← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ في ﴿أَنْ﴾ وجهان: أحدهما: في موضع جر على البدل من الروح، أي: ينزلهم بأن أنذروا، أو في موضع نصْب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (١). فعلى هذين التقديرين لا يكون بدلًا من الروح. والثاني: أن تكون مفسرة بمعنى (أي)، لأن إنزال الملائكة بالوحي فيه معنى القول، فلا محل لها على هذا. وقوله: ﴿أَنَّهُ﴾ الضمير ضمير الأمر والشأن. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مفسرة له، ومحل ﴿أَنَّهُ﴾ وما بعده النصب بأنذروا، أي: أعلموهم بأن الأمر ذلك. من نَذِرْتُ بالشيء بالكسر، إذا علمته، ثم رجع من الغيبة إلى الخطاب فقال: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أي: فخافون. ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾: قوله : ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾ انتصابه بمضمر دل عليه ﴿خَلَقَهَا﴾ أي: وخلق الأنعام، فحذف الفعل، ثم فسّر بقوله: ﴿خَلَقَهَا﴾. وقد، جُوِّز أن يكون عطفًا على ﴿الْإِنْسَانَ﴾ (٢)، أي: خلق الإنسان والأنعام، وهو من التعسف. ويجوز في الكلام رفعه (٣) على الابتداء. والنصب هو المختار، لأن قبله فعلًا وهو خلق، والتشاكل في كلام القوم مطلوب. وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون: من صلة ﴿خَلَقَهَا﴾ ثم ابتدأ

стр. 2137

فقال: ﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾ فدفءٌ: رفْعُ بالابتداء، و (فيها) الخبر، أو بـ (فيها) على رأي أبي الحسن، ومحل الجملة النصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿خَلَقَهَا﴾. وأن يكون: من صلة ﴿دِفْءٌ﴾ فتقف على ﴿خَلَقَهَا﴾ ثم تبتدئ فتقول: لكم فيها دفء، فيكون فيه وجهان: أحدهما: خبر لـ ﴿دِفْءٌ﴾، و ﴿فِيهَا﴾ إما من صلة الخبر نفسه، أو من صلة المقدر فيه من معنى الاستقرار، أو من صلة محذوف على أن يكون حالًا من: ﴿دِفْءٌ﴾ لتقدمه عليه، وهو في الأصل صفة له، فلما قدم عليه نصب على الحال. والثاني: حال من ﴿دِفْءٌ﴾ للسبب المذكور آنفًا، و ﴿فِيهَا﴾ الخبر، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال. وقرئ: (دِفٌ) بطرح الهمزة بعد إلقاء حركتها على الفاء (١)، كقولك في مسألة: مَسَلَةٍ. والدِّفْءُ: ما يدفئهم من الأوبار والأصواف والأشعار، وما ينتفع به منها، وهو الاسم، والمصدر: الدَّفَأُ، والدفاءة. تقول منه: دَفِئَ الرجل دَفَأً ودفاءةً، كظَمِئ ظمأً، وكره كراهة، والاسم: الدِّفْءُ بالكسر، وهو الشيء الذي يدفِئُهُ (٢). وقوله: ﴿وَمَنَافِعُ﴾ يعني: أنواع ما ينتفعون به من نَسْلها ودَرِّها (٣) وركوبها وغير ذلك.

стр. 2138

وقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ في الكلام حذف مضاف أي: ومن لحومها تأكلون. أو من كدها، على معنى: إنّ طُعْمَتَكم منها. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾: قوله : ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ الكلام في إعرابها كالكلام في إعراب قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. وقوله: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ (حين) يحتمل أن يكون متعلقًا بالخبر نفسه وهو ﴿لَكُمْ﴾، أو ﴿فِيهَا﴾ أو بالمقدر فيه من معنى الاستقرار، أو بـ ﴿جَمَالٌ﴾. وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون نعتًا لـ ﴿جَمَالٌ﴾. ومعنى قوله: ﴿جَمَالٌ﴾ أي: زينة. وقرئ: (حينًا تريحون وحينًا تسرحون) بالتنوين فيهما (١)، على أن ﴿تُرِيحُونَ﴾ و ﴿تَسْرَحُونَ﴾ وصف للحين، والعائد محذوف، التقدير: تريحون فيه [وتسرحون فيه] (٢)، ثم حذف الجار والمجرور لأن الظرف يُتَّسع فيها، ويجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، وقد ذكر في "البقرة" عند قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ بأشبع من هذا (٣). والإراحة: رَدُّ الإبل من مراعيها إلى مراحها، يقال: أراح فلان إبله يريحها إراحة، إذا ردها من المرعى إلى المبيت، وكذلك الترويح. والسَّرْحُ: إخراجها بالغداة من مراحها إلى مسرحها، والمسرح: الموضع الذي ترعى فيه، يقال: سَرَحْتُ الإبلَ أسرحها سَرْحًا، إذا أرسلتها

стр. 2139

لترعى، وسَرَحَتْ هي بنفسها سُروحًا، يتعدى ولا يتعدى، تقول: سَرَحَتْ بالغداة، وراحتْ بالعشي (١). وقيل: وإنما قدمت الإراحة على السرح، لأن الجمال في الإراحة أظهر، لِأَنْ تُقْبِلَ عظامًا ضروعها، ملأى بطونها، طوالًا أسنمتها، وليست كذلك عند السرح (٢). ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾: قوله : ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ الهاء في موضع جر بالإضافة عند صاحب الكتاب رحمه الله تعالى وموافقيه، والأصل: بالغينه، حذفت النون للإضافة، وحذفها مع الضمير واجب، وكذلاث التنوين، لأن النون والتنوين يفصلان الضمير، وهو لا يكون إلا متصلًا. وقال أبو الحسن (٣): بل هو في موضع نصب، واستدل بقوله جل ذكره: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ (٤) وقال: لو لم يكن الكاف في موضع نصب لما عطف عليه ﴿وَأَهْلَكَ﴾ منصوبًا، فلما عطف عليه كذلك عُلم أن الكاف منصوب، لأنه لما اتصل عاقب النون والتنوين، فهو بمنزلة ما لا ينصرف، كقولك: حواج بيت الله، وضوارب زيدًا، فكما لم يمكن تنوين هذا ونصب به، كذلك هذا لما لم يمكن دخول النون ولا التنوين معه منصوبًا.

стр. 2140

﴿وَأَهْلَكَ﴾ عند صاحب الكتاب منصوب على إضمار فعل، أي: وننجي أهلك (١). وقوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ أي: إلا بلوغًا ملتبسًا بالمشقة، والشِّقُّ بالكسر: المشقة هنا، وقرئ: (إلا بشَقِّ الأنفس) بفتح الشين (٢)، قيل: وهي لغة في الشِّق الذي بمعنى المشقة، عن أبي عبيدة وغيره (٣). وذهب بعضهم: إلى أن المراد بالشِّقِّ النصف، على معنى: لم تكونوا بالغيه إلا بنصف النفس لذَهاب النصف بالتعب، أي: بنصف قوى أنفسكم (٤). وأما المفتوح فهو مصدر قولك: شَقَّ عليَّ الأمرُ. يشُقُّ شَقًّا ومشَقَّةً، والشِّقُّ بالكسر الاسم. ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾: قوله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ عطف على الأنعام. وقوله: ﴿وَزِينَةً﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: مفعول له، وهو معطوف على محل ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ أي: وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة. والثاني: مصدر لفعل محذوف، أي: وخلق هؤلاء لتركبوها ولتتزينوا بها زينة.

стр. 2141

والثالث: نصب على إضمار فعل، أي: وجعلها زينة. وقرئ: (لتركبوها زينة) بغير واو (١)، وفيه وجهان: أحدهما: مفعول له متعلق بقوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ أي: لتركبوها زينة، أو بما قبله، أي: وخلقها زينة لتركبوها. والثاني: حال من الضمير في ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ إما من الفاعل، بمعنى: متزينين بها، أو من المفعُول، أي: وخلقها لتركبوها وهي زينة وجمال. ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾: قوله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القصد هنا بمعنى التبيين والتعديد، أي: وعلى الله تبيين طريق الحق، لا بمعنى القصد الذي هو الإِتيان. وقوله: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ الضمير للسبيل، والمراد بها الجنس [وتذكيره في الكلام جائز، إما على إرادة الجنس] (٢)، أو لأَن السبيل يُذكر ويؤنث. وقوله: ﴿لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (أجمعين) توكيد للكاف والميم. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾: قوله : ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ (لكم) يحتمل أن يكون من صلة

стр. 2142

﴿أَنْزَلَ﴾، وأن يكون من صلة ﴿شَرَابٌ﴾ على أنه خبر له، أو حال لتقدمه عليه، و ﴿مِنْهُ﴾ الخبر، و ﴿مِنْهُ﴾ على الوجه الأول - وهو أن تجعل ﴿لَكُمْ﴾ الخبر - من صلة الخبر، أو حال من ﴿شَرَابٌ﴾ على ما ذكر في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ (١). وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بأنزل، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون حالًا من ﴿مَاءً﴾، على أن الأصل: ماءً كائنًا من السماءِ، على النعت، فلما قُدِّمَ عليه نصب على الحال، وقد ذُكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع. والشراب: ما يشرب. وقوله: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ يعني ما ترعاه المواشي من النبات وغيره مما له ساقٌ، لأن ما ترعاه المواشي من نبات الأرض قد يكون من دقِّ الشجر وجُلِّهَا (٢). وقوله: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ في موضع النعت لشجر، والإسامة إرسال المواشي إلى المرعى، يقال: سامت الماشية، إذا رعت، فهي سائمة، وأسمتها أنا، إذا أرسلتها ترعى. قال أبو إسحاق: أُخِذَ ذلك من السُومَةِ، وهي العلامة، وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات (٣). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾: قوله : (والشمس والقمر والنجوم) عطف على ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ على قراءة من نصبهن (٤)، أي: وسخر لكم هؤلاء لتنتفعوا بهن.

стр. 2143

وانتصاب (مسخراتٍ) إما على الحال من المذكورات، فإن قلت: لم أعاد (مسخراتٍ) بعد قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ﴾؟ وأيّ فائدة في ذكرها؟ قلت: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أعادها تنبيهًا على أن المراد بالأول أنه سخر لكم، وبالثاني: أنها مسخرات لله جل ذكره فسخرها لكم. والثاني: أعادها على وجه التوكيد، لأن الحال تكون مؤكدة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١). و: ٣٨٤ - أنا ابنُ دارَةَ معروفًا. . . . . ... . . . . . . . . . . . (٢) أو على المصدر على أن تضع المسخرات موضع التسخيرات، كأنه قيل: وسخرها تسخيرات، وكفاك دليلًا: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (٣) أي: كل تمزيق، أو على إضمار فعل على: وجعل المذكورات مسخرات، أو على: تضمين (سخَّر) معنى جعل. وقرئ: بالرفع فيهن (٤) على الابتداء والخبر. وقرئ: ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ بالرفع (٥) على الاستئناف والقطع مما قبله، ونصب (الشمسَ والقمرَ) عطفًا على ما قبلهما.

стр. 2144

﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾: قوله : ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ في ﴿مَا﴾ وجهان: أحدهما: وهو الجيد أن يكون في موضع نصب عطفًا على ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ على معنى: وسخر لكم ما ذرأ لكم، أي: ما خلق لأجلكم فيها من الحيوان والنبات وغير ذلك، أو على إضمار فعلٍ، أي: وخلق ما ذرأ لكم. والثاني: في موضع جر عطفًا على ﴿ذَلِكَ﴾ على معنى: إنَّ في ذلك وفيما ذرأ لكم. و﴿فِي الْأَرْضِ﴾: يحتمل أن يكون من صلة ﴿ذَرَأَ﴾، وأن يكون حالًا من مفعول ﴿ذَرَأَ﴾. و﴿مُخْتَلِفًا﴾: نصب على الحال، إما من (ما) أو من مفعول ﴿ذَرَأَ﴾ أو من المنوي في الظرف إنْ جعلته حالًا. و﴿أَلْوَانُهُ﴾: مرتفع بقوله: ﴿مُخْتَلِفًا﴾ على الفاعلية، أي: مختلفًا هيآته. وقيل: أصنافه (١). ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (مِن) لابتداء الغاية ولا حذف، وقيل: فيه حذف، والتقدير: لتأكلوا من حيوانه (٢).

стр. 2145

قوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ انتصاب ﴿مَوَاخِرَ﴾ على الحال من ﴿الْفُلْكَ﴾ لا أنه مفعول ثان لـ (تَرَى) كما زعم بعضهم، لأن (تَرَى) [هنا] من رؤية العين لا من رؤية القلب، أي: جواريَ، عن ابن عباس ﵄ (١) يقال: مَخَرتِ السفينةُ تَمخُر، وتمخُر مخْرًا ومُخورًا، إذا جرت تشُق الماء بجُؤجُئِها، فهي ماخِرةٌ، والجمع مواخِر. وعن مجاهد: مصوتة بهبوب الريح فيها، والمخرُ: صوت هبوب الريح (٢). و﴿فِيهِ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بمواخر، وأن يكون حالًا من المنوي فيه. ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾: قوله : ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: كراهة أن تميد بكم، والميد: الحركة والاضطراب، والميد: الميل أيضًا، ومنه: مادت الأغصان، إذا تمايلت. وقوله: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ أي: وجعل فيها أنهارًا وسبلًا ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ أي: ووضع فيها علامات، ولك أن تعطف المذكورات على ﴿رَوَاسِيَ﴾ لأن (ألقى) فيه معنى جعل، بشهادة قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (٣). والعلامات: المعالم، والمَعْلم: ما يستدل به على الطريق من جبل ومَنهل وغير ذلك. وقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ و (بِالنَجْمِ) من صلة (يهتدون). والجمهور على فتح النون وإسكان الجيم على لفظ الواحد، والمراد به الجنس

стр. 2146

كالدرهم والدينار في قولك: كثر الدرهم والدينار. وقيل: هو الثُريّا، والفرقدان، وبنات نَعْشٍ، والجدي (١). وقرئ: (وبالنُّجُمِ) بضم النونِ والجيمِ (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: هو جمع نجم، كَسُقُفٍ ورُهُن في جمع سَقْفٍ ورَهْن. والثاني: أراد النجوم، فحذف الواو تخفيفًا، ومثله من المقصور من فُعولٍ قَوْلُ من قال: في أُسْدٍ أنه مقصور من أسود فصار أُسُدٌ، ثم أسكن فقيل: أسْدٌ (٣)، وأنشد: ٣٨٥ - إِنَّ الفَقِيرَ بَيْنَنَا قَاضٍ حَكَمْ ... أَنْ تَرِدَ الماء إذا غَابَ النُّجُم (٤) أراد النجوم. وقرئ أيضًا: (وبالنُّجْمِ) بضم النون وإسكان الجيم (٥)، وهو مُخَفَّفٌ مِنَ النُّجُمِ. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾: قوله : ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ جواب الشرط.

стр. 2147

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في موضع رفع بالابتداء خبره: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾. وقرئ: (تدعون) بالتاء على الخطاب، أي: قل لهم يا محمد ذلك، وبالياء (١)، على الرجوع من الخطاب إلى الإخبار عن الكفار، وَهم غُيَّبٌ، ويعضده: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. وقوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ابتداء وخبر. وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ خبر بعد خبر، أي: هم يُخلقون أمواتٌ أو خبرُ ابتداء محذوف، أي: هم أو هي أموات (٢). وقوله: ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ صفة لـ ﴿أَمْوَاتٌ﴾، وهي صفة مؤكدة جيء بها لنفي المجاز، لأن [الحيَّ] قد يوصف بأنه ميت إذا لم يكن فيه انبعاث تام، أو يكون خاليًا من المعرفة التامة والتمييز (٣). وقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (أَيَّانَ) معمول لـ ﴿يُبْعَثُونَ﴾ لا لـ ﴿يَشْعُرُونَ﴾ كما زعم بعضهم، لأنه بمعنى الاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. والجمهور على فتح همزة (أَيّان) وقرئ: (إِيان) بكسرها (٤)، وهي لُغَيَّةٌ.

стр. 2148

﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ﴾ موضع ﴿أَنَّ﴾ رفع بما تضمن ﴿لَا جَرَمَ﴾ من معنى المصدر، والمصدر: متضمن لمعنى الفعل، حقَّ حقًا أن الله يعلم سرهم وعلانيتهم. وقال أبو إسحاق: ﴿لَا﴾ ردٌّ لكلام سابق، و ﴿جَرَمَ﴾ فعل ماض بمعنى وَجَب (١). والمعنى: لا كما زَعَمَ الكفار، ثم ابتدأ فقال: جرم أن الله، أي: وجب علمه بما يُسِرُّونه وما يعلنونه من كفرهم فيجازيهم عليه. أو في موضع نصب على تضمين ﴿جَرَمَ﴾ معنى كسب، أي كسب فعلهم أو كفرهم، أي: لهم النار (٢)، وقد مضى الكلام عليه فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٣). ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ (مَا) مرفوع بالابتداء، و (ذا) بمعنى (الذي) وهو خبر (ما)، و ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ صلته، والراجع محذوف، أي: أنزله ربكم. و ﴿أَسَاطِيرُ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: الذي ذكرتم أنه أنزله ربكم أساطير الأولين. ولك أن تجعل ﴿مَاذَا﴾ اسمًا واحدًا في موضع نصب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ أي: أيّ شيء أنزل ربكم؟ و ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: رفع على: هو أساطير الأولين.

стр. 2149

ويجوز في الكلام نصب ﴿أَسَاطِيرُ﴾ [أي: أنزل أساطيرَ] على وجه السخرية (١). والمفعول القائم مقامَ الفاعِلِ هوَ المصدرُ، أي: وإذا قيل لهم هذا القول، ولا يجوز أن تكون الجملة قائمة مقام الفاعل، لأن الجملة نكرةٌ، والفاعلُ يجوز إضمارهُ، والمضمر لا يكون نكرةً، وقد ذكر في أوَّل "البقرة" (٢). ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾: قوله : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ أي: قالوا ذلك ليحملوا أَثقالهم (٣)، وقد جُوِّز أن تكون لام أمر (٤) على وجه التهديد والوعيد. و ﴿كَامِلَةً﴾: نصب على الحال. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف ﴿لِيَحْمِلُوا﴾. وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ﴾ المفعول على مذهب صاحب الكتاب محذوف وهذا وصفه، أي: وأوزارًا من أوزار الذين. وعلى مذهب أبي الحسن: هو المفعول، و (مِنْ) صلة، أي: ليحملوا أوزارهم وأوزار الذين (٥). وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في موضع نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول في قوله: ﴿يُضِلُّونَهُمْ﴾. وقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (ساءَ) بمعنى: (بئس). و ﴿مَا﴾: تحتمل

стр. 2150

أن تكون موصولة والمقصود بالذم محذوف، أي: بئس ما يزرونه وزرهم. وأن تكون مصدريةً، أي: بئس الوزر وزرهم، ومعنى يزرون: يحملون. ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي: أتَى أمره من جهة القواعد، وهي الأساس (١). وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون من صلة (خَرَّ) وأن يكون حالًا، أي: كائنًا من فوقهم. وقوله: ﴿تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ قرئ: بفتح النون، والمفعول محذوف، أي: تشاقونَ النبيَّ والمؤمنين، أي: تعادونهم وتخالفونهم في عبادتهم، أو تشاقونني، بشهادة قراءة مَنْ كَسَرَ النون وهو نافع المدني (٢)، بمعنى: تشاقونني، فحذف إحدى النونين وهي الثانية، وقد فسرتُ مثل هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٣). وقوله: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ (اليوم) ظرف للخزي، ومعمول له، وهو مصدر قولك: خَزِيَ بالكسر يخزَى خِزْيًا، إذا ذل وهان. وقال ابن

стр. 2151

السكيت (١): وقع في بَلِيَّةٍ (٢). وحرف التعريف لا يمنع المصدر من عمله في المفعول به خصوصًا في الظرف، لأن الظرف تكفيه رائحة الفعل. ولك أن تجعله معمول الاستقرار الحاصل في الخبر، وهو ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أي: مستقر عليهم اليوم، ولا يمنع ذلك الفاصل بينهما - وهو المعطوف - لاتساعهم في الظرف. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾: قوله : ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرئ: بالتاء والياء (٣)، ووجههما ظاهر، ومعناه: تقبض أرواحهم بأمر خالقها. وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حال من المفعول، والأصل: ظالمين، حذفت النون للإضافة، والمعنى: وهم قد ظلموا أنفسهم بكفرهم أو بإقامتهم بمكة وتركهم الهجرة على ما فُسِّرْ، وذلك أن عكرمة (٤) قال: نزلت في قوم من أهل مكة أسلموا وأقاموا بمكة ولم يهاجروا، فأخرجهم المشركون كرهًا إلى بدر لقتال رسول الله ﷺ فَقُتِلُوا هناك مع المشركين (٥). وقوله: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ انتصاب ﴿خَالِدِينَ﴾ على

стр. 2152

الحال من الضمير في ﴿فَادْخُلُوا﴾. و ﴿فِيهَا﴾ أي: في جهنم. وقيل: في الأبواب. والمراد بها الدركات (١). ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾: قوله : ﴿مَاذَا﴾ منصوب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ بمعنى: أي شيء أنزل؟ بشهادة نصب الجواب وهو قوله: ﴿خَيْرًا﴾. قيل: وإنما نصب هذا ورفع الأول، فرقًا (٢) بين جواب المقر وجواب الجاحِد، وذلك أن المشركين لم يكونوا مقرين بالإنزال بخلاف المؤمنين، لأنهم كانوا مقرين به، فلذلك قالوا: ﴿خَيْرًا﴾ بالنصب على تقدير: أنزل خيرًا. والمراد بالخير: القرآنُ، وسمي خيرًا لكونه جامعًا لجميع الخيرات. وقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ اختلف في المخصوص بالمدح، فقيل: محذوف، وفيه وجهان: أحدهما: ولنعم دار المتقين دار الآخرة، و ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ على هذا إما خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: أي دار هي هذه الممدوحة؟ فقيل: جنات عدن، أي: هي جنات عدن؛ أو مبتدأ والخبر ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾. والثاني: ولَنِعْمَ دار المتقين الدنيا يتزودون منها لِلْآخِرَةِ، وهذا عن الحسن رحمه الله تعالى (٣).

стр. 2153

وقيل: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ هي المخصوصة بالمدح (١)، وارتفاعها إما على إضمار (هي) أو على الابتداء، والخبر: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ على التقديم والتأخير. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: جزاء مثل هذا الجزاء. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿طَيِّبِينَ يَقُولُونَ﴾ (طيبين) حال من الهاء والميم في ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾. و ﴿يَقُولُونَ﴾: من الملائكةِ، أي: قائلين. وقوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة، أي: جزاء سيئاتِ ما عملوه، وأن تكون مصدرية، أي: عملهم. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾: قوله : ﴿نَحْنُ﴾ توكيد للضمير الذي في ﴿عَبَدْنَا﴾. ﴿وَلَا آبَاؤُنَا﴾: عطف عليه، أعني: على الضمير في ﴿عَبَدْنَا﴾ لا على ﴿نَحْنُ﴾ كما زعم بعضهم.

стр. 2154

وقوله: ﴿مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ ﴿مَنْ﴾ يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة، ومحلها الرفع على الابتداء، وما قبلها الخبر، ومثلها ﴿مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾. ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ الجمهور على كسر الراء وهي اللغة الفصيحة، يقال: حَرَصَ على الشيء يَحْرِصُ حِرْصًا، إذا طلبه بجد واجتهاد فهو حريص. وقرئ: (إِنْ تَحْرَصْ) بفتحها (١)، وهي لغيّة حكاها الكسائي، وماضيه حَرِصَ بالكسر (٢). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ الفاء جواب الشرط. وقرئ: (لَا يُهْدَى) بضم الياء وفتح الدال على البناء للمفعول (٣)، و (لَا يَهْدِي) بفتح الياء وكسر الدال على البناء للفاعل (٤)، ولم يختلِفوا في ضم الياء وكسر الضاد من ﴿يُضِلُّ﴾ على البناء للفاعل وهو الله جل ذكره. ومن قرأ: (لا يُهدَى) بالضم، (فَمَنْ) في موضع رفع بأنها مفعول لم

стр. 2155

يُسَمّ فاعله، وهي موصولة، و ﴿يُضِلُّ﴾ صلتها، والعائد عليها من صلتها محذوف، وهو مفعول ﴿يُضِلُّ﴾، والراجع إلى اسم (إنَّ) الذكرُ الذي في ﴿يُضِلُّ﴾، والمعنى: مَنْ يضله الله لا يُهدَى، أي: لا يهديه أحد، كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (٢)، أي من بعد إضلال الله إياه، وتعضد هذه القراءة قراءة من قرأ: (فَإِنَّ الله لَا هَادِيَ لِمَنْ يُضِلُّ) و (لمَنْ أضل) وهو: أبي بن كعب ﵁ (٣)، أي: إذا أضل الله عبدًا لا يهديه أحد. ومن قرأ: (لا يَهْدي) على البناء للفاعل، فـ ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب به وهو مُسْتَقْبَلُ هَدَى. ويحتمل أن يكون ﴿لَا يَهْدِي﴾ بمعنى لا يهتدي، تعضده قراءة من قرأ: (فإن الله لا يهَدِّي) بفتح الهاء وتشديد الدال وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (٤). يقال: هداه الله فهُدِي، فتكون ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع بفعلها، فالراجع إلى اسم (إنَّ) على الوجه الأول: المنوي في ﴿لَا يَهْدِي﴾ وعلى الثاني: المستكن في ﴿يُضِلُّ﴾ كما كان ذلك في قراءة من ضم الياء في (لَا يُهْدَى). وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ابتداء وخبر. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾:

стр. 2156

قوله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ عطف على ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١)، ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موضع الحال، أي: مجتهدين. . وقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ (بلى) إثبات لما بعد النفي، أي: بلى يبعثهم الله. و ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه ﴿بَلَى﴾، أي: وَعَدَ اللهُ ذلك وعدًا. و ﴿حَقًّا﴾ صفة لقوله: ﴿وَعْدًا﴾ (٢). والوعدُ الحقُّ: ما لا خلف فيه. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾: قوله : ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ اللام متعلقة بما دل على ﴿بَلَى﴾، أي: بلى يبعث الله الموتى ليظهر ويوضح لهم الذين يختلفون فيه من أمر البعث، وقد جُوّز أن تكون اللام متعلقة بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا﴾، أي: بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه (٣). وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عطف على ﴿لِيُبَيِّنَ﴾. ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ (قولنا) رفع بالابتداء، وما بعده من صلته، و ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ خبره. وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ كلاهما من كان التامة بمعنى الحدوث والوجودُ، أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: احدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف. وقرئ: (فيكونُ) بالرفع على: فهو يكون، وبالنصب (٤): عطفًا على ﴿أَنْ نَقُولَ﴾.

стр. 2157

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾، أو في موضع نصب بفعل مضمر يفسر هذا الظاهر، و ﴿حَسَنَةً﴾ صفة إما لمعنى محذوف، أي: تَبْوِئَةً حسنة، أو لعين، أي: دارًا أو بقعةً حسنةً، لأن التبوئة في معنى الإنزال. وقرئ: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ حسنة) (١)، أي: إثواء حسنة، أو دارًا حسنة. وقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الرفع على البدل من (الذين هاجروا) على الوجه الأول، أو على: هم الذين صبروا. أو النصب إما على البدل من (الذين هاجروا) على الوجه الثاني، أو من الهاء والميم في ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾، أو على تقدير أعني. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾: قوله : ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فيما يتعلق به الباء أوجه: أحدها: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ أي: وما أرسلنا إلا رجالًا بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيدًا بالسوط، وقوله: ٣٨٦ - نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بالْنَّارِ جَارَتَهُمْ ... وَلَا يُعَذِّبُ إِلَّا اللهُ بِالنَّارِ (٢)

стр. 2158

والثاني: متعلق بـ ﴿نُوحِي﴾، أي: نوحي إليهم بالبينات، كقولك: أُوحي إليه بكذا. والثالث: متعلق بمحذوف على أنه صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾ كنوحي، أي: رجالًا ملتبسين بالبينات، ويجوز أن يكون حالًا منهم، لكونهم قد وُصِفُوا بـ ﴿نُوحِي﴾ أو من ﴿إِلَيْهِمْ﴾ القائم مقام الفاعل. والرابع: متعلق بمحذوف دل عليه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ كأنه قيل: بم أُرْسلوا؟ قيل: بالبينات، أي: أرسلناهم بالبينات، فيكون على هذا الوجه على كلامين، وعلى الأوجه السالفة آنفًا على كلام واحد، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ اعتراض. وفيه وجه خامس، وهو أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، كقول الأجير: إِنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَأَعطِنِي حَقِّي، مع علمه بعمله. ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾: قوله : ﴿مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ صفة لمحذوف، أي: المكرات السَّيِّئَاتِ. ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾: في موضع نصب بأمن. وقوله: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في موضع الحال من المفعول، أي: متقلبين في أسفارهم وسائر ما يتقلبون فيه، وكذا ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي: متخوفين، واختلف في معناه: فقيل: هو أن يأخذهم بعد أن يُخَوِّفَهُمْ، بأن يُهْلِكَ فرقة قبلهم فتخاف

стр. 2159

التي تليها، فيأخذهم العذاب وهم متخوفون. وقيل: على تخوف: على تَنَقُّصٍ، من قولك: تَخَوَّفْتُهُ وَتَخَوَّنْتُهُ، إذا تَنَقَّصْتَهُ. أبو إسحاق: ومعنى التنقص: يتنقَّصُهُم شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم، حتى يأتي الهلاك على جميعهم (١). ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾: قوله : ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ (ما) بمعنى الذي، وهو مبهم، بيانه: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، و (مِن) للتبيين. وقوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾ أي: ترجع، من فاءَ، إذا رَجَعَ. وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ اليمين بمعنى الأَيْمَان، قيل: وإنما وحد والمراد به الجمع إيجازًا، أو لأنه معلوم أنه جمع، لجمع ما يقابله وهو الشمائل (٢). وقيل: إنما وَحَّدَ اليمين، لأن الظل أول ما يبتدئ عن اليمين، ثم ينتقل وينتشر عن الشمال، فانتشاره يقتضي الجمع (٣). وقيل: وحد اليمين على لفظ ﴿مَا﴾، والشمائل على معناه (٤).

стр. 2160

وفي ﴿عَنِ﴾ وجهان - أحدهما: حرف جر، وموضعه نصب على الحال. والثاني: هو اسم، أي: جانب اليمين (١). والشمائل: جمع شمال. و ﴿سُجَّدًا﴾ حال من الظلال، وهو جمع ساجد. ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ حال أيضًا إما من الظلال على قول من جوز حالين من ذي حال واحد، أو من المنوي في ﴿سُجَّدًا﴾ على قول من لم يجوز ذلك، أو على قولهما جميعًا. وجُمِعَ بالواو والنون لأمرين: إما لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو على وجه التغليب، لأن في جملة ذلك من يعقل. ومعنى ﴿دَاخِرُونَ﴾: صاغرون، يعني سجود اضطرار لا اختيار، قال أبو إسحاق: يعني أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة (٢). وقيل: ﴿دَاخِرُونَ﴾: خاضعون (٣). وقرئ: (أَو لم يروا) بالياء النقط من تحته (٤)، ردًا على ما قبله من لفظ الغيب وهو قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ وقرئ: بالتاء النقط من فوقه (٥)، على وجه الخطاب للجميع. وقرئ: (تَتَفَيَّأُ) بالتاء على تأنيث الجماعة، وبالياء (٦) على تذكير

стр. 2161

الجمع، وقد ذكر نظيره في غير موضع فيما سلف من الكتاب. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾: قوله : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إنما جيء بـ (ما) دون (مَنْ) لكونه أعم، لوقوعه على العقلاء وغيرهم، والسجود يشمل الجميع. وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ عطف على ﴿مَا﴾ فلذلك رفع ولم يعطف على ﴿دَابَّةٍ﴾. وقوله: ﴿يَخَافُونَ﴾ فيه وجهان - أحدهما: حال من الضمير في ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. والثاني: بيان لنفي الاستكبار وتوكيد له، لأن من خاف ربه جل ذكره لم يستكبر عن عبادته. وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فيه وجهان - أحدهما: متعلق بـ ﴿يَخَافُونَ﴾ بمعنى: يخافون أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم. والثاني: حال من ﴿رَبَّهُمْ﴾ بمعنى: يخافون ربهم عاليًا لهم قاهرًا. ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾: قوله : ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ﴿إِلَهَيْنِ﴾ نصب بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، بمعنى: لا تعبدوا إلهين، كقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ (١)، أي: عبدوها، و ﴿اثْنَيْنِ﴾ توكيد لإلهين، وأكد بـ ﴿اثْنَيْنِ﴾ كما أكد بالواحد في قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. والثاني: على التقديم والتأخير، والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين،

стр. 2162

أي: معبودين لكم، فـ ﴿اثْنَيْنِ﴾ مفعول أول، و ﴿إِلَهَيْنِ﴾ ثان. والأول هو الوجه وعليه الأفاضل (١). وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (إيَّايَ) منصوب بفعل مضمر دل عليه ﴿فَارْهَبُونِ﴾ أي: ارهبوا إياي فارهبون (٢)، إلا أنه حذف لدلالة المفسر عليه، ولا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿فَارْهَبُونِ﴾ كما زعم بعضهم، لأن الفعل قد استوفى مفعوله، وهو ياء النفْس المحذوفة لدلالة الكَسرة عليها، وقد ذكر هذا في أول "البقرة" عند قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٣) وإنما أعيد هنا تنبيهًا على قول هذا المُعْرِب الساهي، وهو خروج من الغيبة إلى التكلم. قيل: وجاز ذلك، لأن الغائب هو المتكلم، وهو من طريق الالتفات، وهو أبلغ في الترهيب من قوله: فإياه فارهبوه (٤). ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾: قوله : ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ انتصاب قوله: ﴿وَاصِبًا﴾ على الحال إما من المنوي في الظرف وهو (له) على رأي صاحب الكتاب، أو من ﴿الدِّينُ﴾ على رأي أبي الحسن، والعامل على المذهبين (له). والواصب: الدائم، والدين: الطاعة، أي: له الطاعة دائمةً لازمة، يعني: أن الطاعة واجبة له، لأنَّ كل نعمه منه، فالطاعة واجبة له على كل مُنْعَمٍ عليه (٥).

стр. 2163

وقيل: واصبًا شاقًا، من الوَصَبِ، وهو شدة التَّعَبِ (١). وقيل: واصبًا: ثابتًا (٢)، من وَصَبَ الدِّين، إذا ثبت، وهو قريب من الأول، يقال: وَصَبَ يَصِبُ وُصُوبًا، إذا دام فهو واصب، وإذا كان من الألم وشدة التعب فيقال: وَصِبَ يَوصَبُ وَصَبًا، فهو وَصِبٌ (٣). وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ (غير) منصوب بـ ﴿تَتَّقُونَ﴾، والتقدير: أتتقون غير الله؟ والاستفهام بمعنى التوبيخ والتقريع. ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾: قوله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (ما) موصول في موضع رفع بالابتداء، و ﴿بِكُمْ﴾ صلته، وهو متعلق بمحذوف، وذلك المحذوف فِعْلٌ، والتقدير: والذي يكون بكم، أو يستقر بكم. و ﴿مِنْ نِعْمَةٍ﴾: في موضع نصب على الحال من المنوي في الصلة، و ﴿بِكُمْ﴾ بمعنى (فيكم)، كما تقول: به عيب. والخبر ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾، دخل الفاء لما في الموصول من الإبهام، وقد جُوِّزَ أن يكون (ما) شرطًا (٤)، وهو مبتدأ أيضًا، وفعل الشرط محذوف وهو الخبر، أي: ما يكن بكم أو يستقر بكم، والفاء جواب الشرط. وقوله: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: ترفعون أصواتكم بالدعاء. والجؤار: رفع الصوت بالدعاءِ والاستغاثة. قال أبو إسحاق: والأصوات مبنية على فُعَالٍ وفَعِيلٍ، فأما فُعَالٌ فنحو: الصُّراخُ والجؤارُ، والبكاء، وأما فعِيل

стр. 2164

فنحو: العويل والزئير، والفُعَالُ أكثر، انتهى كلامه (١). ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ الجمهور على (كَشَفَ)، وقرئ: (كاشَفَ) على فاعَل (٢)، بمعنى: فَعَلَ، كطَارَقْتُ النعل، أي: طرقتها وشبهه، قيل: وفاعَلَ أقوى من فَعَل وإن كان بمعناه، لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة (٣). والمعنى: أن الله سبحانه إذا كشف الضُّرَ الذي تجأرون منه، صار فريق منكم يشركون بربهم، بعد ما كانوا يتضرعون إليه في كشفه عنهم. واخْتُلِفَ فيهم، فقيل: هم المشركون. وقيل: المنافقون (٤). و(مِنْ) في قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ يجوز أن يكون للتبيين إن كان الخطاب خاصًا، وأن يكون للتبعيض إن كان عامًا. ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾: قوله : ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ يجوز أن تكون هذه اللام لام كي متعلقة بقوله: ﴿يُشْرِكُونَ﴾، أي: ليجحدوا بما أعطيناهم من النعمة، كأنهم جعلوا غَرَضَهُمْ في الشرك كفران النعمة، وأن تكون لام أمر (٥)، وهو أبلغ من جهة التهديد والوعيد. وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ الجمهور على التاء التي بعد الفاء، وهو أمر،

стр. 2165

وقرئ: (فَيُمَتَّعُوا) بالياء النقط من تحته مبنيًا للمفعول (١) عطفًا على الفعل المنصوب قبله وهو ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، أي: ليكفروا بما آتيناهم فيمتعوا. ثم رجع إلى الخطاب فقال جل ذكره: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ على وجه الوعيد لهم، وقرئ أيضًا: بالياء (٢). والمفعول محذوف، أي: فسوف تعلمون عاقبة ذلك. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾: قوله : ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (ما) رفع بالابتداء والخبر (لهم)، أو بِلَهُمْ على رأي أبي الحسن. وعن الفراء: ﴿مَا﴾ في موضع نصب (٣) عطفًا على ﴿الْبَنَاتِ﴾ (٤)، والجعل بمعنى التمني والإرادة، كأنه قيل: يتمنون لله البنات ولأنفسهم البنين. وأنكر أبو إسحاق أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب عطفًا على البنات، وقال: العرب تستعمل في مثل هذا: ويجعلون لأنفسهم، تقول: جعلت لنفسي طعامًا، ولا تقول جعلت لي طعامًا، وفيه نظر (٥). ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾:

стр. 2166

قوله : ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (ظل) جواب (إذا) وهو العامل فيها، و ﴿وَجْهُهُ﴾ اسم ﴿ظَلَّ﴾، و ﴿مُسْوَدًّا﴾ خبره، ويجوز في الكلام رفعه (١) على أن تضمر في ﴿ظَلَّ﴾ اسمه وتجعل الجملة خبره. قيل: و ﴿ظَلَّ﴾ هنا بمعنى صار، كما تستعمل باتَ وأصبح وأمسى بمعنى الصيرورة. فإن قلت: فَلِمَ عدل عن لفظ صار إلى لفظ ظل؟ قلت: قيل: لأن أكثر الوضع يتفق بالليل، فيظل نهاره مغتمًا لأجل ما بشر به، والعرب تقول: ظل يفعل كذا، إذا فعله نهارًا، هذا أصله، (وصار) لا يختص بوقت دون وقت. وقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ الواو للحال، وكظيم فعيل بمعنى مفعول، أي: مملوءٌ حَنَقًا على حليلته. وقيل بمعنى فاعل، أي: كاظمٌ غيظه (٢). ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾: قوله : ﴿يَتَوَارَى﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿كَظِيمٌ﴾، أي: متواريًا منهم من أجل سوء المبشر به، ومن أجل تعييرهم. وقوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أي: يتردد ويتفكر كيف يصنع في أمره، أيمسكه على هَوانٍ، أم يغيبه في التراب مخافة العار؟ وقيل: مخافة الفقر. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا

стр. 2167

جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾: قوله : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، والجعل هنا: الحكم، أي: يحكمون لله بما يكرهونه لأنفسهم. وقوله: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ الجمهور على فتح الكاف والباء وكسر الذال في الكذب، وهو مفعول (تصف)، والوصف هنا القول، و ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ بدل من الكذب، لأنه في المعنى هو، أي: يقولون ذلك وهو كذب. وقرئ: (الْكُذُبُ) بضم الكاف والذال والباء (١)، على أنه صفة الألسنة، وهو جمع كَذُوبٍ كَغُفُر في جمع غفور، ومفعول (تصف): ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. واللسان يُذَكّرُ ويجمع على ألسنة، ويؤنث ويجمع على ألسن. وقوله: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ قرئ: بفتح الراء وكسرها مخففًا (٢)، فالفتح على ترك تسمية الفاعل بمعنى: مُقَدَّمُونَ إلى النار معجلون إليها (٣)، من أَفْرَطْتُ القوم أَفْرُطُهُمْ فَرْطًا، إذا سبقتهم إلى الماء. وقيل: متروكون منسيون (٤)، من أفرطته خلفي، إذا تركته ونسيته، ومنه

стр. 2168

أَمْرٌ فَرْطٌ، أي: متروك. والمكسور: على البناء للفاعل، وإسناد الفعل إليهم بمعنى: مبالغون في الإساءة متجاوزون في المعاصي، من أَفْرَطَ فلانٌ في كذا، إذا جاوز فيه الحد (١). وقرئ: بهما مشددًا (٢)، فالمفتوح بمعنى: متروكون، من فَرَّطه، إذا تركه، والمكسور بمعنى: مقصرون، من فَرَّطَ في كذا، إذا قصّر فيه، وهو: تفريطهم فيما يلزمهم من أوامر الله ، [ومنه]: ﴿فَرَّطْتُمْ﴾ (٣) أي: قصرتم في أمره. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾: قوله : ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ معطوفان على موضع ﴿لِتُبَيِّنَ﴾، كأنه قيل: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانًا وهدى ورحمة، أي: للبيان والهدى والرحمة، لأن من شرط المفعول له أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل، وإنما دخل اللام في قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ لأنه فعل المخاطب، لا فعل المُنَزِّل، وعطف عليه ما هو فعل المنزل على تقدير ما ذكر آنفًا، فاعرفه (٤).

стр. 2169

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾: قوله : ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ قرئ: بضم النون من أسقى، وبفتحها من سقى (١)، وقد مضى الكلام عليهما فيما مضى (٢)، والمعنى: نبيح لكم شرب ما في بطونه، فعبر عن الإباحة بذلك. وقوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (الأنعام): يحتمل أن يكون جمع نَعَمٍ، وأن يكون اسمًا مفردًا مقتضيًا لمعنى الجمع كنَعَم، كذا ذكر صاحب الكتاب ﵀ الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، قال: وأما أفعال فقد تقع للواحد، من العرب من يقول: هو الأنعام، وقال أبو الخطاب (٣): سمعت العرب يقولون: هذا ثوب أكباش (٤)، انتهى كلامه (٥). فإذا فهم هذا فقوله جل ذكره هنا: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، وفي "المؤمنين": ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ (٦)، فالتذكير على إرادة الجمع أو الجنس، والتأنيث على معناهما، وما عداهما فهو من التعسف والتكلف، فاعرفه (٧).

стр. 2170

و (من) للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونه. وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، وأن يكون في موضع نصب على الحال، إما من المنوي في الظرف وهو ﴿فِي بُطُونِهِ﴾، أو من قوله: ﴿لَبَنًا﴾ لتقدمه عليه، أي: نسقيكم لبنًا من بين فَرْثٍ، وهو سِرجين الكَرِش (١). و﴿خَالِصًا سَائِغًا﴾: صفتان للبن، أي: صافيًا لا شوب فيه، وسائغًا، أي: يسوغ في الحلق بسهولة. وقرئ: (سَيْغًا) (٢)، قال أبو الفتح: هو محذوف من سَيِّغٍ كَمَيْتٍ من مَيِّتٍ، وَهَيْنٍ مِن هَيِّنٍ، وذلك أنه من الواو لقولهم: ساغَ شَرابُه يَسُوغُ، ولو كان سَيْغٌ فَعْلًا لكان سَوْغًا، ومنه قولهم: هو أَخُوه سَوْغُهُ، أي: قابل له غير متباعد عنه، كالشراب إذا قَبِلَتْهُ نَفْسُ شارِبِه، ولم تَنْبُ عنه، انتهى كلامه (٣). ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾: قوله : ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ أي: وإنّ لكم من ثمرات النخيل والأعناب شيئًا، أو ما تتخذون منه (٤)، فالضمير في ﴿مِنْهُ﴾ لأحد المذكورَين، وحذف للعلم به، وحذف (وإن لكم)، لدلالة ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ قبله عليه. وقيل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، أي: وتتخذون من ثمرات النخيل، و ﴿مِنْهُ﴾ من تكرير الظرف للتوكيد، كقولك: زيد في الدار فيها (٥).

стр. 2171

وذُكِّرَ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ على المعنى وهو الثمر، أو على إرادة الجنس، أو المذكور، أو على مضاف محذوف تقديره: وتتخذون من عصِيرِهما، ثم حذف للعلم به كقوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (١) فالضمير في قوله: ﴿أَوْ هُمْ﴾ راجع إلى مضاف محذوف وهم الأهل (٢). وقوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ اختلف في السَّكَرِ فقيل: الخمر، سميت بالمصدر، من سَكِرَ يَسْكَرُ سَكَرًا، كبَطِرَ يَبْطَرُ بَطَرًا، والاسم: السُّكْرُ بالضم، والآية نزلت قبل تحريم الخمر، عن ابن عباس ﵄ (٣). وقيل: السَّكَرُ: الخل بلغة الحبشة، عن أبي عبيدة (٤). وقيل: السَّكَرُ: الطُّعْمُ (٥). يقال: جعلوا لك هذا سَكَرًا، قال الشاعر: ٣٨٧ - * جَعَلْتُ عَيْبَ الأَكْرَمِينَ سَكَرا (٦) *

стр. 2172

أي: طُعْمًا، والرزق الحسن: ما يؤكل من الأعناب والتمور، وما يؤخذ منهما كالدِّبْسِ والخل والزبيب. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾: قوله : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ النحل: زنابير العسل، والإيحاء إليها: إلهامها والقذف في قلوبها. وقوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي﴾ (أنْ) هنا تحتمل أن تكون المفسرة التي بمعنى (أي)، لأن الإيحاء فيه معنى القول، فلا محل لها على هذا. وأن تكون مصدرية، أي: بأن اتخذي، فتكون في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته، وقد ذكر نظيره في غير موضع (١). وقوله: ﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾ (مِنْ) على بابها وهي للتبعيض، لأن البيوت تكون في بعض الجبال. وقيل: ﴿مِنَ﴾ بمعنى (في) والأول هو الوجه. ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾: قوله : ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ انتصاب قوله: ﴿ذُلُلًا﴾ على الحال، إما من السبل، لأن الله جل ذكره ذلَّلَهَا [لها] وسهلها، أو من المنوي في ﴿فَاسْلُكِي﴾، ووُصفت بذلك لأنها منقادة لأمر الله مطيعة له، فهي ذُلُلٌ، والذُّلُلُ: جمع ذَلُولٍ، والذَّلُولُ: السهل اللين. ثم رجع من الخطاب إلى الغيبة فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ المراد بالشراب: العسل، لأنه مما يُشْرَبُ. و ﴿مُخْتَلِفٌ﴾: نعت للشراب. وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ اختلف في الضمير في ﴿فِيهِ﴾ فقيل:

стр. 2173

للشراب (١). وقيل: للقرآن (٢). فإن أَعَدْتَهُ إلى الشراب، كان ارتفاع ﴿شِفَاءٌ﴾ بالظرف على المذهبين لجريه وصفًا على المرفوع وهو الشراب، كارتفاع ألوانٍ بـ ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ على المذهبين لجريه وصفًا على الشراب (٣). وإن أعدته إلى القرآن فيرتفع ﴿شِفَاءٌ﴾ بالابتداء على رأي صاحب الكتاب، وبالظرف على رأي أبي الحسن. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾: قوله : ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ اللام من صلة ﴿يُرَدُّ﴾، والفعل منصوب بكي نفسها، لا بإضمار أَنْ لأجل دخول اللام عليها، و ﴿شَيْئًا﴾ منصوب بالمصدر الذي هو ﴿عِلْمٍ﴾ على رأي أهل البصرة على إعمال الثاني. وبالفعل الذي هو ﴿يَعْلَمَ﴾ على رأي أهل الكوفة على إعمال الأول (٤). ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾: قوله : ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فيه أوجه: أحدها: أن الجملة من المبتدأ والخبر جملة اسمية واقعة في موضع جملة فعلية، ومحلها النصب على جواب النفي بالفاء، والتقدير: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا فيه مع عبيدهم، أو على الحال على تقدير زيادة الفاء.

стр. 2174

والثاني: أن محلها الرفع، إما على الاستئناف، أي: هم سواء في أني رزقت الجميع، أو على العطف على موضع ﴿بِرَادِّي﴾، على تقدير: فما الذين فضلوا يردون رزقهم على ما ملكت أيمانهم فما يستوون. والثالث: أنه على إضمار ألف الاستفهام، أي: أَفَهُمْ فيه سواء؟ على سبيل التوبيخ والتقريع. وقوله: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته ردًا على قوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا. . . .﴾ الآية، وبالتاء النقط من فوقه (١) حملًا على قوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾: قوله : ﴿وَحَفَدَةً﴾ الحَفَدَةُ: جمع حافد، كحرسة في حارس، وهو الخادم (٢)، ورجل محفود أي: مخدوم، والحَفْدُ: الإسراع في الطاعة والخدمة، ومنه قول القانت: "وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِد" (٣). ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾:

стр. 2175

قوله : ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ الرزق بكسر الراء: المرزوق، وبفتحها: المصدر، وقد يكون بكسر الراء بمعنى المصدر، فإن أردت المصدر نصبت به ﴿شَيْئًا﴾ على أنه مفعول به، والتقدير: لا يملك أن يرزقهم شيئًا (١)، والفاعل يحذف لدليلٍ الحال عليه، والأصل: ما لا يملك لهم رزقًا هو شيئًا، على أن يكون (هو) فاعل ﴿رِزْقًا﴾ كزيد في قولك: أعجبني ضرب زيد عمرًا. وإنّ أردت المرزوق كان ﴿شَيْئًا﴾ بدلًا منه، بمعنى: لا يملك لهم رزقًا قليلًا ولا كثيرًا (٢). أو منصوبًا على المصدر على أن يكون واقعًا موقع ملكًا، كأنه قيل: لا يملك لهم رزقًا ملكًا، على وجه التوكيد، كقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٣) أي: ضرًا (٤). وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من صلة الرزق إن جعلته مصدرًا، أي: من المطر والنبات، وإنْ جعلته مرزوقًا كان في موضع الصفة، أي: كائنًا منهما. وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ مستأنف، أي: وهم لا يستطيعون، وجُمع على معنى ﴿مَا﴾ بعد ما قيل: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ على اللفظ. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾:
следующие страницы →