قوله : ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ عطف على ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ على معنى: أنهم بشروا بالأمرين بثوابهم وبعقاب أعدائهم.
وقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، والتقدير والمعنى: ويدعو الإنسان في حال ضجره وغضبه بالشر على نفسه وأهله وماله دعاءً مثل دعائه لهم بالخير، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وحذف المضاف الذي هو مثل وأقيم المضاف إليه مقامه.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾:
قوله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ الجعل هنا يحتمل أن يكون بمعنى الخلق، فيكون انتصاب ﴿آيَتَيْنِ﴾ على الحال. وأن يكون بمعنى التصيير فتكونا مفعولي ثانٍ، وفيه وجهان:
أحدهما: في الكلام حذف مضاف، إما من أوله أو من آخره، والتقدير: [جعلنا نَيِّرَي الليل والنهار آيتين أو] (١) وجعلناهما ذوي آيتين، ودل على ذلك قوله: ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ و ﴿آيَةَ النَّهَارِ﴾.
والثاني: لا حذف فيه، بل هما في أنفسهما آيتان، وهو إِقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم، وإدباره إلى حيث لا يعلم وغير ذلك.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: مضيئة (٢). وقيل: ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء (٣)، يقال: أبصر النهار، إذا كان أصحابه
стр. 2207
بصراء، كقولك: أجبن الرجل، إذا كان أصحابُه جبناءَ (١). وقيل: مبصرة، أي: جاعلة الناس بصراء، من قولهم: بصر فلان وَبَصَّرَهُ الله، وأبصره، أي: جعله بصيرًا (٢).
وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ من صلة (جعلنا)، والابتغاء: الطلب، وفضل الله: رزقه.
قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ (كلَّ شيء) منصوب بفعل مضمر دل عليه ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾، أي: وفصلنا كل شيء فصلناه، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ونظيره: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ﴾ (٣) أي: وألزمنا كل إنسان طائره، أي: عمله (٤). وقيل: ما قدر له (٥). وقيل: حَظَّهُ وَجَدَّهُ (٦).
قال أبو علي: وإنما قيل: لعمله: (طائره)، و (طيره) في بعض القراءة (٧) على حسب تعارف العرب ذلك في نحو قولهم: جرى طائره بكذا، من الخير والشر على طريق الفَأْلِ والطِّيَرَةِ، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أنَّ ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو يلزم أعناقهم (٨).
وقوله: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ تأكيد للإِلزام على أن عمله لازم له لزوم القلادة العنق أو الغل، يقال: هذا الشيء في عنقي، أي: لازم.
стр. 2208
وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ﴾ قرئ: بالنون وبالياء مضمومة مبنيًا للفاعل (١)، وهو الله جل ذكره، و ﴿كِتَابًا﴾ مفعول به.
(ويُخْرَجُ) بضم الياء وفتح الراء مبنيًا للمفعول (٢). (وَيَخْرُج) بفتح الياء وضم الراء مبنيًا للفاعل (٣)، وهو الطائر، و ﴿كِتَابًا﴾ على هاتين القراءتين منصوب على الحال، أي: مكتوبًا.
وقوله: ﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ كلاهما صفة للكتاب، ولك أن تجعل ﴿يَلْقَاهُ﴾ صفة، و ﴿مَنْشُورًا﴾ حالًا من الهاء في ﴿يَلْقَاهُ﴾.
وقرئ: (يُلَقَّاهُ) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، مبنيًا للمفعول (٤)، مُعَدَّى إلى مفعولين، أحدهما: القائم مقام الفاعل، وهو المنوي في الفعل، والثاني: الهاء.
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾:
قوله : ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ على إرادة القول، أي: يقال له ذلك.
وقوله: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (بنفسك) فاعل ﴿كَفَى﴾ والباء صلة، و ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز، أو حال، وهو فعيل بمعنى: فاعل، كصريم
стр. 2209
بمعنى صارم، و (على) متعلق به، أي: شاهدًا، وقيل: حاكمًا، وقيل: حفيظًا، وقيل: كافيًا (١).
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾:
قوله : ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ الجمهور على القصر والتخفيف وفتح الميم في (أمرنا) بوزن (ضربنا) وفيه وجهان - أحدهما: بمعنى الأمر، أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا. والثاني: بمعنى التكثير، يقال: أمرته مقصورًا، وآمرته ممدودًا لغتان، بمعنى: كثرته، عن أبي عبيدة وغيره (٢)، وفي الحديث: "خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مأبورة، أو مُهْرَةٌ مأمورة" (٣). أي: كثيرة النتاج والنسل، وأما السكة هنا: فالطريقة المصطفة من النخل، ومأبورة، أي: مُلْقِحَةٌ، يقال: أَبَرَ فلانٌ نخلَه، أي: لقّحه وأصلحه (٤).
وقال أبو الحسن: أَمِرَ مالُه بالكسر، أي: كَثُرَ، وأَمِرَ القومُ، أي: كثروا، وآمَرَ الله ماله بالمد، قال: وإنما قيل: "مهرة مأمورة" للازدواج، والأصل: مُؤْمَرَةٌ، على مُفْعَلَةٍ، كما قال [ ﷺ ] للنساء: "ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" (٥)، وإنما هو: موزورات من الوزر، فقيل: مأزورات على
стр. 2210
لفظ مأجورات ليزدوجا (١).
وقيل: (أمرنا): جعلناهم أمراء، ويقال: أمَرْتُه وأمَّرْتُه، إذا جعلته أميرا (٢).
وقرئ: (آمرنا) ممدودًا بوزن عامرنا (٣)، وقد ذكرنا معناه آنفًا.
وقرئ أيضًا: (أَمَّرْنَا) مشددة الميم (٤)، أي: جعلناهم أمراء، وقد ذكر أيضًا آنفًا. وقيل: هو بمعنى الممدود, لأنه تارة يُعَدَّى بالهمزة، وتارة بالتضعيف، كقولك: كَثُرَ الشيءُ، وأَكْثَرَهُ اللهُ، وكَثَّرَهُ، ولا يجوز أن يحمل أمَّرنا مشددة العين على جعلناهم أمراء؛ لأنه لا يكاد يكون في قرية واحدة عدة أمراء (٥).
وقرئ أيضًا: (أَمِرْنا) بكسر الميم مقصورًا بوزن حَمِدْنَا (٦)، بمعنى آمرنا عن أبي زيد، قال: يقال: أمِرَ الله ماله وآمره (٧). ووجه تعدية أَمِرَ، أنه على لفظ عَمِرَ ومعناه، لأن الكثرة أقرب شيء إلى العمارة، فلما كان كذلك، عُدِّيَ كما عُدِّيَ عَمِرَ، فاعرفه فإنه من فوائد أبي الفتح ﵀ (٨).
стр. 2211
والمترف: المنعم الذي قد أبطرته النعمة وَسَعَةُ العيشِ. ﴿وَإِذَا﴾: منصوب بـ ﴿أَمَرْنَا﴾.
وقوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ التدمير: الإهلاك باستئصال.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾:
قوله : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) خبرية في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. و ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ بيان لـ ﴿كَمْ﴾ وتمييز لها كما يميز العدد بالجنس، وقد ذكر نظيرهما فيما سلف من الكتاب (١).
وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (بربك) فاعل ﴿كَفَى﴾، و ﴿خَبِيرًا﴾ تمييز أو حال، وكذا ﴿بَصِيرًا﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾:
قوله : ﴿مَنْ كَانَ﴾ (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط وهو كان أو جوابها وهو ﴿عَجَّلْنَا﴾.
وقوله: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بدل من ﴿لَهُ﴾ بإعادة الجار، وهو بدل البعض من الكل، لأن الضمير في ﴿لَهُ﴾ راجع إلى ﴿مَنْ﴾ وهو في معنى الجمع والكثرة.
والجمهور على النون في قوله: ﴿مَا نَشَاءُ﴾، وقرئ: (ما يشاء) بالياء النقط من تحته (٢). واختلف في المنوي فيه، فقيل: لله جل ذكره، فلا فرق إذًا بين القراءتين في المعنى، وقيل: لـ (من) على أن له ما يشاء من الدنيا،
стр. 2212
وأن ذلك لواحدٍ من الدهماء يريد به الله ذلك (١).
والعاجلة: الدنيا، سميت بذلك لتقدمها على الآخرة.
وقوله: ﴿يَصْلَاهَا﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿لَهُ﴾ أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾.
وقوله: ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ انتصابهما على الحال من المنوي في ﴿يَصْلَاهَا﴾، والذم: العيب، يقال: ذممته وذأمته بمعنى، فهو مذموم ومذؤوم. والدحر والدحور: الطرد والإبعاد، وقد أُوضحا في الأعراف إيضاحًا شافيًا (٢).
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾:
قوله : ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الواو للحال.
وقوله: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ﴾ (كلا) منصوب بنمد، والتنوين عوض عن المضاف إليه، أي: كل واحد من الفريقين، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بدل من ﴿كُلًّا﴾ و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿نُمِدُّ﴾، أي: نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، والإمداد: الإعطاء شيئًا بعد شيء، من أمددت فلانًا، إذا أعطيته مَدَّةً بقلمٍ بعدَ مَدَّةٍ. والعطاء اسم للمعطَي، وأصله: عطاوٌ, لأنه من عَطَوْتُ.
وقوله: ﴿مَحْظُورًا﴾ أي: ممنوعًا، والحظر: المنع.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾:
стр. 2213
قوله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ ﴿كَيْفَ﴾ نصب بـ ﴿فَضَّلْنَا﴾ دون ﴿انْظُرْ﴾، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ اللام لام الابتداء، وانتصاب ﴿دَرَجَاتٍ﴾ على التمييز، وكذلك ﴿تَفْضِيلًا﴾.
وقوله: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ (فتقعد) منصوب على الجواب، ﴿مَذْمُومًا﴾ على الحال من المستكن فيه، وكذا ﴿مَخْذُولًا﴾، ولك أن تجعل ﴿مَخْذُولًا﴾ حال من الضمير في ﴿مَذْمُومًا﴾.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾:
قوله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ أي: بألَّا، على تضمين (قضى) معنى أمر، فتكون (لا) للنفي، و (تعبدوا) منصوب، أو على تضمين ألزم، فتكون (لا) صلة، و ﴿تَعْبُدُوا﴾ منصوب أيضًا بأن، وهو في موضع نصب على: أَلزمَكَ ربُّك عبادتَه. وعلى الوجه الأول: إما في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (١).
ولك أن تجعل (أن) مفسرة بمعنى (أي)، فلا يكون لها محل من الإعراب، ولا تعبدوا على هذا: نهي.
وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأَمَرَ بأن تحسنوا بالوالدين إحسانًا، ولا يجوز أن تكون الباء في ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ من صلة قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، وقد مضى الكلام على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ في "البقرة" بأشبع من هذا (٢).
وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ أصل (إِمَّا): إنْ مَا، فإن هي الشرطية، وما
стр. 2214
مزيدة، زيدت عليها تأكيدًا لها، فلزم الفعل الذي هو فعل الشرط نون التوكيد وهو ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، ولو جردت (إن) من (ما) لم يصح دخول النون فيه، والجزاء: ﴿فَلَا تَقُلْ﴾. و ﴿أَحَدُهُمَا﴾: فاعل ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، و ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾: عطف عليه.
وقرئ: (يبلُغانِّ) على التثنية (١)، وإنما ثُني ضمير الفعل لتقدم ذكر الوالدين، فالألف فاعل الفعل، و ﴿أَحَدُهُمَا﴾ بدل من الألف، و ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾ عطف على ﴿أَحَدُهُمَا﴾، وحكمه [حكمه] فاعلًا كان أو بدلًا، فاعرفه فإنّ فيه أدنى غموض.
قال الزمخشري: فإن قلت: لو قيل: إما يبلغان كلاهما، كان (كلاهما) توكيدًا لا بدلًا، فما لك زعمت أنه بدل؟ قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدًا للاثنين، فانتظم في حكمه فوجب أن يكون مثله. فإن قلت: ما ضرك لو جعلته توكيدًا مع كون المعطوف عليه بدلًا، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما فحسب، فلما قيل: أحدهما أو كلاهما علم أن التوكيد غير مراد، فكان بدلًا مثل الأول، انتهى كلامه (٢).
وقد جوز أن يكون ﴿أَحَدُهُمَا﴾ على قراءة من قرأ: (يبلغانِّ) فاعل فعل مضمر دل عليه هذا الظاهر (٣)، وهو فعل ألف الضمير الراجع إلى الوالدين تقديره: إن بلغ أحدهما أو كلاهما.
وأن يكون الألف في (يبلغان) [حرفًا بمنزلة التي] في قولك: (قاما أخواك) (٤)، فيكون ارتفاع ﴿أَحَدُهُمَا﴾ بالفعل المذكور، والوجه هو الأول لسلامته من الدَّخَل والرد.
стр. 2215
وقوله : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (أف) اسم للفعل، ومعناه التضجر والكراهة، وبُني على حركة لسكون ما قبل آخره، وقرئ بالحركات الثلاث منونًا وغير منون مثقلًا (١)، فالكسر فيه على أصل البناء، والفتح للتخفيف، والضم للإتباع، والتنوين للتنكير، وتركه للتعريف.
وقرئ أيضًا: (أُفَ) مخففًا مفتوحًا (٢)، وكان القياس إذا خفف أن يسكن آخره, لأنه لم يلتق فيه ساكنان فيحرك، وإنما بقيت الحركة مع التخفيف تنبيهًا ودلالة على أنه قد كان مثقلًا مفتوحًا.
وفيه لغة أخرى (أُفِّى) ممالًا، وهي التي تقول العامة (إُفِّي) بالياء (٣)، فهذه ثماني لغات فاعرفهن (٤).
قال الشيخ أبو علي -رحمه الله تعالى-: وهو وإن كان في الأصل مصدرًا من قولهم: أُفَّة وتُفَّة، أي: نَتْنًا وَدَفْرًا، فقد سُمِّيَ الفعل به، فلما صار اسمًا للفعل الذي هو أَتَكَرَّهُ وأَتَضَجَّرُ بني. . ثم قال: فإن قلت: ما موضع (أُفٍّ) في هذه اللغات بعد القول؟ هل يكون موضعه نصبًا كما ينتصب المفرد بعده،
стр. 2216
أو كما تكون الجمل؟ فالجواب: أن موضعه موضع الجمل، كما أنك لو قلت: قلت رويدَ لكان موضعه موضع الجمل، وكذلك لو قلت: قلت فداء، انتهى كلامه (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: ولا تزجرهما، يقال: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ، إذا استقبله بكلام يزجره.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾:
قوله : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ الجمهور على ضم الذال، وهو ضد العز، وقرئ: بكسرها (٢)، وهو الانقياد وضد الصعوبة. قال أبو الفتح: الذِّلُّ في الدابة ضد الصعوبة، والذُّلُّ للإنسان وهو ضد العز، وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة، لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدرًا مما يلحق الدابة، فاختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة، ولا تستنكر مثل هذا ولا تَنْبُ عنه، فإنه من عَرَفَ أنِسَ، وَمَنْ جَهِلَ استوحش، وقد قال شاعرنا في معناه:
٣٨٩ - وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ مِنْ الفَهْمِ السَّقِيمِ
وَلَكِنْ تَأْخُذُ الآذان مِنْهُ ... عَلَى قَدْرِ القَرَائِحِ والعُلُومِ (٣)
انتهى كلامه (٤).
стр. 2217
وقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَاخْفِضْ﴾ على: من أجل فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما. وأن يكون حالًا من ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، والمراد بخفض الجناح هنا: ترك الاستعلاء عليهما، مأخوذ من خفض الطائر جناحه عند السقوط.
وقوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الكاف على بابه، ومحله النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما إياي حين التربية. وعن أبي الحسن: الكاف بمعنى على، أي: ارحمهما على ما ربياني، وكذا روي عنه في قوله: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ (١) أي: على ما أمرت (٢).
وانتصاب قوله: ﴿صَغِيرًا﴾ على الحال من الضمير في ﴿رَبَّيَانِي﴾ المنصوب.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾:
قوله : ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ أي: للأوابين منكم، فحذف وهو مراد، أو يكون المعنى والتقدير: فإنه كان لكم، فوضع الظاهر موضع المضمر, لأنه أعم، والأواب: فَعَّالٌ من آبَ يؤُوبُ أَوْبًا وَإِيَابًا، إذا رجع.
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾:
قوله : ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ مفعول [له]، أو مصدر في موضع الحال من المنوي في ﴿تُعْرِضَنَّ﴾، أي: مبتغيًا رحمة من ربك، و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: في موضع الصفة للرحمة، وكذلك ﴿تَرْجُوهَا﴾، ولك أن تجعل
стр. 2218
﴿تَرْجُوهَا﴾ حالًا أيضًا، أي: راجيًا إياها، و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ من صلة ﴿تَرْجُوهَا﴾ وقُدِّم للاهتمام، و ﴿تُعْرِضَنَّ﴾ فعل الشرط، والجواب ﴿فَقُلْ لَهُمْ﴾.
وقد جوز أن يكون قوله: ﴿ابْتِغَاءَ﴾ متعلقًا بجواب الشرط مقدمًا عليه، أي: فقل لهم قولًا سهلًا لينًا، وعِدْهم وعدًا جميلًا، رحمة لهم وتطييبًا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك (١). والوجه هو الأول لسلامته من هذا التعسف وتغيير النظم من غير اضطرار ولا احتياج.
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾:
قوله : ﴿كُلَّ الْبَسْطِ﴾ انتصابه على المصدر لإضافته إليه.
وقوله: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿فَتَقْعُدَ﴾ منصوب على جواب النهي، و ﴿مَلُومًا﴾ على الحال من المنوي فيه، وكذا ﴿مَحْسُورًا﴾، ولك أن تجعل ﴿مَحْسُورًا﴾ حالًا من المستكن في ﴿مَلُومًا﴾، وقد ذكر نظيرهما فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢).
والملوم: الذي يلوم نفسه وَيُلامُ، والمحسور: المنقطع به لذهاب ما في يديه، مِن حَسَرَه السفرُ، إذا بلغ منه، وحَسَره بالمسألة، إذا أفنى جميع ما عنده. والمحسور أيضًا: المكشوف، من حَسَر كُمَّهُ عن ذراعه يَحْسِرُهُ حَسْرًا، إذا كشف عنها، ومنه الحاسر، وهو الذي لا مِغْفَر عليه ولا درع، وكلاهما يحتمل هنا.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾:
стр. 2219
قوله : ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: مفعول له، والخشية: الخوف، والإملاق: الفقر، يقال: خشي الرجل خشية، إذا خاف، وأَمْلَقَ يُمْلِقُ إِمْلاقًا، إذا افتقر.
وقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ قرئ: (خِطْئًا) بكسر الخاء وسكون الطاء والهمز (١)، وهو مصدر خَطِئ يَخطَأُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر خِطْئًا وَخِطْأَةً أيضًا على فِعْلَةٍ، إذا تعمد الشيء، عن الأصمعي (٢)، فهو خَاطِئ، وفي التنزيل: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ (٣)، والاسم: الخطيئة، على فَعِيلةُ.
وقرئ: (خَطَأً) بفتح الخاء والطاء والهمز (٤)، وفيه وجهان:
أحدهما: اسم من أخطأ بمعنى المصدر، والمصدر من أخطأ [إِخْطَاءً]، فَالخَطَأ من أَخْطَأْتُ، كالعَطَاءِ مِنْ أعطيتُ.
والثاني: هو مصدر كالخِطء، يقال: خَطِئَ خِطئًا وخَطَأً كَحَذِرَ حِذْرًا وَحَذَرًا. قال أبو علي: وجاء الخَطَأُ في معنى الخِطْءِ، كما جاء خَطِئ في معنى: أَخْطأ (٥). يقال: خَطِئ في الدين، وَأَخْطَأَ الغَرَضَ ونحوه، وقد يتداخلان فيقال: أخطأ في الدين وَخَطِئ في الرأي ونحوه.
و(خِطاءً) بالكسر والمد (٦)، وهو مصدر خَاطَأَ خِطَاءً، كقاتل قتالًا. قال الشيخ أبو علي ﵀: يجوز أن يكون مصدر خَاطَأَ، وإن لم يُسمع
стр. 2220
خاطَأَ، ولكن قد جاء ما يدل عليه، وذلك أن أبا عبيدة أنشد:
٣٩٠ - تَخَاطَأَتِ النَّبْلُ أَحْشَاءَهُ ... . . . . . . . . . . . . (١)
فتخاطأت يدل على خاطأ، لأن التفاعل مطاوع فَاعَلَ، كما أن تَفَعَّلَ مطاوع فَعَّلَ (٢). هذه القراءات المشهورة.
وقرئ أيضًا: (خَطَاءً) بالفتح والمد (٣)، وهو في معنى الخطأ، وهو ضد الصواب.
و(خَطْئًا) بالفتح والسكون (٤)، وهو مصدر كالخطء و (خَطًا) و (خِطًا) بفتح الخاء وكسرها، وفتح الطاء من غير همزة (٥)، على إلقاء حركة الهمزة على الطاء وحذفها على مذاق العربية في تخفيف الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها الصحيح، كالخَبّ في الخَبْءِ، فاعرفه.
و﴿كَانَ﴾ في قوله: ﴿كَانَ خِطْئًا﴾ يفيد الدوام.
стр. 2221
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (الزنى) يمد ويقصر، والقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد (١). قال الفرزدق:
٣٩١ - أَبَا حَاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِنَاؤُهُ ... ومَنْ يَشْرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا (٢)
وقيل: هو مصدر زانى يُزَانِي مُزَانَاةً وَزِنَاءً؛ لأنه يقع من اثنين، كقاتل يقاتل قتالًا (٣).
وقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (سبيلًا) منصوب على التمييز. و (ساء) بمعنى: بئس، وفاعله مضمر، أي: ساء السبيل سبيلًا.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا. . . فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ﴿مَظْلُومًا﴾ منصوب على الحال من المنوي في ﴿قُتِلَ﴾.
والجمهور على إسكان الفاء في ﴿فَلَا يُسْرِفْ﴾ لأنه نهي، وقرئ: (فَلَا يُسْرِفُ) مرفوعًا (٤) على لفظ الخبر، ومعناه النهي، كقوله : (لا
стр. 2222
تضارُّ والدة) في قول مَنْ رفع (١).
وقد جوز أبو الفتح أن يكون على تأويل: ينبغي ألا يُسْرِفَ، وأنشد:
٣٩٢ - عَلَى الحَكَمِ المَأْتِيِّ يَوْمًا إِذَا قَضَى ... قَضِيَّتَهُ أَلَّا يَجُورَ وَيَقْصِدُ (٢)
فرفعه على الاستئناف، ومعناه: ينبغي أن يقصد (٣).
وقرئ: (فلا يُسْرفْ) بالياء النقط من تحته (٤)، وفي فاعل الفعل وجهان:
أحدهما: الوَليُّ، على: فلا يجاوز الحق، وهو أن يقتل غير القاتل، أو أكثر من واحد كدأب الجاهلية، أو يقتل بعد أخذ الدية، أو يمثل بمقتوله.
والثاني: القاتل الأول، على: فلا يجاوز القاتل في القتل، وهو أن يقتل من لا يجب له قتله، قال أبو علي: وجاز أن يُضمر وإن لم يجرِ له ذكر، لأن الحال تدل عليه (٥).
وبالتاء النقط من فوقه (٦)، وفاعل الفعل أحد المذكورين آنفًا وهو الولي أو قاتل المظلوم، على: فلا تجاوز أيها الإنسان فتقتل ظلمًا من ليس لك قَتْلُه.
стр. 2223
وقرئ: (فَلا تُسْرِفُوا) على الجمع (١)، ردًا على: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ اختلف في الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾:
فقيل: للمظلوم (٢) , لأنه منصور في الدارين، أما في الدنيا، فقد أوجب الله عز وعلا على قاتله القصاص فنصره، وأما في الآخرة، فَيَنْصُرُهُ بالثواب الجزيل.
وقيل: للولي (٣)، لأن الله تعالى والخلق ناصروه حيث مكنوه مِن القاتل بما يجوز له فيه.
وقيل: للذي يقتله الولي بغير حق، ويسرف في قتله، لأن الله تعالى نصره حيث أوجب قصاصه على المسرف (٤).
وقيل: للقاتل الأول, لأنه إذا قتل سقط عنه عقاب القتل في الآخرة، عن أبي عبيد (٥).
وقيل: للدم. وقيل: للحق. وقيل: للقتل لأنه فعل، عن الفراء (٦) , فهذه سبعة أقوال فاعرفها، وفيهن ما لا أرتضيه.
стр. 2224
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾:
قوله : ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن، وهي حفظُه عليه وتثميرُه. قيل: وخص مال اليتيم بالنهي عن أخذه، لأن ماله إلى الصون أحوج، لضعفه وعجزه عن حفظ ماله (١).
وقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ناقض العهد كان مسؤولًا عنه، أي: عن الوفاء به.
والثاني: أنَّ العهد كان مسؤولا تعييرًا وتوبيخًا لناقضيه، كقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (٢).
والثالث: على أن العهد كان مطلوبًا يطلب من العاهد أَلا يضَيِّعَه ويفي به (٣).
و﴿كَانَ﴾ يفيد الدوام على ما ذكر قبيل (٤).
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾:
قوله : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ الإيفاء: الإِتمام، والتوفية مثله.
وقوله: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ (القِسطاس) بضم القاف وكسرها لغتان بمعنى: وقد قرئ بهما (٥)، ونظيره: القُرطاس والقِرطاس.
стр. 2225
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: الإيفاء خير من البخْسِ. و ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ نصب على التمييز، والتأويل: مصير الشيء وعاقبته، من آلَ يؤولُ، إذا رجع؛ لأنه يؤول إليه آخره.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ القَفْوُ: التَّتَبُّعُ، يُقَالُ: قَفَوْتُ أَثَرَهُ أَقْفُوهُ قَفْوًا، إذا اتَّبَعْتَه، وقرئ: (ولا تَقُفْ) بضم القاف وإسكان الفاء كتَقُمْ (١)، وماضيه قافَ يقُوفُ [قيافة] كقام يقوم قيامة، إذا تَتَبَّعَ أيضًا، ومنه القَافَةُ. وقد أجاز أبو إسحاق أن يكون مقلوبًا من قفا يقفو، لأن المعنى واحد (٢).
وقوله: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ رفع بالابتداء، والإِشارة في ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى السمع والبصر والفؤاد، وهي لا تعقل، لأن (أولئك) كما تكون إشارة إلى العقلاء تكون إشارة إلى غيرهم، كقوله:
٣٩٣ - ذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلةِ اللِّوَى ... والعَيْشَ بَعْدَ أولئك الأَيَّامِ (٣)
والخبر (كان) وما اتصل بها، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: كل أفعال أولئك كان عنه مسؤولًا, لأنه لا يُسْأل عن الجوارح، وإنما يُسْأل عن أَفْعَالِهَا، هذا هو الوجه والتحقيق فاعرف، فإنه قول الشيخ أبي علي ﵀، ولك أن تجعلها مسؤولةً على وجه المجاز.
стр. 2226
واسم كان راجع إلى صاحب الجوارح، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يرجع إلى ﴿كُلُّ﴾، و (عن) متعلق بقوله: ﴿مَسْئُولًا﴾ وفي ﴿مَسْئُولًا﴾ ضمير يرجع إلى الإنسان.
ولك أن تجعل المنوي في ﴿كَانَ﴾ لـ ﴿كُلُّ﴾، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ له أيضًا، والمستكن في ﴿مَسْئُولًا﴾ له أيضًا، على معنى: إن كل واحد منهن كان مسؤولًا عنه عن ذاته على وجه المجاز.
و﴿عَنْهُ﴾ في كلا التقديرين يتعلق بمسؤول تعلق الجارِّ بالفعل، وفي ﴿مَسْئُولًا﴾ ضمير لأحد المذكورين لا محيد عن هذا، ولا يجوز أن تكون (عن) في موضع رفع على الفاعلية خالية عن الذكر بإسناد ﴿مَسْئُولًا﴾ إلى الجار والمجرور، كـ (عليهم) في قوله جل ذكره: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ كما زعم الزمخشري (١)، لأن القائم مقام الفاعل كالفاعل، فكما لا يجوز تقديم الفاعل على فعله، ويسمى فاعلًا، كذلك القائم مقامه، فاعرفه فإنه موضع (٢).
وقوله: ﴿وَالْفُؤَادَ﴾ الجمهور على ضم الفاء وهو الوجه والمشهور في اللغة، وقرئ: (والفَواد) بفتح الفاء (٣)، وأنكره أبو حاتم، ولعله لُغةٌ لم تبلغ أبا حاتم. وقيل: وجهه أنه لما قلب الهمزة واوًا بعد الضمة استصحب القلب مع الفتح (٤).
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾:
стр. 2227
قوله : ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ الجمهور على فتح الراء في ﴿مَرَحًا﴾، وهو مصدر في موضع الحال، أي: مَرِحًا، أي: ذا مرح، أو مفعول من أجله، وقرئ: بكسرها (١)، وهو اسم الفاعل منصوب على الحال. وفضل أبو الحسن المصدر على اسم الفاعل لما فيه من التأكيد (٢).
وقوله: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ الجمهور على كسر الراء، وقرئ: (لن تخرُق) بضمها (٣)، وهما لغتان غير أن الكسر أشيع.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (طولًا) مصدر، وفي نصبه أوجه، أحدها: تمييز. والثاني: في موضع الحال إما من الفاعل أو من المفعول. والثالث: مصدر من معنى (لن تبلغ) (٤).
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾:
قوله : (كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها) قرئ: (سَيِّئَةً) [غير] مضاف منونًا منصوبًا (٥)، ونصبه على خبر كان، واسمها مضمر فيها يعود إلى ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما نُهي عنه من لَدُنْ قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ إلى قوله: ﴿طُولًا﴾ أي: كل ذلك المنهي عنه كان سيئة.
стр. 2228
و ﴿مَكْرُوهًا﴾: يحتمل أن يكون بدلًا من (سَيِّئَةً)، وأن يكون صفة لها، وإنما لم يقل مكروهة، حملًا على لفظ ﴿كُلُّ﴾ أو لأن التأنيث غير حقيقي (١). وأن يكون خبرًا بعد خبر، كأنه قيل: كان سيئة كان مكروهًا. وأن يكون حالًا من الذكر الذي في الظرف وهو ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ على أن تجعله صفة لسيئة.
و﴿سَيِّئُهُ﴾ مضافًا مذكرًا مرفوعًا (٢)، على أنه اسم ﴿كَانَ﴾ و ﴿مَكْرُوهًا﴾ خبرها، و ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من صلة الخبر. ولك أن تجعل الظرف الخبر، و ﴿مَكْرُوهًا﴾ حالًا من المنوي فيه، والإشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ على هذه القراءة إلى جميع الخِصَال المعدودة المذكورة من لدن قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ ولما كان هذه الخصال بعضها سيئًا وبعضها حَسَنًا، أضيف فقيل: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، لأن ﴿سَيِّئُهُ﴾ هو المنهي عنه فاعرفه.
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾ (ذلك) مبتدأ، وما بعده خبر، والإشارة إلى ما أمر به ونهى عنه، أي: ذلك الذي أمر به ونهى عنه مما أنزله عليك ربك.
وقوله: ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿أَوْحَى﴾، وأن يكون حالًا من الذكر المحذوف الراجع إلى الموصول، فيكون من صلة محذوف،
стр. 2229
أي: كائنًا من الحكمة، وأن يكون بدلًا من (ما) بإعادة الجار، و ﴿مِنَ﴾ على هذا الوجه تكون للتبعيض. و ﴿الْحِكْمَةِ﴾: القرآن، وسماه حكمة لأنه كلام محكم، لا مَدْخَلَ فِيهِ للفساد.
وقوله: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ (فتلقى) في موضع نصب على جواب النهي، و ﴿مَلُومًا﴾ حال من المنوي فيه، وكذا ﴿مَدْحُورًا﴾ أو من المنوي في ﴿مَلُومًا﴾.
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾:
قوله : ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام ومعناه الإنكار والتوبيخ، أي: آثركم ربكم بالبنين، يقال: أصفاه بالشيء، إذا آثره به وخصه على وجه الخلوص والصفاء، أي: أفخصكم بالأجلِّ وجعل لنفسه الأدْوَنَ؟ وألف (أصفى) عن واو, لأنه من الصفوة، وإنما أُمِيلتْ لرجوعها إلى الياء: يصفي.
وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ (اتخذ) هنا يحتمل أن يكون متعديًا إلى مفعول واحد، وهو ﴿إِنَاثًا﴾ كقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (١) و ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ ويحتمل أن يكون من صلة (اتخذ)، وأن يكون حالًا من ﴿إِنَاثًا﴾ لتقدمه عليه، وهو في الأصل صفة له.
وأن يكون متعديًا إلى مفعولين، فيكون الثاني محذوفًا، أي: واتخذ من الملائكة إناثًا أولادًا، كقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ (٢) أي: رَبًّا أو معبودًا.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ الجمهور على تشديد الراء، وقرئ:
стр. 2230
(صَرَفْنَا) مخففًا (١)، وهو بمعنى صَرَّفْنَا مشددًا، والمفعول محذوف، أي: صرفنا القول في القرآن فجعلناه على أنواع، فمنه حُجَجٌ ودلائلُ، ومنه مواعظ وعبر، ومنه شرائعُ وأحكام. والتصريف: التبيين.
وقوله: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ أي: وما يزيدهم القرآن، أو تصريفنا القول فيه. ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ أي: إلا تباعدًا عن اتباع الحق.
وقرئ: (ليذَّكَّروا) مشددًا ومخففًا (٢)، فالتشديد من التذكُّرِ، والتخفيف من الذِّكْرِ، وهما متقاربان.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾:
قوله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ محل الكاف النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: كَونًا مثل قولكم، أو إثباتًا مثل قولكم، دل عليه ﴿مَعَهُ﴾.
وقرئ: (كما يقولون) بالياء النقط من تحته (٣)، لقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ أي: كما يقول المشركون، وبالتاء: النقط من فوقه (٤)، على مخاطبتهم على معنى: قل لهم يا محمد: لو كان معه آلهةٌ كما تقولون أيها المشركون.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾:
قوله : ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ قرئ: بالياء والتاء (٥) على ما ذكر آنفًا.
стр. 2231
وقوله: ﴿عُلُوًّا﴾ منصوب على المصدر، و ﴿كَبِيرًا﴾ صفته، وهو في معنى: تعاليًا, لأنه مصدر قوله: (تعالى)، وهو في الأصل مصدر عَلَا عُلُوًّا، ولكنه وضع موضع تعاليًا لكونهما بمعنى، كما وَضَعَ ﴿تَنْزِيلًا﴾ موضع (إنزالًا) من قرأ: (وأنزل الملائكة تنزيلًا) (١) وهو جائز مستعمل في كلام القوم، وكفاك دليلًا قوله جل ذكره: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٢)، ولم يقل تَبَتُّلًا.
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾:
قوله : ﴿تُسَبِّحُ﴾ قرئ: بالتاء النقط من فوقه (٣) لتأنيث لفظ السموات، تعضده قراءة من قرأ: (سَبَّحتْ)، وهو عبد الله (٤).
وبالياء النقط من تحته (٥)، لأن التأنيث غير حقيقي، أو للفصل، وهو ﴿لَهُ﴾.
﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾:
قوله : ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه في معنى ساتر (٦)، والمفعول قد يأتي بمعنى الفاعل،
стр. 2232
كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (١)، أي: آتيا.
والثاني: أنه على بابه، أي: محجوبًا بحجاب آخر (٢).
والثالث: أنه على معنى النسب، أي: حجابًا ذا سِتْر (٣) كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٤)، أي: ذات رضىً.
والرابع: أنه مستور عن الأعين لا يُبْصَرُ، لا لكونه حجابًا من دون حجاب، إنما هو قُدْرةٌ من قدر الله جل ذكره، على معنى - والله تعالى أعلم -: إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الكافرين حجابًا يحجب قلوبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم، بشهادة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (٥). والأكنة: جمع كنان وهو الذي يَكِنُّ الشيءَ، أي: يستُرُه.
وقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: كراهة أن يفقهوه، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: وجعلنا في آذانهم وقرًا، أي: ثِقْلًا يمنعهم من الاستماع.
وقوله: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ لا يخلو من أن يكون جمع نافر، كشهود وقعود في جمع شاهد وقاعد، أو مصدرًا كالشكور والكفور، فإن كان جمعًا فهو منصوب على الحال، أي: رجعوا نافرين، وإن كان مصدرًا فيحتمل أن يكون في موضع الحال، أي: ذوي نفور، أو نافرين، وأن يكون مصدرًا بمعنى تَولِيَةً، أو لأنَّ وَلَّوْا بمعنى: نفروا.
стр. 2233
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾:
قوله : ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ في الباء من ﴿بِهِ﴾ وجهان:
أحدهما: بمعنى اللام، يقال: استمعت إليه، أي: أصغيت.
والثاني: على بابها، وفيه وجهان - أحدهما: من صلة ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾، على: يستمعون بقلوبهم أم بظاهر أسماعهم. والثاني: في موضع الحال كقولك: يستمعون بالهزء، أي: هازئين.
وقوله: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ﴾ (إذ) منصوب بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ أي: أعلم وقت استماعهم، أو بـ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ الأول.
وقوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ ابتداء وخبر، و ﴿نَجْوَى﴾ مصدر، كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (١) أي: وإذ هم ذوو نجوى، ويجوز أن يكون جمع نجي، كصريع وصرعى، فلا حذف على هذا، وقد مضى الكلام عليه فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٢).
وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل من ﴿إِذْ هُمْ﴾ وقيل: هو منصوب بإضمار اذكر.
وقوله: ﴿مَسْحُورًا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه على بابه، على أنه سُحِرَ حتى زال عقله فصار مجنونًا (٣)
стр. 2234
والثاني: أنه بمعنى فاعل، أي: ساحرًا، كقوله: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أي: آتيا (١).
وقيل هو من السَّحْرِ، أي: له سَحْرٌ يأكل ويشرب كسائر الناس، أي: هو بشر مثلكم، والسَّحْرُ: الرئةُ (٢).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾:
قوله : ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ (إذا) مضمر دل عليه (مبعوثون)، أي: أنُبْعَثُ إذا كنا؟ ولا يجوز أن يكون ناصبه (مبعوثون) لأن ما بعد (إِنَّ) لا يعمل فيما قبله (٣).
و﴿وَرُفَاتًا﴾ أي: باليًا، من رَفَتُّ الشيءَ، إذا كسرتَه بيدك، كالمَدَر والعظم البالي، وكل ما كان من هذا النحو فهو مبني على فُعَال كالحُطَامِ والفُتَاتِ، عن أبي إسحاق (٤).
و﴿خَلْقًا﴾: منصوب على المصدر، إما في معنى بعثًا، أو لأن (مبعوثون) في معنى: (مخلوقون)، ولك أن تجعل ﴿خَلْقًا﴾ بمعنى مفعول كضَرْب الأمير، وصَيْد الصائد. فيكون حالًا، و ﴿جَدِيدًا﴾: صفة له وبه تحصل الفائدة، وهو بمعنى مفعول، أي: مجدود، والله أعلم.
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾:
стр. 2235
قوله : ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ محل ﴿الَّذِي﴾ الرفع على الفاعلية بفعل دل عليه ﴿يُعِيدُنَا﴾، أي: يعيدكم الذي فطركم أول مرة، لا على أنها خبر مبتدإٍ محذوف كما زعم بعضهم (١)، لأن المضمر في مثل هذا إنما يكون من لفظ الخبر المتقدم، فإن كان فعلًا أضمر فعلٌ، وإن كان اسمًا أضمر اسمٌ، نحو: من قام؟ ومن القائم؟ و ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ منصب إما على المصدر أو على أنه ظرف زمان.
وقوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أي: فسيحركونه استبعادًا لذلك واستهزاء، والإنغاض: التحريك.
وقوله: ﴿مَتَى هُوَ﴾: (هو) مبتدأ، وخبره (متى) قُدِّمَ عليه، ولا يجوز تأخيره لما فيه من معنى الاستفهام، وهو كناية عن البعث.
وقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ إن جعلت في (عسى) ضميرًا كان ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في موضع نصب بخبر ﴿عَسَى﴾، وإن لم تجعل فيها ضميرًا كان في موضع رفع بـ ﴿عَسَى﴾، و ﴿قَرِيبًا﴾ خبر (كان).
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ (يوم) ظرف لمضمر دل عليه ما قبله، أي: يقع يوم يدعوكم الله للجزاء. وقيل تقديره: اذكر يوم، فيكون مفعولًا به (٢). ﴿يَدْعُوكُمْ﴾: في موضع جر بإضافة الظرف إليه. و ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾: عطف عليه.
وقوله: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ في موضع الحال منهم، أي: فتستجيبون حامدين
стр. 2236
له، بدليل ما روي عن سعيد بن جبير: يَخْرُجُونَ مِنْ قُبورِهِمْ ويقولون: سُبْحَانَكَ وبحَمْدِكَ (١)، ولَا يَنْفعُهُم في ذَلِك اليوم، لأنَّهم حَمَدُوا حِينَ لا ينْفَعهُم الحَمْدُ. وقيل: الخطاب للمؤمنين، يحمدونه على إحسانه إليهم (٢).
وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أي: وأنتم تظنون، والواو للحال.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: (إن) بمعنى ما النافية، أي: ما لبثتم إلا وقتًا أو زمانًا قليلًا، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾:
قوله : ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا﴾ قد ذكر في سورة إبراهيم (٣).
وقوله: ﴿يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ الجمهور على فتح الزاي، وقرئ: بكسرها (٤)، وهما لغتان، ومعناه: يفسد بينهم.
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (وكيلًا) منصوب على الحال من الكاف، أي: حافظًا إياهم من الكفر (٥). وقيل: كفيلًا لهم بالإِيمان (٦). لا على أنه مفعول ثان لأرسلنا كما زعم بعضهم.
стр. 2237
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾:
قوله : ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (زَبورًا) فعول بمعنى مفعول، كالركوب والحلوب، وهو المكتوب، زبره: إذا كتبه.
وقرئ: بضم الزاي (١)، وفيه وجهان:
أحدهما: جمع زبور على حذف الزيادة وهي الواو، كظروف في جمع ظريف، على حذف الزيادة وهي الياء.
والثاني: مصدر كالشكور، وقد سمي به الكتاب المنزل على داود ﵇، وقد ذكر في "النساء" (٢).
فإن قلت: قد قال جل ذكره هنا: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال في "الأنبياء": ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ (٣) فأدخل عليه حرف التعريف في موضع، ولم يدخل عليه في آخر، فهل هو عَلَمٌ أو غير عَلَمٍ؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: عَلَم منقول، وهو في أصله مصدر، وحرف التعريف فيه ليس بلازم له، إنما هو كالعباس وعباس، والفضل وفضل، ونحوهما مما هو في الأصل صفة أو مصدر.
والثاني: هو نكرة، أي: وآتينا داود بعض الزبور، أي: كتابًا من جملة الكتب، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (٤).
стр. 2238
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾:
قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾ (أولئك) مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صفة، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ خبره، والعائد إلى ﴿الَّذِينَ﴾ محذوف وهو مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾، أي: المعبودون الذين يدعونهم (١) المشركون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهي ما يتوسل به إلى الله . والجمع: الوَسِيل والوسَائِلُ (٢).
قال أبو إسحاق: الوسيلة والسُّؤْل والطَّلِبَةُ في معنى واحد (٣). وقيل: هي مصدر بمعنى التوسل، والمعنى: أن معبودهم الذين يدعونهم يطلبون القربة إلى الله . وهم الملائكة. وقيل: عيسى وعزير ﵉، وغيرهما مما عُبد من دون الله (٤).
وقوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي: ينظرون أيهم أقرب إليه، فيتوسلون به إليه. فأي استفهام مبتدأ، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بينظرون المضمر، ويجوز أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ بدلًا من واو الضمير في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فيكون موصولًا، أي: يبتغي الذي هو أقرب منهم الوسيلة إلى ربهم، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٥).
стр. 2239
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾:
قوله : ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ (أن) الأولى مع صلتها في موضع نصب بأنه مفعول به ثان لمنع، (وأن) الثانية مع صلتها في موضع رفع بأنه فاعله، والتقدير: وما منعنا من إرسال الآيات التي اقترحها كفارُ مكة إلا تكذيب الأولين بها، أي: بمثلها، وكانت سنة الله جل ذكره إهلاك من كذب بالآيات المقترحة، ولم يرد سبحانه إهلاك كفار قريش لعلمه بإيمان بعضهم، وإيمان من يولد منهم، ولوعده إياه ﷺ ألا يستأصل قومه في الدنيا بالعقاب، بل يؤخره إلى يوم القيامة. والباء في قوله: ﴿بِالْآيَاتِ﴾ صلة. وقيل: للحال، ومفعول الإرسال محذوف، أي: وما منعنا إرسال الرسل ملتبسين بالآيات.
وقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ نصب على الحال من الناقة، أي: مُبَيِّنَةً، تبين لهم صدق صالح ﵇. وقرئ: (مَبْصَرَةً) بفتح الميم والصاد (١)، أي: تبصرةً.
وقوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: فظلموا أنفسهم بعقرها، وقيل: فكفروا بها (٢)، على معنى: جحدوا أنها معجزة دالة على نبوة صالح ﵇ (٣).
وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ قد سبق [الكلام] في الباء آنفًا، و ﴿تَخْوِيفًا﴾ مفعول له، وقد جُوِّز أن يكون في موضع الحال (٤).
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا
стр. 2240
فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ أي: واذكر إذ أوحينا إليك (١).
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: أريناك إياها، و ﴿فِتْنَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، أي: ابتلاءً وامتحانًا.
وقوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ عطف على الرُّؤْيَا، أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة لهم أيضًا، وهي شجرة الزقوم عند الجمهور (٢).
وقيل: وصفها باللعْن، لأنَّ اللعن: الإبعاد، وهي في أصل الجحيم، في أبعد مكان من الرحمة (٣).
وقيل: المراد باللعن أهلها، وآكلوها وهم الكفرة والفجرة، والأصل: والشجرة الملعون أهلها، فلما حذف المضاف استتر الضمير في اسم المفعول، فأنث المفعول لجريه على الشجرة.
وقيل: العرب تقول لكل طعام مكروه ضار: ملعون (٤).
وقرئ: (والشجرةُ الملعونةُ) بالرفع (٥) على الابتداء، والخبر محذوف، أي: والشجرة الملعونة في القرآن فتنة، أو كذلك (٦). وقد أجاز الفراء أن
стр. 2241
تكون عطفًا على المنوي في الفتنة، كقولك: جعلتك عاملًا وزيدًا وزيدٌ (١). وهذا عند أصحابنا قبيح لعدم المؤكِّدِ.
قوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾. (طغيانًا) مفعول ثان لـ ﴿يَزِيدُهُمْ﴾ وفاعله التخويف، أي: فما يزيدهم التخويف إلا مجاوزة حدٍّ في العصيان عظيمة.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾:
قوله : ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ انتصاب قوله: ﴿طِينًا﴾ إما على الحال، إما من الموصول والعامل فيها (أسجد) على معنى: أأسجد له وهو طين؟ أي: أصله طين، أو من الذكر الراجع إليه من الصلة، والعامل فيه ﴿خَلَقْتَ﴾، على معنى: أأسجد لمن خلقته وهو طين؟ أي: أنشأت في حال كونه طينًا. أو على نزع الجار، أي: خلقته من طين، فلما حذف نصب كقوله: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ (٢) أي: لأولادكم. وقيل: منصوب على التمييز (٣).
﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾:
قوله : ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكاف في ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ حرف للخطاب مجرد من الإعراب هنا لكونه مؤكدًا معنى الخطاب، و ﴿هَذَا﴾: مفعول به، والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرمته عليّ، أي:
стр. 2242
فضلته عليّ، لِمَ كرمته عليّ وفضلته وأنا خير منه، لكونك خلقتني من نار وخلقته من طين؟ فحذف جميع ذلك، لأن في الكلام دليلًا عليه.
ثم ابتدأ فقال: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ. . .﴾ الآية، واللام موطئة للقسم المحذوف، والجواب ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾، أي: لإن أخرت موتي وأبقيتني إلى يوم القيامة، واللهِ لأستأصلن ذريته إلا قليلًا منهم، أي: لأهلكنهم بالإِغواء، من احتنك الجراد الزرع، إذا استأصله كله. وقيل: هو من حَنَكَ دَابَّتَهُ، إذا شد حبلًا في حنكها الأسفل يقودها به، على: لأقتادنهم كيف شئت (١).
و﴿قَلِيلًا﴾: نصب على الاستثناء. وهم الذين عصمهم الله واصطفاهم لدينه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٢).
﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾:
قوله : ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ أي: جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلّب المخاطب على الغائب.
وقوله: ﴿جَزَاءً﴾ منصوب على المصدر بما في ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ من معنى تجزون، أو بإضمار تجزون، وقد جوز أن يكون منصوبًا على الحال لكونه موصوفًا بالموفور، والموفور: المُوَفَّرُ، أي: مُتَمَّمًا مُكَمَّلًا، يقال: وَفَرْتُ الشيء وَوَفَّرْتُهُ أفِرُهُ، إذا كملته وفرًا فهو موفور، ووَفَرَ الشيءُ بنفسه وُفُورًا، إذا تَمَّ، يتعدى ولا يتعدى، ولهذا قال بعضهم: موفورًا بمعنى وافر (٣)، كقوله: ﴿مَأْتِيًّا﴾ (٤) أي: آتيًا. وقيل: منصوب على التمييز،
стр. 2243
والوجه هو الأول لسلامته من الرَّدِّ والدخل (١).
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾:
قوله : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ (مَنْ) موصول منصوب بقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ وما بعده صلته، والراجع محذوف، أي: استطعته، لا استفهام منصوب بـ ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ كما زعم بعضهم (٢) لفساد المعنى. قال أبو علي: هذا زجر واستخفاف به، والمعنى: ازعج من استطعت إزعاجه منهم (٣). وقيل: اسْتَخْفِفْ (٤). وعن أبي إسحاق: ادعهم دعاءً يحملهم على إجابتك (٥). وقيل: اقطعهم عن عملهم بدعائك إياهم إلى طاعتك، والفَزُّ: القطع، ومنه فَزَّز ثوبَه، إذا قَطَّعَه (٦).
وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ أي: واجمع عليهم خيَّالَتَكَ، يقال: أَجْلَبُوا عليه: إذا تجمعوا وتألبوا، وقيل: أجلب من الجلبة، وهي الصياح، يقال: جلب على فرسه وأجلب عليه، إذا صاح به من خلفه، على معنى: صح عليهم بخيلك (٧).
стр. 2244
وقوله: (وَرَجْلِكَ) قرئ: بسكون الجيم (١)، وهو اسم جمع للراجل، كالتَّجْر والرَّكْبِ والصَّحْبِ، وليس بتكسير راجلْ عند صاحب الكتاب رحمه الله تعالى، إنما هو بمنزلة الجامل والباقر. وعند أبي الحسن: تكسير راجلٍ (٢). والقول قول صاحب الكتاب، بدليل قولهم في تصغيره، رُجَيْلٌ وَرُكَيْب، ولو كما زعم لقالوا: رُوَيْجِلُون ورُوَيْكبون، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
وقرئ: (ورَجِلِكَ) بكسرها (٣)، على أنَّ فَعِلًا بمعنى فاعل، يقال: رَجِلَ يرجَلُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رَجَلًا فهو رَجِلٌ وراجلٌ بمعنىً، إذا بقي راجِلًا، عن أبي زيد (٤)، وعنه أيضًا ضم الجيم، تقول: رَجُلَ وَرَجِلَ، كما تقول: حَذُر وحذِر، ونَدُس وندِس (٥).
قال أبو علي: ويجوز فيمن أسكن الجيم أن يكون قوله: ورَجْلِكَ، فَعْلٌ الذي هو مُخَفَّفٌ مِنْ فَعُلٍ أو فَعِلٍ، كعَضْدٍ وكَتْفٍ، انتهى كلامه (٦).
وقوله: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: وعدهم المواعيد الباطلة حتى يغتروا بها.
وقوله: ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ مفعول ثان، والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب.
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ حال أو تمييز.
стр. 2245
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾:
قوله : ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ (ربكم) مبتدأ، و ﴿الَّذِي﴾ وصلته خبره، وقيل: هو صفة لقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾، أو بدل منه وإن طال الكلام (١)، لأن القرآن كالسورة الواحدة. والإزجاء: السَّوْقُ والتسيير.
وقوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (ضل) جواب (إذا) وهو ناصبها، أي: بطل وزال. وقيل: غاب وذهب عن أوهامكم وخواطركم كلُّ من تدعونه في حوادثكم إلا الله (٢).
فقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ نصب على الاستثناء المنقطع، على: ولكن الله وحده هو الذي ترجونه. وقيل: هو متصل خارج على أصل الباب (٣)، لا على أنه نصب بتدعون كما زعم بعضهم، لأن قوله: ﴿تَدْعُونَ﴾ قد استوفى مفعوله، وهو الذكر المحذوف الراجع إلى الموصول.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾:
قوله : ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الذي معناه الإنكار، والفاء للعطف على محذوف دل عليه معنى الكلام تقديره: أنجوتم فأمنتم، فحملكم ذلك على الإعراض؟