← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

تكون عطفًا على المنوي في الفتنة، كقولك: جعلتك عاملًا وزيدًا وزيدٌ (١). وهذا عند أصحابنا قبيح لعدم المؤكِّدِ. قوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾. (طغيانًا) مفعول ثان لـ ﴿يَزِيدُهُمْ﴾ وفاعله التخويف، أي: فما يزيدهم التخويف إلا مجاوزة حدٍّ في العصيان عظيمة. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾: قوله : ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ انتصاب قوله: ﴿طِينًا﴾ إما على الحال، إما من الموصول والعامل فيها (أسجد) على معنى: أأسجد له وهو طين؟ أي: أصله طين، أو من الذكر الراجع إليه من الصلة، والعامل فيه ﴿خَلَقْتَ﴾، على معنى: أأسجد لمن خلقته وهو طين؟ أي: أنشأت في حال كونه طينًا. أو على نزع الجار، أي: خلقته من طين، فلما حذف نصب كقوله: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ (٢) أي: لأولادكم. وقيل: منصوب على التمييز (٣). ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾: قوله : ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكاف في ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ حرف للخطاب مجرد من الإعراب هنا لكونه مؤكدًا معنى الخطاب، و ﴿هَذَا﴾: مفعول به، والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرمته عليّ، أي:

стр. 2242

فضلته عليّ، لِمَ كرمته عليّ وفضلته وأنا خير منه، لكونك خلقتني من نار وخلقته من طين؟ فحذف جميع ذلك، لأن في الكلام دليلًا عليه. ثم ابتدأ فقال: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ. . .﴾ الآية، واللام موطئة للقسم المحذوف، والجواب ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾، أي: لإن أخرت موتي وأبقيتني إلى يوم القيامة، واللهِ لأستأصلن ذريته إلا قليلًا منهم، أي: لأهلكنهم بالإِغواء، من احتنك الجراد الزرع، إذا استأصله كله. وقيل: هو من حَنَكَ دَابَّتَهُ، إذا شد حبلًا في حنكها الأسفل يقودها به، على: لأقتادنهم كيف شئت (١). و﴿قَلِيلًا﴾: نصب على الاستثناء. وهم الذين عصمهم الله واصطفاهم لدينه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٢). ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾: قوله : ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ أي: جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلّب المخاطب على الغائب. وقوله: ﴿جَزَاءً﴾ منصوب على المصدر بما في ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ من معنى تجزون، أو بإضمار تجزون، وقد جوز أن يكون منصوبًا على الحال لكونه موصوفًا بالموفور، والموفور: المُوَفَّرُ، أي: مُتَمَّمًا مُكَمَّلًا، يقال: وَفَرْتُ الشيء وَوَفَّرْتُهُ أفِرُهُ، إذا كملته وفرًا فهو موفور، ووَفَرَ الشيءُ بنفسه وُفُورًا، إذا تَمَّ، يتعدى ولا يتعدى، ولهذا قال بعضهم: موفورًا بمعنى وافر (٣)، كقوله: ﴿مَأْتِيًّا﴾ (٤) أي: آتيًا. وقيل: منصوب على التمييز،

стр. 2243

والوجه هو الأول لسلامته من الرَّدِّ والدخل (١). ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾: قوله : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ (مَنْ) موصول منصوب بقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ وما بعده صلته، والراجع محذوف، أي: استطعته، لا استفهام منصوب بـ ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ كما زعم بعضهم (٢) لفساد المعنى. قال أبو علي: هذا زجر واستخفاف به، والمعنى: ازعج من استطعت إزعاجه منهم (٣). وقيل: اسْتَخْفِفْ (٤). وعن أبي إسحاق: ادعهم دعاءً يحملهم على إجابتك (٥). وقيل: اقطعهم عن عملهم بدعائك إياهم إلى طاعتك، والفَزُّ: القطع، ومنه فَزَّز ثوبَه، إذا قَطَّعَه (٦). وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ أي: واجمع عليهم خيَّالَتَكَ، يقال: أَجْلَبُوا عليه: إذا تجمعوا وتألبوا، وقيل: أجلب من الجلبة، وهي الصياح، يقال: جلب على فرسه وأجلب عليه، إذا صاح به من خلفه، على معنى: صح عليهم بخيلك (٧).

стр. 2244

وقوله: (وَرَجْلِكَ) قرئ: بسكون الجيم (١)، وهو اسم جمع للراجل، كالتَّجْر والرَّكْبِ والصَّحْبِ، وليس بتكسير راجلْ عند صاحب الكتاب رحمه الله تعالى، إنما هو بمنزلة الجامل والباقر. وعند أبي الحسن: تكسير راجلٍ (٢). والقول قول صاحب الكتاب، بدليل قولهم في تصغيره، رُجَيْلٌ وَرُكَيْب، ولو كما زعم لقالوا: رُوَيْجِلُون ورُوَيْكبون، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. وقرئ: (ورَجِلِكَ) بكسرها (٣)، على أنَّ فَعِلًا بمعنى فاعل، يقال: رَجِلَ يرجَلُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رَجَلًا فهو رَجِلٌ وراجلٌ بمعنىً، إذا بقي راجِلًا، عن أبي زيد (٤)، وعنه أيضًا ضم الجيم، تقول: رَجُلَ وَرَجِلَ، كما تقول: حَذُر وحذِر، ونَدُس وندِس (٥). قال أبو علي: ويجوز فيمن أسكن الجيم أن يكون قوله: ورَجْلِكَ، فَعْلٌ الذي هو مُخَفَّفٌ مِنْ فَعُلٍ أو فَعِلٍ، كعَضْدٍ وكَتْفٍ، انتهى كلامه (٦). وقوله: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: وعدهم المواعيد الباطلة حتى يغتروا بها. وقوله: ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ مفعول ثان، والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب. وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ حال أو تمييز.

стр. 2245

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾: قوله : ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ (ربكم) مبتدأ، و ﴿الَّذِي﴾ وصلته خبره، وقيل: هو صفة لقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾، أو بدل منه وإن طال الكلام (١)، لأن القرآن كالسورة الواحدة. والإزجاء: السَّوْقُ والتسيير. وقوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (ضل) جواب (إذا) وهو ناصبها، أي: بطل وزال. وقيل: غاب وذهب عن أوهامكم وخواطركم كلُّ من تدعونه في حوادثكم إلا الله (٢). فقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ نصب على الاستثناء المنقطع، على: ولكن الله وحده هو الذي ترجونه. وقيل: هو متصل خارج على أصل الباب (٣)، لا على أنه نصب بتدعون كما زعم بعضهم، لأن قوله: ﴿تَدْعُونَ﴾ قد استوفى مفعوله، وهو الذكر المحذوف الراجع إلى الموصول. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾: قوله : ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الذي معناه الإنكار، والفاء للعطف على محذوف دل عليه معنى الكلام تقديره: أنجوتم فأمنتم، فحملكم ذلك على الإعراض؟

стр. 2246

﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾: أن وما اتصل بها في موضع نصب بأمنتم، أي: أفأمنتم الخسف؟ وقوله: ﴿بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ (جانب البر) منصوب بـ ﴿يَخْسِفَ﴾ على أنه مفعول به كالأرض في قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (١) لا على أنه ظرف له كما زعم بعضهم (٢) , لأنه هو المخسوف نفسه لا غيره فيه. و ﴿بِكُمْ﴾ يحتمل أن يكون من صلة الخسف، أي: بسببكم، وأن يكون حالًا من جانب البر، على: أن نخسف جانب البر وأنتم عليه أو به. قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ عطف على ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾. قال أبو إسحاق: الحاصب: التراب الذي فيه حصباء، والحصباء: حصىً صغارٌ، انتهى كلامه (٣). والحاصب أيضًا: الريح الشديدة التي تثير الحصباء، أي: نرسل ريحًا ترمي بالحصباء (٤). وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ عطف أيضًا على ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾، أي: ناصرًا، والوكيل: الناصر، والوكيل: الحافظ. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾:

стр. 2247

قوله : ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ (أم) هنا المنقطعة، أي: بل أأمنتم أن يعيدكم فيه؟ أي: في البحر. و ﴿تَارَةً﴾: نصب على المصدر. وقوله: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ عطف أيضًا. والقاصف: الريح التي لها قصيف، وهو الصوت الشديد، كأنها تتقصف، أي: تتكسر (١). وقوله: ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ في موضع الصفة لقاصف. وقوله: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ عطف أيضًا، و (ما) مصدرية، أي: بسبب كفركم. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ عطف أيضًا، والباء من ﴿بِهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَبِيعًا﴾، والتبيع: التابع، وهو المطالب، ولك أن تجعله من صلة ﴿لَا تَجِدُوْا﴾ (٢)، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للخسف، أو للإرسال، أو للإغراق. وقرئ: (أَنْ نَخْسِفَ) (أَوْ نُرْسِلَ) (أَنْ نُعِيدَكُمْ) (فَنُرْسِلَ) (فَنغرقَكُم) بالنون في الخمسة (٣)، على وجه الإخبار من الله عن نفسه بلفظ الجمع تعظيمًا، وهو الواحد الأحد تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وبالياء فيهن النقط من تحته (٤)، على وجه الإخبار عنه بلفظ الغيبة،

стр. 2248

لقوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾ (١). ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (يوم) يحتمل أن يكون منصوبًا بإضمار اذكر، أي: اذكر يا محمد يوم ندعو، فيكون مفعولًا به. وأن يكون ظرفًا إما لما دل عليه قوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ على: نعطي كل إنسان كتابه في ذلك اليوم، أو لما دل عليه ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾، أي: ولا يظلمون في ذلك اليوم. أو لما دل عليه ﴿مَتَى هُوَ﴾ (٢) أي: يقع أو يكون في اليوم، أو لقوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ (٣)، أو لما دل عليه معنى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ (٤). ولا يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ (٥) كما زعم بعضهم (٦)، لأن المراد بالتفضيل هنا في الدنيا (٧). ولا ﴿نَدْعُو﴾ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف (٨). وقد جوز أن يكون بدلًا من ﴿يَومَ يَدْعُوكُمْ﴾ (٩) وذلك جائز، وإن طال ما بينهما (١٠).

стр. 2249

والجمهور على البناء للفاعل في ﴿نَدْعُو كُلَّ﴾، وقرئ: (يُدْعَوْ) بضم الياء وفتح العين وواو بعدها، ورفع (كل) على البناء للمفعول (١)، على قلب الألف واوًا، والأصل يُدْعَا، وبه قرأ بعض القراء (٢) على لغة من يقول: أَفْعَوْ وحُبْلَوْ، وذكر ذلك صاحب الكتاب رحمه الله تعالى، وأكثر هذا القلب إنما يكون في الوقف، وإجراء الوصل مجرى الوقف غير مُنْكَرٍ في كلام القوم. وقد جُوِّزَ أن تكون الواو في (يُدْعَوْ) علامة الجمع، كما في ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣) على أحد الأوجه (٤). قال الزمخشري: والرفع مقدر كما في (يدعى) فيمن قرأ ولم يؤتِ بالنون قِلَّةَ مبالاة بها؛ لأنها غير ضمير، ليست إلا علامة، انتهى كلامه (٥). وليس قول من قال (٦): إنها ضمير - والأصل يُدْعَوْن، فحذف النون، و (كُلُّ) بدل من الضمير - بمستقيم، لأن النون الذي هو علم الرفع لا يجوز حذفه إلا بعامل ناصب أو جازم فاعرفه. والباء في ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿نَدْعُو﴾ لأن كل أناس يُدْعَى بإمامه في ذلك اليوم، فيقال: يا أتباع فلان, أو يا أهل دين كذا، أو كتاب كذا على ما فسر (٧). وأن يكون حالًا من ﴿كُلَّ أُنَاسٍ﴾ أي: ندعوهم مختلطين بإمامهم، على: ندعوهم وإمامهم، أو معهم إمامهم، أي كتابهم الذي في أعمالهم.

стр. 2250

وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (فتيلًا) مفعول ثان، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: مقدار فتيل، والفتيل: القشرة التي في شق النواة، ويقال: هو مما يفتل بين الإصبعين من الوسخ ويطرح، يضرب به المثل في الشيء الحقير (١). ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ (أعمى) الأول: بمعنى فاعل، من عَمِيَ يعمى فهو أَعْمَى، وقوم عُمْيٌ كأحول وأعور. وأما الثاني: فهو للتفضيل بدلالة ما عطف عليه، وهو قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، وكما أن هذا لا يكون إلا على أفعل الذي يقتضي (مِن) كذلك المعطوف عليه، ومن ثم قرأ ابن العلاء: الأول ممالًا، والثاني مَفَخّمًا (٢)، لأن أفعل التفضيل تمامه بمِن، فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلام كأعماهم، وأما الأول فلم يتعلق به شيء، فكانت ألفه واقعة في الطرف معرضة للإمالة، أي: ومن كان في هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى، أي: أعمى منه في الدنيا, لأنه إذا عَمِيَ في الدنيا، وقد عَرَّفه الله الهدى، وجعل له التوبة وُصْلَةً، وفسح له في ذلك إلى وقت مماته، فعمي عن رشده ولم يتب، ففي الآخرة لا يجد متابًا ولا مُتَخَلَّصًا مما هو فيه، فهو في الآخرة أشد عمىً, لأنه فاته وقت العمل، فاعرفه فإنه من كلام أبي إسحاق (٣). و﴿فِي﴾: في الموضعين متعلقة بـ ﴿أَعْمَى﴾. و ﴿سَبِيلًا﴾: نصب على التمييز.

стр. 2251

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (إن) مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، ومثلها: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ (١)، والمعنى: أن الأمر أو الشأن قاربوا أن يزيلوك ويصرفوك عن القرآن وما فيه من الأحكام. يقال: فتنه عن كذا، إذا صرفه عنه وأزاله. وقوله: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ اللام من صلة يفتنونك، أي: لتختلق علينا غير الذي أوحينا إليك. وقوله: ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ وفي الكلام حذف تقديره: لو فعلت ما دَعَوكَ إليه لاتخذوك خليلًا، و ﴿خَلِيلًا﴾: مفعول ثان. ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾: قوله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ (أن) وما اتصل بها في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: لولا تثبيتنا لك وعصمتنا، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ لقارب أن تميل إلى خدعهم ومكرهم، ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ أي: ركونًا قليلًا، و ﴿شَيْئًا﴾: واقع موقع المصدر، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٢)، وقد مضى الكلام على معنى الركون ومستقبله في "هود" عند قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ (٣) فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾:

стр. 2252

قوله : ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ أي: لو وقع هذا الركون أو قارب لأذقناك ضعفَ عذاب الدنيا وضعفَ عذاب الآخرة، وضعفُ الشيء في اللغة: مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله. وقيل: الضعف: المثلان (١). و﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ ضعف الحياة: مفعول ثان، يقال: ذاق الشيءَ، وأذاقه الله وبال أمره. و ﴿إِذًا﴾ يأتي للجواب والجزاء. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ أي: ناصرًا. وقوله: (وإذًا لا يلبثون خَلْفَكَ) الجمهور على إثبات النون على إلغاء ﴿إِذًا﴾ لأجل العاطف قبلها، وهي إذا وقعت حشوًا لا تعمل، وعن أُبي ﵁: (وإذًا لا يلبثوا) بحذفها (٢)، على إعمال (إذن) ولم يعتد بالعاطف، لأنه قد يقع مستأنفًا، والتقدير: إن فعلوا ذلك إذن لا يلبثوا خلفك، أي: بعدك، يعني بعد خروجك. وقرئ: (خلافك) (٣)، وهو أيضًا بمعنى خلفك. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلا لبثًا أو زمانًا قليلًا. ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾: قوله : ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ انتصاب قوله ﴿سُنَّةَ﴾ على

стр. 2253

المصدر، وهو مصدر مؤكد، أي: سَنَنَّا ذلك سُنةً لمن أخرج نبيًا قبلك، وهو أن كل قوم أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم، سن الله فيهم أن يهلكهم، ولا تجد لسنة الله تحويلًا. وعن الفراء: هو منصوب على تقدير حذف الكاف، أي: كَسُنَّةِ، فلما حذف نصب (١). وقيل: هو مفعول به على معنى: اتبع سنة من تقدم (٢)، وليس بشيء إذ لا معنى عليه. ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾: قوله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: بعد دلوك الشمس، كقولك: كتبت لخمس خلون، أي: بعد خمس، ودلوك الشمس: زوالها، تقول العرب: دَلَكَتِ الشمسُ: إذا زالت، ويقال لها إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل: دلوكها غروبها، عن الخليل (٣). فإن كان الدلوك الزوال، فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب، فقد خرجت منها الظهر والعصر (٤). وقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يحتمل أن تكون: من صلة ﴿أَقِمِ﴾ فتكون لانتهاء غاية الإقامة، أي: إلى أن يدخل سواد الليل وظلمته. والغسق:

стр. 2254

الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء. وأن تكون حالًا من الصلاة، فتكون من صلة محذوف، أي: إلى ذلك الوقت. وقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ عطف على ﴿الصَّلَاةَ﴾ أي: وأقم قرآن الفجر، أي: صلاة الفجر. قيل: وإنما سميت الصلاة قرآنًا وهو القراءة، لأنها ركن، كما سميت ركوعًا وسجودًا (١). قال أبو إسحاق: وفي هذا الموضع فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة، لأن قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ وأقم قرآن الفجر، قد أمر أن نقيم الصلاة بالقراءة، حتى سميت الصلاة قرآنًا، فلا تكون صلاة إلا بقراءة، انتهى كلامه (٢). أو: واقرأ قرآن الفجر، أي: ما يقرأ به في صلاة الفجر. ولك أن تنصبه على الإغراء، أي: عليك، أو الزم قرآن الفجر، فيوقف على هذا الوجه على ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٣). ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾: قوله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ أي: وعليك بعض الليل، أي: وقم في بعض الليل فاستيقظ للصلاة. والتهجد: ترك الهجود وهو النوم، كقولهم: تحرّج، وتحوّب، إذا ترك الحرج والحُوب (٤). قيل: ولا يقال: للمستيقظ متهجدًا إلا إذا كان مصليًا (٥).

стр. 2255

وقوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن (١). وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ انتصاب قوله: ﴿نَافِلَةً﴾ إما على المصدر، كأنه قيل: فتهجد تَهَجُّدًا، فوُضع موضع (تهجدًا)، لأن التهجد عبادة زائدة، والنافلة كذلك، أو فتنفل تنفلًا، فتكون مصدرًا من معناه، وفاعلةٌ تكون مصدرًا كالعافية والعاقبة وشبههما. أو على الحال من الضمير في ﴿بِهِ﴾ إذ المراد به: الصلاة على أحد الوجهين، أي: فتهجد به زائدة. وقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا﴾ (أَن) وما اتصل بها في موضع رفع بـ ﴿عَسَى﴾، أي: وجب أو قرب بعث ربك إياك، وفي نصب (مقام) ثلاثة أوجه: أحدها: حال من الكاف، على معنى: أن يبعثك ذا مقام. والثاني: ظرف، وفي عامله وجهان - أحدهما: محذوف تقديره: عسى أن يبعثك ربك فيقيمك في مقام. والثاني: على تضمين البعث معنى الإقامة. والثالث: هو مصدر من غير لفظ الفعل المذكور، بمعنى: أن يبعثك فتقوم مقامًا. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾: قوله : ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ. . . مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ منصوبان على المصدر، كالإدخال والإخراج، ويجوز فتح ميمهما على: أدخلته فدخل، وأخرجته فخرج مَدخلًا ومَخرجًا، والمصدر من أَفْعَلَ مُفْعَلٌ ومِنْ فَعَلَ مَفْعَلٌ،

стр. 2256

وكذا المكان (١)، وإضافتهما إلى الصدق مدح لهما، أي: إدخالًا مرضيًا وإخراجًا مرضيًا. وقوله: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ أي: إن الباطل يذهب ويزول ولا يبقى، وزهوق: فعول من زَهَقَتْ نفسُهُ: إذا ماتت وذهبت، يعني: إن الباطل كثير الذهاب والاضمحلال، و ﴿كَانَ﴾ هنا يفيد الدوام. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾: قوله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (من) هنا يحتمل أن يكون للتبيين، أي: من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء، فجميع القرآن شفاء (٢). وأن تكون للتبعيض على: أن كل شيء نزل منه فهو شفاء للمؤمنين (٣). لا على: أن بعضه شفاء كما زعم بعضهم (٤)، لأن المنزل كله شفاء، بشهادة قوله ﵊: "مَنْ لَمْ يَسْتَشْفِ بالقُرْآنِ فَلَا شَفَاهُ الله" (٥). ولم يُفَصِّل ﷺ . وقيل: شفاء من الضلال. وقيل: من الجهل (٦). وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عطف على ﴿شِفَاءٌ﴾. وعن الكسائي: أنه أجاز نصب (رحمة) عطفًا على ﴿مَا﴾ (٧).

стр. 2257

وقوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (خسارًا) مفعول ثانٍ لـ ﴿يَزِيدُ﴾، أي: ولا يزيد القرآن المشركين إلا هلاكًا. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣)﴾: قوله : ﴿وَنَأَى﴾ قرئ: بألفٍ بعد الهمزة بوزن (نعا) (١) على الأصل، لأنه من النأي وهو البعد. وقرئ: بهمزة بعد الألف بوزن ناع (٢) على القلب بتقديم اللام على العين، كقولهم: رآني وراءني على الأصل والقلب كما ترى. وعن الفراء: أن (ناء) بمعنى نهض (٣)، أي: نهض بالمعصية والكبر، ومنه قوله جل ذكره: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (٤)، ومنه يسوؤك وينوؤك، أي: يثقل عليك، والوجه أن يكون مقلوبًا وعليه الجمهور، فَتَرْكُ القلبِ لغة أهل الحجاز، والقلبُ لغة هوازن وكنانة وكثير من الأنصار، عن الفراء أيضًا (٥). ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾: قوله : ﴿أَهْدَى سَبِيلًا﴾ يحتمل أن يكون أفعل من هدى غيره، وأن يكون من هدى بمعنى اهتدى، وأن يكون من اهتدى فيكون على حذف الزيادة (٦). و ﴿سَبِيلًا﴾: نصب على التمييز. أي: أَسَدُّ مذهبًا وطريقة، أو أحسن مذهبًا ودينًا.

стр. 2258

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾: قوله : ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ مبتدأ وخبره، أي: مِن علم ربي، أي: مما استأثر الله بعلمه. وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (من العلم) من صلة ﴿أُوتِيتُمْ﴾، ولا يجوز أن يكون حالًا من قليل، لأن ذلك يؤدي إلى جواز تقديم المعمول على ﴿إِلَّا﴾ وذلك لا يجوز، و ﴿قَلِيلًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿أُوتِيتُمْ﴾. ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾: قوله : ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا﴾ (إن) شرطية، واللام موطئة للقسم، و ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾ جواب قسم محذوف مع نيابته عن جواب الشرط، ومثله ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ. . . لَا يَأْتُونَ﴾ (١)، أي: فوالله لا يأتون بمثله، ثم حذف القسم للعلم به، وجواب الشرط لِسَدِّ جوابِ القسم مسده، وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب (٢). وقيل: ﴿لَا يَأْتُونَ﴾ هو جواب الشرط، وإنما لم ينجزم لكون فعل الشرط ماضيًا (٣). والوجه هو الأول، إذ السابق أولى بالجواب، والسابق هو القسم حكمًا بشهادة اللام الموطئة للقسم الداخلة عليها، أعني على إن الشرطية، فاعرفه فإنه موضع (٤).

стр. 2259

وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ (وكيلًا) مفعول ﴿تَجِدُ﴾، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للمذهوب به وهو القرآن، أي: لا تجد بعد الذهاب به مَن يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظًا مستورًا (١). ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾: قوله : ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ في نصب قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ وجهان: أحدهما: نصب على الاستثناء المنقطع، أي: ولكن رحمة كائنة من ربك أدركته فبقي في قلبك. والثاني: مفعول له، أي: بقيناه في صدرك رحمة، أي: لأجل الرحمة (٢). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾: قوله : ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ نصب بـ (أَبَى) على أنه مفعول به، و (أَبَى) فيه معنى النفي، ولذلك أتى بعده (إلا) مَيْلًا إلى المعنى، كأنه قيل: فلم يرضوه إلا كفورًا، أي: جحودًا للحق، وقيل: هو مصدر (٣) وفعله مقدر على: فأبى أكثر الناس إلا أن يكفروا كفورًا، والوجه هو الأول لمن تأمل.

стр. 2260

﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾: قوله : ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ يقال: فَجَرْتُ الماءَ فَجْرًا، إذا شققته وفتحته، وفجَّرْتُهُ أيضًا بالتشديد للتكثير والمبالغة، وقد قرئ بهما (١). و﴿يَنْبُوعًا﴾: نصب بـ ﴿تَفْجُرَ﴾، والينبوع: العين الذي ينبع فيها الماء، يفعول من نبع الماء، إذا فار، كيعبوب من عَبَّ، واليَعْبُوبُ: النهر الشديدُ الجِرْيَةِ. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾: قوله : ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾ عطف على ﴿تَفْجُرَ﴾. و ﴿نَخِيلٍ﴾. جمع نخل، كعبيد وكليب في جمع عبد وكلب. ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾: عطف على ﴿أَوْ تَكُونَ﴾. و ﴿الْأَنْهَارَ﴾: نصب بقوله: ﴿فَتُفَجِّرَ﴾ وهو جمع نهر، والنهر: المتسع من الأرض، و ﴿خِلَالَهَا﴾: نصب على الظرف وهو ظرف مكان، أي: في وسطها. ﴿تَفْجِيرًا﴾: مصدر مؤكد، أي: مرة بعد أخرى. ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾: قوله : ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ﴾ عطف على ﴿أَوْ تَكُونَ﴾. و ﴿السَّمَاءَ﴾: نصب بتسقط. ﴿كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر

стр. 2261

محذوف، و (ما) مصدرية، إسقاطًا مثل زعمك أن ربك إن شاء فعل، أي: مزعومك. وقرئ: (كِسَفًا) بفتح السين (١)، وهو جمع كِسْفَةٍ، كقِطَع وسِدَرٍ في جمع قِطْعة وسِدْرة. وبسكونها (٢)، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: مخففة من المفتوحة أو كسِدْرَة وسِدْرٍ. والثاني: هو واحد يؤدى عن جمع، وهو فعل بمعنى مفعول، وعن الفراء: سمع أعرابيًا يقول: أعطني كِسْفًا من هذا الثوب، أي: قطعة منه (٣). والثالث: هو مصدر يقال: كسفت الشيء كَسْفًا وكِسْفًا بفتح الكاف وكسرها، والمشهور في المصدر الفتح، وعليه الجل. قال أبو إسحاق: واشتقاقه من كَسَفْتُ الشَّيءَ، إذَا غَطَّيته، انتهى كلامه (٤). ومنه كُسِفَت الشمس. وانتصابه على الحال من ﴿السَّمَاءَ﴾، لأن أسقط فعل لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والحال هو ذو الحال في المعنى، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الكسف هو السماء، فيصير المعنى على الجمع، أو تسقط السماء علينا قطعًا مغطية، وعلى الإفراد طبقًا مغطيًا، وعلى المصدر ذات كسف، فاعرفه (٥). وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ عطف على ﴿أَوْ تُسْقِطَ﴾، والقبيل يكون مفردًا لفظًا ومعنىً، ومفردًا لفظًا، وجَمْعًا معنىً، وهو الكفيل،

стр. 2262

وقد قَبَلَ به يَقْبُلُ ويَقْبِلُ قَبالَةً، ونحن في قَبَالَتِهِ، أي: في كفالته وعرافته (١). ويكون مصدرًا كالنكير والنذير، وانتصابه على الحال على الأوجه الثلاثة، أما على الوجه الأول: فحال من الله جل ذكره وحده، على معنى: أو تأتي بالله قبيلًا، وبالملائكة قُبُلًا يقبلون بصحة ما تقول، كقوله: ٣٩٤ - . . . . . كُنْتُ منهُ ووالِدِي ... بَرِيًّا. . . . . . . . . . (٢) أي: كنت بريئًا ووالدي كذلك. وأما على الثاني: فحال منهما، وكذا الثالث، أي: ذوي قبيل، أي: مقابلة، يعني عيانًا. ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾: قوله : ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ عطف على ﴿أَوْ تَأْتِيَ﴾. و ﴿مِنْ زُخْرُفٍ﴾: في موضع الصفة لـ ﴿بَيْتٌ﴾. وقوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ عطف أيضًا منصوب، غير أنه لا يظهر فيه الإعراب لكون آخره ألفًا، أي: أو تصعد في معارج السماء، فحذف المضاف. يقال: رَقِيتُ في السُّلَّم أرقى رُقِيًّا، أي: صَعِدتَ (٣). وقوله: ﴿نَقْرَؤُهُ﴾ في محل النصب، إما على النعت لكتاب، أو على

стр. 2263

الحال من المنوي في ﴿عَلَيْنَا﴾ إن جعلته حالًا من كتاب لتقدمه عليه، وهو في الأصل صفة له، أي: كتابًا واردًا علينا، وإن جعلته من صلة ﴿تُنَزِّلَ﴾ [فلا] (١). وقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ قرئ: (قُلْ) على الأمر، و (قال) على الخبر (٢)، على وجه الحكاية عن الرسول ﷺ . وقوله: ﴿بَشَرًا﴾ خبر ﴿كُنْتُ﴾، و ﴿رَسُولًا﴾ صفة له، أو خبر بعد خبر. ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾: قوله : ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ محل ﴿أَنْ﴾ الأولى مع صلتها نصب مفعول ثان لمنع، ومحل الثانية مع صلتها رفع فاعل له، أي: وما منعهم الإيمان إلا قولهم أبعث الله بشرًا رسولًا؟ و ﴿بَشَرًا﴾: مفعول لـ ﴿بَعَثَ﴾. و ﴿رَسُولًا﴾: صفة له، أو حال منه وإن كان نكرة نظرًا إلى المعنى لا إلى اللفظ، إذ المراد به محمد ﷺ ، فاعرفه فإنه موضع لطيف (٣). ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾: قوله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾

стр. 2264

﴿مَلَائِكَةٌ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾. و ﴿يَمْشُونَ﴾ مهو: صفة للملائكة، و ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾: حال من الضمير في ﴿يَمْشُونَ﴾، أي: ساكنين في الأرض قارّين فيها، ومعنى الطمأنينة: السكون، والمراد بها هنا: الإقامة والاستيطان، وليس المراد السكون الذي هو ضد الحركة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ هو الخبر، ويكون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ظرفًا ليمشون؟ قلت: منع ذلك، لأنه لا كثير فائدة تحته، إذ لا يكون المشي في الغالب إلا على الأرض. وقوله: ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾. و ﴿مَلَكًا﴾: نصب بأنه مفعول به، و ﴿رَسُولًا﴾ صفة له. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾: قوله : ﴿شَهِيدًا﴾ حال أو تمييز، أي: كفاك الله في حال الشهادة، أو من الشهداء. وقوله: ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ كلاهما خبر كان. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾: قوله : ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿تَجِدَ﴾ وهو الجيد، وأن يكون صفة لأولياء. وقوله: ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ في محل النصب على الحال، أي: ماشين على وجوههم [بشهادة قوله ﷺ حين سئل كيف يمشون على وجوههم] (١)؟ فقال: "إنَّ الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أنْ يمشيهم على

стр. 2265

وجوههم" (١). أي: مسحوبين، بدليل قوله جل ذكره: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ (٢). وقوله: ﴿عُمْيًا﴾ حال إما من الهاء والميم في ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ أو من المنوي في الظرف، وما بعده من الأحوال عطف عليه. وقوله: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ حال أخرى وهي مقدرة، ويحتمل أن يكون مستأنفًا. وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ محل الجملة النصب على الحال من ﴿جَهَنَّمُ﴾، والعامل فيها ما في مأوى من معنى الفعل، أي: يصيرون أو: يأوون إليها مسعورة أو مُحْمَاةً، ولا يجوز أن تكون صفة لها لكونها معرفة والجملة نكرة، ولك أن تجعلها مستأنفة. و ﴿كُلَّمَا﴾: ظرف لزدنا. ﴿سَعِيرًا﴾: مفعول ثان. ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ﴾ (ذلك): مبتدأ، والإشارة إلى ما وصف من حشرهم على الصفات المذكورة، و ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: خبره. و ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: من صلة الجزاء. أو ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: بدل من ﴿ذَلِكَ﴾ أو: عطف بيان له، و ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الخبر، فيكون متعلقًا بمحذوف. وقوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ قد ذكرت

стр. 2266

قبيل (١) أن العامل في (إذا) محذوف دل عليه (مبعوثون) أي: أنُبعث إذا صرنا عظامًا؟ لا (مبعوثون)، لأن ما بعد (إِنَّ) لا يعمل فيما قبلها. و ﴿خَلْقًا﴾: منصوب على المصدر من غير اللفظ، كأنه قيل: لمخلوقون خلقًا جديدًا (٢). ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾ عطف على ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ لأن المعنى: قد علموا (٣)، أو الرؤية هنا بمعنى العلم. وقوله: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ قد مضى الكلام عليه قبيل (٤). ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾: قوله : ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ محل ﴿أَنْتُمْ﴾ الرفع على الفاعلية بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر، لا على الابتداء، لأن (لو) حقها أن تدخل على الفعل دون الاسم كإنْ الشرطية، والتقدير: لو تملكون تملكون، فلما أضمر الفعل على شريطة التفسير صار الضمير المتصل منفصلًا لسقوط ما يتصل به من اللفظ، أو أبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو والضمير المنفصل الذي هو (أنتم) لما ذكرت آنفًا، فاعرفه فإنه موضع (٥).

стр. 2267

وقوله: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾. ومفعول (أمسكتم) محذوف، أي: لأمسكتم يدكم أو أموالكم عند الصدقةِ والبذل. وقيل: هو لازم، أي: لبخِلْتُمْ (١). والإمساك: البخل، والممسك: البخيل، و ﴿خَشْيَةَ﴾: مفعول له، أي: لخشية الإِنفاق، والإنفاق ها هنا الفقر (٢)، يقال: أنفق الرجل وأمْلَق وأقْتر: إذا افتقر وذهب ماله، والإنفاق أيضًا: إخراج المال في وجوه الإِرادة. وقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ أي: بخيلًا ممسكًا، وسماهم قتورًا وإن كان فيهم الجواد، لأن كل جواد بخيل بالإضافة إلى جود الله وكرمه جلت قدرته. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)﴾: قوله : ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (بينات) نعت لـ ﴿آيَاتٍ﴾، أو لـ ﴿تِسْعَ﴾، فتكون في موضع نصب. وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ اختلف في تأويله: فقيل: التقدير فاسأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى ﵇ وبين فرعون وقومه. وقيل: التقدير فقلنا لموسى: سل بني إسرائيل، أي: سلهم مِن (٣)

стр. 2268

فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم، أو سلهم أن يعاضدوك، وتكون قلوبهم وأيديهم معك، تعضده قراءة من قرأ: (فسَالَ بني إسرائيل). على لفظ الماضي بغير همز، وهي لغة قريش، وهو رسول الله ﷺ وغيره (١). فإذا فهم هذا، فقوله : ﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ على الوجه الأول: معمول (جرى) المقدر المذكور، بمعنى: سلهم عما جرى حين جاءهم، أو عن (٢) قول موسى إذ جاءهم، أو ما يشبه هذا المعنى، ولا يجوز أن يكون معمول سل، لأنَّ السؤال لم يكن في ذلك الوقت. وأما على الوحه الثاني: فمعمول القول المقدر، أي: فقلنا له: سلهم حين جاءهم، أي: فقلنا له حين جاءهم سلهم، أو سل، أو: فَسَأل على قول من قرأ على الخبر. وقد جُوّز أيضًا أن يكون ظرفًا لـ ﴿آتَيْنَا﴾، وأن يكون مفعولًا به على تقدير: اذكر إذ جاءهم (٣). والمأمور [به] (٤) نبينا ﷺ على هذين الوجهين،

стр. 2269

فاعرفه فإنه موضع مشكل. ومعنى ﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾: إذ جاء آباءهم (١). وقوله: ﴿مَسْحُورًا﴾ فيه وجهان - أحدهما: على بابه، أي: سُحِرْتَ حتى زال عقلك. والثاني: بمعنى فاعل، أي: إني لأظنك ساحرًا، كقوله: ﴿مَأْتِيًّا﴾ (٢) أي: آتيًا. ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾: قوله : ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ قرئ: بفتح التاء (٣)، على الخطاب لفرعون، لأنه قد علم وتحقق صحة ما جاء به ﵊، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٤). أي: لقد علمت أن هذه المعجزات لم ينزلها إلا الله ، ولكنك عاندتَ. وبالضم (٥)، على إسناد الفعل إلى موسى ﵇ على معنى: إني لست بمسحور كما وصفتني، بل عالم بصحة الأمر، وإنَّ هذه المعجزات منزلها رب السموات. وبالفتح قرأ ابن عباس ﵄ (٦) محتجًا بقوله سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ قائلًا: إنَّ علم موسى لا يكون حجة على فرعون (٧).

стр. 2270

وقوله: ﴿بَصَائِرَ﴾ انتصابها على الحال من ﴿هَؤُلَاءِ﴾، أي: عِبَرًا ودلالات، أو على المفعول له، أي: للعبر (١). وقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: لأعلم وأتيقن، وإنَّما جيء بلفظ الظن دون العلم لأجل التشاكل. و ﴿مَثْبُورًا﴾: مفعول ثان للظن، وكذا ﴿مَسْحُورًا﴾ (٢)، والمثبور: المُهْلَكُ، ثَبَرْتُهُ، أي: أهلكته، والمثبور أيضًا: المحبوس عن الخير المصروف عنه، من قولهم: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك وصرفك (٣)؟ ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾: قوله : ﴿جَمِيعًا﴾ حال من فرعون ومن معه. وقوله: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ حال أيضًا بمعنى: جميعًا، وهو فعيل بمعنى الجمع، وهم المختلطون من كل شكل، يقال: جاؤوا بلفهم ولفيفهم، أي: وأخلاطهم، وهم المجتمعون من قبائل شتى. وقيل: هو مصدر كالنكير والنذير، فيكون مصدرًا في موضع الحال، أي: مجتمعين، أو: ذوي لفيف (٤). ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾: قوله : ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الباء من صلة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، أي: أنزلنا القرآن بالحق، أي: بسبب إثبات الحق وإقامته. وقد جوز أن تكون في موضع الحال، إما من الفاعل بمعنى: أنزلناه ملتبسين بالحق أو محققين،

стр. 2271

أو: ومعنا الحق. أو من المفعول، أي: أنزلناه: ملتبسًا بالحق، أو: ومعه الحق، أو غير مشكوك فيه، كقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (١). وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ يحتمل أيضًا أن تكون من صلة ﴿نَزَلَ﴾، أي: ونزل بالحق، وأن تكون في موضع الحال، أي: ملتبسًا أو غير مشكوك فيه، ونحو هذا. وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (مبشرًا ونذيرًا) حالان من الكاف، أي: مبشرًا للمؤمنين ونذيرًا لهم، يعني: تبشرهم بالجنة، وتنذرهم من النار، أو مبشرًا للمؤمنين ونذيرًا للكافرين. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾: قوله : ﴿وَقُرْآنًا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: منصوب بفعل مضمر يفسره ﴿فَرَقْنَاهُ﴾، أي: وفرقنا قرآنًا فرقناه، ونصب ولم يرفع وإن كان جائزًا، لأن قبله فعل وفاعل فاختير النصب لذلك. والثاني: عطف على قوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) أي: مبشرًا ونذيرًا وذا قرآن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثالث: منصوب على تقدير: وآتيناك قرآنًا، دل عليه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى﴾ (٣) والمختار الوجه الأول وعليه الجمهور (٤).

стр. 2272

فإن قلت: ما محل ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ من الإعراب على الأوجه المذكورة؟ قلت: أما على الوجه الأول: فلا محل له لأنه مفسر، وأما على الثاني والثالث: فمحله النصب على النعت لقرآن. والجمهور على تخفيف الراء في (فَرَقْناه)، وقرئ: (فَرَّقْنَاهُ) مشددًا (١)، بمعنى: فصلناه ونزلناه مفرقًا شيئًا بعد شيء. وعن ابن عباس ﵄ أنه قرأ مشددًا، وقال: لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة (٢). قيل: والتخفيف في معناه (٣). وقيل: معناه فرقناه بين الحق والباطل (٤)، فلما حذف الجار وصل الفعل إليه فنصب. وقيل: معناه: بيناه (٥). وقوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ﴾ من صلة ﴿فَرَقْنَاهُ﴾. وقوله: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿لِتَقْرَأَهُ﴾، أي: متمهلًا، ليفهموه بالتمهل، ويعلموا ما فيه بالتفكر، أو متمكثًا على قدر نزوله، وذلك أنه كان ينزل عليه ﵊ شيء ثم يمكث بعده ما شاء الله، ثم ينزل بعده شيء آخر على ما فسر (٦)، والمكث بضم الميم وفتحها وكسرها لغات (٧)، ومعناه التثبت والتوقف.

стр. 2273

وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ التنزيل: هو إنزال شيء بعد شيء، وقد نزله سبحانه على حسب الحوادث والحاجات، وهو مصدر مؤكد لفعله. ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾: قوله : ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ﴾ (إذا) منصوب بـ ﴿يَخِرُّونَ﴾. وقوله: ﴿لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ اللام من صلة ﴿يَخِرُّونَ﴾ وهي على بابها، يقال: خر لِذَقَنِهِ ولوجهه، جعل ذَقَنَهُ ووجهه للخرور، وهو السقوط، وخص باللام لأن اللام للاختصاص. وقيل: هي بمعنى على (١). وذقن الشخص: مجمع لحييه، قيل: وإنما خُصَّ الذقن بالخرور، وهو للوجه، لأن الساجد أول ما يلقى به الأرض من وجهه الذقن (٢). و﴿سُجَّدًا﴾: جمع ساجد، وانتصابه على الحال من الضمير في ﴿يَخِرُّونَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾: قوله : ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ عطف على ﴿يَخِرُّونَ﴾. وقوله: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية على ما ذكر في غير موضع (٣)، أي: إن الأمر أو الشأن كان وعد ربنا لمفعولًا. وقيل: إنَّ ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) واللام بمعنى إلا وهو مذهب أهل الكوفة (٤).

стр. 2274

﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾: قوله : ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ عطف على ما قبله، ومحل ﴿يَبْكُونَ﴾ النصب على الحال من الضمير في ﴿يَخِرُّونَ﴾. وقيل: وإنما كرر ﴿يَخِرُّونَ﴾ لاختلاف الحالين وهما: خرورهم في حال كونهم ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين (١). وقوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ مفعول ثان، أي: ويزيدهم القرآن، أي: تلاوته، أو السجود، أو البكاء، أو: الخرور خشوعًا، أي: تواضعًا لله جل ذكره. ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾: قوله : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ الدعاء هنا يتعدى إلى مفعولين، لأنه بمعنى التسمية لا بمعنى النداء، يقال: دعوته زيدًا، أي: سميته زيدًا، ثم يترك أحدهما استغناء عنه، فيقال: دعوت زيدًا، قاله الزمخشري، ثم قال: والله والرحمن المراد بهما الاسم لا المسمى، وأو للتخيير، فمعنى: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَن﴾ سَمُّوا بهذا الاسم أو بهذا، واذكوا إما هذا وإما هذا (٢). وقوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ (أَيًّا) منصوب بـ ﴿تَدْعُوا﴾، والتنوين فيه عوض من المضاف إليه، و (ما) مزيدة مؤكدة عند الجمهور، و ﴿تَدْعُوا﴾ مجزوم [به] (٣) والأصل: تدعون، لأنه خطاب للجماعة. وقوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ جواب الشرط، والمعنى: أيّ هذين

стр. 2275

الاسمين سميتم وذكرتم فقد أصبتم، أو فهو حسن، لأن أسماءه صفات مدح لذاته وأفعاله. وقيل: (ما) شرطية، وجاز الجمع بينهما لاختلاف اللفظين و (ما) على هذا الوجه معمول ﴿تَدْعُوا﴾، وتدعوا معمول له، و ﴿أَيًّا﴾ منصوب بفعل مضمر دل عليه ﴿تَدْعُوا﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ المخافتة والتخافت: إسرار المنطق، والخفت مثله، يقال: خَفَتَ صوته خَفْتًا، إذا ضعّفه، وخفت صوتُه خُفُوتًا، إذا سكن، يتعدى ولا يتعدى، قال: ٣٩٥ - أُخَاطِبُ جَهْرًا إذْ لَهُنَّ تَخَافُتٌ ... وَشَتَّانَ بَيْنَ الجَهْرِ وَالمَنْطِقِ الخَفْتِ (٢) والجهر: رفع الصوت. وقوله: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: واطلب سبيلًا بين الجهر والمخافتة. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾: قوله : ﴿وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: ناصر من أجل الذُّلِّ. وقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: وعظمه تعظيمًا. هذا آخر إعراب سورة الإسراء [بكمالها] (٣) والحمد لله وحده

стр. 2276

إعراب سُورَةُ الكَهْفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾: قوله : ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أي: اختلافًا والتباسًا بحيث يناقض بعضه بعضًا، والعِوج بكسر العين في المعاني كالعَوج بفتحها في الأعيان، يقال: في دينه عِوَجٌ، وفي العصا عَوَجٌ (١)، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عنه كقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢). وقوله: ﴿قَيِّمًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: منصوب على الحال من الكتاب، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: أنزل على عبده الكتاب قيمًا، ولم يجعل له عوجًا، فقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ اعتراض بين الحال وبين ذي الحال الذي هو الكتاب.

стр. 2277

والثاني: منصوب بإضمار فعل، أي: ولكن جعله قيمًا، لأنه إذا نفى عنه العوج، فقد أثبت له الاستقامة، فيكون مفعولًا ثانيًا لهذا الفعل المقدر، واختير هذا الوجه (١). وقيل: لأن قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ عطف على ﴿أَنْزَلَ﴾ فهو داخل في حيّز الصلة، فجاعله حالًا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة (٢). قلت: وهو جائز، لأن كليهما داخل في الصلة. ولك أن تجعل قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ حالًا أيضًا من الكتاب، إحداهما جملة، والأخرى مفردة، وهو الجيد، لأنه يغنيك عن التقديم والتأخير والإضمار. وقد جوز أن يكون حالًا من الضمير في ﴿لَهُ﴾، وأن يكون التقدير: أنزله قيّمًا، فيكون حالًا أيضًا، وفي الحال هنا وجهان - أحدهما: مؤكدة. والثاني: منتقلة (٣). وقوله: ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيمًا، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). وقيل: قيمًا على جميع كتب الله، مصدقًا لها، شاهدًا بصحتها (٥). وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ من صلة ﴿أَنْزَلَ﴾، وفاعل الإِنذار

стр. 2278

محمد ﷺ أو ﴿الْكِتَابَ﴾، وأحد مفعوليه محذوف، أي: لينذركم، والإنذار: الإعلام مع تخويف. وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ يحتمل أن يكون من صلة الإنذار، وأن يكون صفة أخرى لقوله: ﴿بَأْسًا﴾ وأن يكون حالًا منه لكونه قد وصف، أو من المنوي في ﴿شَدِيدًا﴾ أي: صادرًا من قبله. وفي (لدن) لغات: لَدُنْ بفتح اللام وضم الدال وسكون النون، وهي الفصيحة وعليها الجمهور من القراء، ويسكن الدال مشما (١)، تنبيهًا على أصله، وقد أوضحت ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة (٢). وقوله: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ انتصاب ﴿مَاكِثِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾ والعامل فيها الاستقرار. ولا يجوز أن يكون صفة لأجر، لأجل الضمير الراجع من ﴿فِيهِ﴾ إلى الأجر كما زعم بعضهم (٣) لأنه لو كان صفة له لقيل: ماكثين هم فيه، بإبراز الضمير الذي في اسم الفاعل لأنه للقوم، وقد جرى على الأجر، وذلك أن اسم الفاعل إذا جرى صفة أو خبرًا أو حالًا أو صلة على غير من هو له لم يستتر فيه ضمير الفاعل، بخلاف الفعل (٤).

стр. 2279

و ﴿أَبَدًا﴾: ظرف لـ ﴿مَاكِثِينَ﴾ أي: مقيمين في ذلك الأجر، وهو الجنة. ﴿أَبَدًا﴾، أي: دائمًا. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾: قوله : ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بالولد، أو باتخاذه، ومحل الجملة النصب، إما على النعت لقوله: ﴿وَلَدًا﴾ أو على الحال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾ أي: قالوا ذلك جاهلين. وقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿كَلِمَةً﴾، وانتصابها على التمييز، والفاعل مضمر، و ﴿كَلِمَةً﴾ تفسير له، والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: كبرت الكلمةُ كَلِمَةً كَلِمَةٌ (١)، كقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ (٢) أي: ساء المثل مثلًا مثل القوم. و﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: صمْة للكلمة التي هي المخصوص بالذم لا للمفسرة كما زعم الجمهور، لأنها القائمة مقام المخصوص بالذم، والفائدة بها منوطة، أعني بالصفة. هذا إذا جعلت كبر من باب نعم وبئس كقولك: كرم رجلًا زيد، ولؤم رجلًا عمرو، وأما إذا أُخرجت من هذا الباب ونصبت (كلمة) على التمييز في الفعل المنقول (٣) كقولك: تَصبَّبْتُ عرقًا، كان صفة لها، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. فإن قلت: ما حملك أن تخرجه من باب نعم وبئس؟ قلت: لأن الضمير في ﴿كَبُرَتْ﴾ راجع إلى مذكور وهو قولهم: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ

стр. 2280

وَلَدًا﴾، وفاعل نعم وبئس لا يكون معهودًا. والمراد بالكلمة التي هي الفاعلة: قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، وسميت كلمة، كما سميت القصيدة وإن كانت مائة بيت كلمة (١). وقرئ: (كَلِمَةٌ) بالرفع (٢)، وارتفاعها على الفاعلية على معنى: عظمت. و ﴿كَبُرَتْ﴾ على هذه ليس بمعنى بئس، و ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ صفة لها. قال الزمخشري: والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة، ثم قال: وقرئ: (كَبْرَتْ) بسكون الباء مع إشمام الضمة، انتهى كلامه (٣)، والإسكان تخفيف، والإشمام تنبيه. وقوله: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (إن) هنا بمعنى النفي، و ﴿كَذِبًا﴾ نصب، بـ ﴿يَقُولُونَ﴾ على أنه مفعول به، أو نعت لمصدر محذوف، أي: قولًا كذبًا، والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾: قوله : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الجمهور على تنوين ﴿بَاخِعٌ﴾، ونصب قوله: ﴿نَفْسَكَ﴾ على الأصل، وقرئ: بحذفه وجر ما بعده على الإِضافة (٤). وعلى كسر (إنْ) في قوله: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ على أنها الشرطية.
следующие страницы →