وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: إن الأمر أو الشأن، أو إن الله كان وعده مأتيًا، أي: آتيًا، مفعول بمعنى فاعل، عن الفراء, لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه (١). وقيل: المراد بالوعد الموعود به وهو الجنة، فيكون ﴿مَأْتِيًّا﴾ على بابه, لأن عباده الصالحين يأتونها (٢).
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾:
قوله : ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ يعني ما يلغى من القول مما لا طائل تحته. ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناء منقطع، أي: لكن يسمعون سلامًا، وهو أن يحيي بعضهم بعضًا بالسلام (٣).
وعن أبي إسحاق: السلام بمعنى السلامة، على أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم، وإنما يسمعون ما يسلمهم (٤)، أي: لكن يسمعون قولًا ذا سلام، أي: ذا سلامة.
وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ على إرادة القول، أي: قل أو قولوا وما نتنزل، وقرئ: (وما يتنزل) بالياء النقط من تحته. مكان النون (٥) على الحكاية عن جبريل ﵇ والمنوي فيه للوحي أو لجبريل، فلا تكون الحكاية عن جبريل ﵇.
стр. 2417
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ النسي: بمعنى الناسي وهو التارك، أي: وما كان ربك تاركًا لك منذ أبطأ عنك الوحي (١).
وقيل: وما ربك ناسيًا، يعني: إذا شاء أن يرسل إليك أرسل (٢).
وقيل: المعنى أنه عالم بجميع الأشياء، ما مضى منها وما غبر، لا ينسى منها شيئًا (٣).
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾:
قوله : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ بدل من قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ (٤)، أو خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هو رب السموات فاعبده، كقوله:
٤٢٤ - وَقَائِلَةٍ خَوْلَانُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ ... . . . . . . . . . . . . (٥)
أي: هؤلاء خولان، أو مبتدأ خبره ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ على رأي من يرى صلة
стр. 2418
الفاء وهو أبو الحسن (١).
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾:
قوله : ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ الاستفهام بمعنى الإنكار، وهو في المعنى داخل على الإخراج، وإن كان في اللفظ دخل على إذا, لأنه أنكر البعث لا الموت، والعامل في (إذا) فعل دل عليه الكلام، أي: أبعث إذا مت، ولا يعمل فيه ﴿أُخْرَجُ﴾، لأجل اللام، لا تقول: اليوم لزيد قائم, لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبله، وكذا ما بعد إن والاستفهام وحرف النفي لا يعمل فيما قبلهن، واللام في ﴿لَسَوْفَ﴾ لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: لأنا سوف أخرج، لا لام جواب قسم محذوف كما زعم بعضهم, لأن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد، وإذا ثبت أنها لام الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدإِ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدإٍ وخبر، وأن يكون أصله: لأنا سوف أخرج، و ﴿مَا﴾ في ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ صلة للتوكيد، و ﴿حَيًّا﴾ منصوب على الحال من المنوي في ﴿أُخْرَجُ﴾.
وقوله: (أَوَلَا يذَّكَّرُ الإنسانُ) قرئ: بتشديد الذال وفتحها مع فتح الكاف (٢)، والأصل يتذكر، فأدغمت التاء في الذال بعد قلبها ذالًا على: أفلا يتدبر ويتفكر.
وقرئ: بتخفيف الذال وضم الكاف (٣)، على أنه مضارع ذَكَر الذي هو
стр. 2419
خلاف نسي، والذاكر للشيء عارف به في الحال.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾:
قوله : ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف، أي: والله لنجمعنهم في المعاد. و ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾، أي: مع الشياطين الذين أضلوهم.
وقوله: ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (حول) ظرف للإحضار. و ﴿جِثِيًّا﴾ نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، أي: باركين على ركبهم، وهو جمع جاث، كقعود في جمع قاعد، وقد جوز أن يكون مصدر جثا، وعليه نصبه (١)، وأصله جُثُوْوٌ، جمعًا كان أو مصدرًا، وقد ذكر نظيره قبيل (٢).
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ الجمهور على ضم قوله: ﴿أَيُّهُمْ﴾ وفيه وجهان:
أحدهما: ضمةُ بناء، وهو مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٣)، وهي مبنية عنده لنقصها، وعدم تمامها، وذلك أن ﴿أَيُّهُمْ﴾ هنا بمعنى الذي عنده، تحتاج إلى صلة وعائد يعود إليها من صلتها كسائر الموصولات، والتقدير عنده: أيهم هو أشد، فحذف (هو)، فلما حذف صدر الجملة التي هي صلتها نقصت، فبُنيت لخروجها عن نظائرها, لأن الصلة توضح الموصول وتبينه، كما أن حذف المضاف إليه (من قبل ومن بعد) يوجب بناء المضاف إذا كان المضاف إليه موضحًا ومُخَصِّصًا للمضاف ومعرِّفًا له، ولو أُظهر العائد فقيل: أيهم هو أشد، أعربت، وإنما أعربت حملًا على نظيرها ونقيضها، فنظيرها: (بعض)، ونقيضها: (كل) وكلاهما معرب، وإذا حذف العائد منها
стр. 2420
رجعت إلى أصلها وهو البناء، ولا يجوز حذف (هو) مع (من)، ويقبح حذفه مع الذي، وقرئ: (تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع (١)، على تقدير حذف صدر الصلة وهو: (هو). وحذف (هو) مع (من) لا يجوز، ومع (الذي) قبيح، ومع (أي) حسن (٢).
والثاني: ضمة إعراب وفيها أوجه:
أحدها: أنها مبتدأ، و ﴿أَشَدُّ﴾ خبره، وارتفاعها على الحكاية، وهو مذهب الخليل ﵀ (٣) والتقدير: لننزعن من كل شيعة الذي يقال له لعتوه: أيهم أشد؟ فحذف القول وما اتصل به، فـ ﴿أَيُّهُمْ﴾ على مذهبه استفهام.
والثاني: كذلك في كونها مبتدأ وخبرًا واستفهامًا، وهو مذهب يونس ﵀ (٤)، غير أن الفعل الذي هو ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ مُعَلَّقٌ عن العمل في الجملة، وإنما عُلِّقَ, لأن معناه يعود إلى التمييز الذي من باب العلم والظن، [فكما جاز تعليق العلم والظن] في قولك: علمت أيهم في الدار، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ (٥)، كذلك جاز تعليق النزع.
والثالث: أن النزع واقع على ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ و (من) صلة، والجملة مستأنفة، و (أي) استفهام، وهو مذهب أبي الحسن والكسائي رحمهما الله (٦). وصاحب الكتاب لا يرى زيادة (من) في الواجب (٧)، وقد ذكر فيما
стр. 2421
سلف من الكتاب (١).
وذكر فيها أوجه أخر أضربت عنهن لعدم الفائدة فيهن (٢).
وقرئ: (أَيَّهُم أشد) بالنصب (٣)، والعامل فيه ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ وهي بمعنى الذي, لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
و﴿عِتِيًّا﴾: منصوب على التمييز، وهو هنا مصدر عتا يعتو، وأصله: عُتُوْوٌ، وقد ذكر قبيل ما فُعل به (٤). و ﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿أَشَدُّ﴾، أي: عُتُوُّهم أشد على الرحمن، كما تقول: هو أشد على عدوه.
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾:
قوله : ﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ نصب على التمييز، وهو مصدر صلى، يقال: صلى فلان النار، إذا قاسى حرها، وأصله صُلُويٌ، فعل به ما فعل بِبُكِيّ، وجِثِيّ (٥). والباء من صلة ﴿أَوْلَى﴾ أي: صُلِيُّهُمْ أولى بالنار، كما تقول: هو أَوْلَى بكذا.
وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ في الكلام حذف موصوف تقديره: ما أحد منكم إلا واردها، فأحد: مبتدأ، و ﴿مِنْكُمْ﴾: صفته، و ﴿وَارِدُهَا﴾: خبره، ثم حذف الموصوف، وله نظائر في التنزيل (٦). والورود: الدخول.
стр. 2422
وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أي: كان ورودكم النار جزمًا وقطعًا، أي: كان ذلك واجبًا على الله، أوجبه على نفسه، وقضى به، وعزم على ألا يكون غيره، يقال: حتم الأمر، إذا أوجبه.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾:
قوله : ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ جمع جاث، وانتصابه على الحال من ﴿الظَّالِمِينَ﴾، أي: ساقطين على ركبهم.
و﴿بَيِّنَاتٍ﴾: حال من الآيات.
وقوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (مقامًا) و (نديًا) كلاهما منصوب على التمييز.
وقرئ: (مَقَامًا) بفتح الميم (١)، وفيه وجهان، أحدهما: هو موضع الإقامة. والثاني: هو مصدر كالإقامة, لأن المصدر واسم الموضع من فَعَلَ يَفْعُلُ على مَفْعَلِ نحو: قتل يقتل مقتلًا، وهذا مَقْتَلُهُ، وكذلك المقام.
وبالضم (٢)، وفيه الوجهان.
والندي - على فعيل - مجلس القوم الذي يجتمعون فيه لحادثة أو مشاورة، وكذلك النَّدْوَةُ والنادِي، وإنما سمي الندي, لأن الناس يندون فيه، أي يجتمعون للمشاورة، يقال: نَدَوْتُ، أي: حضرت النَّدِيَّ، وندوتُ القوم: جمعتهم في النَّدِيِّ، ومصدره: النَّدْوُ (٣).
стр. 2423
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾:
قوله : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. محل ﴿كَمْ﴾ النصب على أنها مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾، والتقدير: وكم قرنًا أهلكنا من جملة القرون، فحذف المميز لدلالة الكلام عليه، ومعناها التكثير، وهي استفهام بمعنى التقدير، و ﴿مِنْ﴾ تبيين لإبهامها، أي: كثيرًا من القرون أهلكنا. ﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾: ابتداء وخبر في موضع نصب على النعت لـ ﴿كَمْ﴾ بدليل أنك لو حذفت ﴿هُمْ﴾ لم يكن لك بد من نصب ﴿أَحْسَنُ﴾ على الصفة لها. و ﴿أَثَاثًا﴾ و ﴿وَرِئْيًا﴾ منصوبان على التمييز، أي: هم أحسن متاعًا ومنظرًا.
وفيه أوجه من القراءات: (رِئْيًا) بهمزة ساكنة بعد الراء (١)، وهو المنظر والهيئة. فِعْلٌ بمعنى مفعول من رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، وأنشد أبو عبيدة:
٤٢٥ - أَشَاقَتْكَ الظَّعَائِنُ يَوْمَ بَانُوا ... بِذِي الرِّئْيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثَاثِ (٢)
وليس المصدر، وإنما المصدر الرأي والرؤية.
و: (رِيًّا) بتشديد الياء من غير همز (٣)، وذلك يحتمل وجهين - إما أن
стр. 2424
يكون على القلب والإدغام، أو يكون من رَوِيَتْ ألوانهم وجلودهم رِيًّا، أي امتلأت وحسنت، ومنه قولهم: فلان ريَّانُ من النعيم.
و: (ريئًا) بهمزة بعد ياء ساكنة (١)، على القلب، مقلوب من فِعْلٍ إلى فِلْعٍ، كقولهم: راءَ في رأى (٢).
و: (رِيًا) بياء خفيفة من غير همز (٣)، وذلك يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون أصلها رِئْيًا، فخففت الهمزة على مذاق العربية بأن قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم حذفت إحدى الياءين, والأشبه أن تكون الثانية, لأنها بها وقع الاستثقال، ولأنها لام، وقد كثر حذف اللام في كلام القوم في نحو: مائة وفئة ورئة.
والثاني: أن يكون من أصلها رِيْئًا على القلب، ثم خففت الهمزة بأن ألقيت حركتها على الياء الساكنة قبلها، وحذفت كقولهم: الخَبُ، في الخَبْءِ، وأكلت طعامًا نيًا في تخفيفِ نيْءٍ وشبههما.
و: (زِيًّا) بالزاي وتشديد الياء (٤)، والزِّيُّ: اللباس والهيئة، وأصله زِوْيٌ، فِعْلٌ من زَوَيْتُ الشيء، أي جمعته, لأن المتزين يجمع ما يحسنه ويزينه، وفي الحديث: "زُويَتْ لي الأرضُ فأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا" (٥) أي: جُمعت، فقلبت الواو ياء وأدغمت، والمعنى: وكم أهلكنا قبل أهل مكة من
стр. 2425
قرن كفار كانوا في الدنيا أكثر نعمة وأوفى زينة، وأحسن منظرًا منهم، فلم ينفعهم ذلك عند الله، ولم يقربهم من رحمته، ولم يزحزحهم من عذابه، فليحذر هؤلاء أن يحل بهم ما حل بأولئك.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾:
قوله : ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ﴾ (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، جوابها ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾، وخبرها ﴿كَانَ﴾ وما اتصل بها، أو الجواب، واللفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: مَدّ له الرحمن، يعني: أمهله وأملى له في العمر، وإنما أُخرج على لفظ الأمر إيذانًا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ (حتى) هنا هي التي يُحكَى بعدها الجمل، وقد وقعت بعدها الجملة الشرطية كما ترى، وهي قوله: ﴿إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾، وليست متعلقة بفعل، أعني ﴿حَتَّى﴾.
وقوله: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ انتصبا على البدل من ﴿مَا﴾ من قوله: ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾.
وقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ (فسيعلمون) جواب ﴿إِذَا﴾، وفي ﴿مَنْ﴾ وجهان:
أحدهما: موصول منصوب المحل بقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ وصلته ﴿هُوَ شَرٌّ﴾.
والثاني: استفهام مرفوع الموضع على أنه مبتدأ خبره ﴿شَرٌّ﴾، و ﴿هُوَ﴾ فصل، أو الجملة وهي ﴿هُوَ شَرٌّ﴾، ومحل الجملة الكبرى النصب بقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾.
стр. 2426
وانتصاب قوله: ﴿مَكَانًا﴾ و ﴿جُنْدًا﴾ على التمييز.
وقوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ عطف على موضع ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لأنه واقع موقع الخبر، أي: فيمد له الرحمن ويزيد. و ﴿هُدًى﴾: مفعول ثان لقوله: ﴿وَيَزِيدُ﴾. وانتصاب قوله: ﴿ثَوَابًا﴾ و ﴿مَرَدًّا﴾ على التمييز، والمرد مصدر كالرَّدِّ.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾:
قوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين كقولك: أرأيت زيدًا ما فعل؟ ومفعولاه ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾، وقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فالموصول هو المفعول الأول، والاستفهام في موضع المفعول الثاني، و ﴿مَالًا﴾ مفعول ثان لقوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾.
وقوله: ﴿وَوَلَدًا﴾ قرئ: بفتح الواو واللام (١)، وهو واحد، ويكون واحدًا يراد به الجمع.
وقرئ: بضم الواو وإسكان اللام (٢)، وهو جمع وَلَد، كأُسْدٍ في أَسَدٍ، أو بمعنى الوَلَدِ (٣)، كالبُخْلِ والبَخَلِ، والعُجْمِ والعَجَمِ، وقد مضى الكلام عليهما في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا (٤).
стр. 2427
﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾:
قوله : ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر، أي: ليس الأمر على ما قال وزعم، ويجوز أن يكون بمعنى حقًا. وقوله: ﴿مَدًّا﴾ مصدر مؤكد، ومعنى قوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي: نزيده عذابًا فوق العذاب، من المدد، ومَدَّه وأمده بمعنى، تعضده قراءة من قرأ: (ونُمِدُّ له) بضم النون وهو علي بن أبي طالب ﵁ (١).
وقوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ ورث فعل يتعدى إلى مفعولين، يقال: وَرِثْتُهُ ماله، وَوَرِثْتُ منه ماله، ومفعولاه هنا ضمير المُدعي و ﴿مَا يَقُولُ﴾، أي: يرث منه ما يقول لي وهو المال والولد في قوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٢) بعد إهلاكنا له، فالضمير هو المفعول الأول، و ﴿مَا﴾ مع ما بعده هو الثاني (٣). والمعنى: نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة، ونعطيه من يستحقه (٤).
وقوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (فردًا) حال من المنوي في ﴿وَيَأْتِينَا﴾، وهي حال مقدرة.
وقوله: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ (العز) مصدر قولك: عَزَّ فلان يَعِزَّ عِزًّا، إذا
стр. 2428
صار عزيزًا، أي: قوي بعد ذلة، أي: ليتعززوا بآلهتهم، وذلك أنهم يرجون منها الشفاعة والنصرة والمنع من عذاب الله.
﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾:
قوله : ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الجمهور على ترك التنوين في ﴿كَلَّا﴾، على أنه حرف بمعنى الرَّدع والزجر، أو بمعنى حقًا (١)، وقرئ: (كَلًّا) بالتنوين مع فتح الكاف (٢)، وفيه ثلاثة أوجه - أحدها: مصدر كَلَّ، وهو منصوب بفعل مضمر، أي: كَلُّوا في دعواهم وانقطعوا كَلًّا. والثاني: هو بمعنى الثقل كقوله جل ذكره ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ (٣) منصوب بفعل مضمر أيضًا غير أنه مفعول به، أي: حملوا كلا: والثالث: هو كلّا الذي بمعنى الردع، غير أن الواقف عليه قلب ألفه نونًا، كما فعل في (سلاسلًا) و (قواريرًا) (٤).
وقرئ: (كُلًّا) بالتنوين مع ضم الكاف (٥)، وهو منصوب بفعل مضمر، أي: سيجحدون كُلًّا سيكفرون بعبادتهم، كما تقول: زيدًا مررت بغلامه، ولا يجوز أن يكون حالًا بمعنى سيكفرون جميعًا، كما زعم بعضهم (٦) , لأنه معرفة.
стр. 2429
وقوله: ﴿بِعِبَادَتِهِمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: المصدر مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف، والضمير في ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للعابدين، أي: سيكفر العابدون بعبادتهم الأصنام، بشهادة قوله عز وعلا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (١).
والثاني: مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، والضمير في ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للمعبودين، أي: سيجحد المعبودون عبادة المشركين إياهم، وينكرونها ويقولون: والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون، بدليل قوله سبحانه: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ الضد: يكون واحدًا وجمعه أضداد، ويكون واحدًا في معنى الجمع وهو المراد هنا، والمراد ضد العز وهو الذل، أي: يكونون عليهم ضدًا لما قصدوه وأرادوه، وأصل الضد في كلام القوم: المخالفة، يقال: فلان يُضادّ فلانًا، أي: يخالفه في صنيعه فيفسد عليه ما أمَّله.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾:
قوله : ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ في موضع الحال من الشياطين. ﴿أَزًّا﴾ مصدر مؤكد. والأَزّ: التهييج والإغرار، أي: تغريهم على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات، والأز، والهز، والاستفزاز نظائر في اللغة (٣) و ﴿عَدًّا﴾ مصدر مؤكد أيضًا.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾:
стр. 2430
قوله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (يوم) يجوز أن يكون ظرفًا لـ ﴿نَعُدُّ﴾ على أن يكون العدّ واقعًا في ذلك اليوم. وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ (١)، أي: لا يملكون الشفاعة في ذلك اليوم. وأن يكون ظرفًا لمضمر، أي: نفعل بالفريقين في ذلك اليوم كيت وكيْت. وأن يكون مفعولًا به على: اذكر ذلك اليوم (٢).
و﴿وَفْدًا﴾ هنا يجوز أن يكون مصدرًا، يقال: وفد فلان على السلطان، أي: ورد رسولًا، يفد وفدًا فهو وافد، وأن يكون جمع وافد كراكب وركب، وصاحب وصحب، وهو في كلا الوجهين في موضع الحال، أي وافدين، أو ذوي وفد، ومعناه: ركبانًا مكرمين، بشهادة ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: "أمَا واللهِ مَا يُحْشَرُونَ على أرجلهم، ولكنهم على نوقٍ لم يَرَ الخلائِقُ مثلها، عليها أرحلة الذهب، وأَزِمَّتُها الزبرجد، وعلى نجائبَ سروجُها ياقوتٌ" (٣).
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾:
قوله : ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (وردًا) مصدر قولك: ورد فلان الماء يَرِدُ وِرْدًا وورودًا، إذا أتاه عطشان, لأن من يَرِدِ الماء لا يرده إلا لعطش في الأمر العام، وحقيقة الورد: المسير إلى الماء، وهو في موضع الحال، أي: نسوقهم إليها عطاشًا، ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعل
стр. 2431
مضمر دل عليه سياق الكلام، كأنه قيل: ونسوق المجرمين إلى جهنم فيردونها وِردًا، والوِرد أيضًا الوُرَّادُ، وهم الذين يردون الماء، قال يصف قليبًا:
٤٢٦ - * يَطْمُو إِذَا الوِرْدُ عَلَيْهِ الْتَكّا (١) *
وكلاهما يحتمل هنا.
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾:
قوله : ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا والضمير فيه للخلق أجمعين، دل عليه ذكر الفريقين: المتقين والمجرمين، وأن يكون حالًا منهم، أي غير مالكين الشفاعة، ويجوز أن يكون [الضمير فيه للمتقين، وأن يكون] للمجرمين. وبجوز أن يكون علامة للجمع، كالتي في قولهم: أَكَلُونِي البَراغِيث (٢).
فإذا فهم هذا فقوله : ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ يجوز أن يكون محل ﴿مَنِ﴾ النصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل، أو على تقدير حذف المضاف، أي: إلا شفاعة من اتخذ فإنه مشفوع له، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
أو الرفع: إما على البدل من الضمير في ﴿يَمْلِكُونَ﴾، أو على الفاعلية على جعل الواو في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ علامة للجمع، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٣).
стр. 2432
والعهد: شهادة أن لا إله إلا الله، عن ابن عباس ﵄ (١). وقيل: العمل الصالح (٢). وقيل: حفظ كتب الله جل ذكره (٣). وقيل: غير ذلك.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾:
قوله : ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ (شيئًا) يجوز أن يكون مفعولًا به، وأن يكون مصدرًا واقعًا موقع (مجيئًا) (٤).
والجمهور على كسر همزة قوله: ﴿إِدًّا﴾ وهو العظيم الفظيع، وقرئ: (أَدًّا) بالفتح (٥)، وهو مصدر قولك: أَدَّتْ فلانًا داهيةٌ تَؤُدُّه أَدًّا، إذا أصابته وأهلكته، أي: شيئًا ذا أَدٍّ، أو جعله نفس الأَدِّ، وهو أبلغ.
وعن ابن خالويه: الإِدُّ والأَدُّ بالكسر والفتح: العَجَبُ (٦).
وقيل: الإِدُّ بالكسر مصدر قولك: أَدَّ الأمرُ يَئِدُّ إِدًّا، إذا عظم (٧)، والإِدُّ الأمر العظيم، وقد ذكر آنفًا.
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾:
قوله : ﴿تَكَادُ﴾ قرئ: بالتاء النقط من فوقه على تأنيث
стр. 2433
الجماعة، وبالياء: النقط من تحتها على تذكير الجمع (١).
وقوله: (يَنْفَطِرْنَ) بالنون وتخفيف الطاء (٢)، وهو مطاوع فطَره بالتخفيف إذا شقه. وقرئ: بالتاء وتشديد الطاء (٣)، وهو مطاوع فطّره - بالتشديد - إذا شقه أيضًا، غير أن التشديد يدل على التكثير وتكرير الفعل، والتخفيف يحتمل التكثير وغيره، والتشديد هنا أجود لما فيه من معنى المبالغة في الإخبار عن عظم كفرهم (٤).
وقوله: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ نصب قوله: ﴿هَدًّا﴾ على المصدر، وفعله مضمر على معنى: وتسقط الجال وتُهَدُّ هَدًّا. وقيل: هو في موضع الحال، أي: مهدودة. أو مفعول له، أي: لأنها تهد (٥).
ولا يجوز أن يكون فعله هذا الظاهر حملًا على المعنى؛ لأن الخرور والهد بمعنى كما زعم بعضهم (٦) , لأن الخرور لازم، والهد متعد (٧).
﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾:
قوله : ﴿أَنْ دَعَوْا﴾ فيه أوجه:
стр. 2434
أحدها: في موضع نصمب، وفيه وجهان - أحدهما: بنزع الجار وهو اللام، وإفضاء الفعل. والثاني: مفعول له.
والثاني: في موضع جر، وفيه وجهان - أحدهما: على البدل من الهاء في ﴿مِنْهُ﴾ وهي تعود إلى الشيء الإِدّ، أعني: الهاء في ﴿مِنْهُ﴾ وهو هو. والثاني: على إرادة الجار على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.
والثالث: في موضع رفع، وفيه وجهان أيضًا - أحدهما: خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هو أن دعوا للرحمن ولدًا، أو: الموجب لذلك دعاؤهم الولد للرحمن. والثاني: فاعل ﴿هَدًّا﴾، أي: هَدَّها دعاؤهم الولد للرحمن (١).
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾:
قوله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (إِنْ) بمعنى (ما)، و ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، خبره ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾.
و﴿آتِي﴾ اسم فاعل مضاف إلى المفعول به، وحذف التنوين منه تخفيفًا وعليه الجمهور، وقرئ: (آتٍ الرحمنَ) بالتنوين ونصب ما بعده (٢) على الأصل قبل الإضافة, لأنه مستقبل.
و﴿مَنْ﴾ المجرورة بإضافة كل إليها: يحتمل أن تكون موصولة و ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها (٣).
و﴿عَبْدًا﴾: نصب على الحال من المنوي في ﴿آتِي﴾.
стр. 2435
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾:
قوله : ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ الإحصاء: الحصر والضبط، و ﴿عَدًّا﴾: مصدر مؤكد، يعني: حصرهم بعلمه، وأحاط بهم، وعدهم عدًا، فلذلك أكده بالمصدر.
وقيل: إنما أكده, لأن المراد: عَلِمَ عددهم وأنفاسهم وحركاتهم (١).
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾:
قوله : ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ابتداء وخبر، وأفرد الخبر حملًا على لفظ المُخْبَرِ عنه، وهو (كل)، وجمعه جائز حملًا على معناه، وقد ورد بهما القرآن العزيز، فقال جل ذكره: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٢) فجمع كما ترى. و ﴿فَرْدًا﴾ نصب على الحال من المستكن في الخبر وهو ﴿آتِيهِ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾:
قوله : ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ الباء يجوز أن تكون من صلة ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾، وأن تكون في موضع الحال من الهاء في ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾ على معنى: أنزلناه بلغتك، وهو اللسان العربي المبين، ليسهل عليك الإبلاغ، والباء على الوجه الأول: بمعنى (على)، وعلى الثاني: على بابها (٣).
وقوله: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ اللُّدُّ: جمع ألد، كصُمٍّ في جمع أصم. والألد: الشديد الخصومة بالباطل، الآخذ في كل لديد، أي: في كل شق
стр. 2436
من المراء والجدال، والفعل منه لَدَّهُ يَلُدُّهُ، إذا خصمه لَدًّا، فهو لَادُّ وَلَدُودٌ، قال الراجز:
٤٢٧ - * أَلُدُّ أَقْرانَ الخُصُومِ اللدِّ (١) *
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾:
قوله : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾، وقد مضى الكلام عليها عند قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ بأشبع من هذا (٢).
وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (من) في ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ صله، أي: أحدًا. و ﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع الحال من ﴿أَحَدٍ﴾، وهو في الأصل صفة له.
والإحساس: الإدراك بالحاسة، والحَسُّ: القتل، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٣)، والاستفهام بمعنى النفي، أي: ما ترى أحدًا منهم, لأنهم أهلكوا جميعًا فلم يبق منهم أحد.
وقوله: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ والركز: الصوت الخفي، أي: أو هل تسمع لهم صوتًا خفيًا؟ .
هذا آخر إعراب سورة مريم ﵍
والحمد لله وحده (٤)
стр. 2437
إعراب سُورَةُ طَه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾:
قوله : ﴿طه﴾ يجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي: هذه طه، وأن تكون في موضع نصب على: اقرأ أو اتل ﴿طه﴾، هذا على قول من جعلها اسمًا للسورة (١).
وقيل: هو قَسم أقسم الله به (٢)، وهو اسم للقرآن جوابه ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾.
وقيل: معناه: يا رجل، أو يا فلان (٣)، فيكون منادى.
وقيل: إن (طا) أَمْرٌ مِنْ وَطِئَ يَطَأ، وهو فعل خففت همزته على مذاق العربية فقلبت ألفًا، و (ها) كناية عن الأرض، أي: طا الأرضَ بقدميك، لأنه ﷺ على ما فسر - كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأُمر أن يطأ
стр. 2438
الأرض بقدميه معًا (١).
وقرئ: (طَهْ) بسكون الهاء من غير ألف بعد الطاء (٢)، وفي الهاء ثلاثة أوجه: أن تكون بدلًا من الهمزة كما أبدلت في هياك وَهَرَقْتُ، والأصل: طأ. وأن تكون للسكت على أن يكون القلب في يطا، على قول من قال:
٤٢٨ - سَاْلَتْ هُذَيْلٌ. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . (٣)
ثم بنى عليه الأمر. وأن تكون كناية عن المكان، إلا أنه أسكن كما فعل في ﴿يُؤَدِّهِ﴾ (٤) وبابه، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ في نصب ﴿تَذْكِرَةً﴾ أوجه:
أحدها: نصب على الاستثناء المنقطع الذي ﴿إِلَّا﴾ فيه بمعنى (لكن) أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا، لكن أنزلناه تذكرة، أي: لتذكّر به من يخشى الله. وخص الخاشي لانتفاعه به.
والثاني: على المفعول له، على تقدير فعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا تذكرة، ولا يجوز حمله على الفعل الأول كما زعم بعضهم (٥) , لأنه قد أخذ مفعولًا له
стр. 2439
وهو ﴿لِتَشْقَى﴾، ولا يكون لفعل واحد مفعولان له. فإن قلت: مَن المُذَكِّرُ؟ قلت: أما على الوجه الأول: فيجوز أن يكون المُنْزِلُ جل ذكره والمُنْزَلُ عليه ﵊. وأما على الوجه الثاني: فيكون هو المُنْزِل ليس إلا، لأن من شرط المفعول له أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل، وأجاز بعض النحاة (١) أن يكون بدلًا من قوله: ﴿لِتَشْقَى﴾، وأبى ذلك الشيخ أبو علي لاختلاف الجنسين (٢).
والثالث: على المصدر، أي: أنزلناه لتذكر به تذكرة.
والرابع: على البدل من القرآن, لأنه هو.
وقيل: هو مصدر في موضع الحال (٣).
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى ولئلا تشقى (٤)، فاعرفه.
و﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾: من صلة ﴿تَذْكِرَةً﴾.
﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾:
قوله : ﴿تَنْزِيلًا﴾ يجوز أن يكون منصوبًا على المصدر، وهو مصدر مؤكد، أي: نزلناه تنزيلًا. وأن يكون بدلًا من قوله: ﴿تَذْكِرَةً﴾ على الأوجه المذكورة ما عدا المفعول له؛ لأن الشيء لا يُعَلَّلُ بنفسه. وأن يكون
стр. 2440
مفعولًا به للخاشي، على معنى: أنزلناه تذكرة لمن يخشى تنزيلًا. وأن يكون في موضع الحال من ﴿الْقُرْآنَ﴾، أي: منزلًا (١). وحُكِي فيه الرفع (٢) على إضمار هو.
وقوله: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾ يجوز أن يكون من صلته، وأن يكون من صفته فيتعلق بمحذوف.
و﴿الْعُلَى﴾: جمع العليا، كالصُّغر في جمع الصُّغْرَى، تأنيث الأعلى والأصغر.
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾:
قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ الجمهور على رفع ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وفيه أوجه - أن يكون مبتدأ وما بعده خبره. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الرحمن. وأن يكون بدلًا من المنوى في ﴿خَلَقَ﴾.
وقرئ: (الرحمنِ) مجرورًا (٣) على البدل مِن (مَن) (٤). وقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على هذه القراءة خبر مبتدأ محذوف، أي: هو على العرش استوى، وإن رفعت على إضمار مبتدإٍ، أو على البدل جاز أن يكون كذلك، وأن يكون خبرًا بعد خبر. و ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: من صلة ﴿اسْتَوَى﴾.
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿مَا﴾ رفع بالابتداء، و ﴿لَهُ﴾ خبره، أو بـ ﴿لَهُ﴾ على رأي أبي الحسن.
стр. 2441
وعن ابن عباس ﵄: الوقف على ﴿الْعَرْشِ﴾ (١)، فارتفاع ﴿مَا﴾ على قوله إن صح على الفاعلية بـ ﴿اسْتَوَى﴾ على معنى: تمَّ له واتسق ما فيهما وما بينهما و ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: وهو التراب الندي (٢).
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾:
قوله : ﴿وَأَخْفَى﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه اسم على أفعل بمعنى التفضيل، ومحله النصب عطفًا على ﴿السِّرَّ﴾، أي: يعلم السر، وهو ما أسررته في نفسك، ﴿وَأَخْفَى﴾ منه، وهو ما لم يكن ولم يسره أحد، فحذف منه للعلم به.
والثاني: هو فعل ماض، على معنى: أنه يعلم أسرار عباده، وأخفى عنهم ما يعلمه هو، كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٣) عن ابن زيد (٤)، والوجه هو الأول وعليه الجمهور (٥).
وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ابتداء وخبر، ولك أن تجعل اسم الله جل ذكره بدلًا من المنوي في ﴿يَعْلَمُ﴾، أو في ﴿وَأَخْفَى﴾ على قول ابن زيد، أو على إضمار (هو الله).
стр. 2442
وقوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الحسنى) تأنيث الأحسن وُصفت بها الأسماء, لأن حكمها حكم المؤنث، كقولك: الجماعة الحسنى، ونظيرها: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (١)، ومِنْ ﴿آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ (٢)، ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (٣) ونحو ذلك، والمراد بالأسماء الصفات, لأن كل واحد منها يدل على معنى هو صفة من صفاته.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾:
قوله : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ الاستفهام بمعنى التقرير، أي: قد أتاك، وقيل: هو بمعنى النفي (٤)، أي: لم يأتك، ثم أخبره به. فقال: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ و (إذ) يجوز أن يكون ظرفًا للحديث, لأنَّ معناه: قد أتاك صنيع موسى إذ قال، وأن يكون ظرفًا لمضمر دل عليه قوله: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾. وأن يكون مفعولًا به على معنى: اذكر إذ قال، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لـ ﴿أَتَاكَ﴾ كما زعم بعضهم, لأن الإتيان لم يكن في ذلك الوقت.
وقوله: ﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أي: أقيموا في مكانكم، والمكث: اللبث.
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ الإِيناس: إبصار الشيء الذي يُسكن إليه من بعيد. وقيل: هو الإبصار البيّن الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين - وهو المثال الذي يُرى في السواد - لأنه يتبين به الشيء، والإنس لظهورهم، كما قيل الجن لاستتارهم (٥).
стр. 2443
وقوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ (منها) يجوز أن يكون من صلة ﴿آتِيكُمْ﴾، وأن يكون في موضع الحال من (قبس) وهو في الأصل صفة له. و (القبس): الشعلة من النار في طرف عود أو فتيلة (١).
وقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ أي: قومًا ذوي هدى، يهدونني إلى الطريق, لأن النار لا تخلو من أَهْلٍ لها، وناسٍ عندها.
قيل: ومعنى الاستعلاء على النار: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في مررت يزيد: إنه لصوق بمكان يقرب من زيد، ولأن المصطلين بها والمستمتعين إذا تكنفوها قيامًا وقعودًا كانوا مشرفين عليها (٢).
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾:
قوله : ﴿نُودِيَ﴾ في القائم مقام الفاعل وجهان:
أحدهما: مضمر وهو موسى ﵇ لِجَرْيِ ذِكْرِهِ.
والثاني: هو المصدر، أي: نودي النداء، وقوله: ﴿يَامُوسَى﴾ كالمفسر له، ولا يجوز أن يكون قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ هو القائم مقام الفاعل أو ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ , لأنه جملة، والقائم مقام الفاعل كالفاعل، والفاعل لا يكون جملة.
وقوله: ﴿إِنِّي﴾ قرئ: بالكسر على إرادة القول، أي: نودي فقيل: يا موسى، أو لأنَّ النداء نوع من القول فجرى مجراه. وقرئ: بالفتح (٣)، على
стр. 2444
معنى: نودي بأنِّي، ونادى قد يوصل بحرف الجر، قال:
٤٢٩ - نَادَيْتُ باسْمِ رَبِيعَةَ بنِ مُكَدّمٍ ... . . . . . . . . . . . . (١)
وقوله: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ (أنا) يجوز أن يكون فصلًا، وأن يكون مبتدأ، وأن يكون توكيدًا لاسم (إنَّ) وهو الياء، وهو الوجه لما فيه من تحقيق المعرفة وإماطة الشبهة، على ما روي: أنه نودي يا موسى، قال: من المتكلم؟ فقال عز من قائل: (أنا ربك) فوسوس إليه إبليس: لعلك تسمع كلام شيطان، فقال: أنا عرفت أنه كلام الله، بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي (٢).
وقوله : ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ قرئ: (طُوى) بضم الطاء منونًا وغير منون (٣)، وبكسرها مصروفًا وغير مصروف (٤) وهو اسم علم للوادي، وضم الطاء وكسرها لغتان (٥)، فالضم كحُطَمٍ وَصُرَدٍ، والكسر كضِلعٍ ومِعىً في الأسماء، وسِوىً وعِدىً في الصفات.
فإذا فهم هذا، فمن نونه جعله اسمًا للوادي وهو بدل منه، ولك أن
стр. 2445
ترفعه على إضمار هو، ومن لم ينونه جعله اسمًا لبقعة أو أرض، وهو مذكر، فهو بمنزلة امرأة سميتها بحجر.
وقيل: هو معدول كعمر، وإن لم يعرف لفظ المعدول عنه، فكأن أصله طاوٍ، ألا ترى أن جُمَع وكُتَع معدولتان وإن لم يستعمل لفظ المعدول عنهما (١).
وقيل: طُوى مصدر كهدىً، من قولك: طَوَيْتُ المكان طُوىً، على معنى: أن موسى ﵇ طواه بالليل إذ مر به، كأنه قيل: إنك بالوادي الذي طويته طوى، على معنى: تجاوزته فطويته بسيرك، فهو مصدر سمي به، أي: مطوي (٢).
وقيل: هو مصدر سمي به على معنى أنه مطوي على البركة (٣).
وقيل: معناه مرتين، كأن موسى ﵇ نودي مرتين نداءين (٤).
وقيل: قدس مرتين (٥)، يعني الوادي، أي: طهر، وأنشد:
٤٣٠ - أَعَاذِلَ إنَّ اللوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ ... عَلَيَّ طِوًى مِنْ غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ (٦)
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
стр. 2446
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾:
قوله : ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ أي: اصطفيتك للنبوة، وقرئ: (وَأَنَّا اخْتَرْنَاكَ) (١) على الجمع لمعنى التعظيم والإشادة، وهو عطف [على] (أني)، أي: نودي بأني أنا ربك وبأنا اخترناك. وقيل: هو من صلة ﴿فَاسْتَمِعْ﴾، أي: ولأنَّا اخترناك فاستمع (٢)، كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٤) على مذهب الخليل ﵀ (٥). و (ما) في ﴿لِمَا يُوحَى﴾ موصولة، أي: للذي يوحى، أو مصدرية، أي: للوحي. وهي من صلة ﴿فَاسْتَمِعْ﴾ أو من صلة (اخترناك) أعني: اللام.
وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ اللام من صلة ﴿وَأَقِمِ﴾ والمصدر الذي هو الذكر يجوز أن يكون مضافًا إلى المفعول، أي: أقمها لتذكرني فيها, لأن الصلاة مشتملة على الأذكار، وأن يكون مضافًا إلى الفاعل، أي: لذكري إياك بالمدح والثناء، أو لذكري إيَّاها, لأنِّي ذكرتها في الكتب وأمرت بإقامتها وبالمواظبة عليها. وقيل: ﴿لِذِكْرِي﴾ بدل من قوله: ﴿لِمَا يُوحَى﴾ أي: فاستمع لذكري، ثم قال: وأقم الصلاة.
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال الأصمعي: خَفَيْتُ الشيءَ أَخفيه خَفْيًا: كتمته، وخفيته أيضًا: أظهرته، وهو من
стр. 2447
الأضداد (١). وأبو عبيدة مثله (٢). والإخفاء مثله (٣). فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿أُخْفِيهَا﴾، الجمهور على ضم الهمزة، وفيه وجهان:
أحدهما: أسترها، وعلم الساعة مستور عن الخلائق. واختلف في تقديره ومعناه، فقيل: أكاد أُخفيها فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفاءها (٤)، كقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (٥). وقيل: أكاد أخفيها من نفسي، فكيف أظهرها عليكم؟ وكذا هي في بعض المصاحف (٦)، وهذا مبالغة في كتمان الشيء، تقول العرب: كتمت هذا الشيء حتى من نفسي، أي: لم أُطلع عليه أحدًا، ومعنى الآية: أن الله تعالى بالغَ في إخفاء الساعة فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب، والنكتة في إخفائها: التهويل والتخويف, لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة، كانوا على حذر منها كل حين وأوان.
والثاني: أظهرها، وأُنشد لامرئ القيس:
٤٣١ - فَإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لَا نُخْفِهِ ... وَإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لَا تَقْعُدِ (٧)
بضم النون من (نُخفه) عن أبي عبيدة (٨)، قال: أنشدنيه أبو
стр. 2448
الخطاب (١)، أي: إنْ تدفنوا الداء لا نظهره. وأنشده الفراء بفتح النون (٢).
وقرئ: (أَخفيها) بفتحها (٣)، وفيه الوجهان.
أبو علي: الهمزة للسلب، أي: أكاد أسلب خفاءها، أي غطاءها، والخفاء ما تُلَفُّ فيه القِربة، ومثله: أشكيت الرجل، إذا أزلت عنه ما يشكوه (٤).
و(كاد) هنا على بابها، وقيل: هي هنا بمعنى أريده (٥). وقيل: مزيدة (٦). والوجه ما ذكرت وعليه الجمهور.
وقوله: ﴿لِتُجْزَى﴾ فيه وجهان:
أحدهما: من صلة الإتيان، والتقدير: إن الساعة آتية لتجزى كل نفس بسعيها، أو بالذي تسعى فيه ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
والثاني: من صلة الإخفاء، أو الخفي، على قول من جعله بمعنى الإظهار, لأنها إذا لم تظهر لم يكن هناك جزاء، وإنَّما الجزاء مع ظهورها، وعن أبي حاتم: لفظه لفظ كي، وتقديره القسم، أي: لَتُجْزَيَنَّ (٧).
стр. 2449
وقوله: ﴿فَتَرْدَى﴾ فيه وجهان، أحدهما: منصوب على جواب النهي بالفاء (١). والثاني: مرفوع على تقدير: فإذا أنت تردى، والردى: الهلاك.
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾:
قوله : ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ (ما) استفهام بمعنى التقدير والتنبيه على المعجزة، وموضعه رفع بالابتداء، و ﴿تِلْكَ﴾ خبره، وهي موصولة عند أبي إسحاق (٢). وقوله: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ صلة لها، أي: ما التي استقرت بيمينك؟ وعند غيره: بمعنى هذه (٣)، و ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال، والعامل فيها معنى التنبيه أو الإشارة، كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (٤) أي: وما تلك ثابتة أو مستقرة بيمنك.
وقوله: ﴿عَصَايَ﴾ الجمهور على إثبات الألف وفتح الياء وهو الوجه، وقرئ: (عصايِ) بكسر الياء (٥)، والقول فيها كالقول في قوله: (بمصرخيّ) على قراءة حمزة (٦).
وقرئ: (عَصَيَّ) (٧) على لغة هذيل، وقد مضى الكلام عليها في البقرة عند قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ بأشبع ما يكون (٨).
стр. 2450
وقوله: ﴿أَتَوَكَّأُ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا بعد خبر. وقيل: في موضع الحال من الياء أو من العصا (١)، وليس بالمتين لعدم العامل إلا على تأويل وتعسف. والمعنى: أعتمد عليها إذا مشيت، أو وقفت على رأس القطيع. والتَّوَكُؤ على العصا: التحامل عليها عند المشي وعند الوثبة.
وقوله: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ الجمهور على ضم الهاء مع شين معجمة على معنى: أخبط بها الورق على رؤوس غنمي لتأكله، يقال: هش الورق يهشه هَشًّا، إذا خبطه بعصا ليتحاتَّ. قال الراجز:
٤٣٢ - أَهُشُّ بالعَصَا عَلَى أَغْنَامِي ... مِنْ نَاعِمِ الأَرَاكِ والبَشَامِ (٢)
وقرئ: (أَهِشُّ) بكسر الهاء والشين معجمة بحالها (٣). قيل: هما لغتان بمعنى، جيء به على فَعَلَ يَفْعِلُ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر وإن كان مضاعفًا ومتعديًا، وله نظائر في اللغة نحو: هَرَّ الشيء يَهِرُّه ويَهُرُّه، إذا كرهه. وشَدَّ الحبل يَشدُّه وَيَشِدُّه. وتَمَّ الحديث يَتُمُّه ويَتِمُّه، وفي أحرف سوى هذه، فلذلك يكون أهِش بكسر الهاء بمعنى أهُش بضمها, وليس قول من قال: معناه: أكسر بها على غنمي عادِيَتَها، من قولك: هششت الخبزَ، إذا كسرته بعد يبس (٤) بمستقيم, لأنه لا يقال: هششت الخبز، إنما يقال: هش الخيز يَهِشُّ هَشًّا، إذا كان يتكسر لهشاشته. ولم يذكر أحد من أهل اللغة فيما اطلعت عليه تعدية الهش، فاعرفه.
стр. 2451
وقرئ: (أَهُسُّ) بضم الهاء وبالسين مهملة (١)، على معنى: أسوق بها على غنمي. يقال: رجل هَسَّاسٌ، أي: سَوَّاقٌ، قاله أبو الفتح، ثم قال: فإن قلت: فكيف قال: (أهس بها على غنمي)؟ وهلا قال: أهس بها غنمي، كقولك: أسوق بها غنمي. قيل: لما دخل السَّوقُ معنى الانتحاء والميل استعمل معها (على) حملًا على المعنى، انتهى كلامه (٢).
وقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ المآرب: جمع مأربة بالحركات الثلاث في الراء، وهي الحاجة، ووحد ﴿أُخْرَى﴾ على تأنيث الجماعة، لأن مآرب في معنى جماعة، وقد ذكر عند قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣) والمعنى: ولي فيها حاجات أخر سوى التوكؤ والهش.
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (إذا) للمفاجأة مكانية، و ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، و ﴿حَيَّةٌ﴾ خبره، و ﴿تَسْعَى﴾ صفة لحية، أو خبر بعد خبر، لا حال كما زعم بعضهم (٤). والسعي: الإسراع في المشي.
﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾:
قوله : ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ والسِّيرة من السير، كالرِّكْبة من الركوب، يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقل إلى معنى المذهب والطريقة. وقيل: سِيَرُ الأولين (٥). فإذا فهم هذا فقوله : ﴿سِيرَتَهَا﴾، في إعرابها أوجه:
أحدها: بدل من الضمير في ﴿سَنُعِيدُهَا﴾، وهو بدل الاشتمال.
стр. 2452
والثاني: مفعول ثان، على تقدير حذف حرف الجر وإفضاء الفعل إليه، وأعاد على هذا منقول من عاده بمعنى: عاد إليه، فيتعدى إلى مفعولين، أي: سنعيدها إلى سيرتها الأولى، أي: سنعيدها عصًا كما كانت.
والثالث: ظرف، أي: سنعيدها إلى طريقتها الأولى، أي: في حال ما كانت عصا.
والرابع: نصب بفعل مضمر، أي: تسير سيرتها الأولى، فيكون قوله: ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ مستقلًا بنفسه غير متعلق بسيرتها، بمعنى: أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا، ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد الذهاب كما أنشأناها أولًا، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا (١).
ويجب على هذا أن يوقف على ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ وقفة خفيفة لئلا يظن ظان أن السيرة متعلقة بما قبلها.
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾:
قوله : ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ انتصاب قوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ على الحال من المنوي في ﴿تَخْرُجْ﴾ الراجع إلى اليد. و ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ يجوز أن يكون حالًا أخرى، إما من المستكن في ﴿تَخْرُجْ﴾ على قول من جوز حالين من ذي حال واحد، أو من المستتر في ﴿بَيْضَاءَ﴾. وأن يكون صفة لبيضاء. وأن يكون صلة لها، كقولك: ابيضت من غير سوء، أو لقوله: ﴿تَخْرُجْ﴾.
وقوله: ﴿آيَةً﴾ حال أخرى، إما من المضمر في تخرج، أو من الضمير في ﴿بَيْضَاءَ﴾، أو من المستتر في ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ إن جعلته حالًا أو
стр. 2453
صفة. وقد جوز أن تكون منصوبة بإضمار فعل، أي: آتيناك آية أخرى.
وبهذا المحذوف يتعلق قوله: ﴿لِنُرِيَكَ﴾، ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿وَاضْمُمْ﴾ أو بمحذوف آخر، أي: لنريك من آياتنا الكبرى فَعَلْنا ذلك. فإن قلت: هل يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿تَخْرُجْ﴾؟ قلت: لا يبعد ذلك، وهو وجه حسن، ولا يجوز أن يتعلق بنفس ﴿آيَةً﴾، لأنها قد وصفت بقوله: ﴿أُخْرَى﴾.
وقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ (الكبرى): يجوز أن تكون مفعولًا ثانيًا للإراءة و ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ حال منها، أي: لنريك الآية الكبرى كائنة من آياتنا، ويجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿لِنُرِيَكَ﴾، أعني ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾. وأن تكون صفة للآيات، وإنما أفردت لتأنيث الجماعة (١) حملًا على اللفظ، لأن لفظها مفرد ومعناها الجمع، كقوم ورهط، أعني لفظ الجماعة.
فإن قلت: لم عدل من الكُبَرِ إلى الكبرى؟ قلت: لأجل تشاكِل رؤوس الآي. وكذلك القول في قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ و ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٢).
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾:
قوله : ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ يجوز أن يكون قوله: ﴿مِنْ لِسَانِي﴾ من صلة قوله: ﴿وَاحْلُلْ﴾، وأَنْ يكون في موضع الصفة للعقدة، أي: عقدة كائنة من عقد اللسان.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾
стр. 2454
قوله : ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ اختلف في مفعولي الجعل هنا، فقيل: هما ﴿وَزِيرًا﴾ و ﴿هَارُونَ﴾ قدم ثانيهما وهو ﴿وَزِيرًا﴾ على أولهما وهو ﴿هَارُونَ﴾ عناية بأمر الوزارة، و ﴿أَخِي﴾ على هذا بدل من ﴿هَارُونَ﴾ أو عطف بيان له. و ﴿لِي﴾: من صلة ﴿وَاجْعَلْ﴾ أو حال من ﴿وَزِيرًا﴾ وهو في الأصل صفة له، فلما قدم نصب على الحال، والتقدير: واجعل لي هارون أخي وزيرًا.
وقيل: هما ﴿لِي﴾ و ﴿وَزِيرًا﴾، فـ ﴿وَزِيرًا﴾ الأول و ﴿لِي﴾ الثاني، و ﴿هَارُونَ﴾ على هذا بدل من ﴿وَزِيرًا﴾ أو عطف بيان له، و ﴿أَخِي﴾ بدل من ﴿هَارُونَ﴾ أو عطف بيان له، أو للوزير.
أو هما: ﴿وَزِيرًا﴾ و ﴿مِنْ أَهْلِي﴾، و ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ على ما ذكر آنفًا فاعرفه (١).
والواو في الوزير أصل، لأنه إما من الوَزَرِ، وهو الجبل الذي يُلجأ إليه ويُمتنع به، لأن المَلِكَ يعتصم برأيه ويعتمد عليه في أموره. أو من الوِزْرِ وهو الثِّقْلُ، لأنه يحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، والواو فيهما أصل كما ترى.
وعن الأصمعي: هو من الموازرة، وهي المعاونة، قال: وكان القياس أزيرًا، فقلبت الهمزة إلى الواو (٢)، قيل: ووجه قلبها أن فعيلًا جاء في معنى مفاعل مجيئًا صالحًا، كقولهم: عشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه، وحَمْلُ الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظرًا إلى يُوَازِرُ وأخواته وإلى الموازرة (٣).
فإن قلت: لم قلت: إن الواو في الموازرة منقلبة عن الهمزة؟ قلت:
стр. 2455
لأنَّ العرب تقول: آزرت فلانًا، أي: عاونته، بالهمز. وأما وازرته، فليس من كلام العرب، وإنما هو شيء تقوله العامة. كذا ذكره الجوهري، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ﴾ قرئ: بوصل الألف في (اشدد) وبفتح الألف في (وأَشركه) (٢) على الدعاء عطفًا على قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، فكما أن ذلك دعاء، فكذلك ما عطف عليه، والألف الأولى ألفُ وصلٍ، لأنه من شَدَّ يَشُدُّ، والثانية ألف قطع، لأنه من أَشْرَكَ يُشْرِكُ.
وقرئ: (أَشددْ) بقطع الألف وفتحها، و (أُشركْه) بضم الألف (٣)، والألف ألف المُخْبِرِ عن نفسه فيهما وهو موسى ﵇، غير أن (أَشدد) من الثلاثي ففتح لذلك، و (أُشركه) من الرباعي فضم لذلك، وجُزِما على الجواب على معنى: اجعل لي وزيرًا من أهلي فإنك إن فعلت ذلك (أَشددْ به أزري. وأُشركْه في أمري) والأزر: القوة، وآزره: قوّاه.
وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ أي: تسبيحًا كثيرًا وذكرًا كثيرًا، فحذف الموصوف وهو المصدر، وأقيمت الصفة مقامه. وأجاز أبو جعفر أن يكون التقدير: وقتًا كثيرًا (٤).
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾:
قوله : ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ سُؤْلٌ: فُعْلٌ بمعنى مفعول، كَخُبْزٍ وأُكْلٍ بمعنى: مخبوز ومأكول؛ وسؤل الشخص: أمنيته وطَلِبته (٥).