تجمعوا بينهما في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾:
قوله : ﴿وَأَقِيمُوا﴾ أصله: أقْوِمُوا، ووزنه أفْعِلُوا، كأكرموا، ثم أُعِلّ بالقلب بعد النقل، كما أُعل الماضي بالقلب.
وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الأصل: آتِيُوا، استثقلت الضمة على الياء فأزيلت بأن ألقيت على التاء بعد حذف حركتها، أو حُذفت حَذْفًا، وضمت التاء لتصح الواو.
وألف صلاة وزكاة منقلبة عن واوٍ، لقولهم في جمعها: صلوات، وزكوات.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾: الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم. ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ أصله: تنسيون، ووزنه تفعلون، وماضيه على (فَعِل) كعلِم، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لسكونها وسكون واو الجمع بعدها، وبقيت فتحة السين قبلها تدل عليها، والنِسيان: الترك هنا.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾.
وقوله: : ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة للتوبيخ.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾:
قوله : ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ أصله اسْتَعْوِنوا، لأنه من العون، وقد مضى الكلام عليه في سورة الحمد.
﴿وَإِنَّهَا﴾: الضمير في ﴿وَإِنَّهَا﴾ للصلاة، أو للاستعانة، دل عليها
стр. 247
استعينوا، أو للعظة (١) دل عليها المعنى (٢).
وقيل: للكعبة، دل عليها الصلاة (٣).
وقيل: لإجابة رسول الله ﷺ ، دل عليها الصبر والصلاة (٤).
وقيل: لجميع الأمور التي أُمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها (٥).
وقيل: المراد: وإنَّ كل خَصلة منهما لَكبيرةٌ، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ (٦) أي: كل واحد منهما (٧).
وقوله: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء، كأنه قيل: وإنها لكبيرة على جميع الناس إلا على الخاشعين منهم، وحسن حذف المستثنى منه لكونه معلومًا، أي: لَشَاقَّةٌ ثقيلةٌ، من قولك: كبر عليّ هذا الأمر، و ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٨). أي: عظم. يقال: كَبُر الشيء يَكبُر بالضم فيهما، إذا عظم، فهو كبير.
стр. 248
والخاشع: المخبت المتطامن، والخشوع: الإخبات والتطامن، ومنه الخُشْعَةُ كالصُّبْرَة: الرملة المتطامنة.
وأما الخاضع فهو: اللَّيِّنُ المنقادُ. والخضوع: اللِّينُ والانقيادُ، ومنه خضعتْ بقولها، إذ لينتْهُ (١).
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ (الذين): في موضع جَرٍّ إن جعلته وصفًا للخاشعين، أو في موضع نصب بإضمار فعل، أو في موضع رفع بإضمار مبتدأ.
﴿أَنَّهُمْ﴾: أن وما اتصل به قد سد مسد مفعولي الظن، لكونه جرى في صلته ما يتعلق به الظنُّ، وهو الخبر والمخبَر عنه، هذا مذهب صاحب الكتاب (٢)، ومذهب أبي الحسن: أَنَّ (أنَّ) وما اتصل به قائم مقام اسم واحد وهو الحدث، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: يظنون لقاء الله واقعًا، أو موجودًا (٣).
والظن هنا بمعنى اليقين، تعضده قراءة من قرأ: (يعلمون) وهو ابن مسعود، ﵁ (٤).
و﴿مُلَاقُو﴾: يراد به الاستقبال، وإنما حذفت منه النون تخفيفًا (٥)، وأصله: مُلاقِيُو، وقد ذكرتُ نظيرَه في غير موضع.
стр. 249
﴿وَأَنَّهُمْ﴾: عطف على الأول، وقد أجيز فيه الكسر على تقدير: وهم إليه راجعون (١).
و﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿رَاجِعُونَ﴾، والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ لله سبحانه، وقيل: للقاء، لقوله: ﴿مُلَاقُو﴾ (٢).
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ في موضع نصب لكونه عطفًا على ﴿نِعْمَتِيَ﴾، كأنه قيل: أذكروا نعمتي عليكم وتفضيلي إياكم. والتفضيل: الترجيح.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ (يومًا): منصوب باتقوا نَصْبَ المفعول به، ولا يجوز أن يكون ظرفًا، لأنه يريد يوم القيامة، والأمر بالتقوى لا يكون في ذلك اليوم، لارتفاع التكليف فيه. وفي الكلام حذف مضاف، أي: اتقوا عذاب يوم، أو هول يوم من صفته كَيتَ وكيتَ. وقد جُوّز نصبُه على الظرف على تأويل: ائتوا متقين يومًا، والوجه ما ذكرت وعليه الجل، لاستغنائه عن هذا التعسف والتصرف البارد (٣).
وقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تقضي عنها شيئًا من
стр. 250
الحقوق. و ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، و ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ في موضع نصب على الحال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿شَيْئًا﴾.
ولك أن تجعل ﴿شَيْئًا﴾ في موضع مصدر، وهو الجزاء، كقوله: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ (١) - وإنما وُضع الشيءُ موضع الجزاء والضَّرِّ لما فيه من التعميم - وَتُعَلِّقَ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ بـ ﴿تَجْزِي﴾ تعلق الجارِّ بالفعل.
وقد قريء: (لا تُجْزِئُ). بضم التاء والهمز (٢)، من أجزأ عنه، إذا أغنى عنه.
وهذه الجملة في موضع نصب لكونها صفةً ليوم، والعائد منها إلى الموصوف محذوف، وفيه تقديران:
أحدهما: لا تَجزي فيه، حملًا على المعنى، لأن اليوم في أصله ظرفٌ وإن اتُّسِعَ فيه، ولأنه لا يُجْزَى وإنما يُجَزَى فيه.
والثاني: لا تجزيه، حملًا على اللفظ، لكونه مفعولًا على السعة هنا، وليس بظرف لما ذكرت.
وحقيقة الظرف إذا اتُّسع فيه ألا يُقَدَّر فيه حرفُ الجرّ الذي هو (في)، والأول مذهب صاحب الكتاب وموافقيه، والثاني مذهب الكسائي (٣) ومتابعيه (٤).
стр. 251
وكذلك الجمل الثلاث التي بعد هذه الجملة، وهي: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ منصوبات المحل لما ذكرتُ آنفًا في الجملة الأولى، والكلام فيهن كالكلام فيها.
ولولا تنوين (يوم) لكان مضافًا إلى هذه الجمل، وكان مستغنيًا عن العائد منها، كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (١) و ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢).
و﴿مِنْهَا﴾ في قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ متعلق بـ ﴿يُقْبَلُ﴾ تعلق الجار بالفعل، ولك أن تجعله في محل النصب على الحال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿شَفَاعَةٌ﴾. وكذلك الكلام في ﴿شَفَاعَةٌ﴾. وكذلك الكلام في ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
وقرئ: (ولا تُقبل) بالتاء النقط من فوقه، لتأنيث لفظ الشفاعة، وبالياء النقط من تحته حملًا على المعنى، أو للفصل (٣).
وقرئ: في غير المشهور: (ولا يَقبل منها شفاعةً) على بناء الفعل للفاعل، وهو الله ونصب الشفاعة (٤).
وقد جُوِّزَ أن يكون الضمير في ﴿مِنْهَا﴾ في قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ للنفس الثانية، على معنى: إن جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها (٥). وأن يكون لِلأُولى، على معنى: أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تَجزي عنها شيئًا (٦).
стр. 252
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ جُمع حملًا على المعنى، وذُكّر تغليبًا للمذكر على المؤنث.
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ (إذ) في موضع نصب عطف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ (١)، أي: اذكروا نعمتي واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون.
ووزن (آل) فَعْلٌ، وأصله: أهلٌ، ولذلك قيل في تصغيره: أُهَيْلٌ، فقلبت هاؤه همزة لقربها منها في المخرج، فبقي أَأْل، ثم قلبت همزته ألفًا على مذاق العربية كراهة اجتماع المثلين، كما فعل بآدم ونحوه لذلك (٢).
وقيل: أصله (أَوَلٌ)، ولذلك يُصَغَّر بأُوَيْل، من آل يؤول، إذا رجع، لأن الإنسان يؤول إلى أهله، فأبدلت واوه ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فبقي (آل) (٣).
وأهل أعم من آل لكونه مخصوصًا بذوي القدر والشأن، كالملوك وأمثالهم، فلا يقال: آل الإسكاف والحائك والبلد، لما ذكرت (٤).
стр. 253
وفرعون غير منصرف لوجود العلمية والعجمة فيه. قيل: وهو في العمالقة بمثابة قيصر في الروم، وكسرى في الفرس، وكُلُّ عاتٍ فِرْعَوْن، ولِعُتُوِّ الفراعنة اشتَقُّوا تَفَرْعَنَ فلانٌ، إذا عتا وتجبر، وهو ذو فَرْعَنَةٍ، أي: دهاءٍ ونُكْرٍ (١).
وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من (آل)، أي: سائمين لكم (٢)، وهو من سِمْتُه خَسْفًا، إذا أوليتَه ظُلمًا، ولذلك تعدى إلى مفعولَين وهما: الكاف والميم والسوء، وأصله: من سام السلعة، إذا طلبها، كأنه بمعنى: يبغونكم السوء، كقوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ (٣).
والسوء: قيل: مصدر السَّيِّئ، يقال: أعوذ بالله من سوء الخُلُقِ وسوء العمل، أي: من قبحهما.
وقيل: السُّوء بالضم: الاسم، وأما المصدر فبالفتح.
وسوء العذاب: أشدُّه وأفظعه (٤).
﴿يُذَبِّحُونَ﴾: تفسير لقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، كقوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥)، ولك أن تجعله حالًا من الفاعل في ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ (٦).
﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾: حكمه حكم ﴿يُذَبِّحُونَ﴾، ومعناه: يستبقونهن، إما لأجل الاستخدام، وإما لأجل الوطء والتَّسَرِّي على ما فسر، فالأول من
стр. 254
الحياة التي هي ضد الموت، والثاني من الحياء الذي هو الرحم والفرج (١).
وقيل: يفتشون حياءهن عما يلدن ليقتلوه إن كان غلامًا، على ما رُوِيَ من أن السحرة أنذروا فرعون بأنه يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يَدِه هلاكه، وزوال ملكه، وتبديل دينه (٢) فاعرفه.
وقرئ: (يَذْبَحُونَ) بالتخفيف (٣) من الذبح، وكلتاهما بمعنىً، غير أن التشديد فيه معنى التكثير، والتخفيف يَحتمل ذلك أيضًا.
﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾: الكاف والميم للخطاب بمنزلة الكاف في أَرَأَيْتَكَ.
﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: الهمزة في ﴿بَلَاءٌ﴾ منقلبة عن ألف، وتلك الألف منقلبة عن واو هي لام الكلمة، بدلالة: بلوت.
والبلاء هنا يَحتمل أن يُراد به المِحْنة إن أُشِير بذلكم إلى فِعْلِ فرعونَ، وأن يراد به النعمة إن أشير به إلى الإنجاء (٤).
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: في محل الرفع لكونه وصفًا لقوله: ﴿بَلَاءٌ﴾ أي: بلاءٌ كائنٌ من ربكم، والله أعلم.
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾:
стр. 255
قوله : ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ (إذ) في موضع نصب، أي: اذكروا إذ فرقنا، ومثله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ (١).
﴿فَرَقْنَا﴾: فَصَلْنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه طرق ومسالك لكم، والفَرْقُ: الفَصْلُ.
﴿بِكُمُ﴾: في موضع نصب على الحال من البحر، أي: فرقنا البحر ملتبسًا بكم، على حد قوله: مَعَهُ صَقْرٌ صائدًا به غدًا.
وقيل: الباء بمعنى اللام، أي: فرقناه لكم، أي: لأجلكم.
وقيل: هو على بابه، والمعنى: فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم.
وقيل: المعنى فرقناه بكم، لأنهم كانوا يسلكونه، وينفرق الماء عند سلوكهم، فكأنما فُرِقَ بهم كما يُفْرَقُ بين الشيئين بما يُوسَّطُ بينهما (٢).
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: في موضع حال من الكاف والميم في ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾، ولك أن تجعله حالًا من ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾، والعائد إلى ذي الحال محذوف تقديره: وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون إليهم، كما تقول: ضربت زيدًا وأنت تنظر إليه، ولولا العائد لما صح أن تكون حالًا منهم، فاعرفه فإنه موضع [إشكال] (٣)، والتقدير: وأغرقنا فرعون وآله، وإنما لم يُذْكَرْ، لأنه قد عُلم دخوله فيهم (٤). وقيل: آل فرعون شخصه، والآل: الشخص (٥).
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾:
стр. 256
قوله : (وإذ وعدنا)، الوعد، يستعمل في الخير والشر إذا كانا مذكورين معه، فإذا أُسقطا، قيل في الخير: الوعد والعِدَة. وفي الشر: الإيعاد والوعيد، قال الشاعر:
٦٩ - وإنِّي وإنْ أوعَدْتُه أو وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ موعِدِي (١)
وهو فعل يتعدى إلى مفعولين، تقول: وعدت زيدًا كذا، فـ ﴿مُوسَى﴾ مفعول أول، و ﴿أَرْبَعِينَ﴾ ثانٍ، وفي الكلام حذف مضاف، أي: تمام أربعين:
ولا يجوز أن يكون ظرفًا، إذ ليس المعنى وعده فيها، وإنما وَعَدَهُ أن يُنْزِلَ عليه التوراة، وضرب له ميقاتًا ذا القعدة، وعشر ذي الحجة (٢).
وإنما قيل: أربعين ليلةَ، ولم يُقَلْ يومًا، لأن الشهور غُرَرُها بالليالي.
والجمهور على فتح باء ﴿أَرْبَعِينَ﴾، وقرئ: بكسرها وهي لغيه (٣).
وقرئ: (وعدنا) بغير ألف (٤)، لأن الوعد كان من الله جل ذكره وحده، وبالعكس، لأن الله سبحانه وعده الوحي، ووعده موسى المجيء إلى الطور، ولك أن تجعله من باب عافاه الله، وسافرت (٥).
стр. 257
واختَلَفَ أهلُ التأويل في اشتقاق ﴿مُوسَى﴾ ﵇، فقال بعضهم: هو (مُفْعَلٌ) (١) من أَوْسَيْتُ رأسه، إذا احتلقتَه بالموسى، وكان موسى ﵇ حِدّيدًا.
وقال آخرون: هو (فُعْلَى) (٢) من مَاس يَمِيس مَيسًا إذا تبختر في مِشيته، فموسى الحَدِيدِ من هذا المعنى، لكثرة اضطرابها وتحركها وقت الحلق، فالواو في ﴿مُوسَى﴾ على هذا بدل من الياء، لسكونها وانضمام ما قبلها.
وقيل: هو (فُعْلى) من مَأَسْتُ بين القوم مَأْسًا، إذا فرقتَ بينهم، ويعضده ما رُوِي عن الكسائي: مؤسى بالهمزة (٣).
وقال آخرون: إنما هو بالعبرانية موشى، فَعُرِّب كما عُرّبَ مسيح، وإنما هو بالعبرانية مَشِيخًا، فعلى هذا الوجه لا اشتقاق له، وهو الوجه، لكونه غيرَ منصرفٍ، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف (٤).
وقيل: هو اسم مركب من ماء وشجر، وأصله: موشى، فـ (مو): اسم الماء، و (شا) (٥): شجر بالقبطية فاعرفه (٦).
وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أصله: (اوْتَخَذَ) من وخذ كوعد، لغة
стр. 258
محكية، فأدغم الواو بعد قلبه تاء في تاء افتعل، كما أدغم اتعد وهو من الوعد، ولا يحسن أن يكون على لغة من قال: أَخذ، لأن افتعل إذا بني مما فاؤه همزة لا يدغم الفاء في التاء إلا على لغة رديئة حكاها البغداديون (١).
وقيل: أصله (إيتخذ)، فأدغم الياء بعد قلبه تاء في التاء، وذلك أن الهمزة قد انكسر ما قبلها فقلبت ياء صريحة، فصارت كالياء من ايتَسَرَ، فأدغم كما قال بعضهم: رُيَّا في رُؤْيا، فقُلبت الهمزة إلى الواو قلبًا لازمًا، فصار بمنزلة ما هو من الواو في أصل التركيب مثل: طَوْيًا في طَويتُ، فقُلب الواو وأدغم لاجتماع الواو والياء، فصار (رُيَّا) كما ترى، مثل طَويتُ طَيًّا، وذلك ضعيف لا يؤخذ به، والوجه أن يكون (وَخَذَ) لما ذكرت فاعرفه.
وهو فعل يتعدى إلى مفعولين، تقول: اتخذت زيدًا صديقًا، وفي التنزيل: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢). فـ ﴿الْعِجْلَ﴾: مفعول أول، والثاني محذوف تقديره: اتخذتم العجلَ من بعده - من بعد مُضِيِّه إلى الجبل - إلهًا أو معبودًا، وإنما حُذف للعلم به.
وقد يتعدى إلى مفعول واحد، تقول: اتخذت بيتًا، كما تقول: علمت بيتًا، وفي التنزيل: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ (٣)، وفيه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (٤).
فإن قلتَ: هل يجوز أن يكون هنا من المتعدي إلى مفعول واحد؟ قلت: لا، لأن ظُلْمَهم أنفسَهم وما لحقهم من سَخَط الله وغضبه - أجارنا الله منه - إنما هو بسبب اتخاذهم العجل معبودًا لا لِصوْغِهِ.
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ (٥).
стр. 259
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ حين تُبتم من عبادة العجل.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: الإشارة إلى ما ارتكبوه من الأمر العظيم، وهو اتخاذهم العجل إلهًا.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: اللام متعلقة بـ ﴿عَفَوْنَا﴾ وكذلك ﴿عَنْكُمْ﴾، و ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
ومفعول ﴿تَشْكُرُونَ﴾ محذوف، أي: عفونا عنكم إرادةَ أن تشكروا ربكم على عفوه عنكم من بعد ما صدر عنكم.
وقد جُوِّزَ أن يكون ﴿عَفَوْنَا﴾ هنا من عَفَتِ الريحُ الأَثَرَ، إذا أذهبته. وأن يكون من عفا النباتُ، إذا لم يُرْعَ حتى طال، على معنى: أَذْهَبْنَا آثارَ ذنوبِكم، أو أبقينا على بقيتكم فلم نستأصلكم، فاعرفه (١).
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾: (إذ) في موضع نصب عطف على ما قبله.
و﴿الْفُرْقَانَ﴾ في الأصل مصدر، كالغفران والكفران، يقال: فَرَقْتُ بين الشيئين أَفْرُقُ فَرْقًا وفُرقانًا، ثم سمي الكتاب به، وهو التوراة، يعني الجامع بين كونه كتابًا مُنْزَلًا وفرقانًا يَفْرُق بين الحق والباطل، كما تقول: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الكرم والشجاعة.
стр. 260
و ﴿آتَيْنَا﴾: إذا مُدَّ كان بمعنى أعطينا، يتعدى إلى مفعولين، وهما ﴿مُوسَى﴾ و ﴿الْكِتَابَ﴾، وإذا قُصِرَ كان بمعنى جئنا، يتعدى إلى مفعول واحد، تقول: أتيت زيدًا، أي جئته، وفي التنزيل: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ (١)، أي جئناك.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: متعلق بقوله: ﴿آتَيْنَا﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾:
قوله : ﴿يَاقَوْمِ﴾: فيه لغاتٌ، أجودُها: حذف الياء اجتزاءً بالكسرة عنها، وعليه الجمهور (٢). ومنهم من يُثْبِتها ساكنة فيقول: (يا قوميْ)، ومنهم من يفتحها فيقول: (يا قوميَ)، ومنهم من يقلبها ألفًا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قومَا)، ومنهم من يضم الميم، فيقول: (يا قومُ)، وهو أضعفها لأجل اللبس، بخلاف يا ربُّ، لأنه لا لَبْس فيه مع الضم، وذلك أنك إذا قلت: يا ربُّ بالضم، عُلم أنه رب لك، كما يُعلَمُ ذلك مع الكسر، بخلاف يا قومُ، لأنه يَحتمل أن يراد به نداء مفرد غير مضاف إليك أيها المتكلم (٣).
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ﴾ كسرت إن لوقوعها بعد القول.
﴿ذَلِكُمْ﴾: الإشارة إلى القتل دل عليه ﴿فَاقْتُلُوا﴾:
стр. 261
الزمخشري: فإن قيل: ما الفرق بين الفاء الأولى والثانية والثالثة؟ فالجواب:
أن الأولى: للتسبيب لا غير، لأن الظلم سبب التوبة.
والثانية: للتعقيب، لأن المعنى: فاعزموا على التوبة، فاقتلوا أنفسكم من قِبَلِ أن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم.
والثالثة: متعلقة بمحذوف، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى ﵇ لهم، فتتعلق بشرطٍ محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم، وإما أن يكون خطابًا من الله لهم على طريقة الالتفات، فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئُكم (١).
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾:
قوله : ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لن نُقِرَّ لك بما أخبرتنا به.
﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾: أصل (نرى) نَرْأَى، فحُذفت الهمزة بعد نقل حركتها إلى الراء تخفيفًا.
و﴿جَهْرَةً﴾: مصدر في موضع الحال إما من الضمير في ﴿نَرَى﴾، أي: حتى نرى الله معاينين، أو ذَوي جهرة، وإما من المُضمَر في ﴿قُلْتُمْ﴾، أي: قلتم ذلك مجاهرين، أو ذوي جهرة، ولك أن تجعلَه حالًا من اسم الله ، أي: حتى نراه ظاهرًا غير مستتر بشيء، كما تقول: رأيتُه جَهْرَةً، وكلمتُه جهرةً.
стр. 262
وقيل: انتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية، فنُصِبَتْ بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس (١)، أو: رؤيةً ذاتَ جهرةٍ، فحُذف الموصوف والمضاف (٢).
وقرئ: (جَهَرةً) بفتح الهاء (٣) على أنها مصدر، كالغَلَبَة، أو جَمْعُ جاهِرٍ، كحارس وحَرَسَة، وأصل الجهر: الكشف، فاعرفه.
﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: الصاعقة فاعلة، وجمعها صواعق، وهي ما صعقهم، أي أماتهم (٤).
قيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم (٥).
وقيل: صيحة أتت (٦) من السماء، يقال: صعقتهم السماء، إذا ألقت عليهم الصاعقة، عن أبي زيد (٧):
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من الكاف والميم في ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا
стр. 263
رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾:
قوله : ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ أي: جعلنا الغَمام تُظَلِّلُكُمْ، والغَمام: السَّحاب، والواحدة غَمَامة، عن الجوهري وغيره (١).
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: المن: التَرَنْجَبِينُ، وهو مثل الثلج (٢)، قال الأخفش: وهو جمع لا واحد له، كالخير والشر (٣).
﴿وَالسَّلْوَى﴾: قيل: طائر أبيض مثل السُّمَانَى (٤)، قال الأخفش: لم أسمع له بواحدٍ، ويكون للواحد والجمع، كما قالوا: دِفْلَى للواحد والجمع، والدفلى نبت مر (٥). وقال غيره (٦): واحدُهُ سَلْواةٌ، وأنشد:
٧٠ - .......................... ... كما انْتَفَضَ السَّلْوَاةُ مِن بَلَلِ الْقَطْرِ (٧)
стр. 264
وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ في محل النصب على إرادة القول، و ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ يحتمل أن يكون للتبعيض، فيكون متعلقًا بـ ﴿كُلُوا﴾ تعلق المفعول بالفعل. وأن يكون للتبيين. والمفعول محذوف، فيكون متعلقًا بمحذوف لكونه وصفًا لموصوف، أي: كلوا شيئًا كائنًا من طيبات ما رزقناكم.
﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: ﴿مَا﴾ موصولة وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف، أي: رزقناكموه، وهي مع ما اتصل بها في موضع جر بالإضافة، ولك أن تجعلها مصدرية، أي: من طيبات رزقنا، أي مرزوقِنا، تَسْمِيَةً للمفعول بالمصدر، كضَرْبِ الأميرِ.
و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: نصب بـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: اذكروا إذ قلنا. ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ قيل: هي بيت المقدس (١). وقيل: قرية من قرى الشام (٢). والجمع: القُرى، ويقال: قِرية أيضًا بكسر القاف، لغة يمانية، وجمعها أيضًا قُرًى، كذِرْوة وذُرًى، ولِحْيَة وَلُحًى (٣)، وهي صفة لـ ﴿هَذِهِ﴾. وهي من قريتُ
стр. 265
الماء، إذا جمعتَه، لأنها تجمع أهلها، ومنه المِقْرَاة: للحوض الذي يجتمع فيه الماء.
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أي: من طعامها وثمارها، فحذف المضاف.
﴿رَغَدًا﴾: إما وصف لمصدر محذوف، أي: أكلًا رَغَدًا، وإما حال، وقد ذكر فيما سلف (١).
وقوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قيل: الباب باب القرية. وقيل: هو باب القُبَّة التي كانوا يصلون إليها (٢). و ﴿سُجَّدًا﴾: جمع ساجد، كشُهَّد في جمع شاهد، وهو منصوب على الحال من الضمير في ﴿وَادْخُلُوا﴾، أي: ادخلوا ساجدين.
قيل: أُمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرًا لله وتواضعًا.
وقيل: السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين، ليكون دخولهم بخشوع وإخبات.
وقيل: جعل الباب قصيرًا ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوها ودخلوا مُتَزَحِّفِين على أوراكهم (٣).
﴿حِطَّةٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتُنا حطة. والأصل النصب، بمعنى: حُطَّ عنا ذنوبنا حطة.
فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت فلم رُفِعَتْ؟ قلت: قيل: لِيُعطيَ معنى الثبات، كقوله:
стр. 266
٧١ - ...................... ... صَبْرٌ جَميلٌ فكِلَانَا مُبْتَلَى (١)
والأصل صبرًا، على معنى: اصبر صبرًا (٢).
وقرئ: (حطةً) بالنصب على الأصل (٣).
وقيل: معناه: أَمْرُنا حِطَةٌ، أي: أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها (٤).
وهي فِعْلة من الحَطِّ كالجِلْسَة والرِّكْبَة، وهو وضع الشيء من علو إلى سُفْلٍ. وموضع الجملة نصب بالقول.
وقد جُوِّزَ النصب فيها على قول من نصبها بـ ﴿قُولُوا﴾، أي: قولوا هذه الكلمة، والأول أمتن، وهو أن تكون منصوبة بإضمار فعلها (٥).
﴿نَغْفِرْ﴾: جزم على جواب شرط محذوف، أي: إن تقولوا ذلك نغفر لكم خطاياكم.
стр. 267
وقرئ: (نَغْفِرْ) بالنون (١) على إخبار الله تعالى عن نفسه بلفظ الجمع. و (خطاياكم): نصب به.
وقرئ: (يُغْفَرْ لكم) على البناء للمفعول بالياء (٢) حملًا على المعنى، أو للفصل، وبالتاء (٣) كذلك لتأنيث اللفظ.
و﴿خَطَايَاكُمْ﴾: في موضع رفع على هاتين القراءتين بإسناد الفعل إليه.
وهو جمع خطيئة، والأصل: خطائِئ بوزن (خَطَاعِع)، على أن تكون الهمزة الأولى بمنزلة همزة صحائف في كونها منقلبة عن ياء فَعِيلة، والثانية لام الكلمة من خطيئةٍ والخطأ، ثم أُبْدِلَ من الثانية ياء لانكسار ما قبلها كراهة اجتماع الهمزتين، فصار خطائي بوزن (خَطَاعي)، ثم أُبْدِل من الكسرة فتحة ومن الياء ألف، لئلا تُشْبه الإضافة، فصار خَطَاءا بوزن (خَطَاعا)، فحصلت همزة بين ألفين، والألف قريب منها، فَصِرْتَ كأنك جمعتَ بين ثلاث ألفات، فلما كان كذلك أَبْدَلْتَ من الهمزة ياء، فصار خطايا كما ترى، مثل: مطايا، والأصل: مَطَائِيْ بوزن (مَطَاعِيْ) إلا أن الياء في مَطائِيْ غير منقلبة عن الهمزة، وإنما هي منقلبة عن الواو في مَطَوْتُ، ثم أُبْدِلَ من الكسرة الفتحة فصار إلى مطَاءا بوزن (مَطَاعا)، ثم قلبت الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين، كما فعل في خَطَاءا، حيث قالوا: خطايا، هذا مذهب صاحب الكتاب.
ومذهب الخليل كمذهب صاحب الكتاب في جميع ما ذكرت إلا في شيئين:
أحدهما: أنه لم يقلب ياء فعيلة همزة.
стр. 268
والثاني: أنه قلب الكلمة، فقدم الهمزة التي هي لامٌ مكان ياء فعيلة، وجعل هذه مكانها، لئلا يتوالى إعلالان كما فعل في جَاْءٍ ونحوه، حيث قلب فقدم الهمزة التي هي لامٌ على العين التي هي ياءٌ أصلية في يَجِيءُ، وجعل العين مكانها وتركها على حالها، أعني العَيْنَ، فوزن جائية على هذا: (فالعة) واللام التي هي همزة مُقَدَّمة، والياء التي هي عين مؤخرة.
والذي حمله على القلب كراهية اجتماع الهمزتين، وذلك أن الهمزة التي هي لامٌ إذا تقدمت تأخرت الياء التي هي عين، والياء إذا تأخرت لم يَجب قلبُها همزة من حيث إنها تجري في اللفظ مجرى اللام، حتى كأن التركيب من جائِي مثل نائِي، وإذا لم يجب قلب الياء همزة لم تلتق همزتان، فوزن خطايا على مذهب الخليل فعالَى. مُحَوَّلَة من فعالِئَ مقلوبة من فعائل، وعلى مذهب صاحب الكتاب فعايل محولة من فعائل، ففيها على المذهبين خمس تغييرات:
أمَّا على مذهب صاحب الكتاب فَقَلْبُ ياء فعيلة همزة، وابدالُ الهمزة الأخيرة ياء، ثم إبدال الكسرة فتحة، ثم إبدال الياء الأخيرة ألفًا، ثم إبدال الهمزة التي هي مبدلة من ياء فعيلة ياء.
وأما على مذهب الخليل: فتقديمُ اللام وتأخير ياء فعيلة، وإبدال الكسرة فتحة، ثم إبدال الياء الأخيرة، وهي ياء فعيلة ألفًا، ثم إبدال الهمزة التي هي لام ياءً، فاعرفه، فإن فيه أدنى غموض (١).
وعن الفراء: خطايا: جمع خَطِيَّة بلا همزة، كهدية وهدايا، وحوية وحوايا، كأنه جمع بعد القلب والإدغام (٢).
стр. 269
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي من كان محسنًا منكم كانت تلك الكلمة سبب في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئًا كانت له توبةً ومغفرةً.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾:
قوله : ﴿قَوْلًا﴾ منصوب بقوله: ﴿فَبَدَّلَ﴾، و ﴿غَيْرَ﴾: صفة للقول، وجاز ذلك لكونه لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف، لأن كُلَّ شيءٍ غايَرَكَ فهو غيرُك، ألا ترى أنك إذ اقلت: مررتُ بغيرك، فكل من عدا المخاطب غيره، وفيه وجهان:
أحدهما: في الكلام حذف تقديره: فبدلوا بالذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، لأن (بدّل) فعل يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بغير حرف جر، وإلى الثاني به.
والثاني: محمول على المعنى، أي: فقالوا قولًا غير الذي قيل لهم. والذي جوز ذلك كون تبديل القول كان بقول، فلا حذف على هذا، فاعرفه.
والمعنى أنهم وضعوا مكان (حِطَّة) قولًا غيرها، قال أهل التأويل: يعني أنهم أُمروا بقولٍ معناهُ التوبةُ والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أُمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله سبحانه، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه، وهو لفظ (الحطة). فجاؤوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاؤوا بلفظ آخرَ مستقل بمعنى ما أمروا به لم يؤاخذوا به، كما قالوا: مكان (حطة): نستغفرك ونتوب إليك، أو: اللهم اعف عنا، وما أشبه ذلك (١).
стр. 270
وقيل: قالوا مكان حطة: (حِنْطَة)، تجاهلًا واستهزاء منهم بما قيل لهم (١).
وفي ﴿قِيلَ﴾ ذكر يعود إلى الموصول الثاني. و (هم) في ﴿لَهُمْ﴾ يعود إلى الموصول الأول، وهو نهايته.
وقوله: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ الرِّجز العذاب، وكذلك الرُّجز بضم الراء، لغتان بمعنىً واحد، وقد قرئ بهما (٢).
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بمحذوف لكونه وصفًا لقوله: ﴿رِجْزًا﴾، ولك أن تعلقه بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ تعليق الجارّ بالفعل.
﴿بِمَا كَانُوا﴾: (ما) مصدرية، أي: بسبب فسقهم.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾:
قوله : ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى﴾ (إذ) في موضع نصب عطف على ما قبله من الظروف، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين هي والسين. والاستسقاء: طلب السقي، ومفعوله محذوف، وهو الماء، حذف للعلم به، وألفه منقلبة عن الياء، لأنه من السَقْيِ.
﴿فَانْفَجَرَتْ﴾: عطف على محذوف، أي: فضرب فانفجرت، والانفجار: الانشقاق.
فإن قلت: كيف قيل هنا: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾، وفي الأعراف:
стр. 271
﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ (١)، والانفجار: خروج الماء بكثرة، والانبجاس: خروجه قليلًا قليلًا؟ قلت: قيل: كان ابتداؤه الانبجاس ثم الانفجار (٢).
وقد جُوّز أن تكون اللام في ﴿الْحَجَرَ﴾ للعهد، والإشارة إلى حجر معلوم، وأن تكون للجنس، أي: اضرب الشيء الذي يقال له: الحجر. والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للحجر (٣).
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ﴾: إنما جمع بين علامتي تأنيث فيه، لأن انضمام عشرة إلى الصدر بمنزلة المضاف إليه إلى المضاف من حيث إنه قام مقام النون في (اثنان)، فاثنتا عشرة بمنزلة قولك: حليلة طلحة، في أن كل واحد من المضاف والمضاف إليه تكون فيه تاء التأنيث.
وقرئ: (عشرة) بإسكان الشين، وكسرها، وفتحها (٤)؛ أما الإسكان: فلغة أهل الحجاز، وأما الكسر: فلغة بني تميم، وأما الفتح: فذُكر أنه لغية، وهو رديء في المؤنث.
و﴿عَيْنًا﴾ نصب على التمييز. والعين: اسم مشترك، وهي هنا منبع الماء.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: (أناسٍ) اسم جمع لا واحد له من
стр. 272
لفظه، ومعناه هنا كُلُّ سِبْطٍ (١)، أي: قد علم كل سبط عينهم التي يشربون. والمشرب: موضع الشرب.
﴿كُلُوا﴾: على إرادة القول (٢).
﴿مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾: الرزق هنا المرزوق، أي: مما رزقكم من الطعام، وهو المن والسلوى، ومن ماء العيون.
﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾: العُثُوُّ والعَيْثُ والعِثِيُّ: أشد الفساد، يقال: عَثَا في الأرض يعثُو، وعاثَ يَعيث، وعَثِي بالكسر يَعْثَى، إذا أفسد.
﴿مُفْسِدِينَ﴾: نصب على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾، وحسن الجمع بينهما لاختلاف اللفظين، كقولهم: سُحقًا وبُعدًا، وقوله - أعني الشاعر -:
٧٢ - ....................... ... وهِنْدٌ أَتَى مِن دونِها النَّأْيُ والبُعْدُ (٣)
كأنه قيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، لأنهم كانوا متمادين فيه على ما فسر (٤).
وقيل: قاصدين للإفساد، لا على خطأ أو نسيان.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
стр. 273
وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾: (إذ) في موضع نصب، أي: اذكروا إذ.
﴿لَنْ نَصْبِرَ﴾: الصبر حبس النفْس، ونقيضه الجزع.
﴿عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾: أرادوا ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى، قيل: والمراد بالواحد: نفيُ التبدُّلِ والاختلاف (١).
﴿يُخْرِجْ﴾: جزم على جواب شرط محذوف، أي: إن تَدْعُهُ يُخْرِجْ. ومعنى يخرج: يظهر، ومفعوله محذوف، أي شيئًا مما تنبت الأرض.
وقيل: المفعول هو (ما)، و (من) مزيدة، والأول أمتن، لأن (مِن) لا تزاد في الواجب عند صاحب الكتاب (٢).
و(ما): موصولة وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف، أي: تُنبته.
﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ بدل من (ما) بإعادة الجار. و (من) الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، وعن ابن كيسان: الأولى للتبعيض، والثانية للتخصيص (٣).
﴿وَقِثَّائِهَا﴾: القِثَّاء ضرب من الخيار، الواحدة: قِثَّاءَةٌ، أبو زيد: أَقْثَأَتِ الأرضُ، إذا كانت كثيرة القِثَّاءِ (٤).
стр. 274
وقرئ: (وقُثّائها) بضم القاف، وهما لغتان (١).
﴿وَفُومِهَا﴾: الفوم: الحنطة، ومنه: فَوِّمُوا لنا. أي: اخبزوا (٢).
وقيل: الثوم، أبدلت الثاء فاء، كما قالوا: جدَفٌ وجدثٌ، تعضده قراءة من قرأ: (وثومها)، وهو ابن مسعود ﵁ (٣).
وقيل: الفوم: الحِمِّصُ، لغة شاميّة (٤).
وقوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ الاستبدال: طلب وضع الشيء موضع الآخر، و ﴿أَدْنَى﴾ أفعل، وألفه منقلبة عن واو إن جعلته من الدنو وهو القرب، على معنى: ما تَقْرُبُ قيمتُهُ ويسهلُ تحصيلُهُ، أو ما يقرب منكم لكونه في الدنيا. ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾: عند الله.
والدنو والقرب يُعَبَّرُ بهما عن قلة المقدار وقرب المنزلة، فيقال: هو داني المحل، وقريب المنزلة. وقيل: هو من الدون، وقد دَنَأَ الرجل يدنأ، ودَنُؤَ أيضًا يدنُؤُ دُنُوءَةً ودَناءَةً، إذا سَفُلَ في فعله، فهو دنيء خسيس. أي: الأحَطُّ، وهو مقلوب، وأصله (أَدْوَنُ) ووزنه (أَفْلَعُ).
وقيل: هو من الدناءة، والألف بدل من الهمزة على غير قياس (٥) كـ:
٧٣ - سَاْلَتْ هذيلٌ ..... ... .................... (٦)
стр. 275
وبالهمز قرأ بعض القراء (١)، والوجه هو الأول وعليه الجمهور، وكفاك دليلًا إِضْجَاعُ القُرّاء إياها (٢)، وهم لا يُميلون الألف المنقلبة عن الهمزة نحو: ﴿إلى الهُدَاتِنا﴾ حال التسهيل، فاعرفه (٣).
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: أي: انحدروا إليه من التيه، يقال: هبط الوادي، إذا نزل به.
وقرئ: (اهبُطوا) بضم الباء، وهما لغتان، وقد ذكر فيما سلف (٤).
﴿مِصْرًا﴾: الجمهور على صرفه لأحد ثلاثة أوجه:
إما لكونه ساكن الأوسط، فصارت خفة وسطه معادلة لثقل أحد السببين، وهما التعريف والتأنيث إن أريد به العَلَم، كقوله: ﴿وَنُوحًا﴾ (٥) ﴿وَلُوطًا﴾ (٦) وفيهما السببان: العجمة والتعريف.
وإما لزوال أحد السببين وهو التأنيث إن أريد به البلد.
أو لعدمها إن أريد به مصرٌ من الأمصار. ويعضدهم (٧) الرسم، لكونه فيه بالألف.
стр. 276
وتَرْكُ صرفه جائز، وبه قرأ بعض القراء (١)، كقوله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢).
﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾: (ما) موصولة، وهي مع صلتها في موضع نصب لكونها اسم إن، و ﴿لَكُمْ﴾ الخبر.
والجمهور على فتح السين، وقرئ: (سِألتم) بالكسر (٣) على لغة من يقول: سِلت، بغير همز، كخفت، وهو من الواو، بدليل قولهم: هنا يتساولان، فكأنه كَسَرَ السين على لغة من قال: سِلْتُ، ثم تنبه للهمز بعد أن كسر.
أبو الفتح: يجوز أن يكون أبدل الهمزة من (سألتم) ياء كما أبدلت ألفًا في نحو:
٧٤ - سَاْلَتْ هُذَيلٌ رسولَ الله فاحشةً ... .......................... (٤)
فانكسرت السين قبل الياء، ثم تنبه للهمز (٥).
الزمخشري: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، أي: جُعلت الذلةُ محيطةً بهم مشتملة عليهم، [كاشتمال القبة على مَنْ فيها، مَن ضُربتْ عليه]، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه (٦).
стр. 277
والذِّلَّةُ: الذُّلُّ، والذُّلُّ ضد العز، يقال: رجل ذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُّلِّ والذِّلَّةِ والمَذَلَّةِ من قومٍ أَذِلَّاءَ وأَذِلَّةٍ (١). فاليهودُ صاغرون أذلاء أهلُ مسكنةٍ وفقر.
وقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: رجعوا به، أي: صار عليهم ولزمهم (٢).
قيل: هو من قولك: باء فلان بفلان، إذا كان حقيقًا بأن يُقتل به لمساواته له، ومكافأته، أي: صاروا أحقاء بغضبه (٣).
والألفُ في (باءَ) منقلبة عن واو بمنزلة ألف ساء، بدليل: يبوء ويسوء.
و﴿بِغَضَبٍ﴾: في موضع نصب على الحال، أي: رجعوا ملتبسين بالغضب متأزرين به، كقوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ (٤).
﴿مِنَ اللَّهِ﴾: في موضع جر لكونه وصفًا لغضب.
﴿ذَلِكَ﴾: في موضع رفع بالابتداء، والإشارة إلى ما ذكر مِن ضَرْبِ الذلةِ والمسكنة والرجوع بالغضب. و ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ وما بعده الخبر، أي: ذلك ثابت لهم بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء.
و﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: في موضع نصب على الحال، أي: يقتلونهم ملتبسين بالباطل.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ خبره. و (ما) مصدرية و ﴿ذَلِكَ﴾ تكرار للإشارة الأولى، وقيل: الإشارة إلى الكفر والقتل، أي: ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم (٥).
стр. 278
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إن واسمها، أي: آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب، وهم المنافقون. ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: عطف عليهم، وهم اليهود، يقال: هَاد يَهُودُ وتهود، إذا دخل في اليهودية، فهو هِائدٌ، والجمع هُوْدٌ، كحائلٍ وحُول (١):
وقيل: سُمّوا بذلك لأنهم هادوا من عبادة العجل، أي: تابوا، كقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا (٢)، وأنشد أبو عبيدة:
٧٥ - * إنِّي امرؤٌ من مَدْحه هائدٌ (٣) *
أي تائب.
وقيل: لأنهم هادوا عن الإسلام، وعن دين موسى بتبديله وتغييره، أي: مالوا، من هاد يَهود هَوْدًا، إذا مال (٤).
وقيل: لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة عن أبي عمرو
стр. 279
ابن العلاء، ويقولون: إن السماوات والأرض تحركت حين آتى اللهُ موسى الكتاب (١).
والجمهور على ضم الدال.
وقرئ: (هادَوا) (٢) بفتحها من المهاداة، أي مال بعضهم إلى بعض في دينهم.
﴿وَالنَّصَارَى﴾: عطف أيضًا، وهم جمعُ نَصْران، يقال: رجل نصران، وامرأة نصرانة، كندمان ونَدمانة ونَدامى، ولكن لم يستعمل نصران إلا بالياء في الأمر العام، نحو: رجل نصراني، وامرأة نصرانية، والياء في نصراني للمبالغة، كالتي في أَحْمَرِي (٣).
قيل: سموا بذلك، لأنهم نصروا المسيح (٤).
وقيل: لأنهم نزلوا قرية يقال لها: ناصرة، فنسبوا إليها (٥).
و﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: عطف أيضًا على اسم إن. قيل: هم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية، وعبدوا الملائكة (٦).
стр. 280
﴿مَنْ آمَنَ﴾: (مَنْ) يحتمل أن تكون موصولة في موضع نصب على البدل من اسم إن والمعطوف عليه. وخبر إنَّ ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾. وأن تكون شرطية في موضع رفع بالابتداء.
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: الفاء جواب الشرط و ﴿أَجْرُهُمْ﴾ مرتفع بالابتداء و ﴿لَهُمْ﴾ الخبر، أو بِلهم على رأي أبي الحسن، فلا ذكر على هذا في ﴿لَهُمْ﴾، والجملة في موضع رفع [بحق] خبر المبتدأ، والمبتدأ وخبره في موضع الرفع لكونهما خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾، والعائد إلى اسم إنَّ والمعطوف عليه محذوف، أي: مَن آمن منهم، وأفرد ﴿آمَنَ﴾ ﴿وَعَمِلَ﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، وجمع ﴿فَلَهُمْ﴾ وما بعده على معناه.
و﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في موضع نصب على الحال إما من الذِّكْرِ الذي في ﴿لَهُمْ﴾ على رأي صاحب الكتاب، وإما من الأجر على رأي أبي الحسن، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض، وقد نبهت عليه فيما سلف في غير موضع.
وقرئ: (النبيئين) بالهمز على الأصل، لأنه من النبأ وهو الخبر، وبتركه على البدل (١)، وقيل: من لم يهمز جعله من نبا ينبو، إذا ارتفع، وكذلك (الصابئين) يقرأ بالهمز على الأصل، لأنه من صبأ يصبأ، إذا خرج من الدين، وبتركه (٢): إما على البدل، أو من صبا يصبو، إذا مال.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أي: واذكروا يا معشر اليهود عهودكم بالعمل على ما في التوراة.
стр. 281
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: وهو الجبل، حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. وقد جوز أن تكون الواو في ﴿وَرَفَعْنَا﴾ للحال، ولا بد من إضمار (قد) على هذا. و ﴿فَوْقَكُمُ﴾: ظرف لـ ﴿وَرَفَعْنَا﴾.
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾: على إرادة القول، و ﴿مَا﴾ موصولة، وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف. وهي مع صلتها في موضع نصب بـ ﴿خُذُوا﴾، و ﴿خُذُوا﴾ وما اتصل به في موضع نصب بالقول المراد.
﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجد وعزيمة، وهي في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿خُذُوا﴾، أي: خذوا مجتهدين في العمل به عازمين عليه.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾: واحفظوا ما فيه وادرسوه، والزموا العمل بما فيه إرادةَ أن تتقوا.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الميثاق والوفاء به.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾: ﴿فَلَوْلَا﴾ أصلها: لو ضُمَّ إليها لا، والحروف إذا ركبط بعضها مع بعض تغيرت أحكامها ومعانيها. بيان ذلك: أن ﴿لَوْ﴾ قبل التركيب معناه امتناع الشيء لامتناع غيره، وقد صار بعد انضمام (لا) إليه معدولًا عن هذا المعنى، وصار له معنيان:
أحدهما: امتناع الشيء لوجود غيره.
والثاني: أن يكون للتحضيض.
وسبب ذلك أن الامتناع نفي في المعنى و (لا) للنفي، والنفي إذا دخل على النفي صار إثباتًا وإيجابًا، هذا تَغَيُّرُ المعنى.
وأما تَغُيُّرُ الحكم فيه: فهو أن (لو) يختص بالفعل، وقد صار بعد انضمام (لا) إليه مختصًا بالاسم إذا كان معناه امتناع الشيء لوجود غيره.
стр. 282
وأما إذا كان بمعنى التحضيض، فوجه تغيُّر الحكم فيه: أن (لو) كان يقتضي الجواب، و (لولا) الذي للتحضيض لا يقتضي الجواب فاعرفه.
و﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: ولولا فضله يدرككم بتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين، ولزم حذف هذا الخبر عند صاحب الكتاب لطول الكلام بالجواب وللعلم به (١).
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾:
قوله : ﴿عَلِمْتُمُ﴾ هنا بمعنى عرفتم، فيتعدى إلى مفعول واحد. والفرق بينهما أن [العِلْمَ] (٢) يتعلق بمعنى الجملة، وأما المعرفة فتتعلق بمعنى المفرد، بيان ذلك: أنك إذا قلت: زيد منطلق، فهذا خبر. فإن قلتَ: علمت زيدًا منطلقًا، تعلق علمك بالخبر واشتمل عليه. وإذا قلتَ: عرفت زيدًا منطلقًا، تعلقتْ معرفتكٍ بمعنى المفرد دون الخبر، وكان منطلقًا حالًا لا خبرًا.
﴿مِنْكُمْ﴾: من: للتبعيض، لأن ناسًا منهم اعتدوا فيه، أي: تجاوزوا ما حُدَّ لهم في يوم السبت، وحرفا الجر متعلقان بـ ﴿اعْتَدَوْا﴾، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿فِي السَّبْتِ﴾.
والسبت: مصدر سَبَتَتْ اليهود: إذا عَظَّمَتْ يومَ السبت، وأصله القطع، لأنهم يقطعون الأعمال فيه.
﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: خبران لـ ﴿كُونُوا﴾ أي: كونوا جامعين بين الصَّغار والطرد. يقال: خَسَأْتُ الكلبَ خَسْئًا، إذا طردته، وخَسَأَ الكلبُ بنفسه
стр. 283
خُسُوءًا، يتعدى ولا يتعدى، كزاد وغاض (١).
ولك أن تجعل ﴿خَاسِئِينَ﴾ وصفًا للقردة، أو حالًا من اسم كان، والعامل فيها كان، والأول أمتن وعليه المعنى.
والقِرْدُ معروف، ويجمع على قِرَدَة، وقُرود، والأنثى قِرْدَةٌ، وجمعها قِرَدٌ، كقِرْبَة وقِرَب.
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾:
قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾: الضمير مفعول أول، و ﴿نَكَالًا﴾ ثان، لأن جعل هنا بمعنى صيَّر، والضمير للفِعْلة، أو لِلمَسْخَة، أو للعقوبة، أو للقرية التي اعتَدَى أهلُها، أو للأمة التي اعتدت في السبت، أو للقِرَدَةِ. وقيل: للحيتان. وكذلك القول في الضمير في ﴿يَدَيْهَا﴾ و ﴿خَلْفَهَا﴾ (٢).
والنَّكَالُ: اسم لما جعلتَه نَكَالًا لغيره، إذا رآه خاف أن يفعل فعله، فيناله مثل الذي ناله، يقال: نَكَّلَ به تنكيلًا، إذا جعله نكالًا وعبرة لغيره، من نَكَلَ عن العدو وغيره، ينكُل بالضم نكولًا، إذا جَبُنَ عنه، والناكلُ: الجبان الضعيف.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قيل: لما قبلها. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: وما بعدها من الأمم والقرون، لأَنَّ مَسْخَتَهُم ذُكِرَتْ في كتب الأولين فاعتَبَروا بها، واعتبرَ بها مَن بَلَغَتْهُم من الآخرين. وقيل: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ بحضرتها من القرى والأمم (٣).
стр. 284
و ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: للذين نَهَوْهُم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل مُتَّقٍ سَمِعَها.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾:
قوله : ﴿أَنْ تَذْبَحُوا﴾ أي: بأن تذبحوا، ثم حُذف الجار فوصل الفعل إليه فَنَصَبَ، فهو في موضع نَصْبٍ لعدم الجار، أو في موضع جرٍ على إرادته.
﴿هُزُوًا﴾: مصدر هزئتُ به ومنه، ويجوز فيه أربعة أوجه:
ضم الزاي مع الهمز (١).
وسكونها مع الهمز (٢).
وقلب الهمزة واوًا مع ضم الزاي (٣).
وقلبها مع سكون الزاي (٤).
وقد قرئ بهن (٥). وهو مفعول ثان، لقوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا﴾، و (نا) مفعول أول، أي: أتجعلنا أهلَ هُزْءٍ، أو مهزوءًا بنا، كضرْبِ الأمير، وخَلْقِ الله، أو الهُزْءَ بنفسه لفرط الاستهزاء من الجاهلين، لأن الهُزْءَ في مثل هذا من باب الجهل والسَّفَهِ.
والجمهور على التاء في قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا﴾ النقط من فوقه على الخطاب لموسى ﵇، والمنويُّ فيه له، وهو الوجه.
стр. 285
وقرئ: بالياء النقط من تحتها (١)، فالمُسْتَكِنُّ فيه على هذا لله جل ذكره.
قال أهل التأويل: ولا يُسُتَبْعَدُ هذا من جهلهم، لأنهم هم الذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٢).
﴿أَنْ أَكُونَ﴾: في موضع نصب أو جر، أي: من أن أكون، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٣).
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾:
قوله : ﴿ادْعُ لَنَا﴾ بعض العرب يكسر العين من ﴿ادْعُ﴾ لسكونها وسكون الدال قبلها على التوهم، كأنها لام الفعل (٤)، أي: سل (٥)، تعضده قراءة من قرأ: (سل لنا ربك) وهو عبد الله، وكذا هو في مصحفه (٦). ﴿يُبَيِّنْ﴾: مجزومٌ على جواب شرط محذوف.
﴿مَا هِيَ﴾: ﴿مَا﴾: استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿هِيَ﴾ خبره، سؤالٌ عن حالها وصفتها، أيْ: أيُّ شيءٍ هي؟ لأنهم تعجبوا من بقرة ميتة يُضْرَبُ ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن، الخارجة عما عليه البقر.