← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

يكون عطفًا على ﴿صَابِرًا﴾، فيكون في محل النصب. بمعنى: ستجدني صابرًا وغير عاص، والعصيان: مخالفة الأمر. ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾: قوله : ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ قرئ: بإسكان اللام وتخفيف النون وإثبات الياء، وبفتح اللام وتشديد النون وإثبات الياء (١). وقد أوضحت وجه ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة. وقوله: ﴿أَخَرَقْتَهَا﴾ في الاستفهام هنا وجهان، أحدهما: للتوبيخ والإنكار. والثاني: للاستعلام. وقوله: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ (اللام) لام كي. وقيل: لام العاقبة (٢). وقرئ: بتاء مضمومة وكسر الراء مسندًا إلى المخاطب، حملًا على ما قبله وعلى ما بعده، فالذي قبله قوله: ﴿أَخَرَقْتَهَا﴾، والذي بعده قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾، ونصب الأهل به. وبياء وراء مفتوحتين مسندًا إلى الأهل (٣). وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: أتيت شيئًا عظيمًا، من أَمِرَ الأَمْرُ يَأْمَرُ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - أَمَرًا، إذا عظم واشتد، والاسم: الإِمر بالكسر، قال الراجز:

стр. 2347

٤٠٥ - قَدْ لَقِيَ الأَقْرَانُ مِنِّي نُكْرَا ... دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إِمْرَا (١) ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾: قوله : ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ في (ما) ثلاثة أوجه، أحدهما: موصولة وعائدها محذوف، أي: بالذي نسيته. والثاني: موصوفة، أي: بشيء نسيته. والثالث: مصدرية، أي: بنسياني، أي: لا تؤاخذني بما تركته من عهدك، وهو العهد الذي كان أعطاه من نفسه ألا يسأله عن شيء حتى يخبره هو به، كذا روي عن ابن عباس ﵄ قال: هو من النسيان الذي هو الترك، لا من النسيان الذي هو السهو (٢). وقوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (عسرًا) مفعول ثان للإرهاق، يقال: رَهِقَه يَرْهَقُه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رَهَقًا، إذا غشيه، من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ (٣). وأرهقه طغيانًا، أي: أغشاه إياه. و ﴿مِنْ أَمْرِي﴾: في موضع الحال من ﴿عُسْرًا﴾ أي: ولا تغشني عسرًا كائنًا من أمري، والمعنى: عاملني باليسر لا بالعسر (٤). ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾: قوله : ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ قرئ: (زاكية) و (زكية) (٥)، وهما

стр. 2348

بمعنى واحد، وهي الطاهرة من الذنوب، إما لأنها طاهرة عنده، لأنه لم يرها قد أذنبت، وإما لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث. إلا أن الزكية أشد مبالغة من الزاكية، وقيل: الزاكية: التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم غفر لها (١). وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ من صلة ﴿أَقَتَلْتَ﴾ وفي الكلام حذف مضاف، أي: بغير قتل نفس، يعني: لم تقتل نفسًا فتقتص منها، ولك أن تجعله في موضع الحال، إما من الفاعل، أي: ظالمًا، أو المفعول لكونه قد وصف، أي: مظلومًا. وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ (شيئًا) مفعول به، أي: أتيت شيئًا منكرًا ينكره أولو النُّهَى، والنكر مصدر، أي: شيئًا ذا نكر، والنُكْرُ والنُكُر لغتان بمعنىً، كالشُّغْلِ والشُّغُلِ والعُنْقِ والعُنُقِ، وقد قرئ بهما (٢). قيل: فإن قيل: لم قال: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ بغير فاء، و ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ بالفاء؟ فالجواب، أنه جعل ﴿خَرَقَهَا﴾ جزاء للشرط، وجعل ﴿فَقَتَلَهُ﴾ من جملة الشرط معطوفًا عليه، والجزاء: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ﴾ (٣). ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾: قوله : ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ أي: بعد هذه المرة، أو الكَرَّةِ، أو المسألة، أو الفعلة، أو النفس المقتولة.

стр. 2349

﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ أي: فاترك صحبتي وفارقني، وإنْ طلبت صحبتك فلا توافقني عليها، وقرئ: (فَلَا تَصْحَبْني) بفتح التاء (١)، من صحبه، أي: فلا تكن صاحبي. وقرئ أيضًا: (فَلَا تُصْحِبْنِي) بضم التاء (٢)، من أصحبه الشيء إذا جعل له صاحبًا، بمعنى: فلا تصحبني إياك، ولا تجعلني صاحبك، أو: فلا تُصْحِبْني شيئًا من علمك؛ وقد جوز أبو إسحاق أن يكون من: أَصْحَبَ البعيرُ، إذا انقاد بعد صعوبة. بمعنى: فلا تتابعني في شيء ألتمسه منك (٣). وفيه ما فيه، لأن قولهم: أصحب الدابة، إذا انقاد لازم، وهنا متعد كما ترى. وقوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ (عذرًا) مفعول البلوغ، و ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ حال منه، وهو في الأصل صفة له، أي: قد بلغت عذرًا كائنًا من عندي، ولك أن تجعله من صلة ﴿بَلَغْتَ﴾. وقرئ: (من لدنِّي) بتشديد النون (٤)، والاسم (لدن)، والنون الثانية وقاية زيدت ليسلم سكون النون فيه، كما زيدت في عَنّي ومِنّي لذلك، وأدغمت الأصلية في المزيدة. وبتخفيفها (٥)، وفيه وجهان:

стр. 2350

أحدهما: حذفت نون الوقاية، كما حذفت في (قد) فقيل: قدي وقدني قال: ٤٠٦ - * قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي (١) * والثاني: أصله لَدُ، وهي لغة في لَدُنْ، والنون للوقاية. وبتخفيفها مع إشمام الدال شيئًا من الضم (٢) تنبيهًا على أصلها، إذ أصلها الضم، وإنما أسكنت تخفيفًا، كقولهم في عَضُدٍ: عَضْدٌ. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾: قوله : ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ (استطعما) جواب ﴿إِذَا﴾، وهو العامل فيها، وإعادة ذكر الأهل توكيد. وقيل: ليس بجواب ﴿إِذَا﴾ بل هو صفة للقرية، ولهذا قال: ﴿أَهْلَهَا﴾ ولم يقل: استطعما، ليرجع إلى القرية عائد يصح به أن تكون الجملة صفة لها، وجواب ﴿إِذَا﴾: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ﴾. وقوله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ عطف على ﴿اسْتَطْعَمَا﴾، والجمهور على فتح الضاد وكسر الياء مشددة. وقرئ: (أن يُضِيْفوهما) بكسر الضاد وإسكان الياء (٣)، وهما بمعنىً، يقال: ضَيَّفْتُ الرجل وأضفته، إذا أنزلتَهُ وجعلتَهُ

стр. 2351

ضيفًا لك تَضيِيفًا وإضَافَةً، وضِفْتُهُ ضِيَافَةً، إذا نزلت عليه ضيفًا، وحقيقته: مال إليه، لأن الضيف يميل إلى من يضيفه. وقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الإرادة من الحائط مجاز، والمراد به: المقاربة والمشارفة، وانقضاضه: سقوطه، شبه بانقضاض الطائر، وهو: هَوِيّهُ، ومنه انقضاض الكواكب، ولم يستعملوا منه تَفَعَّل إلا مبدلًا، قالوا: تَقَضى فاستثقلوا ثلاث ضادات، فأبدلوا من إحداهن ياء، كما قالوا: تَظَنَّى من الظن، قال: ٤٠٧ - * تَقَضِّيَ البَازِي إِذَا البَازِي كَسَرْ (١) * وفيه وجهان، أحدهما: هو يَفْعَلُّ من النقض، كيحمرّ من الحمرة. والثاني: يَنْفَعِلُ من القضّ وهو الثقب، من قضضت اللؤلؤة، إذا ثقبتها. وقرئ: (أَن يُنْقَضَ) مخففًا مبنيًا للمفعول (٢) من النقض. و: (أَنْ يَنْقَاضَ) (٣)، وهو ينفعل من انقاض البناء، إذا تهدم، أو من انقاضت السن، إذا انشقت طولًا، قال الأصمعي: المنقاض بالضاد المعجمة: المنشق طولًا. وقرئ كذلك غير أنه بالصاد المهملة (٤). قال أبو الفتح: هو مطاوع قِصْته فانقاص، أي: كسرته فانكسر، انتهى كلامه (٥). قلت: ويحتمل أن يكون من انقاصت البئر، إذا انهارت. وعن

стр. 2352

الأصمعي: المنقاص: المنقعر من أصله. وقرئ أيضًا: (يريد ليُنْقَضَ) (١)، وفي اللام وجهان: أحدهما: مزيدة، تعضده قراءة من قرأ: (يريد أن يُنْقَضَ) من النقض، وقد ذكر. والثاني: أن تكون للتعليل والسبب، بمعنى: إرادته لكذا، كما تقول: قيامه لكذا، وقعوده لكذا، ثم وضع الفعل موضع المصدر، ونظيره ما أنشده أبو زيد (٢): ٤٠٨ - فَقَالُوا: مَا تَشَاءُ؟ فقلت: أَلْهُو ... إِلَى الإِصْبَاحِ آثِرَ ذِي أَثِير (٣) أي: اللهو، فوضع (ألهو) موضع مصدره كما ترى، فاعرفه. قوله : ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قرئ: (لَتَخِذْتَ) بتخفيف التاء وكسر الخاء (٤)، وهو من تَخِذَ يَتخذُ تَخَذًا، كتبع يتبع تبعًا، بمعنى: أخذ وتناول، لغة حكاها أبو زيد، وليس من لفظ أخذ (٥). وقرئ: بتشديد التاء وفتح الخاء (٦)، وفيه وجهان:

стр. 2353

أحدهما: هو افتعل من تَخِذَ، كاتَّبَعَ مِنْ تَبِعَ، وليس من الأخذ في شيء عند البصريين. والثاني: هو افتعل من الأخذ، والأصل: ائتخذ، فقلبت الهمزة الثانية ياء لانكسار ما قبلها كراهة اجتماع الهمزتين، ثم أدغمت الياء في التاء بعد قلبها تاء، كما قيل في افتعل من الوعد، والوزن: اتَّعَدَ واتَّزَنَ، والوجه هو الأول، وقد أوضحت ذلك فيما سلف من الكتاب (١). ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾: قوله : ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ابتداء وخبر، وفي الكلام حذف مضاف، والتقدير: هذا الإنكار عليّ بترك أخذ الأجرة هو سبب فراق بيننا. وقيل: التقدير: هذا الوقت وقت فراق بيننا. والجمهور على إضافة المصدر إلى الظرف على سبيل السعة كما يضاف إلى المفعول به، قال أبو إسحاق: البين: الوصل، وكرره تأكيدًا، والمعنى: هذا تفريق وصلنا. وقرئ: بالتنوين، والبين منصوب على الظرف (٢). ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾: قوله : ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ خبر المبتدأ الذي هو ﴿السَّفِينَةُ﴾، والفاء جواب ﴿أَمَّا﴾. وأما الفاء في ﴿فَأَرَدْتُ﴾ فهي للعطف، وكذا ما بعدهما.

стр. 2354

وقوله: ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ أي: قدامهم، وقيل: خلفهم (١). وقوله: ﴿غَصْبًا﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: مصدر مؤكد من معنى الفعل، كأنه قيل: يغصب كل سفينة غصبًا. والثاني: في موضع الحال من المنوي في ﴿يَأْخُذُ﴾. والثالث: مفعول له لوجود الشرائط فيه. والغصب: الاستيلاء على مال الغير من غير إذنٍ. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾: قوله : ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ الجمهور على نصب ﴿مُؤْمِنَيْنِ﴾ على خبر كان، وقرئ: (مؤمنان) بالرفع (٢)، على أن في (كان) ضمير الغلام، أو ضمير الشأن والحديث، أي: فكان هو أبواه مؤمنان، أو فكان الشأن والحديث أبواه مؤمنان. ونظيره قوله ﵊: "كُلُّ مَوْلُودٍ يولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ حَتَّى يكونَ أبواه هما اللذان يُهَوِّدَانِهِ وبُنَصِّرَانِهِ" (٣)، وهما اللذَين (٤)، فاعرفه. وقوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا﴾ (طغيانًا) مفعول به ثان للإرهاق، وقد أوضحت عند قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٥) والمعنى: فخشينا أن

стр. 2355

يغشيهما حبه تجاوزًا للحد. وقال أبو إسحاق: يحملهما على الرهق وهو الجهل (١). فنصب قوله: ﴿طُغْيَانًا﴾ على أنه مصدر في موضع الحال، أو مفعول له. وقوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (خيرًا) مفعول ثان، و ﴿وَأَقْرَبَ﴾ عطف عليه، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للغلام، و ﴿زَكَاةً﴾ نصب على التمييز، وكذا ﴿رُحْمًا﴾ نصب على التمييز، يقال: رُحْمٌ ورُحُمٌ كعُسْرٍ وعُسُرٍ، وقد قرئ بهما (٢) وهو الرحمة، وأنشد لرؤبة: ٤٠٩ - يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلَى إدْرِيس ... ومُنْزِلَ اللَّعْنِ عَلَى إبْلِيس (٣) ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾: قوله : ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ مفعول له، أي: فعلنا ذلك رحمة. أو مصدر مؤكد منصوب بأراد، لأنه في معنى رحمهما. أو في موضع الحال إما من الفاعل أو من المفعول. وقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾ الضمير لجميع ما صدر منه، أي: وما فعلتُ ما رأيت. ﴿عَنْ أَمْرِي﴾ عن رأيي واجتهادي ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلتُه. بأمر الله.

стр. 2356

﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ ابتداء وخبر، أي: ذلك المذكور وهو ما سلف من الأجوبة الثلاثة تفسير ما لم تستطع عليه صبرًا، واسطاع واستطاع بمعنىً، وحَذْفُ التاء من الثاني تخفيف. وقوله: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يجوز أن يكون لذي القرنين، أي: سأقرأ عليكم خبرًا من أخباره، فحذف المضاف، وأن يكون لله جل ذكره. و ﴿مِنْهُ﴾ يحتمل أن يكون من صلة التلاوة، وأن يكون حالًا من ﴿ذِكْرًا﴾. ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾: قوله : ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ﴾ الصعول محذوف، أي: ما يريد فيها. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قيل السبب: ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة. وقوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ قرئ: بوصل الألف وتشديد التاء (١)، وهو يتعدى إلى مفعول واحد كتِبَعَ ومفعوله: ﴿سَبَبًا﴾. وقرئ: بقطع الألف وإسكان التاء (٢)، وهو يتعدى إلى مفعولين بشهادة قوله : ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ (٣)، أحدهما: ﴿سَبَبًا﴾ والآخر محذوف، أي: فأتبع أمرَه سببًا، أو فأتبع سببًا سببًا (٤)، وقد مضى الكلام على تَبِعَ وَاتَّبَعَ وأَتْبَعَ وما قال فيهن أهل اللغة بأشبع ما يكون في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا (٥).

стр. 2357

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾: قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: ما زال يسير في البلاد حتى بلغ موضع غروب الشمس. ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾ (تغرب): في موضع الحال، لأنَّ وجد هنا بمعنى صادف. وقوله: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قرئ: بالهمز من غير ألف (١) وهي فَعِلَةً من حمِئَتِ البئرُ تحمَأ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر حَمَأً، إذا صارت فيها الحَمْأَةُ وهي الطين الأسود، وأحمأتها إحماء ألقيتَ فيها الحَمْأَةَ، وحمأتها أخرجت منها الحمأة. والمعنى: في عينٍ ذاتِ حَمْأَةٍ (٢). وقرئ: (حامية) بالألف من غير همز (٣)، وفيها وجهان: أحدهما: هي فاعلة من حميت تحمى فهي حامية، أي: حارة، أي وجدها في رأى العين كذلك. والثاني: هي فاعلة من الحمأة، فخففت الهمزة بأن قلبت ياء خالصة لانفتاحها وانكسار ما قبلها، والقلب في نحو هذا مذهب جميع النحاة. وأما قول الشيخ أبي علي هنا فيها، فخفف الهمزة على قياس قول أبي الحسن فقلبها ياء محضة، وإن خفف الهمزة من فاعلة على قول الخليل كانت

стр. 2358

بين بين، قال سيبويه: وهو قول العرب والخليل (١). فهو سهو منه، لأن الهمزة إذا كانت مفتوحة مكسورًا ما قبلها أو مضمومًا نحو: مِئَرٍ وجُؤَر (٢) وأريد تخفيفها ليس فيها إلا أن تقلب ياء محضة في حال الكسر، وواوًا خالصة في حال الضم، ولا يجوز فيها بين بين، وذاك أن الهمزة المفتوحة إذا جعلتها بين بين قربتها من الألف، والألف لا تقع بعد الضمة والكسرة بوجه، فكذلك لا يقع بعدهما ما يقارب الألف، كما أن الألف لما لم يمكن الابتداء به، لم يكن جعل الهمزة بين بين في الابتداء، وإذا امتنع كونها بين بين، فليس إلا القلب فاعرفه. فإن قلت: ولعل أبا علي أراد بقوله: وإن خفف الهمزة من فاعلة نحو: قائمة وبائعة. قلت: لا يصح ما ذهبت إليه لأمرين: أحدهما: أن الكلام في (حامية) لا في غيرها، وفيها تَكَلَّمَ لا في نحو: قائم وقائمة. والثاني: أن أبا الحسن يوافق الخليل وصاحب الكتاب رحمة الله عليهم في الجعل بين بين في هذا الضرب، لا أعرف في ذلك خلافًا بينهم. وإذا تقرر هذا، ثبت أنه سهو منه، ومَن الذي لا يسهو؟ فسبحان الذي لا يسهو. وقوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (أنْ) مع الفعل في الموضعين بتأويل المصدر، وفيه وجهان: أحدهما: في موضع نصب بإضمار فعل تقديره: إما أن توقع هذا أو هذا. أَباحَهُ الله تعالى أحدَ هذين الحكمين، كما أباحَ المسلمين في قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٣).

стр. 2359

والثاني: في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي: إما الجزاء أن تعذب أو أن تتخذ، أو بالعكس، أي: إما التعذيب واقع منك بهم، أو اتخاذ أمر ذي حسن واقع فيهم. ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾: قوله : ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ قرئ: بالرفع مضافًا (١)، ورفعه بالابتداء، و (له) الخبر، أو بله، والتقدير: فله جزاء الأعمال الحسنى، أي: الصالحة، أو الحال الحسنى؛ لأنَّ الأعمال حال. وقيل: الحسنى: الجنة، وأضيف الجزاء إليها وهي الجزاء، كقوله: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٢)، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (٣). وقرئ: بالنصب والتنوين (٤)، وفيه وجهان، أحدهما: مصدر في موضع الحال، أي: فله الحسنى مجزيًا بها، والعامل فيه معنى الاستقرار الحاصل من (له)، وذو الحال الهاء في (له)، أي: ثبتت أو استقرت له الحسنى. والثاني: مصدر محض على المعنى، أي: يجزى بها جزاء. وقرئ أيضًا: بالرفع والتنوين (٥)، على أن الحسنى بدل منه، والحسنى: الجنة، ولك أن ترفع الحسنى، على هذه القراءة على إضمار

стр. 2360

مبتدأ، ويجوز في الكلام حذف التنوين من (جزاء) لالتقاء الساكنين مرفوعًا كان أو منصوبًا (١). وأجاز الفراء نصب (جزاء) على التمييز (٢). وقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ أي: أمرًا ذا يسر، كقوله: ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ (٣). ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾: قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ الجمهور على كسر اللام في (مطلِع) وهو موضع الطلوع، وقرئ: (مَطْلَع) بفتحها (٤)، وهو مصدر، وفي الكلام على هذه القراءة حذف مضاف، والتقدير: حتى إذا بلغ موضع مطلع الشمس، أي: موضع طلوعها. ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾: قوله : ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف الرفع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: أمر ذي القرنين كذلك، أي: كما ذكرنا ووصفنا تعظيمًا لأمره، أو النصب على أنه نعت لقوله: ﴿سِتْرًا﴾، بمعنى: لم نجعل لهم من دون الشمس سترًا مثل ما جعلنا لأهل المغرب، أو لقوله: ﴿سَبَبًا﴾، أي: ثم أَتْبَعَ سببًا مثل ذلك السبب السالف ذكره، أو لمصدر محذوف، أي: بلغ مطلع الشمس بلوغًا مثل ما بلغ مغرب الشمس. أو الجر على أنه نعت لـ ﴿قَوْمٍ﴾ على معنى: تطلع على قوم مثل ذلك القوم الذين تغرب عليهم،

стр. 2361

يعني أنهم كفرة مثلهم، وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه إياهم إن أبوا ما يدعوهم إليه من الملة المرضية، وإحسانه إليهم إن قبلوا منه ما يدعوهم إليه. وقوله: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ انتصاب قوله: ﴿خُبْرًا﴾ على المصدر، لأنَّ ﴿أَحَطْنَا﴾ بمعنى خبرنا، أو على التمييز بمعنى: أحاط خبرنا بما لديه. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾: قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ (بين) هنا مفعول به كما تقول: بلغ فلان البلد والأجل، لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفًا، ولهذا جُرَّ في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ﴾ (١) ورفع في قوله: (لقد تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) (٢) وأقيم مقام الفاعل في قوله: (يُفْصَلُ بَيْنَكم) (٣) في قول من ضم الياء (٤). وقرئ: (السدَّين) بفتح السين وضمها (٥). واختلف فيهما، فقيل: هما لغتان بمعنىً (٦)، كالضَّعْفِ والضُّعْفِ. وقيل: ما كان من خَلْقِ اللَّهِ فهو مضموم، وما كان من عمل العباد فهو مفتوح (٧).

стр. 2362

قال أبو علي: والسَّدُّ: مصدر، والسُّدُّ: المسدود (١) وهو معنى قول سيبويه: المضموم الاسم، والمفتوح المصدر (٢). والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قرئ: بفتح الياء والقاف (٣)، بمعنى: لا يكادون يفهمون قولًا إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم البكم. وقرئ: بضم الياء وكسر القاف (٤)، بمعنى: لا يُفْقِهون السامع أو أحدًا قولًا، فحذف أحد المفعولين (٥) للعلم به، وَحَذْفُ كليهما جائز. ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾: قوله : ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ اختلف فيهما، فقيل: هما اسمان أعجميان، ومنعا من الصرف للعجمة والتعريف (٦). ويجوز همزهما وترك همزهما، وقد قرئ بهما (٧)، ولا اشتقاق لهما لكونهما أعجميين. وقيل: هما عربيان مأخوذان من أجَّ الظَّلِيم (٨)، إذا أسرع، أو من أجت النار، إذا التهبت، ووزن (يأجوج): يَفْعُول كيربوع، ووزن (مأجوج): مفعول كمعقول، وكلاهما من أصل واحد في الاشتقاق وهو ما ذكر آنفًا،

стр. 2363

وإنما لم ينصرفا على هذا للتأنيث والتعريف، لأنهما قبيلتان ومعرفتان (١)، وقد مضى الكلام عليهما في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. وقوله: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قرئ: (خَرْجًا) و (خَرَاجًا) بحذف الألف وإثباتها (٢). واختلف فيهما أيضًا، فقيل: الخرج: العطية والجُعْل، أي: فهل نجعل لك جعلًا تخرجه من أموالنا؟ والخراج المتعارف هو المال المضروب على الأراضي، أو الرقاب (٣). وقيل: الخرج والخراج واحد، كالنول والنوال، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم (٤). وقيل غير ذلك، وأصله الظهور. واستخرجت الخراج، أي: أظهرته، ومنه: ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (٥) أي: الظهور. ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾: قوله : ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ (ما) مبتدأ، موصولة، ونهاية صلتها ﴿رَبِّي﴾، والخبر: ﴿خَيْرٌ﴾. وقرئ: (مكَّني) بالإِدغام كراهة اجتماع المثلين، وبفكه على الأصل (٦)، لأنهما من كلمتين، والثاني غير لازم، لأنك تقول: مكنتك ومكنته، وهو منقول من مَكُنَ معدى بالتضعيف، كَشرُفَ

стр. 2364

وشرّفْتُه وعَظُمَ وَعَظَّمْتُهُ، يقال: رجل مَكِينٌ عند السلطان من قوم مكناء، وقد مكن مكانة، قاله أبو زيد، والمعنى: ما جعلني الله فيه مَكِينًا من اليسار والسعة في الدنيا خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، فلا حاجة بي إليه. وقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: برجال ذوي قوة، فحذف الموصوف والصفة، أو بمُتَقَوَّى به، تسمية للمفعول بالمصدر، كخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأمير، أي: بما أتقوى به على ما أريد. وقوله: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ الردم مصدر قولك: رَدَمت الثُّلْمَةَ أَرْدِمُها بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر رَدْمًا، أي: سددتها، والردم أيضًا الاسم، وهو السد المتراكب بعضه على بعض. وهو هنا يجوز أن يكون بمعنى المردوم، من قولهم: ثوب مُرَدَّمٌ، أي مُرَقَّعُ، والرَّدِيمُ: الثوبُ الخَلِقُ، يقال: رَدَمْتُ الثَّوْبَ وَرَدَّمْتُهُ تَرْدِيمًا، فهو ثوب رَدِيمٌ، ومُرَدَّمٌ، وأن يكون بمعنى الرادم، أي: الحاجز، والأول أمتن (١). ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾: قوله : ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ قرئ: (آتوني) بقطع الهمزة والمد (٢)، بمعنى أَعْطوني ونَاولُونِي زبر الحديد، أي: قطعه، واحدتها زبرة. وقرئ: بوصلها من غير مد (٣)، بمعنى: جيئوني بزبر الحديد، فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب، كقوله:

стр. 2365

٤١٠ - أَمَرْتُكَ الخَيْرَ. . . . . . . ... . . . . . . . . (١) وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ (ساوى) بمعنى: سَوَّى، يقال: ساويت بينهما، أي: سويت، أي: سوّى ذو القرنين بين الصدفين بما نضد من زبر الحديد. أو بمعنى: عادل، يقال: هذا لا يساوي هذا، أي: لا يعادله، أي: حتى عادل المنضود الصدفين، بمعنى: صار متساويًا لهما. وقرئ: (الصَّدَفَيْنِ) بفتحتين (٢)، و: (الصُّدُفَيْنِ) بضمتين (٣)، و: (الصُّدْفَيْنِ) بضم الأول وإسكان الثاني (٤)، و: (الصَّدُفَيْنِ) بفتح الأول وضم الثاني (٥)، وكلها لغات مشهورة في هذه الكلمة. قال أبو الفتح: وهما جبلان متقابلان، فكأن أحدهما صادف صاحبه، ولذلك لا يقال ذلك لما ينفرد بنفسه عن أن يلاقي مثله من الجبال (٦). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ أي: حتى إذا جعل المنفوخ فيه - وهو الحديد - نارًا بالإحماء. وقوله: ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (قطرًا) منصوب بـ ﴿أُفْرِغْ﴾ دون ﴿آتُونِي﴾، والمفعول الثاني للإتيان محذوف، والتقدير: آتوني قطرًا أفرغ عليه قطرًا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه (٧)، هذا مذهب صاحب الكتاب

стр. 2366

رحمه الله وموافقيه (١). ولا يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿آتُونِي﴾ كما زعم أهل الكوفة (٢)، لأنه إذا كان منصوبًا بآتوني كان مقدمًا في النية، نحو: آتوني [زبر الحديد آتوني أفرغ عليه] (٣) قطرًا، وكان يجب إضماره في الفعل الثاني نحو أن تقول: أفرغه عليه, كما تقول: ضربني وضربته عبد الله، لأن التقدير: ضربني عبد الله وضربته، إذ من المحال أن تُعمل الأول ولا تنوي به التقديم، وتضمره في الفعل الثاني كما ذكرت آنفًا ممثلًا. فإن قلت: إذا نصبت ﴿قِطْرًا﴾ بـ ﴿أُفْرِغْ﴾ كنت مضمرًا (قِطْرًا) آخر لـ ﴿آتُونِي﴾ لاقتضائه ذلك لا محيد عنه، وإذا نصبت قطرًا بـ ﴿آتُونِي﴾ كنت مضمرًا ضميرًا راجعًا إلى ﴿قِطْرًا﴾ وهو منصوب بـ ﴿أُفْرِغْ﴾ لا بد لك من أحدهما لاقتضاء كل واحد من الفعلين مفعولًا، فلِمَ اختير إضمار المفعول للفعل الأول دون الثاني، وهلا عكس؟ قلت: لأنك إذا نصبت ﴿قِطْرًا﴾ الظاهر بـ ﴿آتُونِي﴾ دون ﴿أَفْرِغْ﴾، كنت فاصلًا بين العامل ومعموله بقوله: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾، وإذا نصبته بـ ﴿أَفْرِغْ﴾ لم تكن فاصلًا بينهما بشيء، وحَذْفُ ما لم يؤد إلى فصل في الكلام أولى من حذف ما يؤدي إلى فصل خصوصًا في الكتاب العزيز فاعرفه. والقطر: النحاس المذاب، سمي بذلك لقطرانه. وقيل: الحديد المذاب، عن أبي عبيدة (٤). وقيل: الرصاص، عن ابن الأنباري (٥).

стр. 2367

وقيل: الصفر المذاب، عن قتادة (١). وكل ذلك إذا أذيب قَطَر كما يقطر الماء، والمختار الوجه الأول وهو المشهور في اللغة، وهو قول: ابن عباس وغيره ﵄ (٢). ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾: قوله : ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوه﴾ قرئ: (فما اسطاعوا) بالطاء مخففة (٣)، وأصله استطاعوا، فحذف التاء تخفيفًا كراهة اجتماعهما، لأن التاء قريبة المخرج من الطاء، فكأنهما مثلان لذلك. وقرئ: (فما اسطّاعوا) مشددة الطاء (٤) على إدغام التاء فيها بعد قلبها طاء، وقارئه جامع بين الساكنين على غير الحد، والذي جوز ذلك ارتفاع اللسان عن المدغم والمدغم فيه ارْتِفاعةً واحدةً، كارتفاعه عن المتحرك. والمعنى: ما قدروا على أن يعلوا السد ويصعدوه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا له نقبًا لصلابته وثخانته. و ﴿نَقْبًا﴾: مفعول به. ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾: قوله : ﴿هَذَا رَحْمَةٌ﴾ الإشارة إلى السد، أو إلى العمل، أي:

стр. 2368

هذا العمل نعمة من ربي على عباده. وقيل: الإشارة إلى التمكين، عن ابن عباس ﵄ (١). وقوله: (جعله دَكًا) أي: مدكوكًا، أو ذا دك، وهو مفعول به ثان، ولك أن تجعله في موضع الحال، على أن يكون جعل بمعنى خلق، ولك أن تنصبه على المصدر على تضمين جعل معنى دك. وقرئ: (دكاء) ممدودًا (٢)، أي: كأرض دكاء، أي: مستوية، أو كناقة دَكَّاءَ، وهي التي لا سنام لها، لا بد من تقدير هذا، لأن الجبل مذكر، [والمذكر لا يوصف بدكاء، وإنما ذاك للمؤنث] (٣) فحذف المضاف، وقد ذكر في "الأعراف" (٤). ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾: قوله : ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (جمعًا) مصدر مؤكد، ومثله ﴿عَرْضًا﴾، ومعنى (عَرَضْنَا): أظهرنا، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٥). وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ﴾ إما موصول بـ (الكافرين) على النعت، أو منصوب على الذم، أو مرفوع على: هم الذين.

стр. 2369

﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾: قوله : ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ﴾ الجمهور على كسر السين وفتح الباء على أنه فعل ماض، و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعله، وقوله: ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ أن وما اتصل بها سدت مسد مفعوليه، و ﴿عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ مفعولا الاتخاذ. وقرئ: (أَفَحَسْبُ الذين كفروا) بإسكان السين ورفع الباء (١) على الابتداء، والخبر ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾، ولك أن ترفع ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ على الفاعلية سادة مسد الخبر، على معنى: أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء؟ لأن اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة أو حرف النفي، ساوى الفعل في العمل، نحو: أقائم أخواك؟ وما ذاهب غلامك. والمعنى: أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا، واختار هذه القراءة أبو الفتح وغيره، قال: لكونه أذهب في الذم لهم، وذلك لأنه جعله غاية مرادهم، ومجموع مطلبهم، وليست القراءة الأخرى كذا (٢). وقوله: ﴿أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ (نزلًا) مفعول ثان، وهو ما يقام للنزيل وهو الضيف، جُعِلت جهنم طعامًا لهم (٣). وقال أبو إسحاق: هو المَنْزِلُ (٤). والمَنْزَلُ: النزول، وهو الحلول، يقال: نزلت نزولًا ومَنْزَلًا (٥).

стр. 2370

و ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: يجوز أن يكون حالًا من ﴿نُزُلًا﴾ وهو في الأصل صفة له، وأن يكون من صلة ﴿أَعْتَدْنَا﴾. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾: قوله : ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ نصب على التمييز، وجمع لرفع اللبس، إذ لو أفرد لَظُنَّ أنهم مشتركون في عمل واحد (١). وقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع على: هم الذين، أو النصب على الذم، أو الجر على النعت للأخسرين، أو على البدل منهم، واختير الوجه الأول وهو الرفع لأنه جواب عن السؤال. ومعنى ضل: ضاع وبطل، يقال: ضَلَّ الشيءُ يَضلُّ ضلالًا، إذا ضاع وهلك، والاسم الضُّلُّ بالضم (٢). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾: قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابتداء وخبر. وقوله: ﴿فَحَبِطَتْ﴾ عطف على ﴿كَفَرُوا﴾، ولك أن تجعل ﴿فَحَبِطَتْ﴾ خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الإبهام، ويكون ﴿الَّذِينَ﴾ موصولًا بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ لا على أنه صفة له. وقوله: ﴿فَلَا نُقِيمُ﴾ الجمهور على النون لقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ وقرئ:

стр. 2371

(فلا يقيم) بالياء النقط من تحته (١) ردًا إلى قوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ و ﴿وَزْنًا﴾ مفعول به. وقرئ: (فلا يقوم) (٢)، والمنوي فيه لسعيهم أو لصنيعهم، و ﴿وَزْنًا﴾ على هذه القراءة: حال أو تمييز. ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ محل ﴿ذَلِكَ﴾ الرفع بالابتداء، والخبر ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ عطف بيان للخبر، أو بخبر ابتداء محذوف، أي: الأمر ذلك الذي وصفنا من حبوط أعمالهم وخسة قدرهم، ثم استأنف جل ذكره فقال: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ على الابتداء والخبر (٣). وقوله: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ خبر بعد خبر، أو خبر مبتدإٍ محذوف، أي: ذلك ثابت لهم بسبب كفرهم، ولا يجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ كما زعم بعضهم، لأجل الفصل بينهما بالخبر وهو ﴿جَهَنَّمُ﴾ (٤). وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ عطف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾: قوله : ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (نزلًا) هنا يجوز أن يكون جمع نازل كقول الأعشى:

стр. 2372

٤١١ - . . . . . . . . . . ... أَوْ تَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ (١) وأن يكون مصدرًا بمعنى المنزل والنزول، وأن يكون ما يقام للنزيل وهو الضيف، وقد ذكر آنفًا (٢). فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (جنات الفردوس) اسم كان، وخبرها: ﴿لَهُمْ﴾. ﴿نُزُلًا﴾: حال من الضمير في ﴿لَهُمْ﴾، أعني الضمير المجرور، أي: استقرت أو ثبتت لهم نازلين فيها، أو خبر كان، و ﴿لَهُمْ﴾ ملغى، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: كان لهم دخول جنات نزلًا، أو ثمر جنات نزلًا، أو كانت لهم جنات الفردوس ذات نزل، لا بد من تقدير الحذف ليكون الاسم هو الخبر، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٣). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾: قوله : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال إما من الضمير المجرور في ﴿لَهُمْ﴾، أو من المنوي في ﴿نُزُلًا﴾ على الوجه الأول وهو أن يكون جمع نازل حالًا من الضمير المجرور في ﴿لَهُمْ﴾ (٤). وقوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ محل ﴿لَا يَبْغُونَ﴾ النصب على الحال من المنوي في ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: غير باغين، و ﴿حِوَلًا﴾ منصوب به، وهو مصدر بمعنى التحول؛ يقال: حال من مكانه حِوَلًا. ونظيره من المصادر الصِّغَرُ والعِظَمُ في قولهم: صَغُرَ صِغَرًا، وعَظُمَ عِظَمًا، وعادني حبها عِوَدًا، قاله أبو

стр. 2373

إسحاق (١)، ثم قال: وقد قيل أيضًا: إن الحِوَلَ الحيلةُ، فيكون المعنى على هذا: لا يحتالون منزلًا غيرها (٢). ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾: قوله : ﴿مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (لكلمات) في موضع الصفة للمداد، وهو اسم ما تمد به الدواة من الحبر وغيره. وقوله: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: منصوب على التمييز، كقولك: لي مثله رجلًا، ولي مثله ذهبًا. والثاني: منصوب على الحال من الضمير في ﴿بِمِثْلِهِ﴾ العائد إلى البحر كقولك: جئتك بزيد عونًا لك ويدًا معك. والثالث: منصوب على المصدر على المعنى، لأن جئنا هنا بمعنى أمددنا، كأنه قيل: ولو أمددناه به إمدادًا، فالمدد اسم واقع موقع إمداد. وقرئ: (بمثله مِدادًا) (٣) وهو منصوب على التمييز، أي: بمثله من المِداد. وقرئ أيضًا: (بمثلِه مِدَدًا) بكسر الميم وحذف الألف (٤) جمع مَدَّةٍ،

стр. 2374

وهي ما يستمده الكاتب فيكتب به، وانتصابه على التمييز أيضًا. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾: قوله : ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ في موضع رفع على النعت لـ ﴿بَشَرٌ﴾. ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾: فتحت (أن) لقيامها مقام الفاعل، وهي في تأويل المصدر، ودخول (ما) الكافة عليها لا يمنعها من ذلك حكمًا وإن منعها لفظًا. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ فيه وجهان، أحدهما: بمعنى يخاف. والثاني: على بابه بمعنى يرجو صالح المنقلب عند ربه، والرجاء: الأمل (١). وقوله: ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾ في الباء وجهان، أحدهما: على بابه بمعنى: بسبب عبادة ربه. والثاني: بمعنى (في) أي: في عبادة ربه (٢). قيل: والمراد بالنهي عن الإشراك بالعبادة: أن لا يرائي بعمله، وألا يبتغي به إلا وجه ربه، خالصًا لا يخلط به غيره (٣). هذا آخر إعراب سورة الكهف والحمد لله وحده

стр. 2375

إعراب سُورَةُ مَرْيَمَ ﵍ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص (١)﴾: قوله : ﴿كهيعص﴾ الجمهور من القراء والعرب على فتح أوائل هذه الأحرف، ومن العرب من يضم الهاء والياء فيقول: (ها) (يا) وبه قرأ بعض القراء (١). وعن الأخفش: أن كل حرف من هذه الأحرف الوقف عليه تام (٢). فجعل كل حرف منها قائمًا بنفسه، يعضده قول من وقف على كل حرف منها وقفة يسيرة، وهو ابن القعقاع (٣)، وهو القياس لأن حروف الهجاء منفصل بعضها من بعض، فالأَولى أن يقصد القارئ الوقف عليها وتمييز بعضها من بعض إعلامًا بأصلها، وإيذانًا بأنها مُقَطَّعة مفصولة. وعن ابن عباس ﵄: الاختيار أن يقف القارئ على آخر الحروف،

стр. 2376

لأنهم كتبوها كالكلمة الواحدة لا يوقف على بعضها دون بعض. وقد مضى الكلام على معاني الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بأشبع ما يكون، فأغناني عن الإعادة هنا. ومحلها الرفع على إضمار مبتدإٍ، أو النصب على إضمار فعل، أو الجر على تقدير: هذه سورة ﴿كهيعص﴾ على قول من جعلها اسمًا للسورة، أو يكون مُقْسَمًا به، كأنه قال: أقسم بـ ﴿كهيعص﴾ سواء كان اسمًا للسورة، أو اسمًا للقرآن، أو اسم الله الأعظم على ما فسر (١). ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾: قوله : ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هذا المتلو من القرآن ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾، أو بالعكس، أي: فيما يتلى عليك ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾. وعن الفراء: أن ﴿كهيعص﴾ مبتدأ، و ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبره (٢). وأنكر أبو إسحاق وغيره ذلك وقال: لأن ﴿كهيعص﴾ ليس هو مما أنبأ الله به عن زكريا ﵇، وقد بَيّن في السورة ما فعله به وبشره به (٣). وأيضًا فإن الخبر هو المبتدأ في المعنى، وليس في ﴿كهيعص﴾ ذكر الرحمة. ولا في ذكر الرحمة معناها (٤). وهذا ليس بشيء، لأن من جعل ﴿كهيعص﴾ اسمًا للقرآن، أو اسمًا للسورة كان مشتملًا على ذكر الرحمة، وكان ذكر الرحمة داخلًا تحته، أي: هذا القرآن، أو هذه السورة ذكر رحمة ربك.

стр. 2377

و ﴿ذِكْرُ﴾: مصدر مضاف إلى المفعول به وهو الرحمة، والرحمة: مصدر مضاف إلى الفاعل، و ﴿عَبْدَهُ﴾: منصوب بالرحمة، والتقدير: أن ذكر ربك رحمته عبده. وقيل: ﴿عَبْدَهُ﴾ منصوب بـ ﴿ذِكْرُ﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: أَنْ ذَكَرَ رَبُّكَ عبدَه زكريا برحمته (١). وقيل: بل المصدر الذي هو ﴿ذِكْرُ﴾ مضاف إلى الفاعل وهو الرحمة، و ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول الذكر، والتقدير: أَنْ ذَكَرَتْ رَحْمَةُ رَبِّكَ عبدَه، كقولك: ذكرني كرم زيد، وإن كان الذاكر في الحقيقة هو زيدًا، ونحو هذا اتساع (٢). والحقيقة ما ذكر أولًا. و﴿زَكَرِيَّا﴾: بدل من ﴿عَبْدَهُ﴾، أو عطف بيان له. وقرئ: (ذَكَّرَ) بفتح الكاف وتشديدها. ونصب قوله: (رحمةَ ربك) (٣) على أنه فعل ماض، وفاعله ضمير ما سلف ذكره، أي: هذا المتلو من القرآن ذَكَّر الرسولَ أو المرسلَ إليهم رحمةَ ربك. وقرئ أيضًا: (ذَكَرَ رحمةَ ربك عبدُه زكريا) بفتح الكاف مخففة، ونصب قوله: (رحمةَ ربك) ورفع قوله: (عبدُه) (٤) على أنه فاعل الفعل الذي هو (ذَكَرَ). وجاء في التفسير: أن المراد بهذه الرحمة التي ﵀ بها، إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد على كبر السن (٥).

стр. 2378

وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (إذ) معمول ﴿رَحْمَتِ﴾، أي: أَنْ رَحِمَهُ حين ناداه، أو ﴿ذِكْرُ﴾، أي: أَنْ ذَكَرَهُ في ذلك الوقت برحمته. و ﴿نِدَاءً﴾: منصوب على المصدر. و ﴿خَفِيًّا﴾: نعت له، أي: دعاء خافيًا. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾: قوله : ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: مصدر على المعنى، لأن معنى اشتعل شاب، وفيه وجهان، أحدهما: على بابه، وهو مصدر مؤكد، والثاني: في موضع الحال. والثاني: تمييز، والفعل في الحقيقة له، كقولك: تصبب زيد عرقًا، وَتَفَقَّأَ شحمًا (١)، وهو قول الجمهور، والمعنى: انتشر فيه الشيب، ثم أسند ذلك إلى الرأس، وأخرج الشيب مميزًا (٢). فإن قلت: ما محل قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ﴾؟ قلت: النصب على الحال و (قد) معه مرادة، ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿وَهَنَ﴾. وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ الباء متعلقة بقوله: ﴿شَقِيًّا﴾ والمصدر مضاف إلى المفعول، ولم يذكر الفاعل، والتقدير: ولم أكن خائبًا بدعائي إياك إذا دعوتك، يقال: شقي فلان بكذا، إذا تعب بسببه، ولم يحصل مراده ومطلوبه. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾:

стр. 2379

قوله : ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ الجمهور على كسر الخاء وإسكان الفاء وضم التاء من الخوف، وأصله: خَوِفْت فنقلت حركة العين إلى الفاء بعد أن أزيلت حركتها، لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى، ثم حذفت لالتقاء الساكنين هي واللام، لاتصالها بالضمير، فبقي خِفْتُ، ووزنه فِلْتُ، وفي الكلام حذف مضاف، أي: خفت فعل الموالي، وهو تضييعهم الدين وتبديلهم إِياه، وأن يفعلوا ما شاهد منهم من سيئ الأفعال، أو فوات الموالي، لا بد من تقدير الحذف، لأن الخوف لا يكون من الأشخاص والأعيان، إنما يكون من الأحداث والمعاني، ألا ترى أنك إذا قلت: خفت الله، أو خفت الوالي، كان المعنى عقابه وظلمه. والمراد بالموالي على التقدير الأول: عصبته، إخوته وبنو عمه، وكانوا أشرار بني إسرائيل على ما ورد في التفسير (١). فخافهم، والمعنى: على تضييعهم الدين، ونبذهم إياه، وإطرادهم له، وعلى التقدير الثاني: الورثة، بمعنى: خفت ألا يبقى لي من يرث علمي. و ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ من صلة هذا المحذوف المقدر، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿خِفْتُ﴾ كما زعم بعضهم لفساد المعنى (٢). وقرئ: (خَفَّت الموالِيْ) بفتح الخاء والفاء مشددة وإسكان التاء (٣)، والموالي فاعل، بمعنى قلوا ونقصوا، يقال: خَفَّ القوم يخف خُفُوفًا، أي: قلوا، وقد خَفَّتْ زحمتهم. وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ فيها وجهان، احدهما: بمعنى خلفي وبَعدي.

стр. 2380

والثاني: بمعنى قدامي (١)، فعلى الوجه الأول يكون في موضع نصب على الحال من ﴿الْمَوَالِيَ﴾، وهي حال مقدرة محكية، أي: خَفُّوا مُتَوَقَّعًا مُتَصوَّرًا كونهم بعدي. وعلى الثاني: من صلة (خَفَّت)، بمعنى: أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم مَنْ به تَقَوٍّ واعتضاد. و (وراء) يكون بمعنى خلف وبمعنى قدام، وله في التنزيل على هذين المعنيين نظائر (٢). وعن ابن كثير: (من ورايَ) بالقصر وفتح الياء كعَصاي وهُداي (٣). قال أبو علي: والقصر الذي روي عن ابن كثير لم أعلم أحدًا حكاه من أهل اللغة ولعله لغة، ثم قال: وقد جاء في الشعر من قصر الممدود شيء كثير، وقياسه قياس رد الشيء إلى أصله، انتهى كلامه (٤). وقوله : ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: عقيمًا، يقال: عَقُرَتِ المرأةُ تَعْقُرُ بالضم فيهما عُقْرًا وعقارةً، إذا صارت عاقرًا، وهي التي لا تحبل، ورجل عاقر أيضًا: لا يولد له، بَيِّنُ العُقْرِ بالضم، والمعنى: وكنت قانطًا من الولد فيما سلف من الدهر لعقم امرأتي. وقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (من لدنك) فيه وجهان: أحدهما: توكيد لكونه وليًا مرضيًا بكونه مضافًا إلى الله وصادرًا من عنده، وإلا فهب لي وليًا يرثني كافٍ. والثاني: أنه أراد: اختراعًا منك بلا سبب، لأني وامرأتي لا نصلح للولادة (٥). والولي: مَن يلي أمر صاحبه من بعده.

стр. 2381

﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾: قوله : ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قرئ بالجزم فيهما (١) على جواب شرط محذوف، أي: إنْ تهب يرث، وبالرفع فيهما (٢) على الصفة لولي، يقال: ورثت زيدًا وورثت من زيد، لغتان بمعنىً. ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾: (رضيًا) فعيل بمعنى مفعول، أي: واجعله يا رب مرضيًا عندك، بأن تجعله صالحًا تقيًا. وقيل: هو بمعنى فاعل، أي: راضيًا (٣). ولام الكلمة على الوجهين واو. وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٤) أي: نظيرًا ومِثْلًا يستحق مِثْل اسمه، وقيل: مساميًا يساميه (٥)، ولام الكلمة واو من سما يسمو. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾: قوله : ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مِنْ) يحتمل أن يكون من صلة ﴿بَلَغْتُ﴾، و ﴿عِتِيًّا﴾ مفعول ﴿بَلَغْتُ﴾، كما تقول: بلغت البلد، و ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (٦)، أي: بلغتُ يُبْسًا من أجل الكبر، يقال: عَتَا

стр. 2382

العود، وعَسَا بمعنىً (١)، وأن يكون حالًا من ﴿عِتِيًّا﴾ لتقدمه عليه، وهو في الأصل صفة له. وقد جوز أن تكون (مِن) مزيدة على رأي أبي الحسن، فيكون [الكِبَر] مفعولًا به لقوله: ﴿بَلَغْتُ﴾ و ﴿عِتِيًّا﴾ على هذا مصدر في موضع الحال من الفاعل، أو تمييز (٢). وأصله: عُتُوْوٌ، على: فعول، كقعود وجلوس، فاستثقلوا اجتماع الواوين، فقلبوا الواو الأولى ياء وكسروا ما قبلها لتصح الياء، أو كسروا العين فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قلبت الواو التي هي لام ياء لسبق الأولى بالسكون، وأدغمت الياء في الياء، فبقي عُتِيٌّ كما ترى، ومنهم من يكسر العين لمجاورة الكسرة التي بعدها، ومنهم من يبقيها على حالها، وقد قرئ: بهما (٣)، وفي قراءة ابن مسعود ﵁ (عَتيًّا) بفتحها (٤) على أنه مصدر أيضًا كالنخير والشخير. ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾: قوله : ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ محل الكاف الرفع، أي: الأمر كذلك، أي: كما قيل لك من هبة الولد على كبر السن. أو النصب بإضمار فعل، أي: نفعل أو نهب مثل ما طلبت، وهو كناية عن مطلوبه.

стр. 2383

وقوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أصله: لم تكن، فحذف النون تخفيفًا وتشبيهًا له بحرف العلة مع الجازم، والمعنى: وقد خلقتك يا زكريا من قبل يحيى ولم تك موجودًا، بل كنت معدومًا، أو شيئًا يذكر وَيُعْبَأُ به. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾: قوله : ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (ثلاث ليالٍ) ظرف للتكليم، ﴿سَوِيًّا﴾: منصوب على الحال من المنوي في ﴿تُكَلِّمَ﴾ أي: صحيحًا مستويًا، يقال: رجل سوي الخَلْقِ، أي: مستو، والمعنى: علامتك أن تُمنع من الكلام فلا تقدر عليه، وأنت سليم الجوارح، سوي الخلق، ما بك خرس ولا مرض. وقيل: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾، أي: متتابعات (١)، فيكون على هذا صفة لـ ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾. وسوي فعيل، وهو يقع على الجمع كما يقع على الواحد. قيل: ودل ذكر الليالي هنا، والأيام في "آل عمران" (٢)، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن (٣). وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ الإيحاء هنا بمعنى الإشارة، و ﴿أَنْ﴾ هي المفسرة بمعنى أي، أو مصدرية، أي: بأن سبحوا. و ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: ظرفان للتسبيح وهو الصلاة، أي: في بكرة كل يوم وعشيّه. ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا

стр. 2384

وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾: قوله : ﴿يَايَحْيَى﴾ في الكلام حذف وإضمار، أي: وهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى. وقوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿خُذِ﴾، أي: خذه مجدًا مجتهدًا. ويجوز أن يكون من صلة ﴿خُذِ﴾. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿صَبِيًّا﴾ على الحال من الهاء في ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾ والحكم: الحكمة، وهو الفهم والفقه، عن ابن عباس ﵄ (١). وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ عطف على ﴿الْحُكْمَ﴾، أي: آتيناه الحكم والحنان، وهو التعطف والرحمة، ﴿وَزَكَاةً﴾ عطف أيضًا، وهي الطهارة، وقيل: الصدقة (٢)، أي: يتعطف على الخلق ويتصدق عليهم (٣). وقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ يجوز أن يكون من صلة (آتينا)، وأن يكون في موضع الصفة لحنان. ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾: قوله : ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ عطف على خبر كان، وهو بمعنى البار، أي: كان مطيعًا لربه بارًا بوالديه. وقوله: ﴿عَصِيًّا﴾ فعيل بمعنى فاعل، أي: ولم يكن متكبرًا عاصيًا

стр. 2385

لله، بل كان متواضعًا مطيعًا له. وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ ابتداء وخبر. ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾: عطف على ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ والجميع ظرف للخبر، أي: سلام كائن عليه في هذه الأيام. وقيل: سلم الله عليه في هذه الأحوال والمواطن تكريمًا له (١). وقيل: المراد بالسلام هنا: السلامة (٢)، أي: سلامة مني له في هذه الأحوال. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾: قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: واذكر يا محمد في القرآن لأهل مكة قصة مريم، أو خبرها، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب أن مريم اسم أعجمي والمانع له من الصرف العجمة والتعريف (٣). وقيل: عربي، وهو مفعل من رام يريم، والمانع له من الصرف التعريف والتأنيث (٤).
следующие страницы →