← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

إعراب سُورَةُ الكَهْفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾: قوله : ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أي: اختلافًا والتباسًا بحيث يناقض بعضه بعضًا، والعِوج بكسر العين في المعاني كالعَوج بفتحها في الأعيان، يقال: في دينه عِوَجٌ، وفي العصا عَوَجٌ (١)، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عنه كقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢). وقوله: ﴿قَيِّمًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: منصوب على الحال من الكتاب، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: أنزل على عبده الكتاب قيمًا، ولم يجعل له عوجًا، فقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ اعتراض بين الحال وبين ذي الحال الذي هو الكتاب.

стр. 2277

والثاني: منصوب بإضمار فعل، أي: ولكن جعله قيمًا، لأنه إذا نفى عنه العوج، فقد أثبت له الاستقامة، فيكون مفعولًا ثانيًا لهذا الفعل المقدر، واختير هذا الوجه (١). وقيل: لأن قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ عطف على ﴿أَنْزَلَ﴾ فهو داخل في حيّز الصلة، فجاعله حالًا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة (٢). قلت: وهو جائز، لأن كليهما داخل في الصلة. ولك أن تجعل قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ حالًا أيضًا من الكتاب، إحداهما جملة، والأخرى مفردة، وهو الجيد، لأنه يغنيك عن التقديم والتأخير والإضمار. وقد جوز أن يكون حالًا من الضمير في ﴿لَهُ﴾، وأن يكون التقدير: أنزله قيّمًا، فيكون حالًا أيضًا، وفي الحال هنا وجهان - أحدهما: مؤكدة. والثاني: منتقلة (٣). وقوله: ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيمًا، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). وقيل: قيمًا على جميع كتب الله، مصدقًا لها، شاهدًا بصحتها (٥). وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ من صلة ﴿أَنْزَلَ﴾، وفاعل الإِنذار

стр. 2278

محمد ﷺ أو ﴿الْكِتَابَ﴾، وأحد مفعوليه محذوف، أي: لينذركم، والإنذار: الإعلام مع تخويف. وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ يحتمل أن يكون من صلة الإنذار، وأن يكون صفة أخرى لقوله: ﴿بَأْسًا﴾ وأن يكون حالًا منه لكونه قد وصف، أو من المنوي في ﴿شَدِيدًا﴾ أي: صادرًا من قبله. وفي (لدن) لغات: لَدُنْ بفتح اللام وضم الدال وسكون النون، وهي الفصيحة وعليها الجمهور من القراء، ويسكن الدال مشما (١)، تنبيهًا على أصله، وقد أوضحت ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة (٢). وقوله: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ انتصاب ﴿مَاكِثِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾ والعامل فيها الاستقرار. ولا يجوز أن يكون صفة لأجر، لأجل الضمير الراجع من ﴿فِيهِ﴾ إلى الأجر كما زعم بعضهم (٣) لأنه لو كان صفة له لقيل: ماكثين هم فيه، بإبراز الضمير الذي في اسم الفاعل لأنه للقوم، وقد جرى على الأجر، وذلك أن اسم الفاعل إذا جرى صفة أو خبرًا أو حالًا أو صلة على غير من هو له لم يستتر فيه ضمير الفاعل، بخلاف الفعل (٤).

стр. 2279

و ﴿أَبَدًا﴾: ظرف لـ ﴿مَاكِثِينَ﴾ أي: مقيمين في ذلك الأجر، وهو الجنة. ﴿أَبَدًا﴾، أي: دائمًا. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾: قوله : ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بالولد، أو باتخاذه، ومحل الجملة النصب، إما على النعت لقوله: ﴿وَلَدًا﴾ أو على الحال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾ أي: قالوا ذلك جاهلين. وقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿كَلِمَةً﴾، وانتصابها على التمييز، والفاعل مضمر، و ﴿كَلِمَةً﴾ تفسير له، والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: كبرت الكلمةُ كَلِمَةً كَلِمَةٌ (١)، كقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ (٢) أي: ساء المثل مثلًا مثل القوم. و﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: صمْة للكلمة التي هي المخصوص بالذم لا للمفسرة كما زعم الجمهور، لأنها القائمة مقام المخصوص بالذم، والفائدة بها منوطة، أعني بالصفة. هذا إذا جعلت كبر من باب نعم وبئس كقولك: كرم رجلًا زيد، ولؤم رجلًا عمرو، وأما إذا أُخرجت من هذا الباب ونصبت (كلمة) على التمييز في الفعل المنقول (٣) كقولك: تَصبَّبْتُ عرقًا، كان صفة لها، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. فإن قلت: ما حملك أن تخرجه من باب نعم وبئس؟ قلت: لأن الضمير في ﴿كَبُرَتْ﴾ راجع إلى مذكور وهو قولهم: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ

стр. 2280

وَلَدًا﴾، وفاعل نعم وبئس لا يكون معهودًا. والمراد بالكلمة التي هي الفاعلة: قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، وسميت كلمة، كما سميت القصيدة وإن كانت مائة بيت كلمة (١). وقرئ: (كَلِمَةٌ) بالرفع (٢)، وارتفاعها على الفاعلية على معنى: عظمت. و ﴿كَبُرَتْ﴾ على هذه ليس بمعنى بئس، و ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ صفة لها. قال الزمخشري: والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة، ثم قال: وقرئ: (كَبْرَتْ) بسكون الباء مع إشمام الضمة، انتهى كلامه (٣)، والإسكان تخفيف، والإشمام تنبيه. وقوله: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (إن) هنا بمعنى النفي، و ﴿كَذِبًا﴾ نصب، بـ ﴿يَقُولُونَ﴾ على أنه مفعول به، أو نعت لمصدر محذوف، أي: قولًا كذبًا، والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾: قوله : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الجمهور على تنوين ﴿بَاخِعٌ﴾، ونصب قوله: ﴿نَفْسَكَ﴾ على الأصل، وقرئ: بحذفه وجر ما بعده على الإِضافة (٤). وعلى كسر (إنْ) في قوله: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ على أنها الشرطية.

стр. 2281

وقرئ: بفتحها (١) على أنها التعليلية، و ﴿بَاخِعٌ﴾ للاستقبال على القراءتين فيمن قرأ: (إن لم يؤمنوا) بالكسر، وللمضي فيمن قرأ: (أَنْ لم يؤمنوا) بالفتح، أي: لأن [لم] يؤمنوا. والباخع: القاتل، يقال: بخع نفسه يَبْخَعُهَا بَخْعًا، إذا قتلها، أي: قاتلها ومهلكها. وقوله: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ قيل: من بعد توليهم وإعراضهم عنك (٢). وقيل: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ على موتهم على الكفر (٣). يقال: بكى على أثر فلان، إذا بكى على فراقه. وقوله: ﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ أي: بهذا القرآن، و ﴿أَسَفًا﴾: مصدر في موضع الحال من المنوي في ﴿بَاخِعٌ﴾، أي: أسيفًا أو ذا أسف، أو مفعول له، أي: لفرط الحزن، أو لفرط الغيظ. والأسف: الحزن على ما فات، والأسف: الغيظ أيضًا، وقد أَسِفَ على ما فاته يَأْسَفُ أَسَفًا فهو أسِفٌ وأسِيفٌ، وأسِفَ عليه أَسَفًا، أي: غضب. وآسَفَهُ: أغضبه، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (٤). ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً﴾ جعل هنا يحتمل أن يكودْ متعديًا إلى مفعولين وهما ﴿مَا﴾ و ﴿زِينَةً﴾، وأن يكون متعديًا إلى واحد وهو ﴿مَا﴾، و ﴿زِينَةً﴾ مفعول [له]، أو حال أي: ذات زينة، أو ذا زينة،

стр. 2282

و (جعل) على الوجه الأول بمعنى صير، وعلى الثاني: بمعنى خلق. وفي ﴿مَا﴾ وجهان: أحدهما: على بابها، والمراد بها: ما على وجه الأرض من الشجر والنبات والمياه والمعادن والذهب والفضة وأنواع الجواهر، جعلها الله زينة لها زينها بها. والثاني: ﴿مَا﴾ بمعنى مَن، والمراد بها: الأنبياء ﵈ والعلماء، وقيل: حفظة القرآن. وقيل: جميع الرجال، جعلهم الله زينة للأرض. وقيل: ما على الأرض من المشتبهات المحرمات، جعلها زينة الأرض وزينها في أعين الخلق ليبلوهم بالصبر عنها. والوجه هو الأول وعليه الأكثر (١). وقوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ اللام من صلة ﴿جَعَلْنَا﴾. و ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ﴾: مبتدأ وخبر، ولم يعمل في أيٍّ ما قبله لأنه استفهام، والاستفهام له صدر الكلام، والمعنى: لتختبرهم أيهم أحسن عملًا في الترك والزهد فيها. و ﴿عَمَلًا﴾: نصب على التمييز. قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (ما): مفعول أول لِجاعلون. و ﴿صَعِيدًا﴾: هو المفعول الثاني، و ﴿جُرُزًا﴾: صفة له. والصعيد: التراب، والجرز: الأرض التي لا تنبت، كأنها تأكل ما عليها أكلًا، يعني: مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة. ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾: قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (أم) هنا هي المنقطعة بمعنى: بل أحسبت؟ و ﴿أَنَّ﴾ وما اتصل بها سدت مسد مفعولي الحسبان. و ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾: خبر كان، أي: آية من

стр. 2283

آياتنا. و ﴿عَجَبًا﴾: وصف لخبر كان، وصف بالمصدر، كقولك: رجلٌ عدلٌ، أو كانوا آية ذات عجب. ولك أن تجعل ﴿عَجَبًا﴾ خبر كان، و ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ حالًا منه، ولا يجوز أن تكون من صلة قوله: ﴿عَجَبًا﴾ لأن ما كان من صلة المصدر لا يتقدم عليه. ولك أن تجعل ﴿عَجَبًا﴾ حالًا من المنوي في الخبر، أو خبرًا بعد خبر. والكهف: المغارة الواسعة في الجبل، فإذا صَغُرَ فهو غار (١). واختلف في (الرقيم)، فقيل: هو اللوح الذي كانت فيه أسماؤهم (٢)، قيل: وإنما سمي رقيمًا، لأن أسماءهم كانت مرقومة فيه، والرقم: الكتابة. وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهف (٣). وقيل: اسم القرية التي خرج منها أصحاب الكهف (٤). وقيل: اسم كلبهم (٥). وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما أدري ما الرقيم، أكتاب أم بنيان؟ (٦).

стр. 2284

﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾: قوله : ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ (إذ) يجوز أن يكون منصوبًا بإضمار اذكر، أو يكون ظرفًا للظرف، وهو ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، أو لقوله: ﴿عَجَبًا﴾، لأن كونهم عجبًا وقع في ذلك الوقت. ولا يجوز أن يكون ظرفًا لـ ﴿حَسِبْتَ﴾ كما زعم بعضهم، لأن الحسبان لم يكن في ذلك الوقت. والفتية: الشبان، جمع فتى، كصبية في جمع صبي. ومعنى آووا إلى الكهف: أي صاروا إليه وجعلوه مأواهم. وقوله: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي: وأصلح لنا، يقال: هيأت الأمر، إذا أصلحته. وقيل: يسر وسهل من أمرنا رشدًا، أي: من أمرنا ما يكون سببًا للرشد. والرَّشَدُ والرُّشْدُ واحد، وكذلك الرشاد، وهو نقيض الضلال. فإن قلتَ: لِمَ لَمْ يختلف القراء فيه هنا كما اختلفوا فيه في آخر السورة؟ قلت: قيل: قصدوا التشاكل، لأن فواصل الآيات هنا على فَعَلٍ، نحو: أَمَدٍ وعَدَدٍ (١). ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾: وقوله : ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي: سددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها. والضَّرْبُ عليها عبارة عن السد. وقيل: هو من قولهم: ضربت عليه الحجاب، أي: ضربنا عليها حجابًا من أن تسمع، يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصواتُ،

стр. 2285

فحذف المفعول الذي هو الحجاب، كما يقال: بنى على حليلته، يريدون: بنى عليها القبة (١). و﴿سِنِينَ﴾: نصب على الظرف، و ﴿عَدَدًا﴾: صفة لـ ﴿سِنِينَ﴾، أي: ذوات عدد أو معدودة. وقد جوز أبو إسحاق أن يكون منصوبًا على المصدر مع تجويزه ما ذكرت، على معنى: تُعَدُّ عددًا. قلت: لو كان مصدرًا لكان مدغمًا. ثم قال: والفائدة في قولك: عدد في الأشياء المعدودات، أنك تريد توكيد كثرة الشيء، لأنه إذا قَلَّ فُهِمَ مقدارُهُ ومقدارُ عدده فلم يحتج أن يُعَدّ، وإذا كثر احتاج إلى أن يُعَد (٢). وقال غيره: يحتمل أن يريد الكثرة، وأن يريد القلة، لأن الكثير قليل عنده، كقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ (٣). ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ عطف على ﴿فَضَرَبْنَا﴾. ومعنى بعثناهم: أيقظناهم. وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾، الجمهور على النون في (لنعلم)، وقرئ: (لِيُعْلَمَ) على البناء للمفعول (٤)، والفعلان معلقان عن ﴿أَيُّ﴾ لكونه استفهامًا، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وارتفاعه بالابتداء، والخبر ﴿أَحْصَى﴾، وفاعل (٥) (يُعْلَمَ) مضمون الجملة، كما أنه مفعول (نَعْلَمَ) على قراءة الجمهور.

стр. 2286

وفي ﴿أَحْصَى﴾ وجهان: أحدهما: وهو الوجه وعليه الجمهور: أنه فعل ماض كقوله: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ (١)، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (٢)، وأن ﴿أَمَدًا﴾ نصب به، والأمد: الغاية، و (ما) مصدرية، واللام من ﴿لِمَا﴾ من صلة ﴿أَحْصَى﴾، وفي الكلام حذف مضاف، أي: لنعلم أيهم ضَبَطَ أَمَدًا لأوقاتِ لَبْثِهِم، كقولك: آتيك مقدمَ الحاج، وخفوقَ النجم، أي: وقتهما. وقيل: اللام مزيدة، و (ما) موصولة، و ﴿أَمَدًا﴾ نصب بقوله: ﴿لَبِثُوا﴾ (٣)، وليس بشيء لأنه لا معنى عليه، والوجه أن يكون منصوبًا على التمييز، أي: لنعلم أيهم ضبط ما لبثوه أو فيه أمدًا. والثاني: هو اسم، والمراد به التفضيل، وهو على حذف الزيادة كقولهم: مَا أَوْلَاهُ لِلْخَيْرِ، وَمَا أَعْطَاهُ لِلْدِرْهَمِ (٤). و ﴿أَمَدًا﴾ نصب على التمييز، أو بفعل دل عليه هذا الاسم وهو ﴿أَحْصَى﴾. وأنكر أبو علي ذلك وغيره، وقالوا: لأن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس، وما ذكره من بناء أفعل شاذ نادر، والقياس على الشاذ النادر في غير القرآن ممتنع، فكيف به؟ ولأن ﴿أَمَدًا﴾ لا يخلو إما أن تنصب بأفعل، فأفعل لا يعمل في ظاهر لضعفه، لأنه مشبه بالصفة المشبهة باسم الفاعل، فلما كانت الصفة التي شبه أفعل بها لا تعمل إلا في السبب، وكان أفعل أنقص منها درجة لم يعمل إلا في المضمر. وإما أن تنصب بقوله: ﴿لَبِثُوا﴾ فلا يسد عليه المعنى، فإن زعمت أني أنصبه بإضمار فعل يدل عليه ﴿أَحْصَى﴾ كما أضمر في قوله: ٣٩٦ - . . . . . . . . . . . ... وَأَضْرَبَ مِنَّا بالسُّيُوفِ القَوَانِسَا (٥)

стр. 2287

على: نضرب القوانسا، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون أحصى فعلًا، ثم رجعت مضطرًا إلى تقديره وإضماره (١). ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾: قوله : ﴿إِذْ قَامُوا﴾ (إذ) ظرف لـ (زدنا) أو لـ (ربطنا)، ومعنى ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: وقوينا قلوبهم على إتمام ما نووا، وقيل: ثبتنا قلوبهم وألهمناها الصبر (٢). وقوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ يجوز أن يكون مفعول القول، وأن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: قولًا شططًا، والأصل: قولًا ذا شطط، وهو الجور والإِفراط في الظلم والإِبعاد فيه، من شَطَّ، إذا بعد، وشط أيضًا وأشط، إذا جار. وعن أبي عمرو: الشطط مجاوزة القدر في كل شيء (٣). ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾: قوله : ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا﴾ (هؤلاء) رفع بالابتداء، و ﴿قَوْمُنَا﴾: عطف بيان، والخبر ﴿اتَّخَذُوا﴾ أو ﴿قَوْمُنَا﴾ الخبر، و ﴿اتَّخَذُوا﴾ خبر بعد خبر (٤). وقوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هَلَّا وَهُوَ تحضيض،

стр. 2288

وفي الكلام حذف مضاف، أي: هلا يأتون على عبادتهم، أو على دعواهم بأنها آلهة، فحذف المضاف. ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: أي: بحجة ظاهرة. و ﴿كَذِبًا﴾: نصب بـ ﴿افْتَرَى﴾، ولك أن توقعه موقع افتراء. ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾: قوله : ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ (إذ) نصب بمضمر تقديره: وقال بعضهم لبعض: إذ اعتزلتموهم، وهذا خطاب من بعضهم لبعض. وفي (ما) ثلاثة أوجه: أحدها: موصولة، وموضعها نصب عطفًا على الهاء والميم، أي: وإذ اعتزلتم القوم واعتزلتم معبودهم إلا الله، واسم الله منصوب على الاستثناء، وفيه وجهان - أحدهما: متصل، لأن القوم كانوا مُقِرّين بالله ويشركون معه كأهل مكة، أو كان منهم من يعبد الله. والثاني: منقطع، أي: إلا عبادة الله. والثاني: مصدرية، ومحلها النصب أيضًا عطفًا على المذكور، أي: وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله، ويخرّج الاستثناء على الوجهين. والثالث: أنها نافية عارية عن المحل معترضة بين كلام الفتية، وفي الآية تقديم وتأخير، واسم الله منصوب بـ ﴿يَعْبُدُونَ﴾، والتقدير: وإذا اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف، وهو جواب (إذ) عند بعضهم كقولك: إِذْ أَذْنَبْتَ فَتُبْ، ثم أخبر تعالى عن الفتية على وجه المدح والثناء عليهم أنهم لم يعبدوا غير الله، فقال: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وقوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ أي: ويسهل عليكم خوفكم من الملك وعدوانه، فيأتيكم باليسر والرفق.

стр. 2289

وقرئ: (مِرْفَقًا) بكسر الميم وفتح الفاء، و (مَرْفِقًا) بالعكس (١). قيل: وهما لغتان في كل ما يرتفق به (٢)، أي: ينتفع، وهما [لغتان] أيضًا في مرفق اليد (٣). وعن الأصمعي: لا نعرف في كلام العرب إلا مِرْفَقًا، بكسر الميم وفتح الفاء في اليد والأمر، وفي كل شيء (٤). وعن الأخفش: فيه ثلاث لغات: مِرْفَقٌ ومَرْفِقٌ ومَرْفَقٌ بفتحهما، فمن قال: مِرْفَقٌ جعله مما ينقل كالمِبرد والمِقطع، ومن قال: مَرْفِقٌ جعله كالمسجد، لأنه من رَفَقَ يَرْفُقُ، كسجد يسجد، يعني اسمًا، ومن قال: مَرْفَقٌ، بمعنى الرفق، يعني مصدرًا كالمطلع (٥). ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾: قوله : ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ﴾ محل (تَزَّاوَرُ) النصب على الحال من الشمس، لأن الرؤية من رؤية العين، أي: لو رأيتهم لرأيت الشمس إذا طلعت متزاورة. و ﴿إِذَا﴾: نَصْبٌ بـ (تَزَّاوَرُ)، وأصله: تتزاور، فخفف بإدغام التاء في الزاي [بعد قلبها زايًا] أو بحذفها، وقد قرئ بهما (٦).

стр. 2290

وقرئ أيضًا: (تَزْوَرُّ) و (تَزْوَارُّ) بسكون الزاي وتشديد الراء من غير ألف بين الواو والزاي، وبألف بينهما بوزن تحمر وتحمار (١)، وكلها من الزَّوْرِ وهو الميل، ومنه زاره، إذا مال إليه، والزور الميل عن الصدق، والمعنى تميل عن كهفهم ولا يقع شعاعها عليهم، لأن الكهف في مقابلة بنات نعش. وقوله: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ ظرف لـ ﴿تَزَاوَرُ﴾ أي في ناحية اليمين أو في جهة اليمين، وحقيقتها: الناحية أو الجهة المسماة باليمين. وقوله: ﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ظرف لـ ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾، أي: تعدل عنهم وتتركهم في ناحية الشمال، وأصل القرض: القطع، ومنه قرضت الثوب بالمقراض، ويقول الرجل لصاحبه: هل مررت بمكان كذا وكذا؟ فيقول المسؤول: قرضته ذات اليمين ليلًا (٢)، ومنه قول ذي الرمة: ٣٩٧ - إِلَى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أَجْوَازَ مُشْرِفٍ ... شِمَالًا وَعَنْ أَيْمَانِهِنَّ الفَوَارِسُ (٣) مشرف والفوارس موضعان، يقول: نظرت إلى ظعن يجزن بين هذين الموضعين. وقوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ محل الجملة النصب على الحال،

стр. 2291

والفجوة: الفرجة والمتسع بين الشيئين، أي: وهم في متسع من الكهف. و ﴿مِنْهُ﴾: في موضع الصفة لفجوة. وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ابتداء وخبر، والإِشارة إلى ما صنعه الله بهم من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة، أي: ذلك المذكور آية من آياته. ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾: قوله : ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد. ﴿أَيْقَاظًا﴾: مفعول ثان، وهو جمع يَقِظٍ، أو يَقُظٍ، كأنجاد في جمع نَجِدٍ، أو نَجُدٍ. ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾: الواو للحال، وهو جمع راقد، كشهود وقعود في جمع شاهد وقاعد، أو مصدر، أي: وهم ذوو رقود، والأول أمتن ليشاكل ﴿أَيْقَاظًا﴾ لكونه جمعًا ليس إلا. قيل: وإنما كان يحسبهم الناظر أيقاظًا وهم نائمون، لأن عيونهم كانت مفتحة (١). وقيل: لكثرة تقلبهم (٢). وقيل: لهم تقلبتان في السنة؛ لئلا تأكل الأرض ما يليها من لحومهم (٣).

стр. 2292

وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء (١). والأيقاظ: المتنبهون، والرقود: النائمون. وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ الجمهور على النون على الإخبار عن الله بلفظ الجمع على وجه التفخيم والتعظيم، وقرئ: (ويُقَلِّبُهُمْ) بالياء النقط من تحته (٢)، والمنوي له فيه أيضًا جلت قدرته (٣). وقرئ أيضًا: (وَتَقَلُّبَهُمْ) بفتح التاء والقاف وضم اللام وفتح الباء (٤)، وهو مصدر قولك: تَقَلَّبَ يَتَقَلَّبُ تَقَلُّبًا، إذا تحرك وانتقل من حال إلى حال، وانتصابه بفعل دل عليه ما قبله وهو قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾. وقوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ كأنه قيل: وترى أو تشاهد تقلبهم، قيل: فإن قيل: إن التقلب حركة، والحركة غير مرئية. قيل: هذا غور آخر ليس من القراءة في شيء، ألا إنك تراهم يتقلبون، فالمعنى مفهوم، وليس كل أحد يقول: إن الحركة لا ترى. وقوله: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ظرفا مكان. وأُنِّثا على تأويل البقعة، وناصبهما ونقلب، أو التقلب. وقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ و (كلبهم): مبتدأ، و ﴿بَاسِطٌ﴾: خبره، ﴿ذِرَاعَيْهِ﴾: نصب به، وإنما نَصَبَ ﴿بَاسِطٌ﴾ وهو

стр. 2293

ماض (١)، لأنه حكاية حال ماضية، فجرت مجرى الحال التي أنت فيها فأُعمل لذلك، كأنه قيل: يبسط ذِرَاعَيْهِ. واختلف في الوصيد، فقيل: فناء الكهف. وقيل: الباب. وقيل: العتبة (٢). وقوله: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ﴾ كَسْرُ الواوِ على الأصل، ويجوز ضمها تشبيهًا بواو الضمير، وبه قرأ بعض القراء (٣)، أي: لو أشرفت عليهم ونظرت إليهم. ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾: لأدبرت وأعرضت عنهم هاربًا منهم، و ﴿فِرَارًا﴾ نصب لكونه مصدرًا في موضع الحال، ولك أن تجعله مصدرًا مؤكدًا من معنى: (وَلَّيْتَ) لأنه في معنى فررت، كأنّه قيل: فررت فرارًا (٤). وقوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ قرئ بتخفيف اللام وهو أصل الفعل، وبتشديدها (٥) للمبالغة والتكثير. وقرئ: بتخفيف الهمزة (٦) على مذاق العربية.

стр. 2294

و (رعبًا) بالتخفيف والتثقيل (١)، وهما لغتان فاشيتان كالسُّحُتِ والسُّحْتِ. وهو منصوب على التمييز، وقيل: هو مفعول ثان (٢)، وليس بشيء؛ لأن (ملأ) لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. والرعب: الخوف الذي يرعب الصدر، أي: يملؤه، من رعبت الحوض: إذا ملأته، ومنه سيل راعب، إذا ملأ الوادي، وسنام رعيب، أي: ممتلئ سمين (٣). ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: كما أنمناهم تلك النومة بعثناهم بعثًا كذلك، أي: مثل ما قصصنا عليك وأنبأناك به من شأنهم. وقوله: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ من صلة (بعثنا) أي: ليسأل بعضهم بعضًا فيعرفوا ما جرى عليهم، ويعلموا قدرة الله جل ذكره. وقوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ المميز محذوف و ﴿كَمْ﴾ منصوب الموضع على أنه ظرف زمان، وناصبه ﴿لَبِثْتُمْ﴾، والتقدير: كم

стр. 2295

يومًا لبثتم؟ دل عليه قوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. وقوله: ﴿بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (ما) مصدرية، أي: أعلم بمدة لبثكم. وقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (بورقكم) يحتمل أن يكون من صلة قوله: ﴿فَابْعَثُوا﴾، وأن يكون في موضع الحال. وقرئ: (بوَرِقكم) بفتح الواو وكسر الراء (١) وهو الأصل مع إظهار القاف على الأصل، وبإدغامها في الكاف (٢) لقرب مخرجيهما. وقرئ: بإسكان الراء (٣) تَخفيفًا كفَخْذٍ في فَخِذٍ. وبإسكانها وكسر الواو (٤) على نقل حركة العين إلى الفاء استثقالًا للكسرة فيها، كما قيل: في فَخِذٍ وَكَبِدٍ. فِخْذٌ وكِبْدٌ بكسر أولهما على نقل حركة العين إلى الفاء. وأما من قال: فَخْذٌ وَكَبْدٌ بفتح الفاء وإسكان العين فإنه حذف حركة العين حذفًا، ولم ينقلها إلى ما قبلها، وعن بعض القراء: أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم (٥) وأنكر عليه، لأنه جمع بين الساكنين على غير حدة، وقيل: أخفى كسرة القاف فظنها القارئ مدغمة، ولعمري صدق فيما زعم، لأن القُرّاء يعبرون عن المخفي بالمدغم لعدم اللبس، وذلك في موضعين - أحدهما: أن يكون ما قبل الحرف المدغم ساكنًا صحيحًا. والثاني: أن يكون الحرف

стр. 2296

[المدغم] (١) الأول أزيد من الثاني، وشهرتهما تغني عن ذكرهما (٢). والوَرِقُ: الفضة المضروبة وغير المضروبة (٣)، وكذلك الرِّقَةُ، والهاء عوض من الواو، وفي الحديث: "في الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ" (٤). قيل: وكأن لغة هذا وِرْقٌ بكسر الواو، فحذف الواو وألقى حركتها على الراء. وعن الفراء: في الورقِ ثلاث لغات: وَرِقٌ وَرْقٌ وِرْقٌ (٥)، وإنما قال هذه، لأنه عنى بالوَرِقِ الدراهم والفضة. وقوله: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ ابتداء وخبر، ومضمون الجملة نصب بقوله: ﴿فَلْيَنْظُر﴾ وإنما علق الفعل عنه في اللفظ لما ذكر قبيل (٦) من أن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، لأن له صدر الكلام. و ﴿طَعَامًا﴾: نصب على التمييز. وقوله: ﴿أَيُّهَا﴾ أي: أيُّ المدينة، أي: أهلها، فحذف المضاف كما حذف في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٧). وقوله: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ (أحدًا) منصوب بقوله: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ﴾، والمنوي فيه راجع إلى ﴿أَحَدَكُمْ﴾ المبعوث. والإشعار: الإعلام، أي: ولا يخبرن بكم وبمكانكم أحدًا من أهل المدينة.

стр. 2297

وقيل: ولا يفعلن ما يُؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعارًا منه بهم، لأنه سبب فيه (١). ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾: قوله : ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعود إلى الأهل المقدر في ﴿أَيُّهَا﴾ (٢). وقيل: يعود إلى (أحدٍ) لأنه للعموم، كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٣). وقوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: يقتلوكم بالحجارة، وهو من أخبث القتل. وقوله: ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ﴾ أي: يردوكم في ملتهم - وهو الكفر - ويصيروكم إليها. قيل: والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم، يقولون: ما عُدْتُ أفعل كذا. يريدون ابتداء الفعل (٤). وقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ أي: ولن تسعدوا في الدارين إن عدتم إلى ملتهم، و ﴿أَبَدًا﴾ أي: دائمًا. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أعلمناك قصتهم أعثرنا عليهم، أي: أطلعنا الناس عليهم. وقيل: كما أنمناهم وأيقظناهم لما

стр. 2298

في ذلك من الحكمة أطلعنا الناس عليهم (١). يقال: عَثَر على الشيء عَثْرًا وعُثُورًا، إذا اطّلع عليه. وأَعْثَرَهُ عليه، إذا أطلعه عليه وأعلمه إياه، وهو من العثار بمعنى السقوط، لأن من سقط على شيء وهو غافل عنه، نظر إليه ليعلم ما هو، ثم استعير مكان التبيين (٢). وقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: ليعلم الذين أطلعناهم عليهم. وقوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ (إذ) ظرف لـ ﴿أَعْثَرْنَا﴾، أي: أعثرناهم عليهم حين يتنازع أهل ذلك الزمان في حقيقة البعث وغيره من أحوالهم، أو ليعلموا. و﴿بُنْيَانًا﴾: فيه وجهان - أحدهما: هو مفعول ﴿ابْنُوا﴾ وهو جمع بنيانة، أي: ابنوا عليهم بنيانًا يسترهم عن الناس بأن تجعلوهم وراء ذلك البنيان. والثاني: هو مصدر. ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾: قوله : ﴿سَيَقُولُونَ﴾ قيل: الضمير فيه لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله ﷺ (٣). ﴿ثَلَاثَةٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: هم ثلاثة، وكذلك ما بعده من خمسة وسبعة.

стр. 2299

وقوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ابتداء وخبر، ومحل الجملة الرفع على أنها نعت لـ ﴿ثَلَاثَةٌ﴾، ولا يجوز أن يكون ﴿رَابِعُهُمْ﴾ وصفًا لـ ﴿ثَلَاثَةٌ﴾، وترفع ﴿كَلْبُهُمْ﴾ به على الفاعلية، لأنه يراد به الماضي، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لم يعمل عمل الفعل في قول الجمهور من النحاة، إلا أن تجعله حكاية الحال الماضية كقوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١)، بمعنى يَرْبَعُهُمْ كَلْبُهُمْ بانضمامه إليهم، فحينئذ يعمل عمل الفعل، ولا يجوز أن يكون محل الجملة النصب على الحال من ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ لأمرين: أحدهما: عدم العامل، إذ ليس قبله فعل، ولا معنى فعل، وإنما المقدر (هم) و (هم) لا يعمل. فإن قلت: أقدر هؤلاء مكان هم. قلت: منع ذلك لأن هؤلاء إشارة إلى الحُضَّر، وهم لم يكونوا مشاهدين (٢). والثاني: أن قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ نكرة، ومن شرط ذي الحال أن يكون معرفة إلا إذا قدمت عليه. كقوله: ٣٩٨ - لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمُ ... . . . . . . . . . . . . . (٣) وهذا أيضًا يصح على رأي أبي الحسن لا على رأي صاحب الكتاب لعدم العامل، فاعرفه فإنه موضع لطيف. وكذلك القول في قوله: ﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ كالقول في قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ في جميع ما ذكرت. فإن قلت: إن الجملة الأولى ليس معها العاطف فيجوز أن تكون صفة لـ ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ وكذا الثانية، وأما الثالثة فمعها العاطف وهي ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فكيف يصح وقوعها صفة لسبعة والصفة لا تحتاج إلى معلق يعلقها بالأول، لا تقول: أتاني زيدٌ والظريف، على الوصف؟

стр. 2300

قلت: أجَلْ الأمر كما زعمت، غير أن بين ما ذكرتُ وذكرتَ فريقًا، وذلك أن ما ذكرتَ مفرد معرفة، وما ذكرتُ جملة، والجملة إذا وقعت صفة للنكرة جاز أن يكون معها العاطف، لأن صورة هذه الجملة إذا كانت صفة للنكرة كصورتها إذا كانت حالًا من المعرفة. فكما جاز أن تقول: جاءني زيد ومعه صقر، جاز أن تقول: جاءني رجل وفي يده سيف، وكفاك دليلًا قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ (١)، فقوله: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ﴾ الجملة صفة لقرية ومعها العاطف كما ترى، وليس دخول العاطف بينهما بضربة لازب، بل القياس ألا يدخل بينهما كما في قوله جل ذكره: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ (٢)، قيل: وفائدة ذلك توكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب. وقيل: الواو في ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ واو عطف ظهرت في هذه الجملة الثالثة لتدل على أنها مرادة أيضًا في الجملتين المتقدمتين (٣) وهما: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ والتقدير: ورابعهم كلبهم وسادسهم كلبهم، وإنما حذفت الواو منهما لأن ما فيهما من الضمير يعقدهما بما قبلهما، فاستغني عن العاطف، وهذا معنى قول أبي إسحاق: إن دخول الواو في ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ وإخراجها من الأول على سواء (٤). ولهذا تقول النحاة: إن الجملة إذا عطفت على جملة وفي الثانية ما يعود على الأولى، فأنت في إلحاق الواو وحذفه مخير، نحو: رأيت زيدًا وأبوه خارج، وإن شئت قلت: أبوه خارج، بغير العاطف لأجل الذكر العائد إلى زيد، ولو قلت: رأيت

стр. 2301

زيدًا وعمرو خارج لم يجز حذف العاطف لعدم الراجع، وهذه الواو تسمى واو الحال، وواو الابتداء، وواو إذ، أي: هي بمعنى إذ، ومنه قوله : ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (١). وقيل: الواو في ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ للاستئناف، دخلت على أَنَّ ما بعدها مُسْتَأْنَفٌ حَقٌّ وليس من جنس المقُول برجم الظنون (٢)، وهذا معنى قول ابن عباس ﵄: "حين دخلت الواو انقطعت العدّة" (٣)، أي: لم تبق بعدها عدّة يُلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبتات (٤)، فاعرفه فإنه قل ما يوجد في كتاب. و﴿رَجْمًا﴾ رجمًا: نصب على المصدر، وفعله متروك للعلم به، أي: يرجمون القول فيهم رجمًا بالغيب، أي: ظنًا من غير يقين، أي: يرمونه رميًا. وقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ (مراء) منصوب على المصدر، و ﴿ظَاهِرًا﴾ نعت له، وهو الجدال، يقال: مَارَيْتُ فلانًا أُمارِيه مراء، إذا جادلته. وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (منهم) في موضع نصب على الحال من (أحد)، وهو في الأصل صفة له، والضمير في ﴿فِيهِمْ﴾ لأصحاب الكهف، وفي ﴿مِنْهُمْ﴾ لليهود والنصارى. ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾:

стр. 2302

قوله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (ذلك) مفعول لـ ﴿فَاعِلٌ﴾، و ﴿غَدًا﴾ ظرف له، والإِشارة إلى الشيء المقول، أي: ولا تقولن لأجل شيء تعزم عليه إني فاعل ذلك الشيء غدًا، يعني فيما يستقبل من الزمان، ولم يرد الغد خاصةً. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: اختلف في المستثنى منه: فقيل: هو من النهي على: ولا تقولن ذلك القول إلا أن يأذن الله لك فيه، أو إلَّا أن تقول إن شاء الله، فأضمر أن تقول، ولَمَّا حذف (أن تقول) نقل (شاء) إلى لفظ الاستقبال لا من قوله: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾، لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله، وذلك ما لا مدخل فيه للنهي. وقيل: هو من ﴿فَاعِلٌ﴾، على: ولا تقولن إني فاعل ذلك الشيء غدًا حتى تقرن به قول إن شاء الله، أي: لا أفعله إلا بمشيئة الله. ومحل ﴿أَنْ يَشَاءَ﴾: النصب إما على الاستثناء، على: ولا تقولن ذلك الشيء في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله، أي: وقت إذنه، فحذف الوقت وهو مراد، أو على الحال، أي: ملتبسًا بمشيئة الله قائلًا: إن شاء الله، وقيل: الاستثناء منقطع (١). وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (إذا) منصوب بـ (أذكر)، والمعنى: إذا نسيت كلمة الاستثناء، ولا يصح الاستثناء إلا متصلًا بكلامه، لأنه إخراج الشيء مما دخل فيه هو وغيره لفظًا، فلا يكون إلا متصلًا بالمستثنى منه، وهذا هو الصحيح وعليه النحاة (٢)، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵁ (٣) وفيه كلام هنا

стр. 2303

ومذاهب لا يليق ذكرها هنا (١). وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أن وما عملت فيه في موضع رفع بـ ﴿عَسَى﴾ لا في موضع نصب بأنها خبر عسى كما زعم بعضهم. و﴿رَشَدًا﴾ منصوب على التمييز، واختلف في معناه. فقيل: معناه عسى أن يدلني على ما هو أقرب من هذا الذي نسبته إلى الرشد وأصلح لي منه (٢). وقيل: معناه لعل الله أن يسددني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون (٣). وقيل: معناه عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على نبوتي ما يكون أقرب من الرَشَدِ، وأدل على الحق من قصة أصحاب الكهف، وهذا هو الظاهر، وهو قول أبي إسحاق (٤). ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ (ثلاث مائةٍ) ظرف للبثوا. وقرئ: بتنوين ﴿مِائَةٍ﴾ (٥) على أن ﴿سِنِينَ﴾ بدل من ﴿ثَلَاثَ﴾ أو من ﴿مِائَةٍ﴾، لأن مائة في معنى الجمع كقول الشاعر:

стр. 2304

٣٩٩ - فيها اثنتانِ وأربعونَ حَلُوبَةً ... سُودًا. . . . . . (١) فجعل سودًا صفة لحلوبة لما كانت في معنى الجمع. وقيل: عطف بيان لثلاث (٢)، وليس بالمتين، لأن عطف البيان من النكرة مردود عند البصريين (٣). وبترك التنوين على الإضافة (٤)، على إجراء الجمع مجرى الواحد في التمييز، والذي جوز ذلك: أن المائة لما كانت تضاف إلى واحد في معنى جمع، أضيفت إلى الجمع تنبيهًا على الأصل الذي كان يجب استعماله وإشعارًا به، كما جاء (استَحوَذَ) مصححًا تنبيهًا على الأصل وإشعارًا به (٥). وقيل: إن أول ما نزل: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ فلما قالوا: ما الذي لبثوا أسنين أم شهورًا أم أيامًا أم ساعات؟ قال: (سنين) (٦). وقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ عطف على قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾. و ﴿تِسْعًا﴾: نصب بقوله: ﴿وَازْدَادُوا﴾، وهو مفعول به، وزاد فعل لازم ومتعد إلى اثنين، نحو زاد الشيء، وزاده الله خيرًا، فلما بُني هنا على افتعل تعدى إلى واحد، وأصله: وازتيدوا، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأبدلت من

стр. 2305

التاء دالًا لتوافق الدال التي بعدها، والزاي التي قبلها في الجهر، وكان الدال أولى بذلك لكونه من مخرج التاء، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وازدادوا لبثَ تسعٍ، دل عليه قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾. ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾: قوله : ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ لفظهما لفظ الأمر ومعناهما التعجب، أي: ما أبصره وأسمعه، والأصل: أبصر به وأسمع به، ولكن حذف لدلالة الأول عليه، والضمير في ﴿بِهِ﴾ لله جل ذكره، ومحله الرفع، والباء صلة، والتقدير: أبصر الله لكل مبصر، وأسمعه لكل مسموع. وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ قرئ: بالياء ورفع الكاف (١) على الخبر عن الله جلت قدرته، أي: لم يجعل لأحد أن يحكم بغير حكمه، فيصير شريكًا له في حكمه. وقرئ: (ولا تشركْ) بالتاء والجزم (٢) على النهي، أي: ولا تشرك أيها المخاطب في حكم ربك أحدًا، على النهي عن الإشراك في حكمه، وهو رجوع من الغيبة إلى الخطاب. ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾: قوله : ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ﴾ يحتمل أن يكون من التلو وهو الاتِّباع، على: اتَّبِعِ القرآن واعمل به، وأن يكون من التلاوة، على: اقرأ القرآن وتدبره (٣).

стр. 2306

وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يحتمل أن يكون مصدرًا، أي: عدولًا، وأن يكون مكانًا، أي: مُلْتَجَأً تعدل إليه، وهو مُفْتَعَلٌ من لحد أَو أَلْحَدَ إذا مال، والالتحاد: الميل والعدول. ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾: قوله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أي: احبسها معهم، والصبر: حبس النفس عند الجزع. وقوله: ﴿بِالْغَدَاةِ﴾ وقرئ أيضًا: (بالغُدْوَةِ) (١)، والغَدَاةُ أمتن عند النحاة، لأن (غُدْوَةَ) عَلَمٌ عندهم، والأعلام لا يدخلها اللام في الأمر العام إلا على تأويل التنكير، وقد مضى الكلام في الغداة والغدوة في سورة الأنعام فأغناني عن الإعادة هنا (٢). وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾. وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ الجمهور على إسناد الفعل إلى العينين، أي: ولا تتجاوز عيناك، يقال: عداه، إذا جاوزه. وعدا عنه، إذا انصرف عنه. يتعدى بنفسه وبالجار كما ترى، وقيل: عُدِّي بعن لتضمين عدا معنى نبا وعلا، يقال: نَبَتْ عنه عَيْنُهُ، وعلت عنه عينُه، إذا اقتحمته ولم تعلق به (٣). وقرئ: (ولا تُعْدِ عَيْنَيْكَ) (٤)، (وَلا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ) (٥) من أعدَيْتُ عيني عن

стр. 2307

كذا وَعَدَّيْتُهَا عنه، بمعنى صرفتها عنه. نقل بالهمزة مرة، وبتثقيل الحشو أخرى، قال الشاعر: ٤٠٠ - حتى لَحِقْنا بهم تُعْدِي فوارسُنا ... . . . . . . . . . . (١) أي: تُعدِي فوارسنا خيلهم عن كذا، فحذف مفعوليه، أو تُعْديها، من عدا الفرس، إذا جرى، والمعنيان متقاربان، لأن الفرس إذا عدا فقد جاوز مكانًا إلى غيره، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (٢). وقال: ٤٠١ - فَعَدِّ عَمَّا تَرَى إذْ لا ارْتِجَاعَ لَهُ ... . . . . . . . . . . (٣) أي: فعدَّ همك عما ترى. وقوله: ﴿تُرِيدُ﴾ في موضع الحال من العينين، وإنما وحد لأنها جارحة واحدة، وقال: ٤٠٢ - . . . . . . . . . . . ... بهَا العَيْنَانِ تَنْهَلُّ (٤)

стр. 2308

أو حملًا على المعنى، لأن النهي وإن كان للعينين فالمراد صاحبها، كأنه قيل: لا تعد أنت عنهم مريدًا زينة الحياة الدنيا، لا من الكاف في ﴿عَيْنَاكَ﴾ كما زعم بعضهم لعدم العامل، لأن الفعل لم يعمل في الكاف شيئًا (١). وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ الجمهور على إسناد الفعل إلى الضمير وهو النون والألف، ونصب قوله: ﴿قَلْبَهُ﴾ به على معنى: جعلنا قلبه غافلًا عن الذكر عقوبة [له]، أو: وجدناه غافلًا عنه، كقولك: أجبنت الرجل وأبخلته، إذا وجدته كذلك، أو: من أغفل إِبِلَهُ، إذا تركها بِغير سِمَة، أي: لم نَسِمْهُ بالذكر كما وَسَمْنا به قلوب المؤمنين ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (٢). وقرئ: (مَنْ أَغْفَلَنَا قَلْبُهُ) بفتح اللام ورفع قوله: (قلبه) (٣)، على إسناد الفعل إليه، على معنى: وَجَدَنا قلبُه معرضين عنه، أو حَسِبنا قلبُه غافلين عنه، من أغفلته، إذا وجدته غافلًا. فإن قلت: فكيف يجوز أن يجد الله عز وعلا غافلًا ويوصف بذلك؟ قلت: قيل: لما فعل أفعال من لا يرتقب ولا يخاف، صار كأن الله غافل عنده في زعمِهِ وحسبانه، وهو جل ذكره بخلاف ذلك (٤). وقوله: ﴿فُرُطًا﴾ أي: سَرفًا وَتَضْيِيعًا، يقال: أَمْرٌ فُرُطٌ، أي مُجَاوَزٌ فيه الحدُّ. وقيل: متقدمًا للحق والصواب، نابذًا له وراء ظهره، من قولهم: فرسٌ فُرُطٌ، إذا كان متقدمًا للخيل (٥).

стр. 2309

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾: قوله : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ابتداء وخبر. وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: قل لهم هذا الذي أتيتكم به الحق (١). و ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على هذا يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو من ربكم. وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿الْحَقُّ﴾، أي: كائنًا منه. والذي أتى به هو القرآن، عن قتادة (٢). وقيل: تقريب الفقراء (٣). وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي: أحدقت بهم جوانبها. وعن ابن عباس ﵄: هو حائط من نار محيط بهم (٤). والسرادق عند أهل اللغة: هو الحجرة التي تكون حول الفسطاط (٥). وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ أي: وإن يطلبوا الغوث من شدة ما هم فيه من العطش، ﴿يُغَاثُوا﴾ أي: يعطوا الغوث بماء كالمهل، أي: يجعل لهم مكان الغوث ماء كالمهل، وهو ما أذيب من جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وغير ذلك، عن أبي عبيدة (٦). وقيل: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ (٧).

стр. 2310

وقوله: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ يحتمل أن يكون نعتًا لماء، وأن يكون حالًا من الماء لكونه قد وصف، أو من المنوي في قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ إن جعلت الكاف حرفًا. وقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ أي: بئس الشراب المهل. ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾: أي: وساءت النار مرتفقًا، أي: متكَأ، يقال: ارتفق فلان، إذا توكّأ على مرفقه، وقيل: وهذا لمشاكلة قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء (١). وقيل: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: منزلًا ومقرًا (٢)، وانتصابه على التمييز. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في خبر ﴿إِنَّ﴾ وجهان: أحدهما: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ. . .﴾ الآية، اعتراض بينهما. والثاني: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، على تقدير: من أحسن عملًا منهم، فحذف الراجع منه إلى المبتدأ تخفيفًا، وللعلم به كما حذف من

стр. 2311

قوله جل وعز: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١). وقولهم: السَّمْنُ مَنَوانِ بدِرْهَمٍ (٢). أو أجرهم، فوضع المظهر موضع المضمر لأن ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ هم الذين آمنوا بأعيانهم، وهذا قريب من معنى قول أبي إسحاق (٣)، لأنَّ ذِكْرَ (مَن) كذِكْرِ (الذين)، وذِكْرَ حُسْنِ العَمَل كَذِكْرِ الإيمان، فلما جمعهما معنى واحد - أعني: (من أحسن) و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - قامَ ﴿وَمَنْ أَحْسَنَ﴾ مقام الراجع وأغنى عنه لعمومه، كما أغنى دخول زيد تحت الرجل في باب (نِعْمَ) عن راجع يعود عليه لذلك. وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ على هذا يجوز أن يكون كلامًا مستأنفًا بيانًا للأجر المبهم فيوقف على ﴿عَمَلًا﴾، وأن يكون خبرًا بعد خبر. وقيل (٤): الخبر محذوف تقديره: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يجازيهم الله بأعمالهم، دل عليه ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ. . .﴾ الآية (٥). والوجه ما ذكرت. وارتفاع قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بالظرف وهو ﴿لَهُمْ﴾ على المذهبين لجريه خبرًا عن ﴿أُولَئِكَ﴾ الذي هو مبتدأ واعتماده عليه. وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ محل ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ النصب على الحال من الضمير في ﴿تَحْتِهِمُ﴾ لا الرفع على النعت لجنات كما زعم بعضهم، لأن الفعل لأصحاب الجنات لا للجنات وهم المحلَّوْن لا هي. و﴿مِنْ﴾ الأولى يحتمل أن تكون للبعضية مبعضها محذوف (٦)،

стр. 2312

والمعنى: يحلون جملة أو شيئًا من أساور. وأن تكون لابتداء الغاية. وأن تكون مزيدة على رأي أبي الحسن، أي: يحلون أساور، كقوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾ (١) وقيل: بمعنى الباء، أي: يحلون بأساور (٢). وأما الثانية فلبيان الجنس، ومحلها الجر أو النصب على النعت لأساور، إما على اللفظ، أو على المحل. وقيل: في موضع نصب على التمييز (٣) للأساور على تقدير التنوين، قيل: وإنما جيء بمن لأن الأفصح في كلام العرب إذا كان الشيء مبهمًا أن يؤتى بمن. فيقال: عنده جُبَبٌ من خَزٍّ. و﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وأساور: جمع أَسْوِرَة، وأَسْوِرَةٌ جمع سِوَار أو سُوَارٍ، يقال: سِوَار اليد وسُوَارها بكسر السين وضمها. وعن قطرب: إسْوَار اليد (٤). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون أساور جمع إسْوَارٍ على حذف الياء، لأن جمع إسْوَارٍ أساوير، انتهى كلامه (٥). وقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ عطف على ﴿يُحَلَّوْنَ﴾. و ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾ في موضع نصب على النعت لثياب، و ﴿سُنْدُسٍ﴾ جمع سُنْدُسَةٍ. و ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ جمع إسْتَبْرَقَةٍ. وقيل: هما جنسان. والسندس

стр. 2313

والإستبرق: نوعان من الديباج، أما السندس: فما رَقَّ منه، وأما الإستبرق: فما غلظ منه، وهو أعجمي، وأصله بالفارسية إِسْتَبْرَه، فَعُرِّب (١). وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ انتصاب ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على الحال، إما من الضمير في ﴿تَحْتِهِمُ﴾، أو من الضمير في ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أو ﴿يَلْبَسُونَ﴾. و ﴿فِيهَا﴾ من صلة ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، والضمير للجنة. وأما ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: فيحتمل أن يكون من صلة ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أيضًا، وأن يكون في موضع الحال من الضمير في متكئين، أي: متكئين في الجنة، عالين على الأرائك. والأرائك جمع أريكة، وهي سرير الحَجَلةِ، وهو من ذهب متكلل بالدر والياقوت، عن ابن عباس ﵄ (٢). والاتكاءُ والتوكؤ بمعنىً، وفي التنزيل: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (٣). وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ المخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم الثواب ثوابهم، أو الجنة. و ﴿حَسُنَتْ﴾، أي: وحسنت الجنة، وقيل: الأرائك (٤). ﴿مُرْتَفَقًا﴾ أي: متكأ، وقيل: منزلًا (٥). ونصبُه على التمييز. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾:

стр. 2314

قوله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (مثلًا) نصب بقوله: ﴿وَاضْرِبْ﴾، و ﴿رَجُلَيْنِ﴾: بدل منه، وفي الكلام حذف مضاف والتقدير: مَثَلًا مَثَلَ رجلين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ يجوز أن يكون تفسيرًا للمثل فلا محل له، وأن يكون في موضع نصب نعتًا لـ ﴿رَجُلَيْنِ﴾. و ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾ في موضع النعت لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾. وقوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي: وجعلنا النخل مطيفًا بالجنتين محيطًا بجوانبهما، والحف: الإحاطة بالشيء، وحَفَّ يتعدى إلى مفعول واحد بغير الجار، وإلى الثاني به. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾: قوله : ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ مبتدأ وخبره: ﴿آتَتْ﴾، وأُفْرِد حملًا على اللفظ، لأن ﴿كِلْتَا﴾ مفرد اللفظ مثنى المعنى، كما أَنَّ (كُلًّا) مفرد اللفظ مجموع المعنى؛ ولو قيل: آتتا على المعنى لجاز (١). وكلتا تأنيث كلا، وليست التاء للتأنيث؛ لأن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها ساكنًا، بل التاء بدل من الواو عند الجمهور، وأصله: كِلْوَى، والألف فيه للتأنيث (٢). وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: ولم تنقص من ثمرها المعهود شيئًا. وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ الجمهور على تشديد قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ للمبالغة والكثرة، وقرئ: بالتخفيف (٣) وهو أصل الفعل. وانتصاب قوله:

стр. 2315

﴿خِلَالَهُمَا﴾ على الظرف، وهو ظرف مكان بمعنى وسط. ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾: قوله : ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قرئ: بفتح الثاء والميم (١)، وهو جمع ثَمَرة كبَقَرَةٍ وبقر. وقرئ: بضمهما (٢)، وهو جمع ثِمَارٍ، وَثِمَارٍ جمع ثَمَرٍ، وثَمَر جمع ثَمَرَةٍ، فهو جمع جمع الجمع، أو جمع ثَمَرة، كخشبة وخُشُب. وقرئ: بتسكين الميم مع ضم الثاء (٣) وهو مخفف منه. والثمر: حمل الأشجار، وأكثر المفسرين على أن الثمر ها هنا: الأموال (٤). وقوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ الواو للحال، أي: يراجعه الكلام، من حَارَ يَحُورُ، إذا رجع، ومنه: "أَعُوذُ باللهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ" (٥)، أي: الرجوع بعد الاجتماع والكمال. وقوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (مالًا ونفرًا) منصوبان على التمييز.
следующие страницы →