← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾: قوله : ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قرئ بالجزم فيهما (١) على جواب شرط محذوف، أي: إنْ تهب يرث، وبالرفع فيهما (٢) على الصفة لولي، يقال: ورثت زيدًا وورثت من زيد، لغتان بمعنىً. ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾: (رضيًا) فعيل بمعنى مفعول، أي: واجعله يا رب مرضيًا عندك، بأن تجعله صالحًا تقيًا. وقيل: هو بمعنى فاعل، أي: راضيًا (٣). ولام الكلمة على الوجهين واو. وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٤) أي: نظيرًا ومِثْلًا يستحق مِثْل اسمه، وقيل: مساميًا يساميه (٥)، ولام الكلمة واو من سما يسمو. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾: قوله : ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مِنْ) يحتمل أن يكون من صلة ﴿بَلَغْتُ﴾، و ﴿عِتِيًّا﴾ مفعول ﴿بَلَغْتُ﴾، كما تقول: بلغت البلد، و ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (٦)، أي: بلغتُ يُبْسًا من أجل الكبر، يقال: عَتَا

стр. 2382

العود، وعَسَا بمعنىً (١)، وأن يكون حالًا من ﴿عِتِيًّا﴾ لتقدمه عليه، وهو في الأصل صفة له. وقد جوز أن تكون (مِن) مزيدة على رأي أبي الحسن، فيكون [الكِبَر] مفعولًا به لقوله: ﴿بَلَغْتُ﴾ و ﴿عِتِيًّا﴾ على هذا مصدر في موضع الحال من الفاعل، أو تمييز (٢). وأصله: عُتُوْوٌ، على: فعول، كقعود وجلوس، فاستثقلوا اجتماع الواوين، فقلبوا الواو الأولى ياء وكسروا ما قبلها لتصح الياء، أو كسروا العين فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قلبت الواو التي هي لام ياء لسبق الأولى بالسكون، وأدغمت الياء في الياء، فبقي عُتِيٌّ كما ترى، ومنهم من يكسر العين لمجاورة الكسرة التي بعدها، ومنهم من يبقيها على حالها، وقد قرئ: بهما (٣)، وفي قراءة ابن مسعود ﵁ (عَتيًّا) بفتحها (٤) على أنه مصدر أيضًا كالنخير والشخير. ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾: قوله : ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ محل الكاف الرفع، أي: الأمر كذلك، أي: كما قيل لك من هبة الولد على كبر السن. أو النصب بإضمار فعل، أي: نفعل أو نهب مثل ما طلبت، وهو كناية عن مطلوبه.

стр. 2383

وقوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أصله: لم تكن، فحذف النون تخفيفًا وتشبيهًا له بحرف العلة مع الجازم، والمعنى: وقد خلقتك يا زكريا من قبل يحيى ولم تك موجودًا، بل كنت معدومًا، أو شيئًا يذكر وَيُعْبَأُ به. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾: قوله : ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (ثلاث ليالٍ) ظرف للتكليم، ﴿سَوِيًّا﴾: منصوب على الحال من المنوي في ﴿تُكَلِّمَ﴾ أي: صحيحًا مستويًا، يقال: رجل سوي الخَلْقِ، أي: مستو، والمعنى: علامتك أن تُمنع من الكلام فلا تقدر عليه، وأنت سليم الجوارح، سوي الخلق، ما بك خرس ولا مرض. وقيل: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾، أي: متتابعات (١)، فيكون على هذا صفة لـ ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾. وسوي فعيل، وهو يقع على الجمع كما يقع على الواحد. قيل: ودل ذكر الليالي هنا، والأيام في "آل عمران" (٢)، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن (٣). وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ الإيحاء هنا بمعنى الإشارة، و ﴿أَنْ﴾ هي المفسرة بمعنى أي، أو مصدرية، أي: بأن سبحوا. و ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: ظرفان للتسبيح وهو الصلاة، أي: في بكرة كل يوم وعشيّه. ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا

стр. 2384

وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾: قوله : ﴿يَايَحْيَى﴾ في الكلام حذف وإضمار، أي: وهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى. وقوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿خُذِ﴾، أي: خذه مجدًا مجتهدًا. ويجوز أن يكون من صلة ﴿خُذِ﴾. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿صَبِيًّا﴾ على الحال من الهاء في ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾ والحكم: الحكمة، وهو الفهم والفقه، عن ابن عباس ﵄ (١). وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ عطف على ﴿الْحُكْمَ﴾، أي: آتيناه الحكم والحنان، وهو التعطف والرحمة، ﴿وَزَكَاةً﴾ عطف أيضًا، وهي الطهارة، وقيل: الصدقة (٢)، أي: يتعطف على الخلق ويتصدق عليهم (٣). وقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ يجوز أن يكون من صلة (آتينا)، وأن يكون في موضع الصفة لحنان. ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾: قوله : ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ عطف على خبر كان، وهو بمعنى البار، أي: كان مطيعًا لربه بارًا بوالديه. وقوله: ﴿عَصِيًّا﴾ فعيل بمعنى فاعل، أي: ولم يكن متكبرًا عاصيًا

стр. 2385

لله، بل كان متواضعًا مطيعًا له. وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ ابتداء وخبر. ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾: عطف على ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ والجميع ظرف للخبر، أي: سلام كائن عليه في هذه الأيام. وقيل: سلم الله عليه في هذه الأحوال والمواطن تكريمًا له (١). وقيل: المراد بالسلام هنا: السلامة (٢)، أي: سلامة مني له في هذه الأحوال. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾: قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: واذكر يا محمد في القرآن لأهل مكة قصة مريم، أو خبرها، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب أن مريم اسم أعجمي والمانع له من الصرف العجمة والتعريف (٣). وقيل: عربي، وهو مفعل من رام يريم، والمانع له من الصرف التعريف والتأنيث (٤).

стр. 2386

وقوله: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ العامل في ﴿إِذِ﴾ محذوف، وهو ما ذكر وقدر آنفًا، وهو القصة أو الخبر، أي: واذكر قصتها أو خبرها حين اعتزلت أهلها وجلست ناحية عنهم، والانتباذ: الاعتزال والانفراد. وقيل: هو بدل من ﴿مَرْيَمَ﴾ بدل الاشتمال، لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيها (١). وقيل: هو في موضع الحال من المضاف المحذوف المقدر المذكور آنفًا، لأن الزمان كما يجوز أن يكون خبرًا عن شيء ووصفًا له، يجوز أن يكون حالًا منه (٢). و﴿مَكَانًا﴾: ظرف للانتباذ في أي مكان، فلما حُذف الجار نصب. وقيل: هو مفعول به حملًا على المعنى، إذ المعنى: إذ أتت مكانًا (٣). و ﴿شَرْقِيًّا﴾: نعت له، أي جانب المشرق. ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾: قوله : ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿بَشَرًا﴾ على الحال من المستكن في ﴿فَتَمَثَّلَ﴾، و ﴿سَوِيًّا﴾ صفة له، أي: فتصور آدميًا مستوي الخلقة تمامًا. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ إنْ شرط وجوابه محذوف، أي: إنْ كنت تقيًا فتنتهي عني بتعوذي بالله منك.

стр. 2387

﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾: قوله : ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ قرئ: بالهمز (١) على إسناد الفعل إلى جبريل ﵇، واللام متعلقة بمحذوف، والتقدير: أرسلني إليكِ لأكون سببًا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع، على ما فسر أنه نفخ في جيب درعها وكمها فحملت (٢)، فلما كان كذلك أسند الفعل إليه لأنه من سببه. وقيل: الفعل مسند إلى الله جل ذكره على وجه الحكاية، أي إنما أنا رسول ربك، قال لأهب لك (٣). وقرئ: (ليهب لك) بالياء (٤)، وفيه وجهان: أحدهما: أن فاعل الفعل هو الله جل ذكره وهو الوجه، لأنه هو الواهب في الحقيقة. والثاني: أن فاعل الفعل جبريل، و (ليهب) مخفف من (لأهب) على مذاق العربية، وهو قلبها ياء محضة لكونها مفتوحة مكسورًا ما قبلها. ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾: قوله : ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ أصله عند المبرد: بَغُوْيٌ، فَعُولٌ (٥)، فلما اجتمعت الواو والياء وسبق أحدهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسرت العين إتباعًا، وهو بمعنى فاعلة، ولذلك أتى بغير تاء التأنيث، وهو صفة للمؤنث، لأن فعولًا إذا كان بمعنى فاعل يستوي فيه

стр. 2388

المذكر والمؤنث، تقول: مررت بامرأة صبور، وولود، وعجول. وعند أبي الفتح هو: فعيل (١)، وهو صيغة ليست على لفظ الفاعل، وإن كانت بمعناه، فلذلك أتى بغير هاء للمؤنث. وقيل: هو على النسب كطالق وحائض (٢). والبغي: الفاجرة التي تبغي الرجال، ولام الفعل ياء، يقال: بَغَتِ المرأةُ، إذا زنت، بِغاءً بالكسر والمد، وأصل الكلمة من الطلب، لأن البغيَّ طالبة الشهوة على الدوام من أي فحل كان، فاعرفه. ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾: قوله : ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ محل الكاف الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: قال جبريل ﵇ الأمر كذلك، يعني: كما قلت لك، وسمعته من هبة الولد لك، ثم ابتدأ ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، أو النصب بـ ﴿قَالَ﴾ الثاني، أي: قال مثل ذلك قال ربك، ثم ابتدأ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، أي: خَلْقُ الولد من غير فحل عليَّ هين. وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ عطف على تعليل مضمر، أي: نخلقه من غير أب لندل به على قدرتنا، ولنجعله آية للناس. وقيل: تقديره: ولنجعله آية للناس نهبه لك (٣). وقوله: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ عطف على ﴿آيَةً﴾، والمعنى: نرحم به من صدقه وتبعه. وقوله: ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: وكان خَلْقه أمرًا محكومًا به، مفروغًا عنه، مسطورًا في اللوح.

стр. 2389

﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾: قوله : ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ والباء في ﴿بِهِ﴾ للحال, أي: اعتزلت وهو معها، يعني: في بطنها. و ﴿مَكَانًا﴾: ظرف، أي: فانتبذت به في مكان، أو مفعول به على تأويل: فقصدت مكانًا. و ﴿قَصِيًّا﴾: صفة لمكان، أي: بعيدًا من أهلها. وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ الجمهور على همز ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ وهو منقول من جاء مُعَدّى بالهمزة إلى مفعول ثان، وهو ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: بمعنى ألجأها، والتركيب والزيادة على الشيء قد يغيران معنى الكلمة. والثاني: بمعنى جاء بها، لأن هذا الفعل وشبهه يُعَدَّى تارة بالهمزة، ومرة بالياء، وأنشد: ٤١٢ - وَجَارٍ سَارَ مُعْتَمِدًا إِلَيْكُمْ ... أَجَاءَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجَاءُ (١) أي: جاءت به. والأول تفسير المعنى، والثاني حقيقة اللفظ والصناعة فاعرفه. وقرئ: (فاجأها) بغير همز (٢)، بوزن: فاعلها، وفيه وجهان، أحدهما: من المفاجأة. والثاني: أن أصلها الهمزة إلا أنه خفف على غير قياس كقوله:

стр. 2390

٤١٣ - سألت هذيل. . . . . . ... . . . . . . . . (١) ونحو هذا مسموع لا مقيس. والمخاض وجع الولادة، يقال: مَخَضَتِ الحاملُ تَمْخَضُ بالفتح فيهما مَخاضًا ومِخاضًا بفتح الميم وكسرها لغتان بمعنىً، وقد قرئ بهما (٢)، وحكى الجوهري: مخِضَتْ بالكسر تَمْخَضُ مَخاضًا مثل سَمِعَ سَمَاعًا (٣). وقيل: المَخاض بالفتح اسم للمصدر كالسلام والكلام، والمِخاض بالكسر مصدر كالقتال والكتاب (٤). والجذع: ساق النخلة. قيل: والتعريف لا يخلو إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة، كتعريف النجم والصعق، كأن الناس يعرفون تلك النخلة في تلك الصحراء، كما يعرفون النجم الذي غلب على الثريا، أو يكون تعريف الجنس، أي: جذع هذه الشجرة خاصة (٥). وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي﴾ المنادى محذوف، أي: يا قوم، أو: يا نفس ليتني، ﴿مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا اليوم؛ وعن أبي علي: أن نحو هذا ليس في الكلام منادى محذوف، بل يدخل (يا) على الفعل والحرف للتنبيه، والوجه ما ذكر، لأن الحروف والأفعال لا تنادى، إنما تنادى الأسماء (٦). وقوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي: شيئًا متروكًا ينسى ولا يذكر

стр. 2391

كخرقة الطامث ونحوها مما إذا ذكر لم يطلب (١). وقرئ: بفتح النون (٢)، وهما لغتان بمعنىً، كالحَجْرِ والحِجْرِ، والوَتْرِ والوِتْرِ عن الفراء (٣). وقرئ أيضًا: (نَسْئًا) بفتح النون وهمزة بعد السين (٤)، وهو الحليب المخلوط بالماء ينساه أهله لقلته وصغارة حاله، عن أبي زيد وغيره (٥). يقال: نَسَأتُ اللَّبَنَ أَنْسَؤُهُ نَسْئًا، إذ خلطته بالماء، واسمه النَّسْءُ والنَّسِيءُ أيضًا، قال: ٤١٤ - سَقَوني النَّسْءَ ثُمَّ تَكَنَّفُونِي ... . . . . . . . . . . . (٦) وقال: ٤١٥ - سَقَونِي نَسِيئًا قَطَّعَ المَاءُ مَتْنَهُ ... . . . . . . . . . (٧)

стр. 2392

و ﴿مَنْسِيًّا﴾: مفعول من النسيان، نسي الشيء فهو ناس، وذاك منسي، والجمهور على فتح ميمه على الأصل، وقرئ: (مِنْسِيًّا) بالكسر (١) على الإتباع كالمِغِيرَةِ وَالمِنْخِرِ، وإنما قالت ذلك ﵍ خوفًا من الفضيحة، وحياء من الناس على العادة البشرية. ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾: قوله : ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قرئ بفتح الميم (٢)، وهو فاعل نادى، والمعنى: ناداها الذي تحتها وهو عيسى ﵇، لما خرج من بطنها ناداها من تحت ذيلها، أو جبريل ﵇ على ما فسر أنه كان يقبل الولد كالقابلة (٣). وقيل: ﴿تَحْتِهَا﴾ أسفل من مكانها، كقولك: منزلي تحت منزلك (٤). وقيل: كان أسفل منها تحت الأكمة، فصاح بها: لا تحزني (٥). وقرئ: (مِنْ تحتها) بكسر الميم (٦)، والفاعل منوي في (نادى) وهو المَلَك، أو عيسى ﵇ على ما أُوّل آنفًا. وعن قتادة: الضمير في ﴿تَحْتِهَا﴾

стр. 2393

للنخلة (١). و ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: يجوز أن يكون من صلة نادى، وأن يكون حالًا من المستكن فيه. وقوله: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ الفعل منصوب بأن، أو مجزوم بلا وأن هي المفسرة بمعنى (أي) (٢). وقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ السَّريُّ في اللغة: النهر الصغير كالجدول، وجمعه أسرية وسُرْيَان، كأَجْرِبَةٍ وجُربَانٍ. والسَّرِيُّ أيضًا: السَّخِيُّ من الرجال، يقال: سَرا يَسْرُو، وسَرِيَ بالكسر يَسْرَى سَرْوًا فيهما، وسَرُوَ يَسْرُو سَرَاوةً، أي صار سَرِيًّا (٣)، وقال: ٤١٦ - وَتَرَى السَّرِيَّ مِنَ الرِّجَالِ بِنَفْسِهِ ... وابْنُ السَّرِيِّ إذَا سَرَا أَسْرَاهُمَا (٤) وجمعه سَرَاةٌ وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فَعَلَة، لا يعرف غيره، وقد فسر بهما هنا (٥)، أي: قد جعل ربك تحت قدميك نهرًا، قيل: وكان قد انقطع الماء عنه، فأرسل الله جل ذكره الماء فيه لمريم (٦). وقيل: بل المراد به عيسى ﵊، وعن الحسن: كان والله عبدًا سريًا (٧)، والمعنى: لا تحزني قد وهب الله لك ولدًا كريمًا صالحًا رفيع القدر، وهو فعيل بمعنى فاعل.

стр. 2394

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهز: التحريك و (الباء) صلة للتأكيد، كالتي في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ (١) أي: وحركي إليك جذع النخلة، أي: ساقها، والمعنى: قَرِّبيه إليك، أو اجذبيه إليك، ولذلك عُدِّي بحرف الانتهاء. وعن الفراء: العرب تقول: هزه وهز به (٢). ولك أن تجعلها للتعدية متعلقة بهزي والمفعول محذوف، أي هُزِّي الثمرة بالجذع، أي: انفضي (٣). وقيل: التقدير: افعلي الهز به (٤). كقوله: ٤١٧ - . . . . . . . . . ... . . . . يَجْرَحْ في عراقيبها نَصْلِي (٥) فالباء على هذا من صلة هذا المصدر المقدر. وعن المبرد: مفعوله: ﴿رُطَبًا﴾ (٦)، فالباء وما عملت على قوله في موضع الحال من المنوي في ﴿وَهُزِّي﴾، أي: وهزي إليك رطبًا جنيًا متمسكة بجذع النخلة. وقوله: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (تساقط) مجزوم على جواب شرط محذوف، وفيه أوجه من القراءات: (تَسَّاقَطْ) بفتح التاء وإدغام التاء في السين بعد القلب (٧)، والأصل تتساقط.

стр. 2395

و (تتساقط) بإظهار التاءين على الأصل (١). و (تَساقط) بالتاء والتخفيف على طرح الثانية (٢). وهو لازم في هذه الأوجه، ومعناه: تَسْقُطْ بفتح التاء، وبه قرأ بعض القراء (٣)، وفاعله النخلة أو الثمرة، وجاز إضمار الثمرة وإن لم يجرِ لها ذكر، لأن ذكر النخلة يدل عليها. وانتصاب قوله: ﴿رُطَبًا﴾ على هذه الأوجه، إما على التمييز، والأصل والمعنى: تتساقط عليك رطب النخلة، كقولك: قَرَّ زيدٌ عينًا، والأصل والمعنى: قَرَّ عَيْنُ زيدٍ، أو على الحال من المنوي فيه، والتقدير؛ تَسَّاقط عليك ثمرة النخلة في حال كونها رطبًا جنيًا. وقال بعضهم: (تَسَّاقَط) [متعد] بمعنى: تُسْقِطْ بضم التاء، أي: تُسقط النخلةُ رطبًا، فـ ﴿رُطَبًا﴾ على هذا مفعول به (٤). قال الشيخ أبو علي: فأما تعديتهم تَسَّاقط وهو تتفاعل، فإن تتفاعل مطاوع فاعل، كما أن تَفَعّل مطاوع فعّل، فكما عُدِّي تَفَعَّل في نحو: تجرعته وتمليته، كذلك عُدِّي تَفّاعل. وأنشد أبو عبيدة: ٤١٨ - تَخَاطَأْتِ النَّبْلُ أَحْشَاءه ... . . . . . . . . . . . (٥) وقال: هو في موضع أخطأت (٦).

стр. 2396

والوجه هو الأول، وهو أن يكون لازمًا، وأن تَنصب ﴿رُطَبًا﴾ على التمييز أو على الحال، وقد ذكرت مذهب المبرد فيه قبيل (١). وقرئ أيضًا: (تُسَاقِط) بضم التاء، وكسر القاف مخففة السين بوزن تُفَاعِل (٢)، ومعناه: (تُسْقِطُ) بضم التاء، وبه قرأ بعض القراء (٣)، والمنوي فيهما للنخلة. و(يُسَاقِطْ) بضم الياء النقط من تحته، وكسر القاف مخففة السين (٤)، على إسناد الفعل إلى ضمير الجذع. و﴿رُطَبًا﴾: على هذه القراآت الثلاث مفعول به، أو حال والمفعول محذوف وهو الثمرة، أي: تُسْقِطُ النخلة ثمرها في حال كونها رطبًا. وقرئ أيضًا: (يَسَّاقط) بفتح الياء والسين مشددة (٥)، والأصل يَتَساقط، فأدغمت التاء في السين، ومعناه: (يَسْقُطُ)، وبه قرأ بعض القراء (٦)، والمستكن فيهما للجذع، و ﴿رُطَبًا﴾ تمييز. أو حال، فهذه تسع قراءات فاعرفهن جمع. فإن قلت: هل ثَمَّ فرق بين تُسَاقِطْ وتَسْقُطُ، أو: تُسَاقِط وتُسْقِط أم لا؟ قلت: نعم بينهما فريق، وذلك أن السقوط أو الإسقاط يكون دفعة واحدة في

стр. 2397

الأمر العام، وأما التفاعل فلا يكون إلا شيئًا بعد شيء، وهذا شيء يعرفه أهل الطباع والمعاني، ولا ينكره إلا عارٍ منهما. و﴿جَنِيًّا﴾ فعيل بمعنى مفعول، وقيل: هو بمعنى فاعل (١). والجني: الطري، وقرئ: (جِنيًا) بكسر الجيم (٢) على الإتباع، كالمِغِيرة تشبيهًا للنون بحروف الحلق، وإن لم تكن منهن، وذلك أن النون متعالية، وهن سوافل، وكل في شقه مُضَاهٍ لصاحبه، والقوم يُجْرُون الشيء مجرى نقيضه، كما يجرونه مجرى نظيره. ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾: قوله : ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يقال: قَرِرْتُ به عينًا أَقَرُّ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، وقَرَرْتُ به أيضًا أَقِرُّ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر قُرَّةً وقُرُورًا فيهما لغتان بمعنى، وقد قرئ بهما (٣) غير أن اللغة الأولى أفصح، وعليها الجمهور من القُرّاء، والأمر على اللغة الأولى (قَرِّي) بفتح القاف، والأصل: اقْرَرِي فنقلت حركة الراء إلى القاف، وأدغمت في الثانية، فبقي (قَرِّي). وعلى الثانية (قِرِّي) بكسر القاف، والأصل: اقْرِرِي، فنقلت الحركة وأدغمت فبقي قِرِّي كما ترى. و ﴿عَيْنًا﴾: نصب على التمييز. وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ (فإما) أصله: (إنْ ما) (إِنْ) هي الشرطية، و (ما) صلة للتأكيد. وأصل (تَرَيِنَّ): تَرْأَيين كَتَرْعَيِين، ووزنه:

стр. 2398

تفعلين كتذهبين، فالراء فاء الفعل، والهمزة عينه، والياء الأولى لامه، فألقيت حركة الهمزة على الراء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، فبقي (تَرَيِيْنَ) ثم أبدل من الياء المكسورة التي هي لام الفعل ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون ياء الضمير بعدها، فبقي (تَرَيْنَ) ووزنه تَفَيْنَ، ولما دخلت على إنْ الشرطية (ما) الصلة للتأكيد، دخلت في فعلها نون التأكيد الثقيلة، لأن زيادة (ما) تُؤْذِنُ بإرادة شدة التأكيد، وحذف النون - التي هي علم الرفع - للبناء، إذ الفعل يصير معها مبنيًا أبدًا، وكسرت الياء من (تَرَي) لالتقاء الساكنين، هي والنون الأولى من النونين اللتين أدغمت إحداهما في الأخرى بعدها، فبقي (تَرَيِنَّ)، كما تقول للمرأة: اخْشَيِنَّ [فلانًا]، وعلى هذا قراءة الجمهور. وعن أبي عمرو: (تَرَئِنَّ) بالهمز (١) على لغة من يقول: لبَّأتُ بالحج، وَحَلَّأتُ السويق، وذلك لما بين الهمزة وحروف اللين من المؤاخاة في القلب والإبدال، وأيضًا فقد حكي الهمزة في الواو التي هي نظيرة الياء في قوله : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) فَشَبَّه الياءَ لكونها ضميرًا وعلم تأنيث، بالواو من حيث كانت ضميرًا وعلم تذكير، وهمزها كما همزت وإن كان ترك الهمز فيهما هو الوجه؛ لأن الحركة فيهما لالتقاء الساكنين. وقرئ أيضًا: (فَإِمَّا تَرَيْنَ) بإسكان الياء وتخفيف النون (٣)، وهي قراءة ضعيفة مردودة من وجهين: أحدهما: أن ما جاء في القرآن، وفي الكلام الفصيح من أفعال الشرط

стр. 2399

مع (ما) المؤكدة مُؤَكَّدٌ بالنون الثقيلة، وهو الوجه والقياس لما ذكرت قبيل من أنَّ زيادة (ما) تؤذن بإرادة شدة التوكيد. والثاني: إثبات النون وهي عَلَمٌ للرفع في حال الجزم، وهي لغية، أعني: إثبات هذه النون التي هي علم للرفع في حال الجزم، وأنشد أبو الحسن: ٤١٩ - لولا فوارسُ من قَيسٍ وأُسْرَتهمْ ... يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لم يُوفُونَ بالجارِ (١) كذا أنشده (يوفون) بالنون على تشبيه لم بلا، وهذا شاذ، وكلام الله تعالى لا يُحمل على الشذوذ. وقوله: ﴿مِنَ الْبَشَرِ﴾ يجوز أن يكون من صلة الرؤية، وأن يكون حالًا من أحد. وقوله: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ جواب الشرط، والصوم هنا الصمت، وكذا هو في مصحف عبد الله (صَمْتًا) (٢). وقيل: صيامًا إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم (٣). وقوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي: آدميًا من آنَسَ، إذا علم وأبْصر، وهو منسوب إلى الإنس. و ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف لـ ﴿أُكَلِّمَ﴾. ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾:

стр. 2400

قوله : ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ محل قوله: ﴿تَحْمِلُهُ﴾ النصب على الحال، إما من المنوي في قوله: ﴿فَأَتَتْ﴾، أو من الهاء في ﴿بِهِ﴾ أي: حاملة أو محمولًا، لأن لكل منهما في الحال ضميرًا، أو منهما جميعًا، لأن فيه ذكرهما، وقد ذكر في "الأعراف" عند قوله: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ (١). و ﴿بِهِ﴾: يجوز أن يكون من صلة (أتت)، وأن يكون في موضع الحال من المستكن فيه. وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (شيئًا) يجوز أن يكون مفعولًا به، وأن يكون واقعًا موقع مجيئًا، كقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢) فيكون مصدرًا، و ﴿فَرِيًّا﴾ صفته على كلا التقديرين، أي: مصنوعًا مختلفًا، من قولهم: فلان يَفْرِي الفَرِيَّ، إذا كان يأتي بالعجب في عمله مبالغًا فيه (٣)، وقال: ٤٢٠ - * قَدْ كُنْتِ تَفرِينَ به الفَرِيّا (٤) * أي: كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه. وقيل: عظيمًا (٥). وقيل: منكرًا فظيعًا (٦).

стр. 2401

﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾: قوله : ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (كيف) سؤال عن حال في موضع نصب بنكلم، وفيه وجهان: أحدهما: استفهام بمعنى التعجب، أي: أَعجبوا من أمرها إيانا بتكليم الصبي في المهد؟ والثاني: بمعنى النفي، أي: لا نكلم من هو في المهد لا يفهم الخطاب، ولا يقدر على الجواب. و﴿مَنْ﴾ موصولة منصوبة بنكلم، وقال أبو إسحاق: شرطية، وجوابها ﴿كَيْفَ﴾. والمعنى: من يكن في المهد صبيًا، فكيف [نكلمه]؟ ، كقولك: من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه؟ (١) فتكون ﴿فِي﴾ في موضع رفعٍ بالابتداء، وما بعدها الخبر. وفي ﴿كَانَ﴾ هنا أوجه: أحدها: صلة (٢)، و ﴿صَبِيًّا﴾ فيه وجهان، أحدهما: بدل من ﴿مَنْ﴾. والثاني: حال، وفي ذي الحال وجهان: أحدهما: ﴿مَنْ﴾. والثاني: المنوي في الظرف وهو ﴿فِي الْمَهْدِ﴾. والثاني: بمعنى صار، والمنوي فيها راجع إلى ﴿مَنْ﴾ وهو اسمها، ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ خبرها، و ﴿صَبِيًّا﴾ خبر بعد خبر، أو حال من المستكن في المهد. والثالث: بمعنى حدث ووقع، والمستتر فيها راجع إلى ﴿مَنْ﴾ وهو فاعلها، و ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ متعلق بها عار عن الذكر، و ﴿صَبِيًّا﴾ إما حال، إما

стр. 2402

من المنوي في ﴿كَانَ﴾، والعامل فيه ﴿كَانَ﴾ لأنه فعل كسائر الأفعال، أو مِنْ ﴿مَنْ﴾ ونهاية صلتها ﴿فِي الْمَهْدِ﴾، أو بدل من ﴿مَنْ﴾ كأنه قيل: كيف تكلم صبيًا خُلق في المهد؟ أي: هو الآن في المهد. وإنما منعت النحاة أن تكون ﴿كَانَ﴾ هنا على بابها, لأن ذلك لا يختص بعيسى ﵇, لأن الناس كلهم كانوا في المهد صبيانًا يومًا من الأيام، ثم يتكلمون بعد أن كانوا كذلك (١). ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾: قوله : ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ لفظه لفظ الماضي، ومعناه المستقبل، أي: يؤتيني (٢). وقيل: إنه أخبر عما في اللوح المحفوظ (٣)، ومثله ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. وقوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ (أينما) نصب على الظرف، و (كان) هنا التامة. وقوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر، وموضعها نصب على الظرف، أي: دوام حياتي، يعني: مدة دوامها، و ﴿حَيًّا﴾ خبر ﴿مَا دُمْتُ﴾. ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾: قوله : ﴿وَبَرًّا﴾ الجمهور على فتح الباء عطفًا على ﴿مُبَارَكًا﴾،

стр. 2403

على: وجعلني بارًّا بوالدتي، أي: مطيعًا لها، عاطفًا عليها، وقرئ: (وَبِرًّا) بكسرها (١) عطفًا على موضع الجار والمجرور في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ﴾ (٢)، أو نصبًا بفعل في معنى أوصاني وهو ألزمني, لأنه إذا أوصاه به فقد ألزمه إياه، وعليه بيت الكتاب: ٤٢١ - * يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرا (٣) * على: ويسلكن غورًا، أو عطفًا على ﴿مُبَارَكًا﴾ (٤) على: وجعلني ذا بِرٍّ، فحذف المضاف، أو جُعلت ذاتُه بِرًّا على المبالغة، لفرط بره، والبَرُّ بفتح الباء اسم الفاعل، والبِرُّ بالكسر المصدر، وهو خلاف العقوق، تقول: بَرِرْتُ والدي أَبَرُّهُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر بِرًّا، فأنا بَرٌّ به وَبَارٌّ أيضًا. وقوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ اللام في السلام للعهد، كالتي في قوله: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (٥)، وذلك أن المراد بالسلام الثاني الأول، والأول نكرة وهو الذي في قصة يحيى ﵇، والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى ﵇ في المواضع الثلاثة موجه إليّ. و﴿يَوْمَ وُلِدْتُ﴾: ظرف للظرف، ولا يجوز أن يكون ظرفًا للسلام، لأجل الفصل بالظرف الذي هو الخبر، والآخران عطف عليه، و ﴿حَيًّا﴾ منصوب على الحال من المنوي في ﴿أُبْعَثُ﴾.

стр. 2404

﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (ذلك) مبتدأ، والإشارة إلى مَن ذُكر بهذه الأوصاف المتقدمة، و ﴿عِيسَى﴾ خبره، و ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صفته، والمعنى: ذلك الذي قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾. الآية، هو عيسى بن مريم لا ما تقوله النصارى من كونه معبودًا وابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون. وقوله: (قَوْلُ الحق) قرئ: برفع اللام (١) على أنه خبر بعد خبر كقولك: هذا حلو حامض، أو خبر عن ﴿ذَلِكَ﴾ و ﴿عِيسَى﴾ بدل من ﴿ذَلِكَ﴾ أو عطف بيان له، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو قول الحق، يعني عيسى ﵇, لأنه قد قيل فيه: روح الله وكلمته، قيل: وإنما قيل له: كلمة الله، وقول الحق، لأنه لم يولد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: (كن) من غير واسطة أب (٢). أو هذا الكلام قول الحق. وقرئ: (قولَ الحق) بنصبها (٣) على المصدر، على معنى: قال قَوْلَ الحق، أي: قال عيسى القول الحق، أو أقول قول الحق، على معنى: هو ابن مريم وليس بمعبود، أو بابنٍ كما زعم النصارى, لأن بعضهم يقولون: هو الله، وبعضهم: هو ابن الله. وقيل: منصوب على المدح إن فُسِّرَ بكلمة الله (٤). وعن ابن مسعود ﵁: (قالُ الحق) (٥)، والقالُ اسم للمصدر كالقيل،

стр. 2405

وفي الحديث: "نَهى عن قيل وقال" (١). قال الجوهري: وهما اسمان (٢). وعن الحسن: (قُولُ الحَقِّ) بضم القاف (٣)، وهو مصدر كالقَول، ونظيرهما: الرُّهْبُ والرَّهْبُ. ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾: قوله : ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ أن وما اتصل بها في موضع رفع اسم كان، و ﴿لِلَّهِ﴾ الخبر، و ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ في موضع نصب، و ﴿مِنْ﴾ مؤكد، تدل على نفي استغراق الجنس، وزيدت في المنصوب، وزيادتها في الأمر العام مع المرفوع نحو: ما جاءني من أحد، فلا يجوز أن يتخذ ولدًا ولا أكثر، والتقدير: ما كان ينبغي، أو ما كان يجوز لله أن يتخذ ولدًا، فحذف الفعل وهو ينبغي، أو يجوز، ونابت اللام عنه. و ﴿سُبْحَانَهُ﴾، أي: تنزيهًا له عن اتخاذ الولد. وقوله: (وأَن الله ربي) قرئ: بفتح الهمزة (٤)، وفيه وجهان: أحدهما: عطف على معمول قوله: ﴿وَأَوْصَانِي﴾ (٥)، أي: وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي وربكم. والثاني: أنه على إرادة اللام متعلق بقوله: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾، أي: ولأنه ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٦). فَحَمْلُها على الوجه الأول: جَرٌّ، وعلى الثاني: جر أو نصب، على الخلاف

стр. 2406

المشهور المذكور في غير موضع (١). وعن أبي عمرو: هي عطف على قوله: ﴿أَمْرًا﴾ على معنى: إذا قضى أمرًا، وقضى أن الله ربي وربكم (٢). وعن الفراء: هي في موضع رفع على تقدير: والأمر أن الله (٣). فعلى الوجه الثاني والرابع يجوز الابتداء بها دون الأول والثالث. وقرئ: بالكسر (٤) على الاستئناف، تعضده قراءة من قرأ: (إِنَّ الله ربي) بغير العاطف وهو أُبي ﵁ (٥). ولك أن تعطفه على قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ (٦) فعلى هذا لا يجوز الابتداء به. ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾: قوله : ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ لفظه لفظ الأمر، ومعناه التعجب، أي: ما أسمعَهم وأبصرَهم! و ﴿بِهِمْ﴾ في موضع رفع لكونه فاعل ﴿أَسْمِعْ﴾ عند جمهور النحاة، أي: صاروا ذوي سمع وإبصار، ومعنى التعجب راجع إلى المخاطبين لا إلى الله جل ذكره، أي: هؤلاء ممن يجب أن تقولوا فيهم هذا القول، وأن تتعجبوا منهم. و ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف لقوله: ﴿أَسْمِعْ. . . وَأَبْصِرْ﴾.

стр. 2407

وقوله: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف للظرف الذي هو الخبر. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾: قوله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (يوم الحسرة) مفعول به ثان لـ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ لا ظرف له كما زعم بعضهم, لأن الأمر بالإنذار لا يكون في يوم القيامة، وإنما يكون ذلك في الدنيا. وقوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (إذ) إما بدل من ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، أو معمول الحسرة (١). وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ الواو للحال، وكذا في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وفي ذي الحال وجهان: أحدهما: المنوي في الظرف وهو ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، وما بينهما اعتراض، أي: لكن الظالمون ثابتون اليوم في ضلال عن الحق، غافلين عما يصنع بهم غير مؤمنين. والثاني: الضمير المنصوب في ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾، أي: وأنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ (نحن) يجوز أن يكون مبتدأ، أو يكون فصلًا، وأن يكون تأكيدًا لاسم (إنَّ). ومحل (مَن) نصب عطفًا على الأرض. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا

стр. 2408

يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾: قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ في الكلام حذفٌ، وحذفُ مضافٍ، أي: واذكر لقومك في القرآن قصة إبراهيم، ثم حذفا للعلم بهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (نبيًا): خبر بعد خبر، أو حال من المنوي في ﴿صِدِّيقًا﴾. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ إذ بدل من المضاف المحذوف، أو منصوب به، أو بـ ﴿صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾، أو بكان, لأن الظرف تكفيه رائحة الفعل. وقوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ اللام من صلة ﴿تَعْبُدُ﴾ لا من صلة محذوف والتقدير: أخبرني لم تعبد كما زعم بعضهم؟ لأن اللام في حيز الاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ألا ترى إذا قلت: بمن مررت؟ كانت الباء من صلة مررت، لا من صلة شيء يقدر قبلها. وقوله: ﴿مَا لَا يَسْمَعُ﴾ (ما) موصولة منصوبة بتعبد، أو موصوفة، ومثلها في الأمرين (ما) في قوله: ﴿قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ غير أن محل هذه الرفع على الفاعلية. ومفعول قوله: ﴿لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ محذوف، وهو كالشيء المنسي. وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ فيه وجهان، أحدهما: في موضع المصدر، أي: شيئًا من الغناء، والثاني: مفعول به، أي: لا يدفع عنك شيئًا يضرك. ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾:

стр. 2409

قوله : ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ (أراغبٌ) مبتدأ، و ﴿أَنْتَ﴾ مرفوع به على أنه فاعل، وقد سدت مسد الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة لكونها قد اعتمدت على الهمزة التي معناها التوبيخ (١). ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾: أي: عن عبادتها، فحذف المضاف للعلم به، وهنا تمام الكلام، ويجوز أن يكون تمامه ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾. وقوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (لأرجمنك) جواب قسم محذوف وقد أغنى عن جواب الشرط، أي: لَئِن لم تنته عن عيب آلهتي وشتمها، والله لأرمينك بالحجارة أو بالقول القبيح. ﴿وَاهْجُرْنِي﴾: عطف على محذوف يدل عليه ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ , لأنه تهديد ووعيد، كأنه قال: فاحذرني واهجرني. و ﴿مَلِيًّا﴾: ظرف له، أي: وتباعد عني زمانًا طويلًا، من الملاوة، وهي الحِين (٢). أو حال من المنوي فيه، يعضده قوله الحسن وقتادة: ﴿مَلِيًّا﴾ سالمًا (٣)، أي: تباعد عني سالمًا قبل أن أنالك بمكروه. وقول ابن عباس: سويًا سليمًا من عقوبتي (٤). والملي على هذا: المتمتع بالحياة الدنيا، يقال: تمليت فلانًا، إذا تمتعت به. أو المطيق، من قولهم: فلان ملي بهذا الأمر، إذا كان كامل الأمر فيه، مضطلعًا به، عن الرماني وغيره.

стр. 2410

﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ الحفي: البليغ في البر والإلطاف، فعيل: من الحفاوة، وهي المبالغة في السؤال عن الشخص والعناية في أمره، يقال: حَفِيَ به بالكسر يَحْفَى حَفَاوَةً، وَتَحَفَّى به أيضًا، إذا بالغ في إكرامه وإلطافه (١). و ﴿كَانَ﴾ هنا يفيد معنى الدوام والثبات. وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ (ما) في موضع نصب عطفًا على الضمير المنصوب في ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ وهي موصولة أو موصوفة. ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾: قوله : ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ (كلا) نَصْبٌ بـ ﴿جَعَلْنَا﴾، والضمير الذي التنوين نائب عنه في (كل) راجع إلى إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب ﵈ (٢). وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرئ: بفتح اللام، وهو الذي أخلصه الله للنبوة، وبكسرها (٣)، وهو الذي أخلص نفسه وأسلم وجهه لله، وقد ذُكِرَ فيما

стр. 2411

سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١). و﴿نَبِيًّا﴾: خبر بعد خبر، و ﴿نَجِيًّا﴾: حال إما من الفاعل أو المفعول، أي: مناجيًا، وهو من النجوى، وهي المسارَّةُ، وقيل: من النجوه، وهي الارتفاع (٢). و ﴿هَارُونَ﴾ بدل من ﴿أَخَاهُ﴾، أو عطف بيان له، والمانع له من الصرف المعجمة والتعريف. و ﴿نَبِيًّا﴾: حال من ﴿أَخَاهُ﴾. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾: قوله : ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ هو على بابه، أي: صادقًا في وعده يصدق إذا وعد (٣). وعن أبي عبيدة: هو فاعل بمعنى مفعول، أي: مصدوق الوعد (٤)، والوجه هو الأول. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾: قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ (إدريس) اسم أعجمي، ولذلك لا ينصرف، وليس قول من قال: هو إفعيل من الدراسة، سمي بذلك لكثرة درسه الكتب (٥) بمستقيم، إذ لو كان كما زعم، لكان منصرفًا, لأنه لم يبق فيه إلا سبب واحد وهو التعريف، والسبب الواحد غير مانع من الصرف لا في نظم ولا في نثر عند جمهور النحاة، فامتناعه من الصرف دليل على

стр. 2412

صحة ما ذكرت وهو أنه أعجمي، والمانع له من الصرف العلمية والعجمة. و﴿مَكَانًا﴾: ظرف لـ ﴿وَرَفَعْنَاهُ﴾، وإن شئت على حذف الجار وهو (إلى)، أي: ورفعناه إلى مكان، فلما حذف الجار نصب. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾: قوله : ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، والإشارة إلى المذكورين في هذه السورة من لدن زكريا إلى إدريس، خبره ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ونهاية صلة الموصول: ﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾، أو صفة له، والخبر ﴿إِذَا تُتْلَى﴾ وما اتصل بها. و ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ للبيان كالتي في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ في آخر "الفتح". ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ﴾: بدل من ﴿النَّبِيِّينَ﴾ بإعادة الجار. و ﴿مِنْ﴾ (١) للتبعيض، يعني إدريسَ ونوحًا وإن كان كلٌّ من ذرية آدم، ولكن كان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم، وذلك أن إدريس جد أبي نوح ﵈ (٢). وقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة وهو إبراهيم ﵊؛ لأنه من ولد سام بن نوح ﵇. وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: إسماعيل، وإسحق، ويعقوب ﵈. وقوله: ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ أي: ومن ذرية إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب ﵇. ومن ذرية موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى على ما وَرَدَ وَنُقِلَ.

стр. 2413

وقوله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ يجوز أن يكون عطفًا على ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾، وأن يكون عطفًا على ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾، أي: وممن هديناهم إلى ديننا. وقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى﴾ الجمهور على التاء فيه النقط من فوقه، لأجل تأنيث الآيات، وقرئ: (إذا يُتْلَى) بالياء النقط من تحتها (١) , لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل (٢). وقوله: ﴿سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ كلاهما منصوب على الحال من الضمير في ﴿خَرُّوا﴾ أي: سقطوا على وجوههم ساجدين لله باكين متضرعين إليه، و ﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد كَرُكَّع في جمع راكع، و ﴿وَبُكِيًّا﴾ جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد وقاعد، وأصله بكوْي، فاجتمعت فيه الواو والياء، وسبُقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فبقي بُكي كما ترى، وقد جوز أن يكون مصدرًا (٣) بمعنى البكاء، وعليه نصبه على تقدير: خروا ساجدين، وبكوا بكيًا، والوجه هو الأول وعليه الأكابر (٤). ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾: قوله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الخَلْفُ والخَلَفُ: ما جاء من بعدُ، يقال: خَلْفُ سَوْءٍ من أبيه بالتسكين، وخَلَفُ صدق من أبيه بالتحريك، إذا قام مقامه. قال الأخفش: هما سواء منهم من يحرك، ومنهم من يسكن فيهما جميعًا إذا أضاف، ومنهم من يقول: خَلَفُ صدق

стр. 2414

بالتحريك، ويسكن الآخر ويريد بذلك الفرق بينهما (١)، وقد ذكر في "الأعراف" (٢). وقوله: ﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ الغي: الضلال والخيبة أيضًا، وهو مصدر قولك: غَوَى فلان يَغوِي بفتح العين في الماضي وكسرِها في الغابر غَيًّا، وأصله غَوْيًا، فأدغمت الواو في الياء بعد قلبها ياء، وغَوَايةً أيضًا، فهو غاوٍ وغَوٍ (٣). وأُنشد: ٤٢٢ - فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ ... وَمَنْ يَغْوِ لَا يَعْدَمْ عَلَى الغَيِّ لَائِمًا (٤) ٤٢٣ - وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وَإِن تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ (٥) وعن أبي إسحاق: جزاء غي (٦). وقيل: غيٌّ وادٍ في جهنم (٧). وقيل: بئر فيها (٨). ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا

стр. 2415

(٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾: قوله : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (من) في موضع نصب على الاستثناء، وهو من الجنس، وقد جوز أن يكون من غير الجنس (١). وقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ الجمهور على كسر التاء على البدل من الجنة لاشتمالها على جنات عدن وغيرها، كاشتمال الدار على الصُّفَّةِ والقاعةِ وغيرهما. وقيل: نصب على المدح. وقرئ: (جَنَّاتُ عدنٍ) بالرفع (٢)، على إضمار هي جنات عدن. على قول: من جعلها نكرة على: جنات إقامة (٣)، أو على الابتداء (٤) على قول من جعلها معرفة لإضافتها إلى ﴿عَدْنٍ﴾ وهو علم لمعنى العَدْنِ، وهو الإقامة، كما جعلوا فَيْنَةَ، وَسَحَرَ، وَأمْسِ فيمن لم يصرفها أعلامًا لمعاني الفينة والسحر والأمس، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال منها, لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ (٥) وَلَمَا ساغ وصفها بـ ﴿الَّتِي﴾ على قراءة الجمهور، ونظير ذلك: ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾ (٦) و ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (٧). خبره (التي) (٨)، والباء في ﴿بِالْغَيْبِ﴾ للحال، أي: وَعَدَهم إياها وهم غائبون عنها لا يشاهدونها، أي: وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة.

стр. 2416

وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: إن الأمر أو الشأن، أو إن الله كان وعده مأتيًا، أي: آتيًا، مفعول بمعنى فاعل، عن الفراء, لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه (١). وقيل: المراد بالوعد الموعود به وهو الجنة، فيكون ﴿مَأْتِيًّا﴾ على بابه, لأن عباده الصالحين يأتونها (٢). ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾: قوله : ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ يعني ما يلغى من القول مما لا طائل تحته. ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناء منقطع، أي: لكن يسمعون سلامًا، وهو أن يحيي بعضهم بعضًا بالسلام (٣). وعن أبي إسحاق: السلام بمعنى السلامة، على أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم، وإنما يسمعون ما يسلمهم (٤)، أي: لكن يسمعون قولًا ذا سلام، أي: ذا سلامة. وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ على إرادة القول، أي: قل أو قولوا وما نتنزل، وقرئ: (وما يتنزل) بالياء النقط من تحته. مكان النون (٥) على الحكاية عن جبريل ﵇ والمنوي فيه للوحي أو لجبريل، فلا تكون الحكاية عن جبريل ﵇.

стр. 2417

وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ النسي: بمعنى الناسي وهو التارك، أي: وما كان ربك تاركًا لك منذ أبطأ عنك الوحي (١). وقيل: وما ربك ناسيًا، يعني: إذا شاء أن يرسل إليك أرسل (٢). وقيل: المعنى أنه عالم بجميع الأشياء، ما مضى منها وما غبر، لا ينسى منها شيئًا (٣). ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾: قوله : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ بدل من قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ (٤)، أو خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هو رب السموات فاعبده، كقوله: ٤٢٤ - وَقَائِلَةٍ خَوْلَانُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ ... . . . . . . . . . . . . (٥) أي: هؤلاء خولان، أو مبتدأ خبره ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ على رأي من يرى صلة

стр. 2418

الفاء وهو أبو الحسن (١). ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾: قوله : ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ الاستفهام بمعنى الإنكار، وهو في المعنى داخل على الإخراج، وإن كان في اللفظ دخل على إذا, لأنه أنكر البعث لا الموت، والعامل في (إذا) فعل دل عليه الكلام، أي: أبعث إذا مت، ولا يعمل فيه ﴿أُخْرَجُ﴾، لأجل اللام، لا تقول: اليوم لزيد قائم, لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبله، وكذا ما بعد إن والاستفهام وحرف النفي لا يعمل فيما قبلهن، واللام في ﴿لَسَوْفَ﴾ لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: لأنا سوف أخرج، لا لام جواب قسم محذوف كما زعم بعضهم, لأن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد، وإذا ثبت أنها لام الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدإِ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدإٍ وخبر، وأن يكون أصله: لأنا سوف أخرج، و ﴿مَا﴾ في ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ صلة للتوكيد، و ﴿حَيًّا﴾ منصوب على الحال من المنوي في ﴿أُخْرَجُ﴾. وقوله: (أَوَلَا يذَّكَّرُ الإنسانُ) قرئ: بتشديد الذال وفتحها مع فتح الكاف (٢)، والأصل يتذكر، فأدغمت التاء في الذال بعد قلبها ذالًا على: أفلا يتدبر ويتفكر. وقرئ: بتخفيف الذال وضم الكاف (٣)، على أنه مضارع ذَكَر الذي هو

стр. 2419

خلاف نسي، والذاكر للشيء عارف به في الحال. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾: قوله : ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف، أي: والله لنجمعنهم في المعاد. و ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾، أي: مع الشياطين الذين أضلوهم. وقوله: ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (حول) ظرف للإحضار. و ﴿جِثِيًّا﴾ نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، أي: باركين على ركبهم، وهو جمع جاث، كقعود في جمع قاعد، وقد جوز أن يكون مصدر جثا، وعليه نصبه (١)، وأصله جُثُوْوٌ، جمعًا كان أو مصدرًا، وقد ذكر نظيره قبيل (٢). ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ الجمهور على ضم قوله: ﴿أَيُّهُمْ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: ضمةُ بناء، وهو مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٣)، وهي مبنية عنده لنقصها، وعدم تمامها، وذلك أن ﴿أَيُّهُمْ﴾ هنا بمعنى الذي عنده، تحتاج إلى صلة وعائد يعود إليها من صلتها كسائر الموصولات، والتقدير عنده: أيهم هو أشد، فحذف (هو)، فلما حذف صدر الجملة التي هي صلتها نقصت، فبُنيت لخروجها عن نظائرها, لأن الصلة توضح الموصول وتبينه، كما أن حذف المضاف إليه (من قبل ومن بعد) يوجب بناء المضاف إذا كان المضاف إليه موضحًا ومُخَصِّصًا للمضاف ومعرِّفًا له، ولو أُظهر العائد فقيل: أيهم هو أشد، أعربت، وإنما أعربت حملًا على نظيرها ونقيضها، فنظيرها: (بعض)، ونقيضها: (كل) وكلاهما معرب، وإذا حذف العائد منها

стр. 2420

رجعت إلى أصلها وهو البناء، ولا يجوز حذف (هو) مع (من)، ويقبح حذفه مع الذي، وقرئ: (تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع (١)، على تقدير حذف صدر الصلة وهو: (هو). وحذف (هو) مع (من) لا يجوز، ومع (الذي) قبيح، ومع (أي) حسن (٢). والثاني: ضمة إعراب وفيها أوجه: أحدها: أنها مبتدأ، و ﴿أَشَدُّ﴾ خبره، وارتفاعها على الحكاية، وهو مذهب الخليل ﵀ (٣) والتقدير: لننزعن من كل شيعة الذي يقال له لعتوه: أيهم أشد؟ فحذف القول وما اتصل به، فـ ﴿أَيُّهُمْ﴾ على مذهبه استفهام. والثاني: كذلك في كونها مبتدأ وخبرًا واستفهامًا، وهو مذهب يونس ﵀ (٤)، غير أن الفعل الذي هو ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ مُعَلَّقٌ عن العمل في الجملة، وإنما عُلِّقَ, لأن معناه يعود إلى التمييز الذي من باب العلم والظن، [فكما جاز تعليق العلم والظن] في قولك: علمت أيهم في الدار، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ (٥)، كذلك جاز تعليق النزع. والثالث: أن النزع واقع على ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ و (من) صلة، والجملة مستأنفة، و (أي) استفهام، وهو مذهب أبي الحسن والكسائي رحمهما الله (٦). وصاحب الكتاب لا يرى زيادة (من) في الواجب (٧)، وقد ذكر فيما
следующие страницы →