي: ومددنا الأرض مددناها، ويجوز رفعها على الابتداء، والمختار النصب لأجل التشاكل.
وقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ مفعول الإنبات محذوف على رأي صاحب الكتاب (٢)، أي: أنواعًا من كل شيء، و ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هو المفعول عند أبي الحسن، و ﴿مِنْ﴾ صلة عنده (٣).
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾:
قوله : ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ الوجه فيها تصريح الياء، بخلاف صحائف وشبهها، فإن تصريح الياء فيها خطأ، والوجه الهمز (٤). وقرئ: (معائش) بالهمز (٥) على التشبيه، وقد مضى الكلام عليها في "الأعراف" بأشبع من هذا (٦).
وهي جمع معيشة، وفيها وجهان - أحدهما: اسم لما يعاشُ به من المطاعم والمشارب والملابس. والثاني: هي مصدر بمعنى العيش، أي: أنواعًا من العيش.
стр. 2106
وقوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ﴾ محل (مَنْ) النصب عطفًا على ﴿مَعَايِشَ﴾ على: وجعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم فيها من لا ترزقونهم من العبيد والإماء والبهائم، وأتى بـ (مَنْ) على وجه التغليب.
وأجاز أبو إسحاق: أن يكون عطفًا على تأويل ﴿لَكُمْ﴾، والمعنى: أعشناكم ومن لستم له برازقين، أي: رزقناكم، ورزقنا من لستم له برازقين (١).
أو الرفع على الابتداء والخبر محذوف، أي: ومن لستم له برازقين كذلك (٢).
أو الجر على مذهب أهل الكوفة عطفًا على الضمير المجرور، أي: لكم ولمن لستم، فحذف الجار وهو المراد، وأبى أهل البصرة إلا بإعادة الجار (٣).
وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (إنْ) بمعنى (ما) النافية و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في موضع رفع الابتداء، و ﴿مِنْ﴾ صلة، أي: وما شيء.
وقوله: ﴿إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ محل الجملة الرفع بحق الخبر وارتفاع الخزائن بالظرف على المذهبين لاعتماده على المبتدأ.
وقوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي: كائنًا بقدر.
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قرئ: ﴿الرِّيَاحَ﴾ على الجمع
стр. 2107
لقوله: ﴿لَوَاقِحَ﴾، و (الريح) على لفظ الوُحْدَان (١) على تأويل الجنس.
واختلف في ﴿لَوَاقِحَ﴾ فقيل: بمعنى: ملاقح جمع مُلْقِحةٍ، لأنها تلقح السحاب، أي: تلقي إليها ما تحمل به الماء حاملة له كما يُلْقِحُ الفحل الأنثى، ولكن تُرِكَ هذا الأصل فقيل: لواقح، على حذف الزائد، وهو من النوادر (٢)، كما قال:
٣٧٩ - . . . . . . . . . ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ (٣)
يريد المطاوح جمع مطيحة، لأنه من أطاح الشيء، إذا قَذَفَهُ وَتَوَّهَهُ.
وقيل: لواقح: حوامل جمع لاقح، لأنها تحمل السحاب وتسوقه، يقال: لَقِحَتِ الريحُ السحابَ تَلْقَحُ لَقَاحًا، إذا حملته، فهي لاقحة، يعضده قوله : ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا﴾ (٤) أي: حملت سحابًا، يعني الريح، والعرب تقول: للجَنوب وهي الريح التي تقابل الشمال: لاقح، لأنها تأتي بالخير، وللشمال: حائل وعقيم، لأنها لم تأت بخير (٥).
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يقال لها: لواقح وإن لَقَحَتْ غيرَها، لأن معناها النسب (٦). يعني: حوامل كما سبق، غير أنها على معنى النسب، أي: ذات لَقاحٍ، كطالق وحائض. وانتصابها على الحال من الرياح أو الريح، أي: ملقحات، أو لاقحات، أو ذوات لقاح على الأوجه المذكورة آنفًا. ولم تنصرف، لأنها نهاية الجمع خارجة عن مثال الواحد، فاعرفه:
стр. 2108
وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أي: فجعلناه لكم سقيًا، ومكناكم منه (١)، وقد مضى الكلام على السقي والإسقاء فيما سلف من الكتاب (٢).
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ (نحن) هنا لا يجوز أن يكون توكيدًا لاسم (إِنَّ) لأجل دخول اللام عليه، بل يجوز أن يكون مبتدأً، وأن يكون فصلًا، ودخول اللام على الفصل جائز نص على ذلك جماعة من أكابر النحاة، لأن الفصل إنما جيء به ليؤذن بأنَّ ما بعده خبر، ودخول اللام عليه أقوى في المعنى الذي دخل لأجله، وذلك أنه دخل لتقرير الخبر، فدخل عليه ما يدخل على الخبر، ومنع بعضهم ذلك (٣)، وليس بشيء، لأنه لو لم يكن فصلًا مع اللام لما قيل: إن كانَ زيدٌ لهوَ الظريفَ بالنصب، وقد قال صاحب الكتابَ: إن كان زيدٌ لهو الظريفَ، وإنْ كُنَا لَنَحْنُ الصالحينَ، فالعرب تنصب هذا والنحويون أجمعون (٤).
٣٨٠ - إِذا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُواهَا ... فَإنَّ القَوْلَ مَا قَالتْ حَذَامِ (٥)
وأما إتيانُ الفعل بعده فليس بمانع أيضًا، لأنه مضارع، ووقوعُ الفصل بين الاسم والفعل المضارع جائز بخلاف الماضي، وقد ذكر قبيل في السورة (٦).
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾:
стр. 2109
قوله : ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع الحال من، المستقدمين أي: كائنين منكم.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ الصلصال: الطين الحُرُّ اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخٌ من يُبْسِه، أي: يصوّت، يقال: صل الحديد وصلصل، إذا صَوَّتَ، فإذا طُبخَ بالنار فهو الفَخَّارُ، عن أبي عبيدة وغيره (١).
وقيل: الصلصال: المُنْتِنُ (٢)، من قولِهم: صَلَّ اللحم يَصِلّ بالكسر صُلُولًا، إذا أنتن، مطبوخًا كان أو نيئًا (٣)، فأصله على هذا صلال، فقلبت إحدى اللامين صادًا.
وقوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ في موضع الصفة لصلصال، أي: من صلصال كائن من حمإ مسنونٍ، أو بدل منه بإعادة الجارِ.
والحَمَأُ: جمع حَمَأة (٤)، وهي الطين الذي يطول جريان الماء عليه، فَيَسْوَدّ ويتغير ريحه.
والمسنون في قول صاحب الكتاب: المصوَّرُ على صورةٍ ومثال، يقال سَنَنْتُهُ أَسُنُّهُ سَنًّا، إذا صورته، ومنه سُنَّةُ الوجه، وهي صورته (٥).
وقيل: المسنُونُ: المُتَغَيِّرُ المُنْتِنُ (٦).
стр. 2110
وقيل: المصبوب، يقال: سننت الشيء سنًا، إذا صببته صبًا سهلًا، وسن الماء على وجهك (١).
وقيل فيه غير ذلك (٢).
﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾:
قوله : ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ انتصاب (الجان) بفعل مضمر يفسره ما بعده، أي: وخلقنا الجانَّ من قبل خلق آدم، ورفعه في الكلام جائز (٣)، والنصب أحسن، لقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾ (٤).
واختلف فيه، فقيل: هو للجن كآدم للناس، عن ابن عباس ﵄ (٥).
وسمي جَانًّا لاستتاره عن عيون البشر، ومنه جَنّ الليل. وقيل: هو إبليس، عن قتادة وغيره ﵃ (٦).
وجمعه جِنَّانٌ، كحائط وحيطان.
وعن الحسن: (والجَأَن) بالهمز (٧) هربًا من التقاء الساكنين.
وقوله: ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة (خلقنا) و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، وأن يكون في موضع الحال من الهاء، أي: خلقناه كائنًا من نار السموم.
стр. 2111
والسَّمُومُ عند أهل اللغة: الريح الحارة (١)، كأن فيها نارًا، أو فيها نارٌ، وسميت سمومًا لدخولها في المسام، وهي ثُقَبُ الجسد (٢).
وعن ابن مسعود ﵁: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من سموم النار التي خلق الله منها الجان (٣).
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ أي: واذكر وقت قوله: كيت وكيت.
وقوله: ﴿سَوَّيْتُهُ﴾ أي: عدلته وأكملت خلقه، ورجل سوي الخلق، أي: مستوٍ.
وقوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (قعوا) أمرٌ مِن وَقَعَ يقع، تقول للواحد: قَعْ، وللإثنين: قَعَا، وللجماعة: قَعُوا، وللواحدة: قعِي، ولجماعة النسوة: قَعْنَ. ووقع الشيء وقوعًا، إذا سقط، و ﴿لَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أن يكون من صلة قوله: ﴿فَقَعُوا﴾ أي: فاسقطوا له، وأن يكون من صلة ﴿سَاجِدِينَ﴾ أي: فاسقطوا على الأَرضِ سَاجِدِينَ لَهُ. وانتصاب ﴿سَاجِدِينَ﴾ على الحال.
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾:
قوله : ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ (كلهم) تأكيد، و ﴿أَجْمَعُونَ﴾ أيضًا تأكيد بعد تأكيد، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀ وموافقيه (٤).
стр. 2112
وقال غيره (١): (كل) للاستيعاب والإحاطة، و (أجمعون) لاتفاقهم على الفعل في حالة واحدة (٢).
والوجه هو الأول لوجهين:
أحدهما: أنك تقول: جاءني القوم أجمعون، من غير كل وإن سبق بعضهم بعضًا.
والثاني: أنه لو كان كما زعم لكان حالًا لا تأكيدًا، ولزمه أن ينصبه، والحال تكون نكرة، و (أجمعون) معرفة، فاعرفه.
وقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ نصب على الاستثناء، وهل هو متصل أم منقطع؟ على ما أُوضح وذُكر في "البقرة" (٣).
وقوله: ﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ﴾ (أن) وما اتصل بها في موضع نصب بـ ﴿أَبَى﴾.
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾:
قوله : ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾ (ما) في موضع رفع بالابتداء و ﴿لَكَ﴾ الخبر، و (أنْ) في موضع نصب لعدم الجار وهو (في) أي: في أن لا تكون، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٤).
стр. 2113
وعن أبي الحسن: أنَّ (أَنْ) مزيدة، وما بعدها في موضع نصب على الحال، أي: ما لَكَ خَارجًا عن الساجدينَ (١)، والوجه هو الأول، لأن المزيدة لا عمل لها، والفعل هنا منصوب كما ترى.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ اللام في ﴿لِأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النفي.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ اختلف في الضمير في ﴿مِنْهَا﴾، فقيل: للجنة، وقيل: للسماء. وقيل: لجملة الملائكة. وقيل: لمنزلتهم (٢).
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾: يحتمل أن يكون من صلة اللعنة، أي: يلعنك أهل السماء وأهل الأرض إلى يوم الدين. وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿عَلَيْكَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ في الباء وجهان:
أحدهما: للقسم، وما مصدرية، وجواب القسم ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ أي: أحلف بإغوائك إياي، وإغواؤه إياه إضلاله له، عن ابن عباس ﵄ (٣).
стр. 2114
والثاني: للسبب والقسم محذوف، أي: بسبب إغوائي أُقسم لأفعلن بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم، بأن أزين لهم ما يُهلِكُهُمْ عندك، ويطرحهم في دار البوار (١).
وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾ نصب على الاستثناء وهو متصل، واختلف في المستثنى هنا فقيل: أكثر من النصف، وقيل: أقل منه، وهو الظاهر (٢). وعلى الجملة يجوز استثناء الكثير من القليل بشهادة قوله جل ذكره هنا: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣)، وفي "سبأ": ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ولا بد أن يكون أحد المستثنين هو الأكثر. و ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿عِبَادَكَ﴾ أي: كائنين منهم.
﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾:
قوله : ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (هذا صراط) مبتدأ وخبر، و ﴿عَلَيَّ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿صِرَاطٌ﴾، أي: طريق يَهْجُمُ بسالكه عليَّ، أي: على جَنتِي وكرامتي (٥).
وقيل: ﴿عَلَيَّ﴾ بمعنى (إلَيَّ)، أي: مرجعه إليَّ فأُجازي كل عامل بما عمل، وفي الكلام معنى التهديد والوعيد، كقولك لمن تهدده: طريقك عليَّ (٦).
стр. 2115
وقال أبو الحسن: هو كقولك: الدلالة اليوم عليّ (١)، أي: هذا صراط في ذمتي، وتحت ضماني، كقولك: صحة هذا المال عليَّ، واختار أبو الفتح هذا الوجه، وقال: ما أحسن ما ذهب إليه أبو الحسن فيه (٢).
وقيل: هو محمول على المعنى، والمعنى: استقامته عليَّ، فيكون من صلة ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣).
وقرئ: (عَلِيٌّ) بكسر اللام والتنوين (٤)، أي: عالٍ رفيع، وهو من علو الشرف والمنزلة، لا من عُلُوِّ الطول.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء، وهو متصل، وقيل: منقطع؛ لأن المراد بعبادي: الموحدُونَ، ومتبع الشيطان غير موحد. والأول أمتن بل هو الوجه (٥).
و﴿مِنَ الْغَاوِينَ﴾: في موضع الحال من المنوي في ﴿اتَّبَعَكَ﴾، أي: كائنًا منهم.
стр. 2116
وقوله: ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (أجمعين) في موضع جر على التوكيد للضمير المجرور، وليس بحال منه كما زعم بعضهم (١)، لأن (أَجْمَعِينَ) لا يكون إلا معرفة والحال نكرة. والضمير للغاوينَ.
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾ (٢) بعد خبر، وان يكون مستأنفًا، ولا يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من ﴿جَهَنَّمَ﴾ لعدم العامل، لأنَّ (إِنَّ) لا تعمل في الأحوال، وكذا (لكنَّ) بخلاف ليت، ولعل، وكأن (٣).
وقوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (جزء) مبتدأ، و ﴿مَقْسُومٌ﴾ صفة له، والظرف خبره، وهو ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾. وأمَّا ﴿مِنْهُمْ﴾ فمحله النصب على الحال إمَّا مِنَ المنوي في الظرف، أو مِن ﴿جُزْءٌ﴾ لتقدمه عليه، وهو في الأصل صفة له، فلما قدمت عليه نصبت على الحال، كقوله:
٣٨١ - لِعَزَة مُوحِشًا طَلَلٌ قديم ... . . . . . . . . . . . (٤)
ولا يجوز أن يكون صفة لـ ﴿بَابٍ﴾، لأن الباب ليس منهم، ولا أن يكون من صلة ﴿مَقْسُومٌ﴾ على تقدير: لكل باب جزء مقسوم منهم، وإن كان جائزًا من جهة المعنى، لأن الصفة لا تعمل في الموصوف، ولا فيما قبله،
стр. 2117
كما يعمل الموصوف فيما قبله، إذ لا يصح وقوع المعمول إلا حيث يصح وقوع العامل.
وعن بعض القراء (جُزّ) بالتشديد (١)، كأنه سهل الهمزة على مذاق العربية، ثم نوى الوقف على لغة من يقول في الوقف: هذا خالدّ، وجعفرّ، فبقي جُزّ، ثم أطلق وهو يريد الوقف، فأقر التشديد بحاله فقال: جُزٌّ.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا﴾ الجمهور على تحريك التنوين إما بالكسر لالتقاء الساكنين، أو بالضم للإتباع على وصل الألف وضم الخاء على لفظ الأمر، وقرئ: (وعيونٌ أُدخِلوها) بضم النون من عيون وكسر الخاء على أنه فعل ماض مبنى للمفعول (٢)، والهمزة على هذه القراءة همزة قطع، غير أن حركتها ألقيت على التنوين وحذفت الهمزة تخفيفًا كما يفعل ورش عن نافع (٣) في سائر القرآن. وقراءة الجمهور على إرادة القول، أي: يقال لهم: ادخُلوها.
وقوله: ﴿بِسَلَامٍ﴾ في موضع الحال، أي: ادخلوها سالمين من كل آفة وبلاء، أو مسلمًا عليكم، إما من الله جل ذكره، أو من الملائكة على ما فُسِّر (٤).
стр. 2118
وقوله: ﴿آمِنِينَ﴾ حال أيضًا إما من الضمير في ﴿ادْخُلُوهَا﴾، أو من المنوي في ﴿بِسَلَامٍ﴾.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ في موضع الحال من ﴿مَا﴾ أي: كائنًا منه، والغل: الحقد الكامن في القلب. يقال: غَلَّ صَدْرُه يَغِلُّ بالكسر غِلًا، إذا كان ذا حِقْدٍ وضِغْنٍ. وقيل: الغِلُّ ما كان من الغدر والخيانةِ والحسدِ والمنافسةِ والبخلِ.
وقوله: ﴿إِخْوَانًا﴾ حال من أحد خمسة أشياء: إما من المنوي في ﴿جَنَّاتٍ﴾ وهو ضمير المتقين، والعامل الظرف نفسه، أو من الضمير الفاعل في ﴿ادْخُلُوهَا﴾، أو من المستكن في ﴿بِسَلَامٍ﴾ لأنه بمعنى سالمين، أو من المستكن في ﴿آمِنِينَ﴾، أو من المضاف إليه في ﴿صُدُورِهِمْ﴾ والعامل فيها معنى الإضافة من الممازجة والملاصقة.
وقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ يحتمل أن يكون في موضع الحال، إما من المنوي في قوله: ﴿إِخْوَانًا﴾ لأنه بمعنى متوادين أو متصافين، أي: متوادين عالين، أو من أحد الأشياء المذكورة، وأن يكون من صلة قوله: ﴿إِخْوَانًا﴾، أو من صلة ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، وأن يكون في موضع الصفة لقوله: ﴿إِخْوَانًا﴾.
وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ يحتمل أن يكون نعتًا لإخوان، وأن يكون حالًا إما من المنوي في الظرف وهو ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ إذا جعلته حالًا أو صفة، لأن فيه ذِكرًا على كلا التقديرين، أو من المنوي في ﴿إِخْوَانًا﴾، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾:
قوله : ﴿لَا يَمَسُّهُمْ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، ولك أن تجعله مستأنفًا.
стр. 2119
وقوله: ﴿فِيهَا نَصَبٌ﴾، النصب: التعب والإعياء.
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (هم) اسم (ما)، و ﴿بِمُخْرَجِينَ﴾ خبرها، ﴿وَمَا﴾ هنا حجازية ليس إلا، لدخول الباء في الخبر، و ﴿مِنْهَا﴾ من صلة الخبر.
وقوله: ﴿أَنِّي أَنَا﴾ محل ﴿أَنَا﴾ النصب إما على التوكيد لاسم (أنّ)، أو الرفع على الابتداء، ولك أن تجعله فصلًا.
وقوله: ﴿هُوَ الْعَذَابُ﴾ هو مبتدأ، أو فصل، ولا يجوز أن يكون توكيدًا للعذاب، لأن المُظهر لا يؤكد بالمضمر (١).
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)﴾:
قوله : ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ (إذ) ظرف للضيف، لأنه مصدر في الأصل وإن كان وصفًا، لأن كونه وصفًا لا يسلبه أحكام المصادر، ألا ترى أنه لا يثنى ولا يُجمع ولا يؤنث، وإن كان قد وصف به، كما لو لم يوصف به، مع أنَّ الظرف تكفيه رائحة الفعل (٢).
وقيل: هو على حذف المضاف، أي: عن ذوي ضيف إبراهيم، أي: عن أصحاب ضيافته (٣).
وقيل: العامل محذوف، أي: عن نبأ ضيف إبراهيم (٤).
وقوله: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾ أي: فسلموا سلامًا، فوضع (قالوا) موضع
стр. 2120
سلموا. وقيل تقديره: فقالوا سلمنا سلامًا (١). وقيل: سلم الله عليكم سلامًا (٢). وقيل معناه: قالوا قولًا سلامًا، أي: ذا سداد (٣).
وقوله: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ (منكم) من صلة ﴿وَجِلُونَ﴾ أي: قال إبراهيم: أنا وأصحابي خائفون منكم. قيل: وكان خوفهم لامتناعهم من الأكل (٤). وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت (٥).
والوَجَلُ: الخوف، تقول منه: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلًا وَموْجَلًا بالفتح. قيل: وحقيقته: اضطراب النفس لتوقع ما تكره.
﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾:
قوله : ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ الجمهور على فتح التاء، وقرئ: (تُوجَل) بضمها (٦)، من أَوْجَلَهُ يُوجِلُهُ إيجالًا، إذا أخافه، وهو منقول من وَجَلَ يَوْجَلُ، يقال: وَجِلَ وَأوْجَلْتُهُ، كَفَزِعَ وأَفْزَعْتُه، وَرَهبَ وَأرْهَبْتُهُ.
وروي أيضًا: (لا تُوَاجَلْ) بضم التاء وفَتح الواو وألف بعدها (٧)، من واجَلَهُ بمعنى أوجَلَه.
وبعد: ففي نحو وَجِلَ في مستقبله أربع لغات:
стр. 2121
إحداها: تصحيح الواو، لأنها لم تقع بين ياء وكسرة وهي المعروفة.
والثانية: يَا جَلُ بقلب الواو ألفًا لفتحة ما قبلها، والفرار من اجتماع الواو والياء إلى الألف.
والثالثة: قلب الواو ياء نحو: يَيْجَلُ وذلك على طريقة سَيِّدْ وذلك أنه إذا اجتمع واو وياء، قلب الواو ياءً، غير أن الإدغام هنا لم يتأت من حيث إن الحركة في الياء الأولى من يَيْجَلُ تمنع من الإدغام، لأن المدغم يجب أن يكون ساكنًا ليتصل بالمدغم فيه.
والرابعة: يِيجَلُ: بكسر الياء، وذلك أنهم قصدوا قلب الواو ياء فكسروا ما قبلها لينقلب، انقلابها في ميقاد، وميعاد، ولا يكون هذا الكسر على قولهم: تِعْلَمُ وَنِعْلَمُ بكسر حرف المضارعة للدلالة على كون عين الفعل مكسورًا، لأجل أن من قال: تِعْلَمُ، لا يقول: يِعْلَمُ لثقل الكسرة على الياء، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا (١).
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾:
قوله : ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ (على) هنا على بابها، وهي وما اتصل بها في موضع نصب على الحال، أي: أبَشَّرْتُمُونِي وقد علاني الكبر، أي: كبيرًا. وقيل: ﴿عَلَى﴾ بمعنى (في) أي: في وقت الكبر (٢). وقيل: بمعنى (بَعْد) أي: أبشرتموني بعد أن مسني الكبر (٣).
وقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ قرئ: بفتح النون على الأصل (٤)، والنون للرفع، ولما لم يُعَدّ الفعل لم تجتمع نونان، فجيء بالنون التي هي علامة الرفع مفتوحة على أصلها.
стр. 2122
وقرئ: بكسر النون مخففًا (١)، على حذف إحدى النونين، وهي الثانية تخفيفًا. وبكسرها مشددًا (٢)، على إدغام نون الرفع في نون العماد، وحذفت ياء النفس فيهما اجتزاء بالكسرة عنها، والأصل (تُبَشِّرُونَنِي)، وقيل: بل المحذوفة هي نون الرفع، لأنها لو بقيت لكسرت، ونون الإعراب لا تكسر. والوجه هو الأول وهو أن المحذوفة هي الثانية، لأن التكرير بها وقع، وقد حذفوا النون في كلامهم كثيرًا لأنها زائدة، وأما الأولى وإن كانت زائدة فلا تحذف لغير جازم ولا ناصب لأنها علم الرفع. والباء في قوله: ﴿فَبِمَ﴾ متعلقة بـ ﴿تُبَشِّرُونَ﴾.
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)﴾:
قوله : ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ الجمهور على إثبات الألف فيه على الأصل، وقرئ: (مِنَ القَنِطِينَ) بحذفها (٣)، وفيه وجهان - أحدهما: مقصور من ﴿الْقَانِطِينَ﴾ (٤). والثاني: هو من قَنِطَ يَقْنَطُ، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، وقراءة الجمهور من قنط يقنط، بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر (٥).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ (مَنْ) رَفْعٌ بالابتداء، وهو استفهام بمعنى النفي، بدليل مجيء ﴿إِلَّا﴾ بعده. و ﴿الضَّالُّونَ﴾ بدل من المستكن في
стр. 2123
﴿يَقْنَطُ﴾ لأنه بمعنى الجمع، وهو خبر (مَنْ) أعني: ﴿يَقْنَطُ﴾. وقرئ: (يقنط) بالحركات الثلاث في النون (١)، وهي لغات بمعنى، يقال: قَنَطَ يَقْنِطُ وَيَقْنُطُ - بفتح العين في الماضي وكسرها وضمها في الغابر - قُنُوطًا فهو قَانِطٌ، وقَنِطَ يَقْنَطُ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - قَنَطًا وقنَاطَةً فهو قَنِطٌ.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ نصب على الاستثناء، والاستثناء منقطع لأن القوم موصوفون بالإجرام، وأهله لم يكونوا مجرمين، وهذا قول الجمهور، والوجه عندي أن يكون متصلًا، لأنَّ آله من قومه وإن اختلفت أفعالهم، كما أن امرأته من أهله وإن كانت كافرة، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ صحيح متصل عند أبي إسحاق (٢) فيا ليت شعري ما الفرق بينهما؟ .
وبعد: فإن قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾، أي: إنَا لمنجوهم إلا امرأته.
والثاني: مستثنى من آل لوط.
стр. 2124
واستدل الفقهاء بهذه الآية وجعلوها دليلًا على أن الاستثناء من الاستثناء جائز، وبنوا عليها مسائل وأحكامًا لا يليق ذكرها هنا، منها: لو قال: لفلان عليَّ عشرةٌ إلا خمسةً إلا أربعةً إلا ثلاثةً، فالخمسةُ مستثنى من العشرة، والأربعة مستثنَى من الخمسة الثانية مضاف إلى الخمسة الأولى. والثلاثة مستثنى من التسعة، فالواجب عليه إذن سِتَّةٌ، وأَصل هذا أن يكون المستثنى نقصانًا من الأول، والاستثناء زيادة على الأول، لأن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فإن قال بعد قوله: إلا ثلاثة: إلا اثنين، زدت على الستة، وأوجبتها عليه ثمانية، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ قرئ: (قدرنا) مشددًا ومخففًا (٢)، وهما لغتان بمعنىً، غير أن في التشديد معنى المبالغة.
واختلف في مفعول ﴿قَدَّرْنَا﴾ فقيل - وهو الوجه -: هو (إنَّ) وما اتصل بها، وإنما كسرت لأجل اللام في خبرها، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (٣) وقيل: محذوف، والتقدير: قدرنا بقاءها من المهلكين، فحذف، وما بعده تفسير له. وقيل: المعنى: قضينا عليها الهلاك، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين مع من يبقى في الهلاك.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)﴾:
قوله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (ذلك) مفعول (قضينا) وعُدّي بإلى لأنه ضُمِّن معنى أوحَينا، وفي ﴿الْأَمْرَ﴾ ثلاثة أوجه - أحدها:
стр. 2125
صفة لـ ﴿ذَلِكَ﴾. والثاني: بدل منه، والثالث: عطف بيان له.
وقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾ الجمهور على فتح (أَنَّ) وفيه وجهان:
أحدهما: في موضع نصب على البدل من ﴿ذَلِكَ﴾ إن جعلت ﴿الْأَمْرَ﴾ نعتًا أو عطف بيان، أو من ﴿الْأَمْرَ﴾ إن جعلته بدلًا من ذلك.
والثاني: على إضمار فعل، كأنه قيل: وقضينا إليه ذلك الأمر وأخبرناه بأن دابر هؤلاء. تعضده قراءة من قرأ: وقضينا إليه ذلك الأمر (وقلنا له إِنَّ) دَابِرَ هَؤُلَاءِ، بالكسر، لإتيانه بعد القول، وهو ابن مسعود ﵁ (١).
وقرئ: (إِنَّ) بالكسر (٢) على الاستئناف، كأن قائلًا قال: أخبرنا عن ذلك، فقال: إن دابر هؤلاء. . تنصره أيضًا قراءة ابن مسعود ﵁.
﴿مَقْطُوعٌ﴾: رَفْعٌ بخبر (أنَّ)، وأُفرد حملًا على اللفظ، لأن دابر لفظه مفرد، وقطع الدابر: عبارة عن الاستئصال. ودابرهم: آخرهم، يقال: قطع الله دابرهم، أي: أهلك آخر من بقي منهم.
وقوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ انتصابه على الحال، وفي ذي الحال وجهان - أحدهما: هؤلاء، والعامل فيها معنى الإضافة. والثاني: المنوي في ﴿مَقْطُوعٌ﴾ حملًا على المعنى، لأن ﴿دَابِرَ﴾ وإن كان لفظه مفردًا فمعناه الجمع وهو بمعنى مدبري هؤلاء.
وعن الفراء وأبي عبيد: انتصابه على خبر كان، أي: إذا كانوا مصبحين، كما تقول: أنت راكبًا أحسنُ منك ماشيًا. قال أبو عبيد:
стр. 2126
وسمعت أعرابيًا فصيحًا من بني كلاب يقول: أنا لك صديقًا خيرٌ لك مني عدوًا (١). ومعنى: مصبحين: داخلين في وقت الصباح (٢).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)﴾:
قوله : ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ محل (يستبشرون) النصب على الحال من ﴿أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾، أي: جاؤوا مستبشرين بالملائكة، فرحين بمجيئهم.
وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ أي: ذوو ضيفي، وقد ذَكرتُ فيما سلف أن الضيف في الأصل مصدر، تقول: ضِفْتُ فلانًا، أي: نزلت به (٣).
﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾:
قوله : ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: عن إِيْوائهم وضيافتهم. قيل: وكانوا قد نَهَوهُ أن يضيفَ أَحدًا قط (٤).
وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ محل ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الرفع على الابتداء، وفي خبره وجهان - أحدهما: ﴿بَنَاتِي﴾. والثاني: محذوف، أي: أطهر لكم، بدليل ظهوره في "هود" في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٥). و ﴿بَنَاتِي﴾: بدل أو عطف بيان، وفي الكلام على كلا التقديرين حذف، أي: فتزوجوا بهن.
أو النصب على إضمار فعل، أي: أنكحوا هؤلاء، و ﴿بَنَاتِي﴾ بدلٌ أو عطف بيان.
стр. 2127
وفي الإشارة وجهان - أحدهما: إلى بنات صلبه وكانت له ثلاثُ بنات (١). والثاني: إلى النساء، لأن كل أمَّةٍ أولاد نبيها رجالهم بنوه، ونساؤهم بناته، فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهن، وخلوا بَنيَّ فلا تتعرضوا لهم (٢).
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿لَعَمْرُكَ﴾ رفع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير لعمرك قَسَمِي، أو ما أُقْسِمُ به، والْتُزِمَ إضمار هذا الخبر، ولا يستعمل إظهاره، فلا يقال: لعمرك قسمي أو ما أقسم به، كما لا يقال: لولا زيد حاضر لكان كذا وكذا، واللام في ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لام الابتداء.
والْعَمْرُ والعُمْرُ وإن كانا بمعنى واحد - وهو مدة بقاء الشخص حيًا - فلا يستعمل في القَسَمِ إلا الفتح لخفته، لأن القَسَمَ كثير الدَّور على ألسنة القوم، ولذلك حذفوا الخبر، فلما كان كذلك استعملوا له الأخف، لأن الفتح أخف عليهم (٣).
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ جواب القسم، ولذلك كُسِرَ لا لكونه في خبره اللام كما زعم بعضهم (٤). وقرئ: (أَنَّهُمْ) بالفتح (٥)، على تقدير: لأَنَّهُمْ، مع حكمك بزيادة اللام التي في الخبر، لأنها تمنع الفتح على كل حال، لا لكون (إِنَّ) كسرت هنا لأجلها، فاعرفه فإنه موضع لطيف.
стр. 2128
ومحل قوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ النصب على الحال من المنوى في الظرف، أي: عَمِهِينَ، بمعنى: مُتَحَيِّرِينَ.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ انتصاب ﴿مُشْرِقِينَ﴾ على الحال من الضمير في (أخذتهم)، ومعناه: داخلين في وقت شروق الشمس، وهو بزوغها.
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ الضمير في ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ لقرى قوم لوط ﵇.
وقوله: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ في موضع النعت لحجارة.
وقوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قيل: المتوسمون [المتفرسون] (١) المتأملون، قال أبو إسحاق: وحقيقته في اللغة: المتوسمون النظار المتأملون في نظرهم، حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، تقول: توسمت في فلان كذا وكذا، أي: عرفت ذلك، انتهى كلامه (٢).
﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: وإن مدائنَ قوم لوط لَبِطريقٍ ثابتٍ دائم السلوك يسلكه السّيارَة.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ (إِنْ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، وهو ضمير الشأن والأمر، أي: وإن الأمرَ والشأن كَيت
стр. 2129
وكَيت، واللام هي الفارقةُ بين إنْ النافية وبينها، و (ظَالِمِينَ) خبر كان، و ﴿كَانَ﴾ وما اتصل بها في موضع رفع بحق خبر ﴿إِنْ﴾. و ﴿الْأَيْكَةِ﴾: الغَيْضَة، وهي الشجر الملتف.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ يعني: مدينة قوم لوطٍ، ومدينة قوم شُعيب ﵇.
﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ لبطريق واضح يأتمون به في سفرهم لوضوحه واستقامته.
وقوله: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ الجمهور على كسر حاء (ينحِتون) وهو الجيد، وعليه جُلُّ العربِ، وقرئ: بفتحها (١)، لأجل حرف الحلق (٢).
وانتصاب ﴿آمِنِينَ﴾ على الحال من الضمير في ﴿يَنْحِتُونَ﴾ أي: آمنين من السقوط عليهم والخراب، لوثاقتها واستحكامها. وقيل: من العذاب ظنًا منهم أن الجبال تحميهم منه (٣).
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾:
قوله : ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾
стр. 2130
ومعناه: داخلين في وقتِ الصبحِ.
وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ في الباء ثلاثة أوجه - أحدها: للحال، أي: محقين لا عابثين. والثاني: للسبب. أي: بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال. والثالث: بمعنى اللام، أي: وما خلقناهما إلا للحق، أي: لبيان الحق وظهوره.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾:
قوله : ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ جمع مثناة.
وقوله: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ اختلف في المقتسمين:
فقال ابن عباس ﵄: هم اليهود والنصارى، اقتسموا القرآن فآمنوا ببعضه، وهو ما وافق كتابهم، وكفروا ببعض، وهو ما خالفه (١).
وقال: مجاهد: هو إيمانهم ببعض كتبهم وكفرهم ببعض (٢).
وقال أبو الحسن: هم قومٌ تواطؤوا وتقاسموا لا يؤمنون بمحمد ﷺ ، ويعاندونه ويعاندون أصحابه (٣).
وقال مقاتل والفراء وغيرهما: هم الذين اقتسموا طرق مكة فيصدون الناس عن رسول الله ﷺ وعن الإيمان به (٤).
стр. 2131
وقال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا على تبييته وتبييت أهله (١).
فإذا فهم هذا فقوله جل ذكره: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ محل الكاف النصب، إما على النعت لمصدر محذوف، أي: أنزلنا عليك إنزالًا مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب الذين جعلوا القرآن عِضَيْن، حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموا إلى حق وباطل، وعَضُّوه.
ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرؤونه من كتبهم على تأويل مجاهد، حيث آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعضها. أو إنذارًا مثل ما أنزلنا. أو لمفعول محذوف، أي: أنذركم عذابًا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعني اليهود وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز، لأنه إخبار بما سيكون، وقد كان، فيكون على هذين التقديرين من صلة قوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾، وعلى الوجه الأول من صلة ﴿آتَيْنَاكَ﴾، وإنما قُدِّر بأنزلنا عليك، لأن الإيتاء إنزال في المعنى.
وقيل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ وهو غاية الإعزاز، كما أنزلنا الهلاك على المقتسمين، وهو غاية الإذلال، وهم الذين قسموا طُرق مكة، وفعلوا ما فعلوا، وقالوا ما قالوا، فأنزل الله تعالى بهم عذابًا فماتوا شر ميتة.
وقيل: التقديرُ: متعناهم تمتيعًا كما أنزلنا، على: نَعَّمْنا بعضهم كما عذبنا بعضهم، وهذا من التعسف، كما ترى.
وقيل: التقدير: لنسألنهم أجمعين مثل ما أنزلنا، وهذا أيضًا أخو الذي قبله في التعسف (٢).
стр. 2132
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾:
قوله : ﴿عِضِينَ﴾ مفعول ثان، أي: أجزاءٌ، فقالوا: سحْر، وقالوا: شعْر، وقالوا: مفترى، وقالوا: أساطير الأولين، وهو جمع عضة، ولامها محذوفة، وأصلها: عِضْوةٌ، فِعْلَةٌ من عَضوْتُ الشيء، إذا فرقته فرقًا، وكل فرقة عضةٌ، على معنى: أنهم فرقوا القول في القرآن (١).
وقيل: هي فِعْلَةٌ من عَضَهَهُ عَضْهًا، إذا رماه بالبهتان، وقد اعْضَهْتَ، أي: جئت بالبهتان (٢).
وعن عكرمة: العَضَهُ السِّحْرُ بلغة قريش، يقولون: للساحر: عاضهة (٣).
وعن الكِسائِي: العِضة: الكذب والبهتان (٤). وأصلها: عِضَهَةٌ. وجمعها على الأول: عِضَواتٌ، وتصغيرها عُضَيْوَةٌ، وعلى الثاني: عِضَاةٌ، وتصغيرها: عُضَيْهَةٌ، كَشفةٍ وشفاهٍ وشفيهةٍ، وأما جمعها بالواو والنون فللعوض من المحذوف وهو الواو أو الهاء، والمعنى على هذا: جعلوا القرآن أكاذيب وأباطيل.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾:
قوله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ في (ما) وجهان:
стр. 2133
أحدهما: بمعنى (الذي) وعائدهُ محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع والأحكام، فحذف الجار كما حذف في قوله:
٣٨٢ - أمرتُكَ الخيرَ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . (١)
ثم العائد، والأصل: فاصدع بالذي يأمرك به الله، ثم يأمركه الله، فلما بني الفعل للمفعول ترك ذكر اسم الله، ووضع ضمير المنصوب المخاطب موضع الفاعل، فارتفع، وهذا الضمير إذا صار إلى الرفع استَكَنَّ في الفعل فيصيرُ بما تُؤْمَرُهُ، ثم بما تُؤْمَرُ.
والثاني: بتأويل المصدر، فلا حذف إذن، أي: فاصدع بأمرك، والمعنى: فاجْهَرْ به وأظهره، من صَدَعْت الشيء، إذا أظهرته وبينته، يقال: صدعت بالحق، إذا تكلمت به جهارًا. قال أبو إسحاق: أُخذ ذلك من الصَّدِيع وهو الصبح (٢). قال الشاعر:
٣٨٣ - . . . . . . . . . . . . ... كأنَّ بَيَاضَ غُرَّتِهِ صَدِيعُ (٣)
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ﴾ إما موصول بـ ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ على أنه صفة منصوبة. أو منصوب على الذم بتقدير: أَذُمُّ الذين، أو أعني الذين، أو مرفوع على: هم الذين.
هذا آخر إعراب سورة الحجر والحمد لله وحده (٤).
стр. 2134
إعراب سُورَةُ النَّحْلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾:
قوله سبحان: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ قيل: دنا وقرب ولم يقع، وإنما جيء بلفظ الواقع وإن كان منتظرًا لقرب وقوعه (١).
وقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ نهي فيه معنى التهديد، والجمهور على التاء النقط من فوقه على الخطاب، وفيه تعميم، وقرئ: (فلا يستعجلوه) بالياء النقط من تحتها (٢) على الإِخبار عن الغيب.
والضمير المفعول فيه للأمر، وقيل: لله جَلَّ ذكره (٣).
والاستعجال: طلب التعجيل، والتعجيل: إحضار الشيء قبل وقته.
وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، أي: عن الشركاء، أو عن إشراكهم.
стр. 2135
وقرئ: (يشركون) بالياء النقط من تحته، وبالتاء النقط من فوقه (١)، ووجههما ظاهر.
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾:
قوله : ﴿يُنَزِّلُ﴾ فيه قراءات (٢) وجوهها ظاهرة لا تخفى على ذي لب وفهم.
وقوله: ﴿بِالرُّوحِ﴾ في موضع الحال من الملائكة، أي: ومعها الروح وهو الوحي، عن ابن عباس ﵄ (٣)، وعبر عن الوحي بالروح، لأن فيه حياة من موت الكفر، وفيه أقوال لا يليق ذكرها هنا (٤).
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ في موضع نصْب على الحال من الروح، و ﴿مِنْ﴾ على بابه، أي: كائنًا من أمر الله. وقيل: ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء، أي: بأمره (٥).
стр. 2136
وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ في ﴿أَنْ﴾ وجهان:
أحدهما: في موضع جر على البدل من الروح، أي: ينزلهم بأن أنذروا، أو في موضع نصْب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (١). فعلى هذين التقديرين لا يكون بدلًا من الروح.
والثاني: أن تكون مفسرة بمعنى (أي)، لأن إنزال الملائكة بالوحي فيه معنى القول، فلا محل لها على هذا.
وقوله: ﴿أَنَّهُ﴾ الضمير ضمير الأمر والشأن.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مفسرة له، ومحل ﴿أَنَّهُ﴾ وما بعده النصب بأنذروا، أي: أعلموهم بأن الأمر ذلك. من نَذِرْتُ بالشيء بالكسر، إذا علمته، ثم رجع من الغيبة إلى الخطاب فقال: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أي: فخافون.
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾:
قوله : ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾ انتصابه بمضمر دل عليه ﴿خَلَقَهَا﴾ أي: وخلق الأنعام، فحذف الفعل، ثم فسّر بقوله: ﴿خَلَقَهَا﴾. وقد، جُوِّز أن يكون عطفًا على ﴿الْإِنْسَانَ﴾ (٢)، أي: خلق الإنسان والأنعام، وهو من التعسف.
ويجوز في الكلام رفعه (٣) على الابتداء. والنصب هو المختار، لأن قبله فعلًا وهو خلق، والتشاكل في كلام القوم مطلوب.
وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون: من صلة ﴿خَلَقَهَا﴾ ثم ابتدأ
стр. 2137
فقال: ﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾ فدفءٌ: رفْعُ بالابتداء، و (فيها) الخبر، أو بـ (فيها) على رأي أبي الحسن، ومحل الجملة النصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿خَلَقَهَا﴾.
وأن يكون: من صلة ﴿دِفْءٌ﴾ فتقف على ﴿خَلَقَهَا﴾ ثم تبتدئ فتقول: لكم فيها دفء، فيكون فيه وجهان:
أحدهما: خبر لـ ﴿دِفْءٌ﴾، و ﴿فِيهَا﴾ إما من صلة الخبر نفسه، أو من صلة المقدر فيه من معنى الاستقرار، أو من صلة محذوف على أن يكون حالًا من: ﴿دِفْءٌ﴾ لتقدمه عليه، وهو في الأصل صفة له، فلما قدم عليه نصب على الحال.
والثاني: حال من ﴿دِفْءٌ﴾ للسبب المذكور آنفًا، و ﴿فِيهَا﴾ الخبر، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال.
وقرئ: (دِفٌ) بطرح الهمزة بعد إلقاء حركتها على الفاء (١)، كقولك في مسألة: مَسَلَةٍ.
والدِّفْءُ: ما يدفئهم من الأوبار والأصواف والأشعار، وما ينتفع به منها، وهو الاسم، والمصدر: الدَّفَأُ، والدفاءة. تقول منه: دَفِئَ الرجل دَفَأً ودفاءةً، كظَمِئ ظمأً، وكره كراهة، والاسم: الدِّفْءُ بالكسر، وهو الشيء الذي يدفِئُهُ (٢).
وقوله: ﴿وَمَنَافِعُ﴾ يعني: أنواع ما ينتفعون به من نَسْلها ودَرِّها (٣) وركوبها وغير ذلك.
стр. 2138
وقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ في الكلام حذف مضاف أي: ومن لحومها تأكلون. أو من كدها، على معنى: إنّ طُعْمَتَكم منها.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾:
قوله : ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ الكلام في إعرابها كالكلام في إعراب قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾.
وقوله: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ (حين) يحتمل أن يكون متعلقًا بالخبر نفسه وهو ﴿لَكُمْ﴾، أو ﴿فِيهَا﴾ أو بالمقدر فيه من معنى الاستقرار، أو بـ ﴿جَمَالٌ﴾. وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون نعتًا لـ ﴿جَمَالٌ﴾. ومعنى قوله: ﴿جَمَالٌ﴾ أي: زينة.
وقرئ: (حينًا تريحون وحينًا تسرحون) بالتنوين فيهما (١)، على أن ﴿تُرِيحُونَ﴾ و ﴿تَسْرَحُونَ﴾ وصف للحين، والعائد محذوف، التقدير: تريحون فيه [وتسرحون فيه] (٢)، ثم حذف الجار والمجرور لأن الظرف يُتَّسع فيها، ويجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، وقد ذكر في "البقرة" عند قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ بأشبع من هذا (٣).
والإراحة: رَدُّ الإبل من مراعيها إلى مراحها، يقال: أراح فلان إبله يريحها إراحة، إذا ردها من المرعى إلى المبيت، وكذلك الترويح.
والسَّرْحُ: إخراجها بالغداة من مراحها إلى مسرحها، والمسرح: الموضع الذي ترعى فيه، يقال: سَرَحْتُ الإبلَ أسرحها سَرْحًا، إذا أرسلتها
стр. 2139
لترعى، وسَرَحَتْ هي بنفسها سُروحًا، يتعدى ولا يتعدى، تقول: سَرَحَتْ بالغداة، وراحتْ بالعشي (١).
وقيل: وإنما قدمت الإراحة على السرح، لأن الجمال في الإراحة أظهر، لِأَنْ تُقْبِلَ عظامًا ضروعها، ملأى بطونها، طوالًا أسنمتها، وليست كذلك عند السرح (٢).
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾:
قوله : ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ الهاء في موضع جر بالإضافة عند صاحب الكتاب رحمه الله تعالى وموافقيه، والأصل: بالغينه، حذفت النون للإضافة، وحذفها مع الضمير واجب، وكذلاث التنوين، لأن النون والتنوين يفصلان الضمير، وهو لا يكون إلا متصلًا.
وقال أبو الحسن (٣): بل هو في موضع نصب، واستدل بقوله جل ذكره: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ (٤) وقال: لو لم يكن الكاف في موضع نصب لما عطف عليه ﴿وَأَهْلَكَ﴾ منصوبًا، فلما عطف عليه كذلك عُلم أن الكاف منصوب، لأنه لما اتصل عاقب النون والتنوين، فهو بمنزلة ما لا ينصرف، كقولك: حواج بيت الله، وضوارب زيدًا، فكما لم يمكن تنوين هذا ونصب به، كذلك هذا لما لم يمكن دخول النون ولا التنوين معه منصوبًا.
стр. 2140
﴿وَأَهْلَكَ﴾ عند صاحب الكتاب منصوب على إضمار فعل، أي: وننجي أهلك (١).
وقوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ أي: إلا بلوغًا ملتبسًا بالمشقة، والشِّقُّ بالكسر: المشقة هنا، وقرئ: (إلا بشَقِّ الأنفس) بفتح الشين (٢)، قيل: وهي لغة في الشِّق الذي بمعنى المشقة، عن أبي عبيدة وغيره (٣).
وذهب بعضهم: إلى أن المراد بالشِّقِّ النصف، على معنى: لم تكونوا بالغيه إلا بنصف النفس لذَهاب النصف بالتعب، أي: بنصف قوى أنفسكم (٤).
وأما المفتوح فهو مصدر قولك: شَقَّ عليَّ الأمرُ. يشُقُّ شَقًّا ومشَقَّةً، والشِّقُّ بالكسر الاسم.
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾:
قوله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ عطف على الأنعام.
وقوله: ﴿وَزِينَةً﴾ فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: مفعول له، وهو معطوف على محل ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ أي: وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة.
والثاني: مصدر لفعل محذوف، أي: وخلق هؤلاء لتركبوها ولتتزينوا بها زينة.