← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

قوله جل وعز: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١). وقولهم: السَّمْنُ مَنَوانِ بدِرْهَمٍ (٢). أو أجرهم، فوضع المظهر موضع المضمر لأن ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ هم الذين آمنوا بأعيانهم، وهذا قريب من معنى قول أبي إسحاق (٣)، لأنَّ ذِكْرَ (مَن) كذِكْرِ (الذين)، وذِكْرَ حُسْنِ العَمَل كَذِكْرِ الإيمان، فلما جمعهما معنى واحد - أعني: (من أحسن) و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - قامَ ﴿وَمَنْ أَحْسَنَ﴾ مقام الراجع وأغنى عنه لعمومه، كما أغنى دخول زيد تحت الرجل في باب (نِعْمَ) عن راجع يعود عليه لذلك. وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ على هذا يجوز أن يكون كلامًا مستأنفًا بيانًا للأجر المبهم فيوقف على ﴿عَمَلًا﴾، وأن يكون خبرًا بعد خبر. وقيل (٤): الخبر محذوف تقديره: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يجازيهم الله بأعمالهم، دل عليه ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ. . .﴾ الآية (٥). والوجه ما ذكرت. وارتفاع قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بالظرف وهو ﴿لَهُمْ﴾ على المذهبين لجريه خبرًا عن ﴿أُولَئِكَ﴾ الذي هو مبتدأ واعتماده عليه. وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ محل ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ النصب على الحال من الضمير في ﴿تَحْتِهِمُ﴾ لا الرفع على النعت لجنات كما زعم بعضهم، لأن الفعل لأصحاب الجنات لا للجنات وهم المحلَّوْن لا هي. و﴿مِنْ﴾ الأولى يحتمل أن تكون للبعضية مبعضها محذوف (٦)،

стр. 2312

والمعنى: يحلون جملة أو شيئًا من أساور. وأن تكون لابتداء الغاية. وأن تكون مزيدة على رأي أبي الحسن، أي: يحلون أساور، كقوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾ (١) وقيل: بمعنى الباء، أي: يحلون بأساور (٢). وأما الثانية فلبيان الجنس، ومحلها الجر أو النصب على النعت لأساور، إما على اللفظ، أو على المحل. وقيل: في موضع نصب على التمييز (٣) للأساور على تقدير التنوين، قيل: وإنما جيء بمن لأن الأفصح في كلام العرب إذا كان الشيء مبهمًا أن يؤتى بمن. فيقال: عنده جُبَبٌ من خَزٍّ. و﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وأساور: جمع أَسْوِرَة، وأَسْوِرَةٌ جمع سِوَار أو سُوَارٍ، يقال: سِوَار اليد وسُوَارها بكسر السين وضمها. وعن قطرب: إسْوَار اليد (٤). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون أساور جمع إسْوَارٍ على حذف الياء، لأن جمع إسْوَارٍ أساوير، انتهى كلامه (٥). وقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ عطف على ﴿يُحَلَّوْنَ﴾. و ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾ في موضع نصب على النعت لثياب، و ﴿سُنْدُسٍ﴾ جمع سُنْدُسَةٍ. و ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ جمع إسْتَبْرَقَةٍ. وقيل: هما جنسان. والسندس

стр. 2313

والإستبرق: نوعان من الديباج، أما السندس: فما رَقَّ منه، وأما الإستبرق: فما غلظ منه، وهو أعجمي، وأصله بالفارسية إِسْتَبْرَه، فَعُرِّب (١). وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ انتصاب ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على الحال، إما من الضمير في ﴿تَحْتِهِمُ﴾، أو من الضمير في ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أو ﴿يَلْبَسُونَ﴾. و ﴿فِيهَا﴾ من صلة ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، والضمير للجنة. وأما ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: فيحتمل أن يكون من صلة ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أيضًا، وأن يكون في موضع الحال من الضمير في متكئين، أي: متكئين في الجنة، عالين على الأرائك. والأرائك جمع أريكة، وهي سرير الحَجَلةِ، وهو من ذهب متكلل بالدر والياقوت، عن ابن عباس ﵄ (٢). والاتكاءُ والتوكؤ بمعنىً، وفي التنزيل: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (٣). وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ المخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم الثواب ثوابهم، أو الجنة. و ﴿حَسُنَتْ﴾، أي: وحسنت الجنة، وقيل: الأرائك (٤). ﴿مُرْتَفَقًا﴾ أي: متكأ، وقيل: منزلًا (٥). ونصبُه على التمييز. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾:

стр. 2314

قوله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (مثلًا) نصب بقوله: ﴿وَاضْرِبْ﴾، و ﴿رَجُلَيْنِ﴾: بدل منه، وفي الكلام حذف مضاف والتقدير: مَثَلًا مَثَلَ رجلين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ يجوز أن يكون تفسيرًا للمثل فلا محل له، وأن يكون في موضع نصب نعتًا لـ ﴿رَجُلَيْنِ﴾. و ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾ في موضع النعت لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾. وقوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي: وجعلنا النخل مطيفًا بالجنتين محيطًا بجوانبهما، والحف: الإحاطة بالشيء، وحَفَّ يتعدى إلى مفعول واحد بغير الجار، وإلى الثاني به. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾: قوله : ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ مبتدأ وخبره: ﴿آتَتْ﴾، وأُفْرِد حملًا على اللفظ، لأن ﴿كِلْتَا﴾ مفرد اللفظ مثنى المعنى، كما أَنَّ (كُلًّا) مفرد اللفظ مجموع المعنى؛ ولو قيل: آتتا على المعنى لجاز (١). وكلتا تأنيث كلا، وليست التاء للتأنيث؛ لأن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها ساكنًا، بل التاء بدل من الواو عند الجمهور، وأصله: كِلْوَى، والألف فيه للتأنيث (٢). وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: ولم تنقص من ثمرها المعهود شيئًا. وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ الجمهور على تشديد قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ للمبالغة والكثرة، وقرئ: بالتخفيف (٣) وهو أصل الفعل. وانتصاب قوله:

стр. 2315

﴿خِلَالَهُمَا﴾ على الظرف، وهو ظرف مكان بمعنى وسط. ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾: قوله : ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قرئ: بفتح الثاء والميم (١)، وهو جمع ثَمَرة كبَقَرَةٍ وبقر. وقرئ: بضمهما (٢)، وهو جمع ثِمَارٍ، وَثِمَارٍ جمع ثَمَرٍ، وثَمَر جمع ثَمَرَةٍ، فهو جمع جمع الجمع، أو جمع ثَمَرة، كخشبة وخُشُب. وقرئ: بتسكين الميم مع ضم الثاء (٣) وهو مخفف منه. والثمر: حمل الأشجار، وأكثر المفسرين على أن الثمر ها هنا: الأموال (٤). وقوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ الواو للحال، أي: يراجعه الكلام، من حَارَ يَحُورُ، إذا رجع، ومنه: "أَعُوذُ باللهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ" (٥)، أي: الرجوع بعد الاجتماع والكمال. وقوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (مالًا ونفرًا) منصوبان على التمييز.

стр. 2316

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ قيل: وإنما أفرد الجنة بعد التثنية لأنهما جميعًا ملكه فصارا كالشيء الواحد (١). وقيل: لاتصالهما (٢). وقيل: المعنى ودخل ما هو جنته، ما له جنة غيرها، يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المتقون، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما (٣). وقوله: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ محل الجملة النصب على الحال من المنوي في ﴿وَدَخَلَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ أي: أن تهلك هذه الجنة، وقيل: هذه الأرض (٤). و ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان، وعامله: ﴿أَنْ تَبِيدَ﴾. ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾: قوله : ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ قرئ: (مِنْهَا) على التوحيد ردًا على الجنة، وقرئ: (مِنْهُمَا) على التثنية (٥) ردًا على الجنتين.

стр. 2317

والمُنْقَلَبُ: موضع الانقلاب، وقيل: الانقلاب (١). وانتصابه على التمييز، و (وجدت) هنا من وجدان الضالة (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ انتصاب قوله: ﴿رَجُلًا﴾ على الحال من الكاف، على معنى: عَدّلك وأَكْمَلك رجلًا، أي: ذَكَرًا بالغًا مبلغ الرجال، ولك أن تجعله مفعولًا ثانيًا على تضمين التسوية معنى التصيير، أي: صيرك إنسانًا ذكرًا. ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾: قوله : ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ الأصل في ﴿لَكِنَّا﴾ (لكنْ أنا) فألقيت حركة الهمزة على النون وحذفت الهمزة فبقيت لكننا بنونين متحركتين كما ترى، فلما تلاقت النونان أسكنت الأولى وأدغمت في الثانية. وقيل: بل حذفت الهمزة مع حركتها حذفًا، وأدغمت النون في النون فصارت (لكنّ) كما ترى (٣). فلكن: حرف استدراك لقوله: ﴿أَكَفَرْتَ﴾ على معنى لست أكفر بالله كما كفرت، لكني أقر بأن الله ربي. و (أنا) مبتدأ، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثان. وهو ضمير الشأن، و ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ثالث. و ﴿رَبِّي﴾ خبر المبتدأ الثالث. وهو الشأن، أعني: الله ربي، والجملة خبر عن هو، وهو وما بعده من الجملة خبر عن (أنا)، والراجع من الجملة إلى المبتدأ الأول الياء في ﴿رَبِّي﴾ كقولك: أنا قام غلامي. فإن قلت: فالجملة إذا وقعت خبرًا لا بد فيها من راجع إلى المبتدإِ، فأين الراجع على ﴿هُوَ﴾ من الجملة بعده التي هي خبر عنه؟ قلت: حكم

стр. 2318

هذه الجملة حكم المفرد في قولك: زيد غلامك، في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ هو الشأن الذي هو عبارة عنه، فلما كانت هذه الجملة هي نفس المبتدأ لم تحتج إلى راجع إليها منها. ولا يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثانيًا و ﴿اللَّهُ﴾ خبره، و ﴿رَبِّي﴾ صفة لله جل ذكره، والجملة خبر (أنا)، والراجع منها إليه ياء الضمير كما زعم بعضهم (١)، لأن ضمير الشأن لا يكون مفسره إلا جملة، كقولك: هو زيد منطلق، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ (٢) ولا أن يكون اسم الله بدلًا من ﴿هُوَ﴾، و ﴿رَبِّي﴾ الخبر كما زعم بعضهم (٣) أيضًا لما ذكرت آنفًا. فإن قلت: هل يجوز أن تكون ﴿لَكِنَّا﴾ هنا هي المشددة الناصبة كالتي في قوله : ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (٤)، ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥) قلت: لا، لأن ﴿لَكِنَّا﴾ هذه لو كانت تلك، لما جاز وقوع الضمير المرفوع بعدها، وتعضده أيضًا قراءة من قرأ: (لكن أنا هو الله ربي) على الأصل وهو أبي بن كعب ﵁ (٦) وقراءة من قرأ: (لكن أنا لا إله إلا هو ربي) وهو عبد الله ﵁ (٧) وأكثر القراء على حذف ألف ﴿لَكِنَّا﴾ في الوصل، وعلى إثباتها في الوقف، لأن الاسم من (أنا) عند البصريين هو الهمزة والنون، والألف زيدت

стр. 2319

فيه لبيان الحركة. وقرئ: بإثباتها في الوصل (١)، وقد أوضحت ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة. ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾: قوله : ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (لولا) هنا للتحضيض بمعنى هَلَّا، وتختص بالفعل، و ﴿إِذْ﴾ منصوب بقوله: ﴿قُلْتَ﴾. وفي ﴿مَا﴾ وجهان: أحدهما: موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدإٍ محذوف، أي: الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ والخبر محذوف، أي: ما شاء الله كائن لا محالة. والثاني: شرطية منصوبة الموضع بـ ﴿شَاءَ﴾، الجواب محذوف، والتقدير: أي شيء شاء الله كان، ونظيرها في حذف (لو) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ. . .﴾ الآية (٢)، أي: لكان هذا القرآن. والمعنى: إن شاء الله تخريب هذه الجنة كان ذلك لا محالة، فحذف الجواب. وقوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (إن) شرط، جوابه: ﴿فَعَسَى رَبِّي﴾ والرؤية هنا من رؤية القلب، وياء الضمير مفعول أول، و ﴿أَنَا﴾ فصل أو توكيد للمفعول الأول و ﴿أَقَلَّ﴾ مفعول ثان. وقرئ: (أَقَلُّ) بالرفع (٣)، فيكون [أنا] مبتدأ، و (أَقَلُّ) خبره، والجملة

стр. 2320

في موضع نصب على أنها مفعول ثان لـ ﴿تَرَنِ﴾. و ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ منصوبان على التمييز. ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾: قوله : ﴿مِنْ جَنَّتِكَ﴾ من صلة قوله: ﴿خَيْرًا﴾. وقوله: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا﴾ عطف على ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾. واختلف في حسبان، فقيل: مرامي، الواحدة حُسْبَانَة (١)، يعني: ويرسل عليها مرامي من عذابه. وقيل: هو مصدر كالكفران والبطلان بمعنى الحساب (٢)، أي: مقدارًا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها. وقال أبو إسحاق: هذا موضع لطيف يحتاج إلى أن يشرح، وهو أن الحسبان في اللغة هو الحِسَابُ، قال الله : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (٣) أي: بحساب، والمعنى في هذه الآية: أنْ يرسل عليها عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك، انتهى كلامه (٤). وقوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ عطف على ﴿وَيُرْسِلَ﴾، أي: فتصبح جنتك هذه أرضًا ملساء لا نبات فيها، والصعيد: وجه الأرض. ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾: قوله : ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ عطف على ﴿فَتُصْبِحَ﴾.

стр. 2321

وَوُصِفَ الماءُ بالمصدر كما وصف الصعيد به، وهو أبلغ من قولك: غائرًا أو ذا غور، كقولك: رجل صَوْمٌ وَزَوْرٌ، وإِنْ شئت قدرت باسم الفاعل، أو على حذف مضاف، وكلٌ حَسَنٌ جائز شائع في كلام القوم، غير أن الوصف بالمصدر أبلغ وأفخم. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾: قوله : ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ في القائم مقام الفاعل وجهان: أحدهما: ﴿بِثَمَرِهِ﴾ بمعنى: أُهلك ثمرُهُ؛ وأحيط بفلان: عبارة عن إهلاكه، قيل: وأصله من أحاط به العدو، لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك (١). والثاني: مضمر وهو المصدر. وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ (يقلب) في موضع نصب لكونه خبر (أصبح) أي: مُقَلِّبًا. و ﴿كَفَّيْهِ﴾ مفعول ﴿يُقَلِّبُ﴾، وتَقَلُّبُ الكفين: كناية عن الندم والتحسر، لأن النادم يفعله كثيرًا، فصار ذلك عبارة عن الندم. وقوله: ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ يحتمل أن يكون: من صلة ﴿يُقَلِّبُ﴾ لأنه في معنى الندم، ولما كان في معناه عُدِّيَ تعديته بعلى، كأنه قيل: فأصبح يندم على الذي أنفقه فيها، أو على الإنفاق فيها. وأن يكون: في موضع الحال من المنوي في ﴿يُقَلِّبُ﴾ أي: متأسفًا، أو متحسرًا على ذلك. وقوله: ﴿وَيَقُولُ﴾ محله النصب إما على خبر (أصبح) عطفًا على ﴿يُقَلِّبُ﴾ أو على الحال عطفًا على الحال المقدرة المذكورة آنفًا. ﴿يَالَيْتَنِي﴾ أي: يا قوم أيا هؤلاء ليتني لم أشرك بالله أحدًا.

стр. 2322

﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾: قوله : ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ قرئ: بالتاء النقط من فوقه لأجل تأنيث لفظ ﴿فِئَةٌ﴾، وبالياء النقط من تحتها (١) لأجل الحائل وهو ﴿لَهُ﴾، أو لأجل أن التأنيث غير حقيقي، أو حملًا على المعنى، لأن الفئة: الرجال أو القوم. وقوله: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ في موضع الصفة لفئة، وهو محمول على المعنى دون اللفظ، ولو حمل على اللفظ لقيل: تنصره، كقوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ (٢). ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾: قوله : ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ (هنالك) هنا يحتمل أن يكون ظرف زمان، أي: في ذلك الوقت، وأن يكون ظرف مكان، أي: في ذلك المقام، وفي عامله وجهان: أحدهما: ﴿مُنْتَصِرًا﴾ على معنى: وما كان ممتنعًا لقوته هنالك من عذاب الله، فيوقف عليه، ويُبتدَأ بقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّه﴾، فـ ﴿الْوَلَايَةُ﴾: مبتدأ، و ﴿لِلَّهِ﴾: الخبر. والثاني: هو ظرف للخبر الذي هو ﴿لِلَّهِ﴾ ومعمول له، وقُدِّم الظرفُ الذي هو معمول الخبِر على المبتدأ للاهتمام به كما قُدم في قوله جلَّ ذكره: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣)، ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٤)، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٥)، و ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٦) وما أشبه ذلك.

стр. 2323

ولك أن ترفع ﴿الْوَلَايَةُ﴾ بالابتداء، والخبر ﴿هُنَالِكَ﴾، أو بهنالك على رأي أبي الحسن. ﴿لِلَّهِ﴾ من صلة الخبر، أو من صلة العامل في الظرف، أو حال من المنوي في الخبر على رأي صاحب الكتاب، أو من الولاية على رأي أبي الحسن، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. والولاية بفتح الواو وكسرها لغتان في معنى الصداقة، بمعنى أنهم يومئذ يتولون الله ويؤمنون به ويتبرؤون مما كانوا يعبدونه من دون الله. وقيل: إنهم يوادون الله ولا يعادونه في ذلك اليوم كما كانوا يفعلونه في الدنيا. وقيل: بالفتح: النصرة، على معنى: أن النصرة لله وحده لا يملكها غيره، وبالكسر: السلطان والملك، على معنى: أن الله تعالى هو المنفرد بالملك والسلطان يومئذ (١)، وقد قرئ بهما (٢). وقرئ: (الحقُّ) بالرفع (٣)، وفيه أوجه: أحدها: صفة للولاية، وهو جائز وإن كان فيه فصل بين الصفة والموصوف بالخبر، قال أبو علي: وصف الولاية بالحق، أنه لا يشوبها غيره، ولا يخاف فيها ما يخاف في سائر الولايات من غير الحق (٤). والثاني: مبتدأ وما بعده خبره. والثالث: خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أو هو الحق. والرابع: خبر بعد خبر، فـ ﴿الْوَلَايَةُ﴾ مبتدأ و ﴿لِلَّهِ﴾ خبره، و (الحَقُّ) خبر بعد خبر.

стр. 2324

وبالجر (١)، وهو صفة ﴿لِلَّهِ﴾ ، أي: ذي الحق، أو تجعله نفس الحق مبالغة. وقرئ: (الحقَّ) بالنصب (٢) على التأكيد، كقولك: هذا عبد الله الحقَّ لا الباطل. وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أي: أفضل ثوابًا ممن يرجى ثوابه. ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي: عاقبة، والْعُقْبُ والعاقبة والعُقْبَةُ والعُقْبَى كله بمعنىً واحد، عن أبي عبيدة (٣). وقرئ: (عُقُبًا) بضم القاف وبسكونها (٤)، فالضم هو الأصل، والإسكان تخفيف. و ﴿ثَوَابًا﴾ و ﴿عُقْبًا﴾: منصوبان على التمييز. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾: قوله : ﴿كَمَاءٍ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: ضربًا مثل ماءٍ منزل، وأن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي: هي كماء، والمعنى: اذكر لهم، أو صف لهم ما يشبه الحياة الدنيا.

стр. 2325

وقوله: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ الباء للسبب، أي: فالتف بسبب الماء النازل من السماء وتكاثف حتى خالط بعضه بعضًا. وقيل: اختلط بالماء، يعني: أصابه المطر فشرب الماء وجرى فيه حتى قوي ونما، وقد ذكر في "يونس" بأشبع من هذا (١). وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ فعيل بمعنى مفعول، وهو ما يبس من النبات وتهشم، أي: تكسر وتفتت. وقوله: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ في موضع النعت له، ومعنى تذروه: تفرقه، يقال: ذَرَتْهُ الريح تَذْرُوه ذَرْوًا (٢)، وَأَذْرَتْهُ تُذْرِيهِ إذْراءً، وفيه لغة ثالثة ذَرَتْهُ تَذْرِيهِ بفتح التاء، وقد قرئ بهن (٣). وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أي: كان على الإنشاء والإفناء مقتدرًا، و ﴿وَكَانَ﴾ للدوام. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ (عند) من صلة ﴿خَيْرٌ﴾ و ﴿ثَوَابًا﴾ تمييز، وكذا ﴿أَمَلًا﴾. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ (ويوم) مفعول به، أي: واذكر يوم. وقيل معمول لـ ﴿خَيْرٌ﴾ معطوف على ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾. بمعنى: الصالحات خير عند ربك وخير يوم نسير، وهو قول أبي إسحاق (٤).

стр. 2326

وقرئ: (تُسَيَّرُ) بالتاء مضمومة وفتح الياء على البناء للمفعول، ورفع (الجبالُ) به (١)، كقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (٣). وقرئ: (ونُسيِّر الجبالَ) بالنون مضمومة وكسر الياء على البناء للفاعل ونصب الجبال به (٤). و(تَسِيْرُ) بالتاء مفتوحة وكسر السين وإسكان الياء ورفع (الجبالُ) به (٥) على الفاعلية، من سارت، بمعنى: تسير في الجو ويُذْهَبُ بها، بأن تُجعل هباء منبثًا. وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ الجمهور على فتح التاء في ﴿وَتَرَى﴾ على البناء للفاعل وهو النبي ﷺ أو كل إنسان، ونصب ﴿الْأَرْضَ﴾ به، وقرئ: (وتُرَى الأرضُ) بضم التاء على البناء للمفعول، ورفع الأرض به (٦). و ﴿بَارِزَةً﴾ حال من ﴿الْأَرْضَ﴾ على كلتا القراءتين، لأنَّ الرؤية من رؤية العين، أي: ظاهرة ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار وغيرهما. وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ في موضع الحال، وقد معه مرادة، أي: وقد جمعناهم جميعًا إلى الموقف للحساب. وقيل: وإنما جيء بـ ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ ماضيًا بعد قوله: ﴿وَيَوْمَ. . نُسَيِّرُ

стр. 2327

وَتَرَى﴾ للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير، ليعاينوا تلك الأهوال والعظائم (١). وقوله: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: فلم نترك منهم أحدًا، يقال: غَادَرَهُ يُغَادِرُهُ مُغَادَرَةً، وَأَغْدَرَهُ يُغْدِرُهُ إِغْدَارًا، إذا تركه، ومنه الغدر: ترك الوفاء، والغدير: ما غادره السيل (٢). ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾: قوله : ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿صَفًّا﴾ على الحال من الضمير في ﴿وَعُرِضُوا﴾ أي: وأظهروا مصطفين أو مصفوفين، يقال: عَرَضْتُه فأعرض، أي: أظهرته فظهر، ومنه قوله جل ذكره: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ (٣) أي: أظهرناها حتى رآها الكفار، وقوله: ٤٠٣ - وَأَعْرَضَتِ اليَمَامَةُ واشْمَخَرَّتْ ... كَأَسْيَافٍ بأَيْدِي مُصْلِتِيْنَا (٤) أي: ظهرت. وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ أي: قلنا لهم، أو يقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾، والقول المقدر مع ما اتصل به في موضع الصفة لقوله: ﴿صَفًّا﴾، أي: عرضوا على ربك صفًا مقولًا لهم. وقوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ محل الكاف النصب إما على النعت لمصدر

стр. 2328

محذوف، أي: مجيئًا مثل خلقنا إياكم، أو على الحال. و ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظرف لـ ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾. وقوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ (بل) هنا للعطف بمعنى الواو، أي: وزعمتم. وأن مخففة من الثقيلة، وقد سدت مسد مفعولي الزعم، والخطاب هنا لمنكري البعث خاصة. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾: قوله : ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ انتصاب قوله: ﴿مُشْفِقِينَ﴾ على الحال، لأنّ الرؤية هنا من رؤية البصر. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾ في موضع الحال، أي: وقائلين، و ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾: منادى مضاف، دعوا بالويل على أنفسهم، قال أبو إسحاق: كل من وقع في هلكة دعا بالويل (١). وقوله: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ﴾ محل قوله: ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ النصب على الحال من ﴿الْكِتَابِ﴾، والعامل فيها معنى الاستقرار، أي: أي شيء لهذا الكتاب غير تارك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، أي: إلا ضبطها وحصرها، والضمير في ﴿أَحْصَاهَا﴾ للكبيرة، واستُغْنِيَ عن ذكر الصغيرة بها، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢)، أو للأشياء، لأنَّ الصغيرة والكبيرة عبارة عن الأشياء كلها. أو للفعلة، لأنَّ الفعلة تشتمل عليهما. وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ (حاضرًا) نصب على الحال من ﴿مَا﴾

стр. 2329

أو من الراجع المحذوف إلى ﴿مَا﴾، لا من الضمير في ﴿وَجَدُوا﴾ كما زعم بعضهم، أي: مكتوبًا مثبتًا ذكره في الصحف، أو جزاء ما عملوه. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ أي: واذكر إذ قلنا. وقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ نصب على الاستثناء، والاستثناء متصل عند قوم ومنقطع عند آخرين على ما ذكر في "البقرة" وأُوضح (١). وقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: كلام مستأنف جارٍ مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلًا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن. والثاني: في موضع الحال، وقد مرادة معه، أي: وقد كان من الجن. وقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ قيل: الفاء للتسبيب أيضًا، جعل كونه من الجن سببًا في فسقه، يعني أنه لو كان مَلَكًا كسائر من سجد لآدم ﵇ لم يفسق عن أمر الله، لأنَّ الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الثقلين، وعلى الوجه الثاني: عطف على ﴿كَانَ﴾ وحكمه في الإعراب حكمه، وقد ذكر أنَّ ﴿كَانَ﴾ في موضع الحال على إرادة قد. وقوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ محل الجملة النصب على الحال من الضمير المنصوب في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ والذرية، أي: أفتتخذونهم معادين لكم؟

стр. 2330

يعني في حال عداوتهم إياكم، لا من الضمير المرفوع في ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ كما زعم بعضهم (١) لفساد المعنى، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى، والعدو يقع على الواحد والاثنين والجماعة، وهو فعول، قيل: وأصله: من عَدْوَتَي الوادي، وهما جانباه، لأن كل واحد من المتباغِضَين يعادي صاحبه، أي: يباعده. وقوله: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ منصوب على التفسير، مُفَسِّرُهُ فاعل بئس المضمر، والمقصود بالذم محذوف، والتقدير بئس البدل بدلًا من الله هو وذريته لمن استبدله فأطاعه بدل طاعته. وقيل: بئس البدل بدلًا النار من الجنة. وفي ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ وجهان - أحدهما: من صلة ﴿بِئْسَ﴾. والثاني: حال من بدل وهو في الأصل صفة، فلما قدم عليه نصب على الحال. ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾: قوله : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: إبليس وذريته، أي: أحضرتهم خلقهما استعانة بهم على خلقهما أو مشاورة إياهم فيه، ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولا أحضرت بعضهم خلق بعض لأستعين ببعضهم على خلق بعض. وقرأ ابن القعقاع: (ما أشهدناهم) (٢)، لقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ (٣).

стр. 2331

وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أي: وما كنت متخذهم أعوانًا، فوضع الظاهر موضع الضمير، يقال: عضدت فلانًا، إذا أعنته، وهو من العَضُدِ، لأن العَضُدَ به قوامُ اليدِ. والجمهور على ضم التاء في قوله: ﴿وَمَا كُنْتُ﴾ على الإخبار عن الله جل ذكره عن نفسه بذلك، وقرئ: (وما كنتَ) بفتحها (١)، والخطاب لرسول الله ﷺ على معنى: وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك. وعلى ترك التنوين في قوله: ﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ على الإضافة، وقرئ: (متخذًا المضلين) بالتنوين (٢) على الأصل. وعلى فتح العين وضم الضاد في قوله: ﴿عَضُدًا﴾، وفيه أربع لغات: عَضُدٌ بفتح العين وضم الضاد، وَعَضِدٌ بفتح العين وكسر الضاد، وعَضْدٌ بفتح العين وإسكان الضاد، وعُضْدٌ بضم العين وسكون الضاد. وحكى أبو إسحاق أيضًا: عُضُدٌ بضم العين والضاد (٣). فإذا فهم هذا، فقرئ أيضًا: (عَضْدًا) بفتح العين وإسكان الضاد (٤)، فالأول وهو قراءة الجمهور أصل، والثاني يحتمل أن يكون تخفيفًا، وأن يكون لغة. وقرئ أيضًا: (عُضْدًا) بضم العين وإسكان الضاد (٥)، ويحتمل وجهين - أحدَهما: أن يكون مخففًا من (عُضُدًا) وبه قراءة بعض القراء (٦). وأن يكون

стр. 2332

منقولًا من عَضُدًا نقلت ضمة الضاد إلى العين بعد أن أزيلت حركتها، لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى. وقرئ أيضًا: (عَضَدًا) بفتح العين والضاد (١)، وهو جمع عاضد كخادم وخدم. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: واذكر يوم يقول الله للكفار نادوا شركائي، وقرئ: بالنون (٢) حملًا على ما قبله مما هو على لفظ الجمع. وأضاف الشركاء إليه على زعمهم توبيخًا لهم وتقريعًا. وقوله: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: الذين زعمتموهم إياهم، أي: زعمتموهم شركاء، فحذف مفعولا الزعم، لا بد من هذا التقدير: إذ بهما يتم الموصول. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ (بينهم) فيه وجهان، أحدهما: ظرف. والثاني: مفعول به، والمعنى: وصيرنا تواصلهم في الدنيا هلاكًا يوم القيامة. وقيل: عداوة (٣). والمَوْبِقُ يحتمل أن يكون مكانًا، يعضده قول من قال: هو اسم وادٍ عميق في جهنم، وهما قتادة ومجاهد (٤). وأن يكون مصدرًا، يعضده قول

стр. 2333

من قال: مهلكًا، وهو ابن عباس ﵄ (١). يقال: وَبَق يَبِقُ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر وُبُوقًا، إذا هلك، وهو وابق، والمَوْبِقُ مَفعِل منه، كالمورِد والموعِد من ورد يرد، ووعد يعد، وفيه لغة أخرى: وَبِقَ يَوْبَقُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر وَبَقًا وهو وَبِقٌ، وفيه لغة ثالثة: وَبِقَ يَبِق بالكسر فيهما (٢)، وأوبقه، أي: أهلكه، والإيباق: الإهلاك. والضمير المجرور في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ للعابد والمعبود من دون الله. ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾: قوله : ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ أي: فأيقنوا أنهم ملابسوها ومخالطوها، والمواقعة: ملابسة الشيء بشدة، من وقع، إذا سقط. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ فالمصرف يجوز أن يكون مكانًا، على معنى: ولم يجدوا عن النار مَعْدِلًا، أي: مكانًا يرجعون إليه، وأن يكون مصدرًا، أي: لم يجدوا عنها انصرافًا، وإنما لم يجدوا عنها ذلك، لأنها أحاطت بهم من كل جانب فلم يقدروا على الخلاص منها. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ مفعول ﴿صَرَّفْنَا﴾ على رأي صاحب الكتاب محذوف، أي: صرفنا أنواعًا أو أقوالًا من كل مثل يحتاجون إليه، أي: بينا. وعلى رأي أبي الحسن ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ هو المفعول، و ﴿مِنْ﴾ صلة (٣).

стр. 2334

وقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قيل: فإن قال قائل: وهل يجادل غير الإنسان؟ فالجواب في ذلك: أن إبليس جادل، وأن كل ما يعقل من الملائكة والجن يجادل، ولكن الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلًا، يعني: أَنَّ جَدَلَ الإنسان أكثر من جدل كل شيء ممن يأتي منه الجدل. و ﴿جَدَلًا﴾: منصوب على التمييز. ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾: قوله : ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ (أن) الأولى مع صلتها في موضع نصب مفعول ثان لـ ﴿مَنَعَ﴾، و ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا﴾ عطف عليها، و ﴿أَنْ﴾ الثانية مع صلتها في موضع رفع فاعله، وقبلها مضاف محذوف تقديره ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ يعني: أهل مكة الإيمان والاستغفار، أي: من الإيمان والاستغفار إذا طلب، أو انتظار إتيان سنة الأولين وهي العذاب، أو انتظار أن يأتيهم العذاب قبلًا، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لقوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ﴾ نافية، وقيل: استفهامية (١). وقرئ: (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء (٢)، وفيه وجهان - أحدهما مصدر في موضع الحال، أي: عيانًا، أو مقابلة، أي: معاينة. والثاني: ظرف، كقولك: لِي قِبَلَهُ حَقٌّ. وقرئ: (قُبُلًا) بضم القاف والباء (٣)، وفيه وجهان أيضًا، أحدهما:

стр. 2335

بمعنى الكسر فيما حكاه أبو زيد (١)، لقيت فلانًا قِبَلًا ومُقَابَلَةً وَقَبَلًا وقُبُلًا وَقَبَلِيًّا وَقَبِيلًا بمعنى واحد، أي: عيانًا، هكذا أخبرني شيخنا أبو اليمن الكندي بقراءة غيري عليه، وأنا أسمع بالإسناد الصحيح عن الشيخ أبي علي الفارسي عنه رحمة الله عليهما (٢). والثاني: جمع قبيل، كرُغُفٍ في جمع رغيف، أي: أنواعًا. وانتصابه على الحال، أي: مُنَوَّعًا، أي: ضروبًا مختلفة، وقد يكون ضربًا واحدًا ويجيئهم منه شيء بعد شيء، أي: صنفًا صنفًا، فاعرفه فإنه من كلام الشيخ أبي علي (٣). ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾: قوله : ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ حالان من ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾. وقوله: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: ليزيلوا بالجدال الحق ويبطلوه، من الدحْض وهو: الزَّلَق، يقال: دَحَضَتْ قدمُه تَدْحَضُ دَحْضًا إذا زلِقت (٤)، ومنه: دَحَضَتْ حُجتُهُ دُحُوضًا، أي: بطلت، وأدحضتها أنا، أي: أبطلتها. وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (ما) في موضع نصب عطفًا على ﴿آيَاتِي﴾ وفيها وجهان: أحدهما: موصولة، والراجع من الصلة محذوف، أي: وما أنذروه من العذاب والقيامة. والثاني: مصدرية، أي: وإنذاري إياهم هزوًا، فـ ﴿هُزُوًا﴾ هو:

стр. 2336

المفعول الثاني لقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: مكان استهزاء، والهُزُوُ: الاستهزاء. وقد يجوز أن تكون نافية ردًا إلى قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: ولم ينذروا هزوًا. فإن قلت: فأين المفعول الثاني لقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾؟ قلت: محذوف دل عليه ﴿هُزُوًا﴾، والوجه هو الأول وعليه الجمهور. وقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مفعول له، أي: كراهة أن يفهموه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾: قوله : ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: وجعلنا في آذانهم وقرًا، أي: ثقلًا يمنع عن استماع الحق. وقوله: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ الفاء جواب الشرط، و ﴿إِذًا﴾ جزاء وجواب، و ﴿أَبَدًا﴾ ظرف لقوله: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾. ونفى عنهم الاهتداء، لأجل الأكنة والوقر. وقوله: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قيل: ﴿يُؤَاخِذُهُمْ﴾ مضارع يحكى به الحال. وقيل: هو بمعنى الماضي (١). و (ما) موصولة أو مصدرية، أي: بالذي كسبوه أو بكسبهم. وقوله: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ الموعد: يجوز أن يكون مكانًا، أي: مكان الموعد، وأن يكون مصدرًا، أي: لهم وعد. وقيل الموعد: وقت الوعد،

стр. 2337

أي: بل لهم وقت وعد (١). وقوله: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ (موئلًا) مَفْعِلٌ من وَأَلَ يَئِلُ وُؤُولًا وموئلًا، إذا نجا، ويحتمل أيضًا أن يكون مكانًا، أي: موضع نجاة، [وأن يكون مصدرًا، أي: نجاة] (٢). ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾: قوله : ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ محل ﴿تِلْكَ﴾ الرفع بالابتداء، و ﴿الْقُرَى﴾ نعت لها، لأنَّ إسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وأهل تلك القرى. و ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ الخبر، أو النصب بإضمار أهلكنا، دل عليه المذكور. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ قرئ: (لِمُهْلَكِهم) بضم الميم وفتح اللام (٣)، وهو مصدر بمعنى الإهلاك مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف أي: وجعلنا لإهلاكنا إياهم وقتًا معلومًا لا يتأخرون عنه. وقيل: لوقت إهلاكنا إياهم. والمهلك: الإهلاك ووقته، ويجوز أن يكون موضعًا للإهلاك، وكذلك كل فعل ماضيه على أفعل، فالمصدر منه مُفْعَلٌ أو إِفْعَالٌ، واسم الزمان مُفْعَلٌ، وكذلك اسم المكان، تقول: أدخلت فلانًا مُدْخلًا أو إدْخَالًا وهذا مُدْخَلُه، أي: المكان الذي يُدْخَلُ فيه، وهذا مُدْخَلُه، أي: وقت إدخاله. وقرئ: (لِمَهْلَكِهِم) بفتح الميم واللام (٤)، وهو مصدر هلك، لأن ما

стр. 2338

كان على فَعَل يَفْعِلُ فالمصدر مفعَل بفتح العين في الأمر العام، والزمان والمكان مفعِل بكسر العين. والمصدر مضاف إلى الفاعل، أي: وجعلنا لهلاكهم موعدًا، أو إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (١) أي: من دعائه الخير على ما حكي من أن تميمًا يقولون: هلكني زيد (٢)، كأنهم جعلوه من بابِ شجب فلان وشجبته، وسكب الماء وسكبته، أي: وجعلنا لهلاكنا إياكم موعدًا. وقرئ بفتح الميم وكسر اللام (٣) وهو مصدر أيضًا كالمرجع، والوجهان في إضافته جائزان، أو زمان، أي: لوقت هلاكهم، والموعد وقت أو مصدر. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال موسى لعبده. وقيل: هو يوشع بن نون، وكان يصحبه ويسعى في حاجته، فلذلك قيل: فتاه. وقيل: كان يأخذ منه العلم (٤). وقوله: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ فيه وجهان، أحدهما: هي الناقصة بمعنى: لا أزال، وفي خبرها وجهان: أحدهما: محذوف، وإنما حذف لأن الحال والكلام معًا يدلان عليه،

стр. 2339

أما الحال: فلأنّها كانت حال سفر، وأما الكلام: فلأن قوله: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ غاية مضروبة تستدعي ما هو غاية له، فلا بد أن يكون المعنى: لا أبرح ماشيًا، والمعنى: لا أزال أسير، أي: أدوم على السير ولا أفتر، وهو اختيار أبي إسحاق. وهو أن يكون بمعنى لا أزال، قال: ولو كان معناه لا أزول لكان محالًا، لأنه إذا لم يزل من مكانه لم يقطع أرضًا، انتهى كلامه (١). والثاني: الخبر ﴿حَتَّى أَبْلُغَ﴾، على أن المعنى والتقدير: لا يبرح سيري حتى أبلغ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو ضمير التكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، فيكون متعلقًا بمحذوف، أي: لا يبرح سيري واقفًا حتى كذا. والوجه الآخر: أن تكون التامة، والمفعول محذوف، أي: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم السير والطلب، ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان، أي: لا أفارقه. وقوله: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: حتى أصل الموضع الذي يجمع البحرين. قيل: وهما بحر فارس والروم، وقيل: بحر المشرق والمغرب، وهما اللذان يحيطان بجميع الأرض (٢). والجمهور على فتح الميم الثانية وهو الوجه، لأن ما كان على فَعَل يَفْعَلُ فالمصدر منه والمكان والزمان كلهن مفتوح نحو: ذهبت مَذْهَبًا، أي: ذهابًا، ومَذْهَبًا أي: مكانًا يُذهب فيه، وهذا مَذْهَبُك، أي: زمان ذَهابك. وأما المَفْعِل بالكسر من يَفْعَلُ فهو شاذ (٣)، وهو في الشذوذ مِن يَفْعَل،

стр. 2340

كالمشرق والمغرب والمطلع والمنسك من يفعل (١). وقوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ عطف على ﴿حَتَّى أَبْلُغَ﴾، وفي ﴿أَوْ﴾ وجهان، أحدهما: أنها لأحد الشيئين، بمعنى أسير حتى يقع إما لقاء الخضر بمجمع البحرين، وإما السير حتى أصل إليه. والثاني: أنها بمعنى إلَّا أنْ، أي: إلا أن أمضي زمانًا أتيقن معه فوات مجمع البحرين. والمجمع مفعول به لا ظرف كما زعم بعضهم (٢)، لأنه مخصوص، والفعل الذي قبله متعد وليس ثَم مفعول سواه، ولا يحسن معه (في) إلا على تكلف وتعسف. واختلف في الحُقُب، فقيل: ثمانون سنة. وقيل: سبعون سنة. وقيل: زمان غير محدود. وقيل: الدهر (٣). وهو منصوب لكونه ظرف زمان للمضي. ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ (بين) ظرف أضيف إليه على الاتساع، كقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (٤). وقد جوز أن يكون بمعنى الوصل، أي: مجمع وصلهما (٥). وقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ نُسب إليهما وهو في الحقيقة لأحدهما وهو فتاه، بدليل قوله: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، وقوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ (٦)، وفيه وجهان:

стр. 2341

أحدهما: كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (١)، وإنما يخرج من أحدهما وهو الأُجاج (٢). والثاني: على حذف المضاف، والتقدير: نسي أحدهما، فحذف وارتفع الضمير. وقيل: بل النسيان وقع منهما جميعًا، وذلك أن موسى ﵊. نسي تَفَقُّدَ أمر الحوت وما كان منه، والفتى نسى أن يخبره بما كان من شأن الحوت (٣). وقوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ في فاعل الفعل وجهان: أحدهما: الحوت، أي: فاتخذ الحوت سبيله في البحر سربًا. والثاني: موسى ﵇، أي: فاتخذ موسى سبيل الحوت في البحر سربًا. و﴿سَرَبًا﴾: مفعول ثان لاتخذ، كقولك: اتخذت فلانًا وكيلًا. ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٤). والسَّرَبُ: المكان الذي يسرب فيه، أي: يدخل. وقوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة قوله: ﴿فَاتَّخَذَ﴾، وأن يكون حالًا من السبيل أو من السرب، وهو في الأصل صفة له، أعني للسرب، فلما قدم عليه نصب على الحال. وقد جوز أبو إسحاق أن يكون ﴿سَرَبًا﴾ مصدرًا دل عليه (اتخذ)، كأنه قيل: سرب الحوت سربًا (٥). فعلى هذا يكون المفعول الثاني لاتخذ: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾.

стр. 2342

﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ المفعول محذوف، أي: جاوزا مجمع البحرين. وقوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (أن أذكره) في موضع نصب على البدل من الهاء في ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ﴾، وهو بدل الاشتمال، لاشتمال الذكر على الهاء في المعنى، أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان، والضمير للحوت. وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ (عجبًا) منصوب على أحد ثلاثة أوجه: إما مفعول ثان لاتخذ، كقوله: ﴿سَرَبًا﴾ أي: واتخذ الحوت سبيله في البحر سبيلًا عجبًا. أو نعت لمصدر محذوف، أي: اتخاذًا عجبًا. وهذا من كلام فتى موسى ﵇. أو مصدر، بأن قال عجبًا في آخر كلامه، أي: عجبت عجبًا، تعجبًا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها، ويكون من تمام كلام يوشع ﵇ أيضًا. وقوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. وقيل: إن ﴿عَجَبًا﴾ من قول موسى ﵇، أي: عجبت عجبًا (١).

стр. 2343

وقيل: فاعل الفعل الذي هو (اتخذ): موسى ﵇ (١)، بمعنى: واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا، [أي: عجب عجبًا] من سلوك الحوت سبيله في البحر من غير أن يلتئِمَ الماء بعد سروبه، وذلك أن أثر الحوت بقي بعد انسيابه فيه، وذلك عجب. وقيل: جمد الماء تحته. وقيل: صار الماء صحراء. وقيل: بقي أثره كالكوة، وهذا كله مما يتعجب منه (٢). ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ مبتدأ، وما بعده خبره، و ﴿مَا﴾ موصولة، والإشارة في ذلك إلى اتخاذه سبيلًا، أي: ذلك الذي كنا نبغيه، أي: نطلبه. وقوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (قصصًا) مصدر فعل محذوف، أي: فرجعا في السبيل الذي سلكاه يقصان الأثر قصصًا (٣)، والقصص اتباع الأثر، كأنه قيل: يتبعان آثارهما اتباعًا. وقيل: هو في موضع الحال، أي: فارتدا مقتصين (٤)، كقولك: أتيته مشيًا، أي: ماشيًا. وقيل: بل هو مصدر ﴿فَارْتَدَّا﴾ على المعنى (٥)، لأن معنى ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾: اقتصا آثار أقدامهما. ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾:

стр. 2344

قوله : ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (من لدنا) يجوز أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿عِلْمًا﴾ لتقدمه عليه، و ﴿عِلْمًا﴾ مفعول به ثان لِعَلَّمْنا، وهو من العلم الذي يتعدى إلى مفعول واحد (١)، كقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢) ولو كان مصدرًا لكان تعليمًا (٣). ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾: قوله : ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قرئ: (رَشَدًا) بفتحتين و ﴿رُشْدًا﴾ بضمة وسكون (٤). وهما لغتان بمعنى. وفي نصبه وجهان: أحدهما: مفعول له متعلق بقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ أي: هل أتبعك للرشد؟ أي: لطلب الرشد. والثاني: مفعول به ثان لـ ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، والتقدير: هل أتبعك على أن تعلمني رشدًا مما عُلِّمْتَهُ؟ أي: علمًا ذا رشد أنتفع به في ديني، فحذف الضمير في ﴿عُلِّمْتَ﴾ الراجع إلى الموصول، وهو المفعول الثاني لـ ﴿عُلِّمْتَ﴾. ولا يجوز أن يكون المفعول الثاني، أعني الرد لـ ﴿عُلِّمْتَ﴾ لبقاء الموصول بلا راجع. وقوله: على الوجه الأول: في موضع الحال من الكاف في ﴿هَلْ

стр. 2345

أَتَّبِعُكَ﴾، أي: أتبعك باذلًا لي. وعلى الوجه الثاني: يجوز أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾، وأن يكون حالًا أيضًا. ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾: قوله : ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (وكيف) منصوب بـ ﴿تَصْبِرُ﴾، و ﴿خُبْرًا﴾ منصوب على المصدر على المعنى، لأن معنى ﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾: لم تخبره خبرًا، وهو قول أبي إسحاق (١)، وأنشد قول امرئ القيس: ٤٠٤ - فَصِرْنَا إِلَى الحُسْنَى وَرَقَّ كَلَامُنَا ... وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إذْلَالِ (٢) فنصب (أيَّ إذلال) على المصدر، لأن معنى رُضْتُ: أذللت. أو على التمييز. بمعنى لم يحط به خبرك، وهو قول الزمخشري (٣). والأول أمتن، والخُبْرُ والخِبْرَةُ: العلم المستيقن، أي: وكيف تصبر على ما لم تعلمه يقينًا؟ ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾: قوله : ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ (صابرًا) مفعول ثان كقولك: وجدت زيدًا ذا الحفاظ، وما بين المفعولين اعتراض، أي: سوف تجدني صابرًا إن شاء الله على ما أرى منك، أي: أصبرُ عن السؤال، فلا أسأل عنه، وقيل: أصبر عن الإنكار فلا أنكره عليك (٤). وقوله: ﴿وَلَا أَعْصِي﴾ يجوز أن يكون عطفًا على ﴿سَتَجِدُنِي﴾، وأن

стр. 2346

يكون عطفًا على ﴿صَابِرًا﴾، فيكون في محل النصب. بمعنى: ستجدني صابرًا وغير عاص، والعصيان: مخالفة الأمر. ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾: قوله : ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ قرئ: بإسكان اللام وتخفيف النون وإثبات الياء، وبفتح اللام وتشديد النون وإثبات الياء (١). وقد أوضحت وجه ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة. وقوله: ﴿أَخَرَقْتَهَا﴾ في الاستفهام هنا وجهان، أحدهما: للتوبيخ والإنكار. والثاني: للاستعلام. وقوله: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ (اللام) لام كي. وقيل: لام العاقبة (٢). وقرئ: بتاء مضمومة وكسر الراء مسندًا إلى المخاطب، حملًا على ما قبله وعلى ما بعده، فالذي قبله قوله: ﴿أَخَرَقْتَهَا﴾، والذي بعده قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾، ونصب الأهل به. وبياء وراء مفتوحتين مسندًا إلى الأهل (٣). وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: أتيت شيئًا عظيمًا، من أَمِرَ الأَمْرُ يَأْمَرُ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - أَمَرًا، إذا عظم واشتد، والاسم: الإِمر بالكسر، قال الراجز:

стр. 2347

٤٠٥ - قَدْ لَقِيَ الأَقْرَانُ مِنِّي نُكْرَا ... دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إِمْرَا (١) ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾: قوله : ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ في (ما) ثلاثة أوجه، أحدهما: موصولة وعائدها محذوف، أي: بالذي نسيته. والثاني: موصوفة، أي: بشيء نسيته. والثالث: مصدرية، أي: بنسياني، أي: لا تؤاخذني بما تركته من عهدك، وهو العهد الذي كان أعطاه من نفسه ألا يسأله عن شيء حتى يخبره هو به، كذا روي عن ابن عباس ﵄ قال: هو من النسيان الذي هو الترك، لا من النسيان الذي هو السهو (٢). وقوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (عسرًا) مفعول ثان للإرهاق، يقال: رَهِقَه يَرْهَقُه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رَهَقًا، إذا غشيه، من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ (٣). وأرهقه طغيانًا، أي: أغشاه إياه. و ﴿مِنْ أَمْرِي﴾: في موضع الحال من ﴿عُسْرًا﴾ أي: ولا تغشني عسرًا كائنًا من أمري، والمعنى: عاملني باليسر لا بالعسر (٤). ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾: قوله : ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ قرئ: (زاكية) و (زكية) (٥)، وهما

стр. 2348

بمعنى واحد، وهي الطاهرة من الذنوب، إما لأنها طاهرة عنده، لأنه لم يرها قد أذنبت، وإما لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث. إلا أن الزكية أشد مبالغة من الزاكية، وقيل: الزاكية: التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم غفر لها (١). وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ من صلة ﴿أَقَتَلْتَ﴾ وفي الكلام حذف مضاف، أي: بغير قتل نفس، يعني: لم تقتل نفسًا فتقتص منها، ولك أن تجعله في موضع الحال، إما من الفاعل، أي: ظالمًا، أو المفعول لكونه قد وصف، أي: مظلومًا. وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ (شيئًا) مفعول به، أي: أتيت شيئًا منكرًا ينكره أولو النُّهَى، والنكر مصدر، أي: شيئًا ذا نكر، والنُكْرُ والنُكُر لغتان بمعنىً، كالشُّغْلِ والشُّغُلِ والعُنْقِ والعُنُقِ، وقد قرئ بهما (٢). قيل: فإن قيل: لم قال: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ بغير فاء، و ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ بالفاء؟ فالجواب، أنه جعل ﴿خَرَقَهَا﴾ جزاء للشرط، وجعل ﴿فَقَتَلَهُ﴾ من جملة الشرط معطوفًا عليه، والجزاء: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ﴾ (٣). ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾: قوله : ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ أي: بعد هذه المرة، أو الكَرَّةِ، أو المسألة، أو الفعلة، أو النفس المقتولة.

стр. 2349

﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ أي: فاترك صحبتي وفارقني، وإنْ طلبت صحبتك فلا توافقني عليها، وقرئ: (فَلَا تَصْحَبْني) بفتح التاء (١)، من صحبه، أي: فلا تكن صاحبي. وقرئ أيضًا: (فَلَا تُصْحِبْنِي) بضم التاء (٢)، من أصحبه الشيء إذا جعل له صاحبًا، بمعنى: فلا تصحبني إياك، ولا تجعلني صاحبك، أو: فلا تُصْحِبْني شيئًا من علمك؛ وقد جوز أبو إسحاق أن يكون من: أَصْحَبَ البعيرُ، إذا انقاد بعد صعوبة. بمعنى: فلا تتابعني في شيء ألتمسه منك (٣). وفيه ما فيه، لأن قولهم: أصحب الدابة، إذا انقاد لازم، وهنا متعد كما ترى. وقوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ (عذرًا) مفعول البلوغ، و ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ حال منه، وهو في الأصل صفة له، أي: قد بلغت عذرًا كائنًا من عندي، ولك أن تجعله من صلة ﴿بَلَغْتَ﴾. وقرئ: (من لدنِّي) بتشديد النون (٤)، والاسم (لدن)، والنون الثانية وقاية زيدت ليسلم سكون النون فيه، كما زيدت في عَنّي ومِنّي لذلك، وأدغمت الأصلية في المزيدة. وبتخفيفها (٥)، وفيه وجهان:

стр. 2350

أحدهما: حذفت نون الوقاية، كما حذفت في (قد) فقيل: قدي وقدني قال: ٤٠٦ - * قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي (١) * والثاني: أصله لَدُ، وهي لغة في لَدُنْ، والنون للوقاية. وبتخفيفها مع إشمام الدال شيئًا من الضم (٢) تنبيهًا على أصلها، إذ أصلها الضم، وإنما أسكنت تخفيفًا، كقولهم في عَضُدٍ: عَضْدٌ. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾: قوله : ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ (استطعما) جواب ﴿إِذَا﴾، وهو العامل فيها، وإعادة ذكر الأهل توكيد. وقيل: ليس بجواب ﴿إِذَا﴾ بل هو صفة للقرية، ولهذا قال: ﴿أَهْلَهَا﴾ ولم يقل: استطعما، ليرجع إلى القرية عائد يصح به أن تكون الجملة صفة لها، وجواب ﴿إِذَا﴾: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ﴾. وقوله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ عطف على ﴿اسْتَطْعَمَا﴾، والجمهور على فتح الضاد وكسر الياء مشددة. وقرئ: (أن يُضِيْفوهما) بكسر الضاد وإسكان الياء (٣)، وهما بمعنىً، يقال: ضَيَّفْتُ الرجل وأضفته، إذا أنزلتَهُ وجعلتَهُ
следующие страницы →