← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وذُكِّرَ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ على المعنى وهو الثمر، أو على إرادة الجنس، أو المذكور، أو على مضاف محذوف تقديره: وتتخذون من عصِيرِهما، ثم حذف للعلم به كقوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (١) فالضمير في قوله: ﴿أَوْ هُمْ﴾ راجع إلى مضاف محذوف وهم الأهل (٢). وقوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ اختلف في السَّكَرِ فقيل: الخمر، سميت بالمصدر، من سَكِرَ يَسْكَرُ سَكَرًا، كبَطِرَ يَبْطَرُ بَطَرًا، والاسم: السُّكْرُ بالضم، والآية نزلت قبل تحريم الخمر، عن ابن عباس ﵄ (٣). وقيل: السَّكَرُ: الخل بلغة الحبشة، عن أبي عبيدة (٤). وقيل: السَّكَرُ: الطُّعْمُ (٥). يقال: جعلوا لك هذا سَكَرًا، قال الشاعر: ٣٨٧ - * جَعَلْتُ عَيْبَ الأَكْرَمِينَ سَكَرا (٦) *

стр. 2172

أي: طُعْمًا، والرزق الحسن: ما يؤكل من الأعناب والتمور، وما يؤخذ منهما كالدِّبْسِ والخل والزبيب. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾: قوله : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ النحل: زنابير العسل، والإيحاء إليها: إلهامها والقذف في قلوبها. وقوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي﴾ (أنْ) هنا تحتمل أن تكون المفسرة التي بمعنى (أي)، لأن الإيحاء فيه معنى القول، فلا محل لها على هذا. وأن تكون مصدرية، أي: بأن اتخذي، فتكون في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته، وقد ذكر نظيره في غير موضع (١). وقوله: ﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾ (مِنْ) على بابها وهي للتبعيض، لأن البيوت تكون في بعض الجبال. وقيل: ﴿مِنَ﴾ بمعنى (في) والأول هو الوجه. ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾: قوله : ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ انتصاب قوله: ﴿ذُلُلًا﴾ على الحال، إما من السبل، لأن الله جل ذكره ذلَّلَهَا [لها] وسهلها، أو من المنوي في ﴿فَاسْلُكِي﴾، ووُصفت بذلك لأنها منقادة لأمر الله مطيعة له، فهي ذُلُلٌ، والذُّلُلُ: جمع ذَلُولٍ، والذَّلُولُ: السهل اللين. ثم رجع من الخطاب إلى الغيبة فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ المراد بالشراب: العسل، لأنه مما يُشْرَبُ. و ﴿مُخْتَلِفٌ﴾: نعت للشراب. وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ اختلف في الضمير في ﴿فِيهِ﴾ فقيل:

стр. 2173

للشراب (١). وقيل: للقرآن (٢). فإن أَعَدْتَهُ إلى الشراب، كان ارتفاع ﴿شِفَاءٌ﴾ بالظرف على المذهبين لجريه وصفًا على المرفوع وهو الشراب، كارتفاع ألوانٍ بـ ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ على المذهبين لجريه وصفًا على الشراب (٣). وإن أعدته إلى القرآن فيرتفع ﴿شِفَاءٌ﴾ بالابتداء على رأي صاحب الكتاب، وبالظرف على رأي أبي الحسن. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾: قوله : ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ اللام من صلة ﴿يُرَدُّ﴾، والفعل منصوب بكي نفسها، لا بإضمار أَنْ لأجل دخول اللام عليها، و ﴿شَيْئًا﴾ منصوب بالمصدر الذي هو ﴿عِلْمٍ﴾ على رأي أهل البصرة على إعمال الثاني. وبالفعل الذي هو ﴿يَعْلَمَ﴾ على رأي أهل الكوفة على إعمال الأول (٤). ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾: قوله : ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فيه أوجه: أحدها: أن الجملة من المبتدأ والخبر جملة اسمية واقعة في موضع جملة فعلية، ومحلها النصب على جواب النفي بالفاء، والتقدير: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا فيه مع عبيدهم، أو على الحال على تقدير زيادة الفاء.

стр. 2174

والثاني: أن محلها الرفع، إما على الاستئناف، أي: هم سواء في أني رزقت الجميع، أو على العطف على موضع ﴿بِرَادِّي﴾، على تقدير: فما الذين فضلوا يردون رزقهم على ما ملكت أيمانهم فما يستوون. والثالث: أنه على إضمار ألف الاستفهام، أي: أَفَهُمْ فيه سواء؟ على سبيل التوبيخ والتقريع. وقوله: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته ردًا على قوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا. . . .﴾ الآية، وبالتاء النقط من فوقه (١) حملًا على قوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾: قوله : ﴿وَحَفَدَةً﴾ الحَفَدَةُ: جمع حافد، كحرسة في حارس، وهو الخادم (٢)، ورجل محفود أي: مخدوم، والحَفْدُ: الإسراع في الطاعة والخدمة، ومنه قول القانت: "وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِد" (٣). ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾:

стр. 2175

قوله : ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ الرزق بكسر الراء: المرزوق، وبفتحها: المصدر، وقد يكون بكسر الراء بمعنى المصدر، فإن أردت المصدر نصبت به ﴿شَيْئًا﴾ على أنه مفعول به، والتقدير: لا يملك أن يرزقهم شيئًا (١)، والفاعل يحذف لدليلٍ الحال عليه، والأصل: ما لا يملك لهم رزقًا هو شيئًا، على أن يكون (هو) فاعل ﴿رِزْقًا﴾ كزيد في قولك: أعجبني ضرب زيد عمرًا. وإنّ أردت المرزوق كان ﴿شَيْئًا﴾ بدلًا منه، بمعنى: لا يملك لهم رزقًا قليلًا ولا كثيرًا (٢). أو منصوبًا على المصدر على أن يكون واقعًا موقع ملكًا، كأنه قيل: لا يملك لهم رزقًا ملكًا، على وجه التوكيد، كقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٣) أي: ضرًا (٤). وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من صلة الرزق إن جعلته مصدرًا، أي: من المطر والنبات، وإنْ جعلته مرزوقًا كان في موضع الصفة، أي: كائنًا منهما. وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ مستأنف، أي: وهم لا يستطيعون، وجُمع على معنى ﴿مَا﴾ بعد ما قيل: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ على اللفظ. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾:

стр. 2176

وقوله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ﴿ضَرَبَ﴾، ومعنى ضربه: ذكره ووصفه. وفي قوله: ﴿عَبْدًا﴾ وجهان: أحدهما: بدل من (مثل). والثاني: على حذف مضاف، أي: مثلًا مثل عَبْدٍ، فحذف المضاف، و ﴿مَمْلُوكًا﴾: نعت لعبد. وقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ﴾ صفة أخرى لعبد، أو حال منه لكونه قد وصف، أو من المنوي في ﴿مَمْلُوكًا﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ عطف على عبد، وهي نكرة موصوفة، أي: ضرب الله مَثَلًا عبدًا مملوكًا وحرًا رزقناه، ولك أن تجعلها موصولة، والأول أمتن ليشاكِل ﴿عَبْدًا﴾. وقوله: ﴿سِرًّا وَجَهْرًا﴾ مصدران في موضع الحال من المستكن في ﴿يُنْفِقُ﴾، وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب نظيرهما (١). ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾: قوله : ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ أي: ثِقْلٌ وَعِيَالٌ عليه، يقال: كَلَّ على الأمر يَكِلُّ كَلًّا (٢)، إذا ثَقُلَ عليه، ولم ينبعث فيه، وكَلَّ السيف والريح واللسان أيضًا، إذا لم ينبعث في القول لِغلظه وذَهَاب حَدِّهِ،

стр. 2177

يَكِلُّ فيهن كَلًّا وَكِلَّةً وكلالةً وكُلُولًا، وسَيْفٌ كليلُ الحد، ورجل كليلُ اللِّسان (١). قوله: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ أي يبعثه مولاه ويرسله، والتوجيه: الإرسال إلى جهة، يقال: وجهته إلى موضع كذا، فتوجه إليه. وقرئ: (أينما يوجَّه) بفتح الجيم على البناء للمفعول (٢)، أي: أينما يُبعث ويُرسل. وقرئ أيضًا: (أينما يوجِّه) بكسر الجيم (٣)، على حذف المفعول، والفاعل ﴿مَوْلَاهُ﴾ كما في قراءة الجمهور، أي الكليل، بمعنى: أينما يوجِّه وَجْهَهُ، فحذف للعلم به. ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾: قوله : ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ في محل النصب على الحال من الكاف والميم في ﴿أَخْرَجَكُمْ﴾ أي: أخرجكم غير عالمين شيئًا. وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته (٤)، حملًا على قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ و ﴿لَا يَمْلِكُ لَهُمْ﴾، ﴿وَلَا

стр. 2178

يَسْتَطِيعُونَ﴾ (١) وبالتاء النقط من فوقه (٢)، ردًا على قوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ. . .﴾ الآية، والطير: اسم جمع كركب، وانتصابُ ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ على الحال من الطيرِ، أي: مذللات لأمر الله. وقوله: ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ الجو ما بين السماء والأرض، قال أبو إسحاق: الجو: [الهواء] (٣) البعيد من الأرض، وأبعد منه السُّكَاكُ، واللُوح مثله (٤). ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾: قوله : ﴿سَكَنًا﴾ السكَن بالتحريك: كل ما سكنتَ إليه من منزل وغيره، وهو فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، والسَّكْنُ بالتسكين: أهل المنزل. وقوله: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ في موضع الصفة لبيوت. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ ظرف لقوله: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ واليوم بمعنى الوقت، وقرئ: (ظَعَنِكُمْ) بتحريك العين وإسكانها (٥)، وهما لغتان كالشَّعَرِ والشَّعْرِ والنَّهَرِ والنَّهْرِ. وقوله: ﴿أَثَاثًا وَمَتَاعًا﴾ أي: وجعل لكم من أصواف الضأن، وأوبار

стр. 2179

الإِبل، وأشعار المعز ﴿أَثَاثًا﴾ متاع البيت، واحدها: أَثاثة (١). ﴿وَمَتَاعًا﴾ أي: وما تستمتعون به إلى مدة من الزمان. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾: قوله : ﴿أَكْنَانًا﴾ جمع كَنٍّ، وهو ما سترك ووقاك من الحر والبرد. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إتمامًا كذلك. وقوله: ﴿تُسْلِمُونَ﴾ الجمهور على ضم التاء وكسر اللام بمعنى: تؤمنون، وقرئ: (تَسْلَمُونَ) بفتحها (٢)، بمعنى السلامة، أي: تشكرون فتسلمون من العقاب (٣). ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ

стр. 2180

وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ أي: واذكر يوم نبعث. وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: ولا يطلب منهم العُتْبَى، وهي الرجوع إلى الرضا، أي: لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى ما أمر الله به ويرضاه. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾: قوله : ﴿شَهِيدًا﴾ (١) نصب على الحال من الكاف في ﴿بِكَ﴾. وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا﴾ التبيان: مصدر، وهو شاذ، لأنّ المصادر إنما تجيء على التَّفْعَالِ بفتح التاء كالتَّذْكَارِ والتَّكرار. وقد جوز أبو إسحاق فتحه في غير القرآن (٢)، ولم تجئ بالكسر إلا التبيان والتلقاء، وكلاهما في التنزيل (٣)، وانتصابه على أنه مفعول له، وكذا ما عطف عليه إلى قوله: ﴿وَبُشْرَى﴾. ولك أن تجعلهن في موضع الحال، إما من الضمير في (نزلنا) بمعنى: متبينين وهادين وراحمين ومبشرين، أو من الكتاب، أي: متبينًا وهاديًا وراحمًا ومبشرًا. فإن قلت: تبيَّن لازمٌ أو متعدٍ؟ قلت: يتعدى ولا يتعدى، يقال: تبيَّن الشيء، إذا ظهر، وتبيَّنْتُهُ أنا، ونظيره: أبان الشيء وأبنته، واستبان الشيء واستبنته.

стр. 2181

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾: قوله : ﴿يَعِظُكُمْ﴾ يحتمل أن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿وَيَنْهَى﴾ أي: وينهى محذِّرًا، وأن يكون مستأنفًا. وقوله: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ المصدر مضاف إلى المفعول، أي: بعد توثيقها باسم الله. وقيل: بعد تغليظها وتشديدها بالعقد عليه بخلاف لغوِ اليَمِين (١)، ووكَّدَ يوكد توكيدًا، وأكَّدّ يؤكّد تَأْكِيدًا لغتان فاشيتان (٢). وقوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ محل الجملة النصب على الحال إما من الضمير في ﴿وَلَا تَنْقُضُوا﴾، أو من فاعل المصدر الذي هو توكيدها، و ﴿كَفِيلًا﴾ مفعول ثان، أي: شاهدًا. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾: قوله : ﴿أَنْكَاثًا﴾ جمع نِكْثٍ وهو ما نُقض من الغزل بعد الفَتْل، وهو بمعنى المنكوث، أي المنقوض، وانتصابه إما على الحال من

стр. 2182

الغزل، أي: مَنْكُوثَةً، أو على أنه مفعول ثان على تضمين ﴿نَقَضَتْ﴾ معنى صيَّرت. وقال أبو إسحاق: منصوب، لأنه في معنى المصدر، لأن معنى نكثت ونقضت واحد (١)، والوجه ما ذكرت لمن تأمل وأنصف (٢). وقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ حال إما من الضمير في ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾، بمعنى: ولا تكونوا مشبهين التي نقضت غزلها متخذين أيمانكم دخلًا بينكم، أي: غِشًّا وخِيَانَةً. وقيل: دَغَلًا، والدغل: الفاسد من الشيء (٣). أو من المنوي في الخبر. و﴿دَخَلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، وقيل: مفعول له، للدخل (٤). وقوله: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أي: لأن تكون، أو بسبب أن تكون، و (كان) هنا تحتمل أن تكون التامة، وأن تكون الناقصة، و ﴿أُمَّةٌ﴾ فاعلها أو اسمها، و ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، و ﴿أَرْبَى﴾ خبره، والجملة في موضع رفع على النعت لأمة، أو نصب بخبر كان، ولا يجوز أن تكون ﴿هِيَ﴾ هنا فصلًا كما زعم أهل الكوفة، لأن الاسم الأول نكرة (٥). ومعنى ﴿أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾، أي: أزيدُ عددًا، يعني: لا تغدروا بقوم

стр. 2183

لقلتهم [وكثرتكم، أو قلتكم] وكثرتهم (١). وقوله: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ اختلف في الضمير ﴿بِهِ﴾، فقيل: للعهد (٢)، وقيل: للتكاثر دل عليه ﴿أَرْبَى﴾ (٣)، وقيل: لقوله: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾، لأنه في معنى المصدر (٤)، أي: إنما يختبركم بكونكم أربى لننظر أتمسكون بحبل الوفاء أم لا؟ وأحسن من هذا أن يكون الضمير للكثرة والقلة، دل عليهما معنى الآية على تأويل (ذلك)، و (ذلك) يقع على الاثنين بشهادة قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٥). ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾: قوله : ﴿فَتَزِلَّ﴾ منصوب على جواب النهي. وقوله: (وَلَيَجْزِيَنَّ الذِينَ) قرئ: بالياء النقط من تحته (٦)، حملًا على قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، وبالنون (٧)، حملًا على قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾، لم يختلفوا فيه.

стр. 2184

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾: قوله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ (من) شرط في موضع رفع بالابتداء، وخبره: فعل الشرط أو الجواب. وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿عَمِلَ﴾ أي: كائنًا منهما. وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ أي: فإذا أردت قراءة القرآن، كقولك: إذا أكلت فسمِّ، أي: "فإذا أردت الأكل، ونحو هذا شائع مستعمل في كلام القوم يعبرون عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لعدم اللَّبْسِ، وكفاك دليلًا: الإجماع على أن الاستعاذة قبل القراءة (١). ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الضمير المجرور والمنصوب كلاهما للشيطان. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ في الضمير في ﴿بِهِ﴾ وجهان: أحدهما: لله جل ذكره، بمعنى: يعدلون به الأصنام.

стр. 2185

والثاني: للشيطان، أي: هم بسببه مشركون بالله سبحانه (١). وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً﴾ (إذا) منصوب بـ ﴿قَالُوا﴾، وما بينهما اعتراض، وهو ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾: قوله : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (بالحق) في موضع الحال، أي: ملتبسًا به. وقوله: ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ من صلة ﴿نَزَّلَهُ﴾. وقوله: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى﴾ كلاهما مفعول له، وهو عطف على محل ﴿لِيُثَبِّتَ﴾، كأنه [قيل: نزله] (٢) تثبيتًا وهدى وبشارة، ولك أن تجعله في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي: وهو هدى وبشرى. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾: قوله : ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ مبتدأ وخبره: ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾. والجمهور على تنكير اللسان مضافًا إلى الموصوف، وقرئ: (اللسان) معرفًا (٣) موصوفًا بالموصول، والوقف على ﴿بَشَرٌ﴾، والجملة بعده مستأنفة على كلتا القراءتين.

стр. 2186

والإِلحاد: الميل، وكذلك اللحد، والأعجمي: هو الذي لا يُفصح وإن كان عربيًا، والعجمي: هو المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحًا، واللسان هنا: اللغة، وأعجميٌّ بمنزلة: أحْمَرِيٍّ من أَحْمَرَ، وأَشْقَرِيٍّ من أشْقَرَ. ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾: قوله : ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ فيه أوجه: أحدها: بدل من ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ على أن تجعل ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ اعتراضًا بين البدل والمبدل منه، كأنه قيل: إنما يفترى الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، واستثنى منهم المُكْرَهُ، فلم يدخل تحت حكم الافتراء، وهو قوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ فـ ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب على الاستثناء، وهو بمعنى (الذي) وفيه وجهان - أحدهما: متصل، لأن الكفر متعدٍ يطلق على القول والاعتقاد جميعًا. - والثاني: منقطع، لأن الكفر اعتقاد، والإكراه على القول دون الاعتقاد. ثم قال: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (من) شرط في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط وهو ﴿شَرَحَ﴾ أو الجواب وهو ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، وفي ﴿شَرَحَ﴾ وجهان - أحدهما: متعد بمعنى وسع وفتح. والثاني: لازم بمعنى انشرح وطاب، و ﴿صَدْرًا﴾ على الوجه الأول مفعول به، وعلى الثاني تمييز.

стр. 2187

والثاني: بدل من المبتدأ الذي هو ﴿أُولَئِكَ﴾، كأنه قيل: ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون. والثالث: بدلٌ من الخبر الذي هو ﴿الْكَاذِبُونَ﴾، كأنه قيل: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه. والرابع: مبتدأ وهو شرط وجوابه محذوف، لأن جواب ﴿مَنْ شَرَحَ﴾ دال عليه، كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب إلا من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب. والخامس: منصوب على الذم (١). وقوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿أُكْرِهَ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ في خبر ﴿إِنَّ﴾ وجهان: أحدهما: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ و ﴿إِنَّ﴾ الثانية: توكيد للأولى. والثاني: لا خبر لـ ﴿إِنَّ﴾ الأولى في اللفظ، وإنما المذكور خبر ﴿إِنَّ﴾ الثانية، وخبرها أغنى عن خبر الأولى (٢). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد الفتنة، وقيل: من بعد تلك الفعلة التي فعلوها وهي التلفظ بكلمة الكفر (٣).

стр. 2188

وقرئ: (فُتِنُوا) على البناء للمفعول (١)، أي عُذِّبوا، وقرئ: (فَتَنُوا) على البناء للفاعل (٢)، أي: من بعد ما عذَّبوا المؤمنين، أو: أنفسهم بإظهار ما أظهروه للتقية. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ يحتمل أن يكون منصوبًا بـ ﴿رَحِيمٌ﴾، وأن يكون منصوبًا بإضمار: اذكر، فيكون مفعولًا به، وعلى الأول يكون ظرفًا. وقوله: ﴿تُجَادِلُ﴾ في موضع رفع على النعت لـ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾. وقوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ مفعول ثان لـ (توفى)، أي: جزاء ما عملته، أو عملها. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: الواو للحال. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾: قوله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ القول فيه كالقول في قوله: ﴿مَثَلًا عَبْدًا﴾ (٣). وقوله: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ خبرٌ بعد خبر. ﴿كَانَتْ﴾ وما اتصل بها: صفة لقرية.

стр. 2189

وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ مصدر في موضع الحال من الرزق، أي: واسعًا. وقيل: طيبًا، وقيل: هنيئًا (١). وقوله: ﴿بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ الأنعُم: جمع نعمةٍ على ترك الاعتداد بالتاء، كدِرْعٍ وأَدْرُعٍ، أو جمع نُعْمٍ كودّ وأَوُدٍّ، يقال: هذه أيام طُعْمٍ ونُعْمٍ (٢). وفي الحديث: "نادى منادي النبي ﷺ بالموسم بمنى، إِنَّهَا أَيَّامُ طُعْمٍ ونعم، فلا تصوموا" (٣). أو جمع نَعْمَاء كبَأْسَاءَ وأبُؤسٍ، وضرَّاء وأضُرٍّ (٤). وقوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ الجمهور على جر الخوف عطفًا على الجوع. وقرئ: (والخوفَ) منصوبًا (٥) عطفًا على اللباس، أو على موضع ﴿الْجُوعِ﴾ على أن ألبسهم الجوع والخوف، أو على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: ولباس الخوف. وقوله: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿فَأَخَذَهُمُ﴾. ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ

стр. 2190

لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾: قوله : ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ قد ذكر في البقرة (١)، وكذا ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الجمهور على نصب ﴿الْكَذِبَ﴾، وفي ناصبه وجهان: أحدهما: ﴿تَصِفُ﴾ و (ما) مصدرية، وقوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ من صلة ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ والتقدير: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب (٣). والثاني: ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ و (ما) موصولة، أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرام (٤). وقوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ فيه وجهان - أحدهما: بدل من ﴿الْكَذِبَ﴾، والثاني متعلق بـ ﴿تَصِفُ﴾ على إرادة القول، أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقول: هذا حلال وهذا حرام. وفيه وجه ثالث: وهو أن يكون ﴿الْكَذِبَ﴾ بدلًا من العائد المحذوف على قول من جعل (ما) موصولة. وقرئ: (الكُذُبَ) بضم الكاف والذال وفتح الباء (٥)، وهو جمع كِذَابٍ

стр. 2191

كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ، وهو مصدرٌ، يقال: كَذِبَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ كَذِبًا وكِذَابًا، وجُمع لاختلاف الكذب وإرادة النوع، والقول في إعرابه كالقول في إعراب قراءة الجمهور. وقرئ: كذلك إلا أنه برفع الباء (١) على الوصف للألسنة، وهو جمع كذوب كصبُورٍ وصُبُرٍ. وقرئ: كقراءة الجمهور إلا أنه بجر الباء (٢) على الوصف لما المصدرية، أي: لوصفها الكذب، بمعنى: الكَاذِب، أو على البدل منها كأنه قيل: ولا تَقُولُوا للكذب الذي تصف ألسنتكم. وقوله: ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ اللام لام كي، وهي من صلة ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾. وقيل: لام العاقبة (٣). ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾: قوله : ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة لا بقاء لها. و ﴿قَلِيلٌ﴾ نعت لـ ﴿مَتَاعٌ﴾، ويجوز في الكلام نصبهما على: يتمتعون بذلك متاعًا قليلًا، أي: تمتعًا قليلًا (٤).

стр. 2192

وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿قَصَصْنَا﴾، وأن يكون من صلة ﴿حَرَّمْنَا﴾. وقوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿عَمِلُوا﴾، أي: عملوا جاهلين. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾: قوله : ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ (قانتًا) خبر بعد خبر، أو صفة لأمة، وكذلك ﴿حَنِيفًا﴾، ولك أن تجعل ﴿حَنِيفًا﴾ حالًا من المنوي في ﴿قَانِتًا﴾، والأمة: الرجل الجامع للخير، والقانت: المطيع، والحنيف: المايل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وقد ذكر (١). وقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ خبر أيضًا بعد خبر، و ﴿لِأَنْعُمِهِ﴾ متعلق به. وقوله: ﴿اجْتَبَاهُ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا وقد معه مرادة. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾:

стр. 2193

قوله : ﴿حَنِيفًا﴾ حال إما من المنوي في ﴿اتَّبِعْ﴾، أو من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، إذ المعنى: اتبع (إبراهيم). وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ العقاب: العقوبة، وقد عاقبه بذنب، إذا جازاه بمثل ما فعل. وقرئ: (وإن عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا) بتشديد القاف من غير ألف فيهما (١)، قال أبو الفتح: معناه وإن تَتَبَّعْتُمْ فَتَتَبَّعُوا بقدر الحق الذي لكم ولا تزيدوا عليه، انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ اللام لام قسم، وإن شرط. ﴿لَهُوَ خَيْرٌ﴾: جواب القسم، وقد سدَّ جواب الشرط. والضمير في ﴿لَهُوَ﴾ للصبر، وهو مصدر (صبرتم) دل عليه فعله، أي: والله لَلصَّبْرُ خَيْرٌ للصابرين، أو للعفو، دل عليه معنى الكلام. ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾: قوله : ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ابتداء وخبر، أي: بتوفيقه وعونه. وقيل: إلا لله، أي لأجله (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الكافرين بإعراضهم عنك، أو على المؤمنين بسبب ما فعل بهم الكافرون، فإِنهم أَفْضَوْا إلى رحمة الله ورضوانه، وهم قتلى أُحُدٍ من المسلمين على ما فسر، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (٤).

стр. 2194

وقوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ هنا ﴿وَلَا تَكُ﴾ بحذف النون، وفي النمل (١) ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ بإثباتها، وقد جاء الأمران في كتاب الله جل ذكره في مواضع شتى، وشهرتها تغني عن ذكرها، فالإثبات هو الأصل، والحذف تخفيف، قيل: وإنما حذف هنا ليشاكل ما قبله، وهو: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وأثبت في النمل، تنويهًا على جواز الأمرين. وقرئ: ﴿فِي ضَيْقٍ﴾ بفتح الضاد وكسرها (٣)، قال أبو علي: قال أبو عبيدة: الفتح تخفيف ضَيِّقٍ، يقال: أمر ضَيِّقٌ، وَضَيْقٌ. وقال أبو الحسن: الضَّيق والضِّيق لغتان في المصدر (٤). كالقول والقيل (٥). وقد أوضحت ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة. وقوله: ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: من أجل مكرهم في إبطال ما جئت به، فإن الله ناصرك، دل عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. هذا (٦) آخر إعراب سورة "النحل" والحمد لله وحده

стр. 2195

إعراب سُورَةُ الإِسْرَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾: قوله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي﴾ قيل: ﴿سُبْحَانَ﴾ عَلَمٌ للتسبيح، كعثمانَ للرجل (١)، ولم ينون لأن فيه زائدتين وهما الألف والنون مع التعريف (٢)، ولم يستعمل إلا منصوبًا، وأكثر مجيئه مضافًا، وانتصابه على المصدر بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحان (٣)، ثم نُزِّلَ سبحان منزلة الفعل فسد مسده (٤). ودل على التنزيه البليغ من كل ما لا يليق به مما نَسب إليه الجاهلون، بشهادة ما روي عن طلحة بن عبيد الله ﵁: سألت رسول الله ﷺ عن تفسير

стр. 2196

سبحان الله فقال: "تَنْزِيهُ اللهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ" (١). وقيل: انتصابه على النداء (٢)، وهو من التعسف. وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أي: سَيَّرَ عبده، وعُدِّيَ بالباء لأنه لازم، يقال: أسريت وسريت، لغتان بمعنى، إذا سرتَ ليلًا، وبالألف لغة أهل الحجاز (٣)، و ﴿لَيْلًا﴾ ظرف للإسراء، قيل: وإنما قيده بقوله: ﴿لَيْلًا﴾ والإسراء لا يكون إلا بالليل، تأكيدًا ودفعًا للمجاز، كما يقال: أخذه بيده، وقاله بلسانه (٤). وقيل: أراد بقوله: ﴿لَيْلًا﴾ أي: في بعص الليل لا في كله، على تقليل الوقت (٥)، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، تعضده قراءة من قرأ: (من الليل) وهما عبد الله وحذيفة ﵄ (٦)، أي: بعض الليل. و ﴿مِنَ﴾ و ﴿إِلَى﴾ من صلة الإسراء. وقوله: ﴿حَوْلَهُ﴾ فيه وجهان - أحدهما: ظرف لـ ﴿بَارَكْنَا﴾. والثاني: مفعول به على تضمين ﴿بَارَكْنَا﴾ معنى طَيَّبْنَا. وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ﴾ من صلة الإِسراء أيضًا، وقرئ: (ليريه) بالياء النقط من تحته (٧) لقوله: ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾.

стр. 2197

وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير لله جل ذكره، أي: هو السميع لأقوال الكفرة في تكذيبهم رسوله ﵊ (١). وقيل: السميع لدعاء رسول الله ﷺ (٢). وقيل: الضمير لرسول الله ﷺ ، أي: إنه السميع لكلامنا، البصير لذاتنا (٣). والأول أظهر. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ الضمير المنصوب في (جعلناه) للكتاب، أو لموسى ﵊، أي: ذا هُدىً، أو هَادِيًا. وقوله: (ألَّا يتخذوا) قرئ: بالياء (٤) على لفظ الغيبة لجري ذكرها في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: جعلناه هدى لهم لئلا يتخذوا، فحذف اللام، فتكون (أن) في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته. وقد جُوِّزَ أن يكون نهيًا على الغيبة، فتكون (أنْ) هي المفسرة بمعنى (أي) كأنه قيل: هديناهم، أي لا يَتَّخِذُوا. وبالتاء (٥) على الانصراف إلى الخطاب بعد الغيبة، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وفي (أَنْ) ثلاثة أوجه:

стр. 2198

أحدها: أنها الناصبة للفعل، و (لا) صلة، أي: وجعلناه هدى لهم كراهة أن تتخذوا، أو لأن تتخذوا. والثاني: (أن) صلة، و (لا) نهي، والقول مراد، أي: وجعلناه هدى لهم وقلنا لا تتخذوا. والثالث: أنها المفسرة بمعنى (أَيْ)، أي: وجعلناه هدى لهم، أي: لَا تَتَّخِذُوا، كما تقول: كتبت إليه أن افعل كذا، أي: افعل كذا (١). وبعد: فإن (اتَّخذ) منه فعل يتعدى إلى مفعولين بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢). وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٣). وأحد مفعوليه هنا ﴿وَكِيلًا﴾، وفي الثاني: وجهان - أحدهما: ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ وهو المفعول الأول، و ﴿وَكِيلًا﴾ هو المفعول الثاني، أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلًا، أي: رَبًّا تكلون إليه أموركم، وهو في معنى وكلاء، وفعيل قد يقع موقع الجمع بدليل قوله سبحانه: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٤)، أي: رفقاء. وقوله: ﴿مِنْ دُونِي﴾ يحتمل أن يكون من صلة الاتخاذ، وأن يكون من صلة ﴿وَكِيلًا﴾، وأن يكون حالًا من وكيل، وهو في الأصل صفة له، والثاني: هو المفعول الثاني، أعني ﴿مِنْ دُونِي﴾، و ﴿وَكِيلًا﴾ هو الأول، وانتصاب قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا﴾ على هذا: إما على الاختصاص، أو على النداء فيمن قرأ: (لا تتخذوا) بالتاء، أي: قلنا لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلًا يا ذرية من حملنا مع نوح، وإنما قيد النداء في قول من قرأ بالتاء، لأن الياء للغيبة، والنداء للخطاب، فلا يسهل اجتماعهما إلا على تأويل، أو على البدل من ﴿وَكِيلًا﴾.

стр. 2199

وقد أجاز الشيخ أبو علي ﵀ رفع ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ على البدل من الضمير المرفوع في (لا يَتَّخِذُوا) (١) على قول من قرأ بالياء النقط من تحته، ولا يجوز البدل على قراءة من قرأ: بالتاء، لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب، لا تقول: مررت بك زيد؛ لوضعك العام موضع الخاص، وقصدك تبيين الشيء بما هو دونه في الاختصاص، فاعرفه فإنه نكتة. وجره على البدل من بني إسرائيل، كأنه قيل: وجعلناه هدى لذرية من حملنا (٢). و(من) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة. وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير لنوح (٣)، وقيل: لموسى ﵉ (٤). والشكور: الكثير الشكر، والشكر: إظهار النعمة بالثناء على المنعم. ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾: قوله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أوحينا (٥)، ولهذا عدي بإلى (٦). وقوله: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ جواب قسم محذوف، أي: والله

стр. 2200

لتفسدن، وقد جُوِّزَ أن يجري القضاء مجرى القسم، فيكون (لتفسدن) جوابًا له، كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وحذفت النون التي هي علم الرفع لأجل نون التوكيد، وواو الضمير (١) لسكونها وسكون نون التوكيد، وبقيت ضمة الدال تدل عليها. والجمهور على ضم التاء وكسر السين في ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ من أفسد مبنيًا للفاعل، أي: لتفسدن الأديان أو الخلق، فحذف المفعول للعلم به. وقرئ: (لَتُفْسَدُنَّ) على البناء للمفعول (٢)، من أفسد أيضًا، بمعنى: يفسدكم غيركم. و(لَتَفْسُدُنَّ) بفتح التاء وضم السِين (٣)، من فسد، لأنهم إذا أفسدوا فقد فَسَدُوا (٤). وانتصاب ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ على الظرف، أي: وقتين، أو على المصدر من غير لفظ فعله، وفعله كرَّ، يقال: كَرَّ كَرًّا وَكَرَّةً. و﴿عُلُوًّا﴾: منصوب على المصدر. و ﴿كَبِيرًا﴾: صفته. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾:

стр. 2201

قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ فيه وجهان - أحدهما: في الكلام حذف مضاف تقديره: وقت وعد أولى المرتين. والثاني: لا حذف، والوعد بمعنى الموعود، وهو ما وعد (١) به في المرة الأولى. وقوله: ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ وقرئ: (عَبِيدًا لَنَا) (٢)، قال أبو الفتح: أكثر ما يستعمل العبيد للناس، والعباد لله جل ذكره (٣). ﴿أُولِي بَأْسٍ﴾: صفة لعباد أو لعبيد، أي ذوي قوة، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وأما من غير لفظه فواحده ذو، وحذفت منه النون للإضافة (٤)، وقد ذكر (٥). وقوله: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ أي: تَرَدَّدُوا، والجوس: طلب الشيء باستقصاء، قال حسان ﵁: ٣٨٨ - وَمِنَّا الذِي لَاقَى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ... فَجَاسَ بِهِ الأَعْدَاءَ عُرْضَ العَسَاكِرِ (٦) وقرئ: (فحاسوا) بالحاء (٧)، والمعنى واحد، كذا قال قارئه حين أنكر

стр. 2202

عليه، وقيل له: إنما هو فجاسوا، فقال: حاسوا وجاسوا واحد (١). و ﴿خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ ظرف له، وهو جمع خلل، كجمل وجمال، وبه قرأ بعض القراء: (خَلَلَ الديار) (٢)، والخلل: الفرجة بين الشيئين. وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ اختلف في اسم كان: فقيل: وكان الجوسُ قَضَاءً قضاه الله على القوم وعدًا محققًا، لأن ما وعده الله تعالى لا بد أن يفعله. وقيل: كان إفساد بني إسرائيل في الأرض مرتين وعدًا من الله كائنًا لا محالة. وقيل: كان بعثنا وعدًا. والأول أحسن للقرب (٣). ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: رجعنا لكم الدولة والغلبة، والكرة: الرجعة على الأعداء، وهي مصدر في الأصل، يقال: كَرَّ: يَكُرُّ. كَرًّا وَكَرَّةً. و﴿عَلَيْهِمْ﴾: يحتمل أن يكون من صلة ﴿رَدَدْنَا﴾، وأن يكون من صلة ﴿الْكَرَّةَ﴾ بمعنى أن تكروا عليهم, لأنه يقال: كر عليه. وقد جوز أن يكون حالًا منها، فيكون متعلقًا بمحذوف (٤).

стр. 2203

وقوله: ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ النفير: مَن ينفر مع الرجل مِن قومه، وهو اسم للجمع، كالقوم والنفر والرهط. وقيل: هو جمع نَفْرٍ ككلِيبِ وعَبِيدٍ في جمع كلْبٍ وعبْدٍ (١)، وانتصابه على التمييز. ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ في اللام وجهان: أحدهما: على بابها، وهو الوجه، لأن اللام للاختصاص، والعامل مختص بجزاء عمله خيرًا كان أو شرًا، والتقدير: فلها جزاء الإساءة. والثاني: بمعنى على، أي: فعليها (٢)، كقوله: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣) والمعنى: وإن أسأتم فإنما تسيئون على أنفسكم، وإنما قال: ﴿فَلَهَا﴾ ولم يقل: فعليها ازدواجًا للكلام. وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المرة الآخرة من إفسادكم، وجواب (إذا) محذوف، حذف لدلالة ذكره أَوَّلًا، تقديره: بعثناهم ليسوءوا وجوهكم، واللام من صلة هذا المحذوف، والمعنى: ليحزنوكم. والمراد بالوجوه: أصحاب الوجوه، أي: ذوي وجوهكم. قال أبو علي: قال أبو زيد: سُؤْتُه مَسَاءَةً، وَمَسَائِيةً، وَسَوَايَة (٤). قلت: والأصل سَوَائِيةً، فَعَالِيةً بمنزلة (علانية)، ولكن حذفت

стр. 2204

منها الهمزة تخفيفًا (١). وقرئ: (ليسوءُوا) بالياء النقط من تحته، وضم الهمزة بعدها واو الجمع (٢). أي: ليسوء العبادُ المبعوثون وجوهكم. وقرئ: (لِيَسُوءَ) بالياء وفتح الهمزة (٣)، على أن المنوي فيه لله جل ذكره، أو للبعث، أو للوعد. وقرئ كذلك: إلا أنه بالنون (٤)، على الإخبار من الله جل ذكره عن نفسه بلفظ الجمع حملًا على ما قبله وهو (بعثنا)، و (رددنا)، و (أمددنا). هذه القراءات المشهورة، وقرئ أيضًا: (لِيُسِيءَ) بضم الياء وكسر السين، وياء بعدها، وفتح الهمزة (٥)، والضمير لله أو للوعد، أو للبعث، على ما ذكر آنفًا، أي: ليقبح أحد هؤلاء وجوهكم، ومنه: امرأة سَوْآء، أي: قبيحة (٦). وقرئ أيضًا: (لَيسوءنْ) بفتح اللام، وهي لام قسم محذوف، وبالنون الخفيفة، والوقف عليها بالألف (٧)، واللام في (ليدخلوا) على هذه القراءة:

стр. 2205

لام الأمر، وكذلك في ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾، وعلى القراءات التي قبلُ: لام كي. وقوله: ﴿مَا عَلَوْا﴾ (ما) مفعول (ليتبروا) وهي موصولة، أي: وليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه إهلاكًا، والتَّبار: الهلاك، وتَبَّرَهُ: أهلكه. أو مصدرية على تقدير المدة، كقولك: أتيتك خفوقَ النجمِ، ومَقْدَمَ الحاجِّ، بمعنى: وليهلكوا الناس مدة علوهم، أي: غلبهم واستيلائهم. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾: قوله : ﴿حَصِيرًا﴾ مفعول ثانٍ، وهو فعيل بمعنى فاعل، ولهذا لم يؤنث. قال أبو إسحاق: معناه: حَبْسًا، أُخذ من قولك: حصرت الرجل، إذا حبسته، فهو محصور، وهذا حصيره، أي مَحْبسه. والحصيرُ المنسوجُ إنما سمي حصيرًا, لأنه حصرت طاقته بعضها مع بعض، والجنب يقال له: الحصيرُ، لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض (١). وعن الحسن: الحصير: هو الذي يُفرش ويبسط، أي: جعلنا لهم مهادًا (٢). وقوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٣). ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾:

стр. 2206

قوله : ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ عطف على ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ على معنى: أنهم بشروا بالأمرين بثوابهم وبعقاب أعدائهم. وقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، والتقدير والمعنى: ويدعو الإنسان في حال ضجره وغضبه بالشر على نفسه وأهله وماله دعاءً مثل دعائه لهم بالخير، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وحذف المضاف الذي هو مثل وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ الجعل هنا يحتمل أن يكون بمعنى الخلق، فيكون انتصاب ﴿آيَتَيْنِ﴾ على الحال. وأن يكون بمعنى التصيير فتكونا مفعولي ثانٍ، وفيه وجهان: أحدهما: في الكلام حذف مضاف، إما من أوله أو من آخره، والتقدير: [جعلنا نَيِّرَي الليل والنهار آيتين أو] (١) وجعلناهما ذوي آيتين، ودل على ذلك قوله: ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ و ﴿آيَةَ النَّهَارِ﴾. والثاني: لا حذف فيه، بل هما في أنفسهما آيتان، وهو إِقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم، وإدباره إلى حيث لا يعلم وغير ذلك. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: مضيئة (٢). وقيل: ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء (٣)، يقال: أبصر النهار، إذا كان أصحابه

стр. 2207

بصراء، كقولك: أجبن الرجل، إذا كان أصحابُه جبناءَ (١). وقيل: مبصرة، أي: جاعلة الناس بصراء، من قولهم: بصر فلان وَبَصَّرَهُ الله، وأبصره، أي: جعله بصيرًا (٢). وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ من صلة (جعلنا)، والابتغاء: الطلب، وفضل الله: رزقه. قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ (كلَّ شيء) منصوب بفعل مضمر دل عليه ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾، أي: وفصلنا كل شيء فصلناه، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ونظيره: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ﴾ (٣) أي: وألزمنا كل إنسان طائره، أي: عمله (٤). وقيل: ما قدر له (٥). وقيل: حَظَّهُ وَجَدَّهُ (٦). قال أبو علي: وإنما قيل: لعمله: (طائره)، و (طيره) في بعض القراءة (٧) على حسب تعارف العرب ذلك في نحو قولهم: جرى طائره بكذا، من الخير والشر على طريق الفَأْلِ والطِّيَرَةِ، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أنَّ ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو يلزم أعناقهم (٨). وقوله: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ تأكيد للإِلزام على أن عمله لازم له لزوم القلادة العنق أو الغل، يقال: هذا الشيء في عنقي، أي: لازم.

стр. 2208

وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ﴾ قرئ: بالنون وبالياء مضمومة مبنيًا للفاعل (١)، وهو الله جل ذكره، و ﴿كِتَابًا﴾ مفعول به. (ويُخْرَجُ) بضم الياء وفتح الراء مبنيًا للمفعول (٢). (وَيَخْرُج) بفتح الياء وضم الراء مبنيًا للفاعل (٣)، وهو الطائر، و ﴿كِتَابًا﴾ على هاتين القراءتين منصوب على الحال، أي: مكتوبًا. وقوله: ﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ كلاهما صفة للكتاب، ولك أن تجعل ﴿يَلْقَاهُ﴾ صفة، و ﴿مَنْشُورًا﴾ حالًا من الهاء في ﴿يَلْقَاهُ﴾. وقرئ: (يُلَقَّاهُ) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، مبنيًا للمفعول (٤)، مُعَدَّى إلى مفعولين، أحدهما: القائم مقام الفاعل، وهو المنوي في الفعل، والثاني: الهاء. ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾: قوله : ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ على إرادة القول، أي: يقال له ذلك. وقوله: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (بنفسك) فاعل ﴿كَفَى﴾ والباء صلة، و ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز، أو حال، وهو فعيل بمعنى: فاعل، كصريم

стр. 2209

بمعنى صارم، و (على) متعلق به، أي: شاهدًا، وقيل: حاكمًا، وقيل: حفيظًا، وقيل: كافيًا (١). ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾: قوله : ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ الجمهور على القصر والتخفيف وفتح الميم في (أمرنا) بوزن (ضربنا) وفيه وجهان - أحدهما: بمعنى الأمر، أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا. والثاني: بمعنى التكثير، يقال: أمرته مقصورًا، وآمرته ممدودًا لغتان، بمعنى: كثرته، عن أبي عبيدة وغيره (٢)، وفي الحديث: "خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مأبورة، أو مُهْرَةٌ مأمورة" (٣). أي: كثيرة النتاج والنسل، وأما السكة هنا: فالطريقة المصطفة من النخل، ومأبورة، أي: مُلْقِحَةٌ، يقال: أَبَرَ فلانٌ نخلَه، أي: لقّحه وأصلحه (٤). وقال أبو الحسن: أَمِرَ مالُه بالكسر، أي: كَثُرَ، وأَمِرَ القومُ، أي: كثروا، وآمَرَ الله ماله بالمد، قال: وإنما قيل: "مهرة مأمورة" للازدواج، والأصل: مُؤْمَرَةٌ، على مُفْعَلَةٍ، كما قال [ ﷺ ] للنساء: "ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" (٥)، وإنما هو: موزورات من الوزر، فقيل: مأزورات على

стр. 2210

لفظ مأجورات ليزدوجا (١). وقيل: (أمرنا): جعلناهم أمراء، ويقال: أمَرْتُه وأمَّرْتُه، إذا جعلته أميرا (٢). وقرئ: (آمرنا) ممدودًا بوزن عامرنا (٣)، وقد ذكرنا معناه آنفًا. وقرئ أيضًا: (أَمَّرْنَا) مشددة الميم (٤)، أي: جعلناهم أمراء، وقد ذكر أيضًا آنفًا. وقيل: هو بمعنى الممدود, لأنه تارة يُعَدَّى بالهمزة، وتارة بالتضعيف، كقولك: كَثُرَ الشيءُ، وأَكْثَرَهُ اللهُ، وكَثَّرَهُ، ولا يجوز أن يحمل أمَّرنا مشددة العين على جعلناهم أمراء؛ لأنه لا يكاد يكون في قرية واحدة عدة أمراء (٥). وقرئ أيضًا: (أَمِرْنا) بكسر الميم مقصورًا بوزن حَمِدْنَا (٦)، بمعنى آمرنا عن أبي زيد، قال: يقال: أمِرَ الله ماله وآمره (٧). ووجه تعدية أَمِرَ، أنه على لفظ عَمِرَ ومعناه، لأن الكثرة أقرب شيء إلى العمارة، فلما كان كذلك، عُدِّيَ كما عُدِّيَ عَمِرَ، فاعرفه فإنه من فوائد أبي الفتح ﵀ (٨).
следующие страницы →