وقرئ: (أَهُسُّ) بضم الهاء وبالسين مهملة (١)، على معنى: أسوق بها على غنمي. يقال: رجل هَسَّاسٌ، أي: سَوَّاقٌ، قاله أبو الفتح، ثم قال: فإن قلت: فكيف قال: (أهس بها على غنمي)؟ وهلا قال: أهس بها غنمي، كقولك: أسوق بها غنمي. قيل: لما دخل السَّوقُ معنى الانتحاء والميل استعمل معها (على) حملًا على المعنى، انتهى كلامه (٢).
وقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ المآرب: جمع مأربة بالحركات الثلاث في الراء، وهي الحاجة، ووحد ﴿أُخْرَى﴾ على تأنيث الجماعة، لأن مآرب في معنى جماعة، وقد ذكر عند قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣) والمعنى: ولي فيها حاجات أخر سوى التوكؤ والهش.
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (إذا) للمفاجأة مكانية، و ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، و ﴿حَيَّةٌ﴾ خبره، و ﴿تَسْعَى﴾ صفة لحية، أو خبر بعد خبر، لا حال كما زعم بعضهم (٤). والسعي: الإسراع في المشي.
﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾:
قوله : ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ والسِّيرة من السير، كالرِّكْبة من الركوب، يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقل إلى معنى المذهب والطريقة. وقيل: سِيَرُ الأولين (٥). فإذا فهم هذا فقوله : ﴿سِيرَتَهَا﴾، في إعرابها أوجه:
أحدها: بدل من الضمير في ﴿سَنُعِيدُهَا﴾، وهو بدل الاشتمال.
стр. 2452
والثاني: مفعول ثان، على تقدير حذف حرف الجر وإفضاء الفعل إليه، وأعاد على هذا منقول من عاده بمعنى: عاد إليه، فيتعدى إلى مفعولين، أي: سنعيدها إلى سيرتها الأولى، أي: سنعيدها عصًا كما كانت.
والثالث: ظرف، أي: سنعيدها إلى طريقتها الأولى، أي: في حال ما كانت عصا.
والرابع: نصب بفعل مضمر، أي: تسير سيرتها الأولى، فيكون قوله: ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ مستقلًا بنفسه غير متعلق بسيرتها، بمعنى: أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا، ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد الذهاب كما أنشأناها أولًا، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا (١).
ويجب على هذا أن يوقف على ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ وقفة خفيفة لئلا يظن ظان أن السيرة متعلقة بما قبلها.
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾:
قوله : ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ انتصاب قوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ على الحال من المنوي في ﴿تَخْرُجْ﴾ الراجع إلى اليد. و ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ يجوز أن يكون حالًا أخرى، إما من المستكن في ﴿تَخْرُجْ﴾ على قول من جوز حالين من ذي حال واحد، أو من المستتر في ﴿بَيْضَاءَ﴾. وأن يكون صفة لبيضاء. وأن يكون صلة لها، كقولك: ابيضت من غير سوء، أو لقوله: ﴿تَخْرُجْ﴾.
وقوله: ﴿آيَةً﴾ حال أخرى، إما من المضمر في تخرج، أو من الضمير في ﴿بَيْضَاءَ﴾، أو من المستتر في ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ إن جعلته حالًا أو
стр. 2453
صفة. وقد جوز أن تكون منصوبة بإضمار فعل، أي: آتيناك آية أخرى.
وبهذا المحذوف يتعلق قوله: ﴿لِنُرِيَكَ﴾، ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿وَاضْمُمْ﴾ أو بمحذوف آخر، أي: لنريك من آياتنا الكبرى فَعَلْنا ذلك. فإن قلت: هل يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿تَخْرُجْ﴾؟ قلت: لا يبعد ذلك، وهو وجه حسن، ولا يجوز أن يتعلق بنفس ﴿آيَةً﴾، لأنها قد وصفت بقوله: ﴿أُخْرَى﴾.
وقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ (الكبرى): يجوز أن تكون مفعولًا ثانيًا للإراءة و ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ حال منها، أي: لنريك الآية الكبرى كائنة من آياتنا، ويجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿لِنُرِيَكَ﴾، أعني ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾. وأن تكون صفة للآيات، وإنما أفردت لتأنيث الجماعة (١) حملًا على اللفظ، لأن لفظها مفرد ومعناها الجمع، كقوم ورهط، أعني لفظ الجماعة.
فإن قلت: لم عدل من الكُبَرِ إلى الكبرى؟ قلت: لأجل تشاكِل رؤوس الآي. وكذلك القول في قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ و ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٢).
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾:
قوله : ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ يجوز أن يكون قوله: ﴿مِنْ لِسَانِي﴾ من صلة قوله: ﴿وَاحْلُلْ﴾، وأَنْ يكون في موضع الصفة للعقدة، أي: عقدة كائنة من عقد اللسان.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾
стр. 2454
قوله : ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ اختلف في مفعولي الجعل هنا، فقيل: هما ﴿وَزِيرًا﴾ و ﴿هَارُونَ﴾ قدم ثانيهما وهو ﴿وَزِيرًا﴾ على أولهما وهو ﴿هَارُونَ﴾ عناية بأمر الوزارة، و ﴿أَخِي﴾ على هذا بدل من ﴿هَارُونَ﴾ أو عطف بيان له. و ﴿لِي﴾: من صلة ﴿وَاجْعَلْ﴾ أو حال من ﴿وَزِيرًا﴾ وهو في الأصل صفة له، فلما قدم نصب على الحال، والتقدير: واجعل لي هارون أخي وزيرًا.
وقيل: هما ﴿لِي﴾ و ﴿وَزِيرًا﴾، فـ ﴿وَزِيرًا﴾ الأول و ﴿لِي﴾ الثاني، و ﴿هَارُونَ﴾ على هذا بدل من ﴿وَزِيرًا﴾ أو عطف بيان له، و ﴿أَخِي﴾ بدل من ﴿هَارُونَ﴾ أو عطف بيان له، أو للوزير.
أو هما: ﴿وَزِيرًا﴾ و ﴿مِنْ أَهْلِي﴾، و ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ على ما ذكر آنفًا فاعرفه (١).
والواو في الوزير أصل، لأنه إما من الوَزَرِ، وهو الجبل الذي يُلجأ إليه ويُمتنع به، لأن المَلِكَ يعتصم برأيه ويعتمد عليه في أموره. أو من الوِزْرِ وهو الثِّقْلُ، لأنه يحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، والواو فيهما أصل كما ترى.
وعن الأصمعي: هو من الموازرة، وهي المعاونة، قال: وكان القياس أزيرًا، فقلبت الهمزة إلى الواو (٢)، قيل: ووجه قلبها أن فعيلًا جاء في معنى مفاعل مجيئًا صالحًا، كقولهم: عشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه، وحَمْلُ الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظرًا إلى يُوَازِرُ وأخواته وإلى الموازرة (٣).
فإن قلت: لم قلت: إن الواو في الموازرة منقلبة عن الهمزة؟ قلت:
стр. 2455
لأنَّ العرب تقول: آزرت فلانًا، أي: عاونته، بالهمز. وأما وازرته، فليس من كلام العرب، وإنما هو شيء تقوله العامة. كذا ذكره الجوهري، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ﴾ قرئ: بوصل الألف في (اشدد) وبفتح الألف في (وأَشركه) (٢) على الدعاء عطفًا على قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، فكما أن ذلك دعاء، فكذلك ما عطف عليه، والألف الأولى ألفُ وصلٍ، لأنه من شَدَّ يَشُدُّ، والثانية ألف قطع، لأنه من أَشْرَكَ يُشْرِكُ.
وقرئ: (أَشددْ) بقطع الألف وفتحها، و (أُشركْه) بضم الألف (٣)، والألف ألف المُخْبِرِ عن نفسه فيهما وهو موسى ﵇، غير أن (أَشدد) من الثلاثي ففتح لذلك، و (أُشركه) من الرباعي فضم لذلك، وجُزِما على الجواب على معنى: اجعل لي وزيرًا من أهلي فإنك إن فعلت ذلك (أَشددْ به أزري. وأُشركْه في أمري) والأزر: القوة، وآزره: قوّاه.
وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ أي: تسبيحًا كثيرًا وذكرًا كثيرًا، فحذف الموصوف وهو المصدر، وأقيمت الصفة مقامه. وأجاز أبو جعفر أن يكون التقدير: وقتًا كثيرًا (٤).
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾:
قوله : ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ سُؤْلٌ: فُعْلٌ بمعنى مفعول، كَخُبْزٍ وأُكْلٍ بمعنى: مخبوز ومأكول؛ وسؤل الشخص: أمنيته وطَلِبته (٥).
стр. 2456
وقوله: ﴿مَرَّةً أُخْرَى﴾ انتصابها إمَّا على المصدر، أي: مِنَّة أخرى، بمعنى: كَرَّة أخرى، وإما على الظرف، وهي من مرور الزمان، أي: في زمان آخر قد مر قبل ذلك، وقد فسر المرة بقوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا. .﴾ الآية، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿مَنَنَّا﴾ على الوجه الأول، وهو نصبك ﴿مَرَّةً﴾ على المصدر، وعلى الثاني: بدل منها.
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾:
قوله : ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ (أن) هنا يحتمل أن تكون هي المفسرة بمعنى (أي)، لأنّ الوحي بمعنى القول أو نوع منه، وأن تكون مصدرية في موضع نصب على البدل من ﴿مَا﴾. أو رفع على تأويل هو. والقذف: الإلقاء والرمي.
وقوله: ﴿عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ اللام فيهما من صلة ﴿عَدُوٌّ﴾ أي: مُعادٍ لي ومُعادٍ له.
وقوله: ﴿مِنِّي﴾ يجوز أن يكون من صلة الإلقاء على معنى: أحبَبْتُكَ، لقول العرب: ألقى عليه رحمته، إذا أحبه وأشفق عليه. وأن يكون صفة لـ ﴿مَحَبَّةً﴾، أي: محبة حاصلة، أو واقعة مني (١).
وقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ الجمهور على كسر اللام وضم التاء وفتح العين، وهو عطف على علة مضمرة، والتقدير: وألقيت عليك محبة مني لِتُحَبَّ ولتصنعَ على عيني. أو: ولتصنع على عيني فعلت ذلك، أو ألقيته عليك.
وقيل: الواو صلة، واللام من صلة (ألقيت) على هذا، والوجه ما ذُكِرَ
стр. 2457
سابقًا، والمعنى: ولتربى وتغذى بمرأى مني لا أَكِلُكَ إلى غيري.
والصنع: تربية الشيء وحسن القيام عليه، يقال: صنع فلان ولده، إذا رباه. وصنع فرسه، إذا دام على علفه والقيام عليه.
وقرئ: (ولْتُصْنَعْ) بكسر اللام وسكونها والجزم (١)، على أنه أمر للغائب لا للمخاطب، كقولك: لِتُعْنَ بحاجتي ولْتُوضعْ في تجارتك، لأن العاني بها والواضع فيها غيرهما وهما المخاطبان، فكذلك هنا ظاهر الأمر للمخاطب والمراد به الغائب، والأصل: وليصنعك غيرك ثم ولتصنع.
وقرئ: (وَلِتَصْنَعَ) بكسر اللام وفتح التاء والعين (٢)، على معنى: وليكون عملك وتصرفك بمرأى مني.
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾:
قوله : ﴿إِذْ تَمْشِي﴾ (إذ) معمول أحد الفعلين وهما (ألقيت) و (لتصنع). وقد جوز أن يكون بدلًا من ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا﴾ (٣)، لأَنَّ مشي أخته كان مِنَّةً عليه (٤).
قيل: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ فالجواب: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل:
стр. 2458
لقيت فلانًا سَنَةَ كذا، فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك، وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ عطف على ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾.
وقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [انتصاب قوله: ﴿فُتُونًا﴾] (٢) على المصدر وهو مؤكد كضربت ضربًا، ونظيره من المصادر التي جاءت على فعول من المتعدي: الشُّكُورُ والكُفُورُ والمُخُورُ والرُّقُوبُ (٣)، والمعنى: اختبرناك اختبارًا. وقد جوز أن يكون من باب الأشغال والحلوم على معنى: وفتناك بأنواع من الفتون، فيكون جمع فَتْنٍ أو فِتْنَةٍ على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كبدور في جمع بدرة، ويكون على نزع الخافض فاعرفه.
وقوله: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ انتصاب ﴿سِنِينَ﴾ على الظرف.
وقوله: ﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ في موضع نصب على الحال من التاء في ﴿جِئْتَ﴾، أي: جئت موافقًا لما قُدِّر لك، أو للوقت الذي قدر لك.
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ الجمهور على فتح حرف المضارعة، وقرئ: (ولا تِنِيَا) بكسرها (٤) للإتباع. والوني، والفتور، والتقصير، والضعف، والكلال، والإعياء نظائر في اللغة، يقال: ونى ينى وَنْيًا وَوُنِيًّا، إذا ضعف وفتر، فهو وانٍ، وأنشد:
стр. 2459
٤٣٣ - فَمَا وَنَى مُحَمَّدٌ مُذْ أَنْ غَفَرْ ... لَهُ الإِلَهُ مَا مَضَى وَمَا غَبَرْ (١)
وقوله: ﴿فِي ذِكْرِي﴾ أي: في تبليغ ذكري.
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾:
قوله : ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المصدر و ﴿لَيِّنًا﴾ صفته. والجمهور على تشديد الياء، وقرئ: (لَيْنًا) بالتخفيف (٢) وهو ظاهر.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ قال صاحب الكتاب ﵀: المعنى اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم (٣). وعن الفراء: (لعل) هنا بمعنى (كي) (٤). وقيل: بمعنى الاستفهام على: فقولا له قولًا لينًا وانظرا هل يتذكر أو يخشى (٥)؟ والتذكر: الاتعاظ، والتذكير: الوعظ، يقال: ذكّره تذكيرًا، إذا وعظه.
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾:
قوله : ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ الجمهور على فتح الياء وضم الراء، وفي فاعل الفعل وجهان:
стр. 2460
أحدهما: فرعون، على معنى: إنما نخاف أن يفرط علينا فرعون، أي: يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها، يقال: فَرَط علينا فلان، إذا عجل بمكروهه، وفرط منه أمر، أي: بدر، وأصل الفَرْط: السبق والتقدم، ومنه الفارط، وهو المتقدم أمام القوم إلى الماء، ومنه قوله ﵊: "أنا فرطكم على الحوض" (١).
والثاني: مضمر تقديره: إنَّا نخاف أن يفرط علينا منه قول أو أمر، فأضمر لدلالة الحال عليه.
وقرئ: (أَنْ يُفْرَطَ) بعكس قراءة الجمهور (٢)، من أَفْرَطَهُ غيره، إذا حمله على العجلة، أي يُحْمَلُ على العجلة، والمعنى: نخاف أن يحمله حامل على السرعة علينا بما لا يليق بنا من عقاب وعذاب، والحامل على ذلك إما شيطان أو طغيان.
وقوله: ﴿مَعَكُمَا أَسْمَعُ﴾ يجوز أن يكون ﴿مَعَكُمَا﴾ خبر إنَّ، أي: إنَّني حاضر معكما. و ﴿أَسْمَعُ﴾ إما خبر بعد خبر، أو حال من المنوي في الخبر. وأن يكون ظرفًا لأسمع، و ﴿أَسْمَعُ﴾ هو الخبر.
﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾:
قوله : ﴿أَنَّ الْعَذَابَ﴾ محل ﴿أَنَّ﴾ الرفع على الفاعلية.
وقوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ خاطب أولًا موسى وهارون ﵉ ثم خص
стр. 2461
بالخطاب ثانيًا موسى، لأنه الأصل في النبوة، وهارون وزيره وتابعه، يعضده قوله: ﴿قَالَ رَبُّنَا﴾.
وقوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ الجمهور على إسكان لام (خَلْقه) وهو أول مفعولي ﴿أَعْطَى﴾ على معنى: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، والخلق هنا بمعنى: الخليقة، يقال: هم خليقة الله، وهم خَلْقُ الله أيضًا، وهو في الأصل مصدر، أعني الخلق، وهو بمعنى مخلوق، تسمية للمفعول بالمصدر. أو ثانيهما على معنى: أعطى كل شيء من المخلوقات صورته وشكله، فخلق كل جنس من المخلوقات على صورة وهيئة، فلم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان على ما فسر (١).
وقرئ: (خَلَقه) بفتحها (٢)، على أنه فعل في موضع الصفة، إما للمضاف أو للمضاف إليه. وأحد مفعولي ﴿أَعْطَى﴾ على هذه القراءة محذوف وهو الثاني، على معنى: أعطى كل شيء خلقه ما يصلحه، أو الأول على معنى: أعطاكم كل شيء خلقه من الأشياء التي خلقها جل ذكره لتنتفعوا بها ﴿ثُمَّ هَدَى﴾، أي: عرف كيف يرتفق بما أعطى وكيف يتوصل إليه.
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾:
قوله : ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ (علمها) رفع بالابتداء
стр. 2462
وخبره إِما ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾، و ﴿فِي كِتَابٍ﴾ خبر بعد خبر، أو حال من المنوي في الخبر، أو من صلة الخبر، أو بدل من الخبر. أو ﴿فِي كِتَابٍ﴾ هو الخبر، و ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ على هذا إما حال من ﴿كِتَابٍ﴾ لتقدمه عليه وهو في الأصل صفة له، فلما تقدم عليه نصب على الحال كقوله:
٤٣٤ - لِعزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمٌ ... . . . . . . . . . . . . . (١)
أو معمول (٢) الخبر، وهو معنى قول بعضهم: ظرف للظرف. وقد جوز أن يكون حالًا من المضاف إليه في قوله: ﴿عِلْمُهَا﴾. ولا يجوز أن يكون ﴿فِي كِتَابٍ﴾ من صلة ﴿عِلْمُهَا﴾ ويكون ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ هو الخبر، لأجل الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر فاعرفه، فإنه موضع.
وقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في موضع جر على النعت لـ ﴿كِتَابٍ﴾، وفيه تقديران - أحدهما: لا يضل عن ربي، ففي يضل ضمير يعود إلى ﴿كِتَابٍ﴾، أي: في كتاب غير ضال عند ربي، أي: غير ذاهب عنه، فحذف الجار وهو عن فيكون ﴿رَبِّي﴾ منصوبًا. والثاني: لا يضل ربي عنه، أي: عن كتاب أي: عن حفظه، فالفعل على هذا مسند إلى ﴿رَبِّي﴾ ثم حذف الجار والمجرور كما حذفا من قوله جل ذكره: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٣) أي: فيه.
والثاني: لا محل له من الإعراب، والكلام قد تم عند قوله: ﴿فِي كِتَابٍ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ كما تضل أنت، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ كما تنسى يا مدعي الربوبية بالجهل والوقاحة (٤).
стр. 2463
وقرئ: (لَا يُضِلُّ) بضم الياء وكسر الضاد (١)، من أضله إذا ضيعه، والإضلال: التضييع، أي: لا يضيعه ربي ولا ينساه.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾:
قوله : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ محل ﴿الَّذِي﴾ إما الرفع على أنه صفة لـ ﴿رَبِّي﴾، أو خبر مبتدإٍ محذوف، أو النصب على المدح، أو على النعت لـ ﴿رَبِّي﴾ على الوجهين المذكورين في إعراب ﴿رَبِّي﴾.
وقرئ: (مَهْدًا) (٢)، وهو مصدر كالفرش، كأنه قيل: الذي مهد لكم الأرض مهدًا. أو على حذف المضاف، أي: ذات مهد، كقولك: رجل صوم، وزور.
وقرئ: (مِهَادًا) (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما وهو الوجه: أن يكون مفردًا كالفراش والبساط، وهما اسم ما يُفْرَشُ وَيُبْسَطُ.
والثاني: هو جمع مَهْدٍ على أن يكون المهد استعمل استعمال الأسماء ثم كُسّر على فِعَالٍ، ككبشٍ وكِبَاشٍ. ويجوز أن يكون المهاد مصدرًا سمي به، أو كالمهد على الوجهين، أعني: أن يكون مصدرًا فيكون الكلام فيه كالكلام في المهد، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
стр. 2464
وقوله: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ السَّلْكُ: إدخال الشيء في الشيء، أي: أدخل في الأرض لأجلكم طرقًا تسلكونها.
وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ محل قوله: ﴿شَتَّى﴾ النصب على أنها صفة لقوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾، أي: أصنافًا مختلفة من النبات. أو الجر على أنه صفة لـ ﴿نَبَاتٍ﴾. والنبات: مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت وكلاهما مصدر نبت، فاستوى فيه الواحد والجمع لذلك. و ﴿مِنْ نَبَاتٍ﴾: في موضع الصفة للأزواج. وفي ﴿شَتَّى﴾ وجهان، أحدهما: جمع لا واحد له من لفظه. والثاني: جمع شَتِيتٍ، كمرضى في جمع مريض.
﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾:
قوله : ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾، أي: قائلين ذلك. و ﴿النُّهَى﴾: جمع نُهْيَةٍ، وهي العقل، وسمي العقل نُهْيَةً: لأنها تنهى عن القبيح، وقيل: لأن صاحبها يُنْتَهَى إلى رأيه فيعمل به (١).
﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾:
قوله : ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ من صلة الإتيان، ويجوز أن يكون في موضع الحال من الضمير الفاعل، أي: فلنأتينك ملتبسين به.
وقوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ ﴿مَوْعِدًا﴾ مفعول قوله: ﴿فَاجْعَلْ﴾. والموعد يكون زمانًا، ومكانًا، ومصدرًا
стр. 2465
بمعنى الوعد، وهو هنا مصدر بمعنى الوعد، وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: مكان موعد، أي: مكان وعد، فحذف المضاف، و (المكان) في قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ بدل من المكان المقدر المحذوف (١).
ولك أن تجعل ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ ظرفًا لقوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾، ولا حذف على هذا في الكلام، والهاء في ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ للموعد وهو بمعنى الوعد، أي: فاجعل بيننا وبينك وعدًا لا نخلفه نحن ولا أنت في مكان تستوي مسافته على الفريقين، فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر، فالفائدة منوطة بالصفة لا بالموصوف الذي هو المكان، ولولا الصفة لما جاز أن يكون ﴿مَكَانًا﴾ ظرفًا لقوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ لعدم الفائدة فيه، ومنع بعضهم ذلك لما ذكرت آنفًا، فاعرفه فإن فيه أدنى غموضٍ وإشكال.
ولك أن تجعل ﴿مَكَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا لقوله: ﴿فَاجْعَلْ﴾ لا ظرفًا له واقعًا موقع المفعول الثاني كما زعم بعضهم (٢) كقولك: ظننت خروجك اليوم، وعلمت ركوبك غدًا، لأنك إن حملته على ذلك جعلتَ المبتدأ الذي يلحقه جعلتُ وظننتُ (ونحوه)، موعدًا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانًا قصدًا، فتنصب المكان كما تنصب اليوم في قولك: القتال اليوم. والموعد إذا وقع بعده ظرف لم تُجْرِهِ العربُ معه مجرى سائر المصادر مع الظروف، لكنهم يتسعون فيه ويرفعون، كقوله جل ذكره: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ (٣) برفع الصبحُ و ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ (٤) بالرفع أيضًا، وعليه جمهور القراء، ولا تقول على قياس موعدك الصبح: مَرْجِعُكَ، وَلَا مَقْعَدُكَ السُّوق، بل تنصبهما على الظرف، فاعرفه فإنه من كلام الشيخ أبي علي ﵀ (٥).
стр. 2466
وإن جعلت ﴿مَكَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا لقوله: ﴿فَاجْعَلْ﴾ كان ﴿مَوْعِدًا﴾ مكانًا، ولا يجوز انتصابه بالموعد على أنه مفعول، لأنه مصدر قد وصف بقوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ﴾ والأسماء التي تعمل عمل الفعل إذا وصفت أو صغرت لم تعمل عمل الفعل، لخروجها بهما عن شبه الفعل، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀ وموافقيه (١)، وهذا على قراءة من رفعه وهو الجمهور، وأما من قرأ: (لا نُخْلِفْهُ) بالجزم (٢)، فعلى جواب الأمر، وهو قوله: ﴿فَاجْعَلْ﴾.
و﴿سُوًى﴾: صفة للمكان، وقرئ: بكسر السين وضمها (٣)، وهو أكثر في الصفات، أعني الضم، نحو قولك: مَالٌ لُبَدٌ، ورجل حُطَمٌ، وأما فِعَلٌ: فيقل في الصفات ومثله: قومٌ عِدىً.
والجمهور على تنوينه وهو الوجه، لأنه وَصْفٌ على فِعَلٍ أو فُعَلٍ وكلاهما مصروف، وقرئ: (سُوى) بترك التنوين (٤) على إجراء الوصل مجرى الوقف، لا أعرف له وجهًا سواه.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾:
قوله : ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ فـ ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ خبره، وهو على هذه القراءة،
стр. 2467
أعني الموعد، زمانٌ، ولا حذف في الكلام، ولك أن تجعله مصدرًا، وتقدر على هذا حذف مضاف ليكون الثاني هو الأول، والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.
وقرئ: (يَوْمَ الزِّينَةِ) بالنصب (١) على الظرف، فالموعد على هذه القراءة مصدر ليس إلا، والظرف بعده خبر عنه، كقولك: قيامك يوم الجمعة.
قال أبو الفتح: وهو عندي على حذف المضاف، أي: إنجاز موعدنا إياكم في ذلك اليوم، ألا ترى أنه لا يراد أنه في ذلك اليوم نعدكم، كيف ذا والوعد قد وقع الآن؟ وإنما يتوقع إنجازه في ذلك اليوم، انتهى كلامه (٢).
وقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (أَنْ) وصلتها على قراءة من قرأ ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ بالرفع: في موضع رفع عطفًا عليه، على تقدير: موعدكم يومُ الزينة ويومُ حشر الناس في ضحاه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣). أو جر عطفًا على الزينة، على معنى: إن هذا اليوم يوم الزينةِ والحشر جميعًا، وهكذا تكون الأعياد في جميع الأمصار تقع فيها الزينة والاجتماع، وكذا محله في قراءة من قرأ: (يومَ الزينة) بالنصب: الرفع عطفًا على الموعد، أي: إنجاز موعدكم وحشر الناس ضحى في يوم الزينة، على معنى: إن هذين الفعلين في يوم الزينة. أو الجر عطفًا على الزينة، أي: موعدكم يوم الزينة وحشر الناس ضحى، أي يوم هذا وهذا، هذا قول أبي الفتح (٤). و ﴿ضُحًى﴾ ظرف للحشر.
стр. 2468
وقرئ: (وَأَنْ يَحْشُرَ الناسَ) بياء مفتوحة وضم الشين ونصب (الناس) (١) على البناء للفاعل وهو الله تعالى أو فرعون، تعضده قراءة من قرأ: (وأن تَحْشُرَ الناسَ) بالتاء النقط من فوقه مبنيًا للفاعل مسندًا إلى المخاطب (٢).
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾:
قوله : ﴿وَيْلَكُمْ﴾ منصوب بإضمار فعل، أي: ألزمكم الله ويلًا. وقيل: هو منادى مضاف (٣).
وقوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ منصوب على الجواب، وقرئ: بفتح الياء والحاء. وبضمها وكسر الحاء (٤)، وهما لغتان بمعنى، يقال: سحته وأسحته، إذا استأصله بالإهلاك، والسحت لغة أهل الحجاز، والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم (٥)، قيل: وأصله من استقصاء حلق الشعر (٦).
﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا
стр. 2469
كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾:
قوله : (إنَّ هذين) قرئ: (هذين) بالياء (١) وهو القياس، لأنه اسم إن وهو منصوب، والياء علم النصب، غير أنه مخالف للرسم. و (هذان) بالألف (٢)، وفيه أوجه قد ذكرتهن في الكتاب الموسوم: بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغنى عن الإعادة ها هنا (٣).
وقوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ الباء هنا كالهمزة في قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ (٤)، أي: ويذهبا طريقتكم المثلى، أي: سنتكم ودينكم وما أنتم عليه، و ﴿الْمُثْلَى﴾: تأنيث الأمثل وهو الأفضل، يقال: فلان أمثل قومه، أي: أفضلهم.
وقوله: (فاجْمَعوا كيدكم) قرئ: بوصل الألف وفتح الميم (٥)، وهو من المجمع الذي هو ضد التفريق، يعضده ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ (٦)، والمعنى: جيئوا بكل مَكِيدَةٍ وحِيلةٍ لكم لا تدعوا منه شيئًا.
стр. 2470
وقرئ: بقطع الألف وكسر الميم (١)، وفيه وجهان:
أحدهما: لغة في جمع، ذكره أبو علي عن أبي الحسن، وَفَعَلْتُ وَأَفْعَلْتُ بمعنىً كثيرٌ في كلام القوم (٢).
والثاني: من الإجماع الذي معناه الإزماع، أي: أزمعوه واجعلوه مجمعًا عليه، حتى لا تختلفوا، ولا يتخلف عنه واحد منكم، كالمسألة المجمع عليها.
وقوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ (صفًا) مصدر قولك: صففت القوم فاصطفوا، إذا أقمتهم في الحرب صفًا، وهو في موضع الحال، أي: ثم جيئوا مصطفين. وقيل: ﴿صَفًّا﴾ موضعٌ كانوا يجتمعون فيه في الأعياد كالمصلى ونحوه (٣)، فهو على هذا مفعول به.
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾:
قوله : ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ (إِما) للتخيير، وأن والفعل في تأويل المصدر، ومحله إما رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا، أو نصب بفعل مضمر، أي: إما أن تحدث الإلقاء أولًا أو نحدثه نحن وشبهه، وقد ذكر في "الأعراف" (٤).
وقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾ (إذا) للمفاجأة، وهي مكانية، أي: وهناك حبالهم، فحبالهم: مبتدأ وما قبله خبره، وهو ﴿فَإِذَا﴾، و ﴿يُخَيَّلُ﴾ خبر بعد
стр. 2471
خبر. ولك أن تجعل ﴿يُخَيَّلُ﴾ هو الخبر، و ﴿إِذَ﴾ ظرفًا للخبر.
وقرئ: ﴿يُخَيَّلُ﴾ بالياء النقط من تحته (١)، وهو مسند إلى قوله: ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ أي: يخيل إلى موسى ﵇ سعيها. وقيل: هو في موضع نصب على تقدير: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، والقائم مقام الفاعل على هذا ﴿إِلَيْهِ﴾ أو المصدر.
وقرئ: (تخيل) بالتاء النقط من فوقه (٢)، على أنه مسند إلى ضمير الحبال والعصي، و ﴿أَنَّهَا﴾ بدل منه، أعني من الضمير في (تخيل) الراجع إلى الحبال والعصي، وهو بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد حسنه وكرمه. وقد جوز أن يكون القائم مقام الفاعل على هذه القراءة ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وأُنِّثَ لِتَضَمُّن الجملة لفظ التأنيث.
وقرئ: (عُصِيُّهُم) بالضم وهو الأصل والكسر إتباع (٣).
فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿يُخَيَّلُ﴾ على قراءة من قرأ بالياء النقط من تحته مسندًا إلى ضمير الحبال والعصي؟ قلمت: نعم، وذُكّر على تأويل ضمير الجمع، أو على تأويل المذكور، أو المُلْقى. و ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ على الوجهين: إما على البدل من الضمير، أو على تأويل بأنها. والتَّخْيِيل: التَّشْبِيه، يقال:
стр. 2472
خُيِّلَ إليه على البناء للمفعول، إذا شبه له، وأدخل عليه التهمة.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾:
قوله : (تَلَقَّفْ) قرئ: بتشديد القاف وجزم الفاء، وبتشديد القاف ورفع الفاء، وبالتخفيف والجزم (١). فمن قرأ بالتشديد والجزم، فالأصل: (تَتَلَقَّفْ)، فحذف إحدى التائين تخفيفًا، والجزم على الجواب، ومن قرأ بالتشديد والرفع فأصله: (تَتَلَقَّفُ)، والرفع على الاستئناف، أو على الحال إما من المنوي في ﴿وَأَلْقِ﴾ والتاء في (تَلَقَّفُ) للخطاب، أو من (ما) والتاء في (تَلَقَّفُ) للتأنيث، لأن (ما) مؤنثة هنا، لأنها كناية عن العصا، أي: ألق ما في يمينك متلقفًا، أو متلقفة ما صنعوا.
فإن قلتَ: التلقف في الحقيقة للعصا، فكيف تنسب إلى موسى ﵇؟ قلت: قيل: لَمَّا كان التلقف بإلقائه وجَدِّه جاز أن ينسب إليه، كقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٢)، فأسند الرمي إلى نفسه جل ذكره وإن كان لرسول الله ﷺ ، إذ كان بقوته وقدرته. والحال هنا مقدرة، كالتي في قولك: مررت برجل معه صَقْرٌ صائدًا به غدًا، لأنّ تَلَقُّفَ الحبال والعصي إنما يكون بعد الإلقاء.
ومن قرأ بالتخفيف جعله لَقِفَ الشيءَ يَلْقَفُ لَقِفًا، إذا تَلَقَّفَهُ. وهما يرجعان إلى معنى.
стр. 2473
فإن قلت: ما التلقف؟ قلت: قيل: أَخْذُ الشيء بالتلقي له، وكذلك اللقف.
وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿كَيْدُ﴾ على أنَّ (ما) موصولة، أي: الذي صنعوه كيد ساحر، أو مصدرية. وقرئ: (كَيْدَ) بالنصب (١)، وما كافة لإنَّ عن العمل ليس إلا. وقرئ: (كيدُ ساحر) بالألف (٢) وهو الوجه، لأن الكيد في الحقيقة للعين لا للمعنى، وقرئ: (كيدُ سحر) بغير الألف (٣)، إما على حذف المضاف، أي: [ذي] سحر، أو ذوي سحر، أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته، كقولك: رجل زور وصوم على المعنيين، أو بَيَّنَ الكيد، لأنه يكون سحرًا وغيرَ سحر، كما تُبيَّنُ الأعداد بالدرهم والدينار ونحوهما، والأثواب والجباب بالخز والصوف وشبههما.
وقوله: ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ من صلة ﴿يُفْلِحُ﴾. فإن قلت: ﴿حَيْثُ﴾ هنا مكاني أو زماني؟ قلت: يجوز أن يكون مكانيًا بمعنى: لا يفلح في أي مكان كان، وأن يكون زمانيًا بمعنى: أي وقت كان، كقولهم: حيث سَيَّرُوا، وَأَيَّةَ سلكوا، وأينما كانوا (٤).
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
стр. 2474
مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾:
قوله : ﴿سُجَّدًا﴾ نصب على الحال، وهو جمع ساجد.
وقوله: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ في موضع نصب على الحال من الأيدي والأرجل، أي: لأقطعنَّها مختلفات. وقيل: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾، أي: من أجل خلافٍ ظَهَرَ منكم (١)، فيكون من صلة (لأقطعن).
وقوله: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (في) هنا على بابها، لاحتواء الجذع على المطلوب واشتماله عليه، كاحتواء الوعاء واشتماله على المُوعَى، قال:
٤٣٥ - هُمُ صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ ... . . . . . . . . . . . . (٢)
شبه تمكنه فيه بتمكن الشيء الموعى في وِعَائِه. وقيل هي بمعنى على (٣). وجذوع النخل: أصولها. قيل: وإنما خص النخل لطول جذوعها (٤).
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾:
قوله : ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ محل
стр. 2475
قوله: ﴿وَالَّذِي﴾ جَرٌّ إما بالعطف على ﴿مَا﴾ على معنى: لن نؤثر اتباعك على ما جاءنا من البينات، ولا على الله الذي خلقنا، فحذف المضاف، ولا من المعطوف. أو بواو القسم، وجوابه ما قبله.
وقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (ما) موصولة والعائد محذوف، أي: قاضِيَهُ، أي: صانعه، يقال: قضى الشيءَ، إذا صنعه وفرغ منه. وقيل معناه: احكم بما أنت حاكم به (١)، وقضى بالشيء، إذا حكم به. وقد جوز أن يكون ظرفًا على معنى: فاقض القضاء مدة كونك قاضيًا (٢).
وقوله: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (ما) كافة و ﴿هَذِهِ﴾ نصب على الظرف، و ﴿الْحَيَاةَ﴾ بدل من ﴿هَذِهِ﴾ أو نعت لها، ومفعول ﴿تَقْضِي﴾ محذوف، أي: إنما تصنع ما تصنعه وتحكم به في هذه الحياة الدنيا. ولك أن تنصب على أنه مفعول به، على معنى: إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا، فحذف المضاف.
وقد أجاز الفراء رفع قوله: ﴿هَذِهِ الْحَيَاةَ﴾ على أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة اسم إِنَّ، و ﴿هَذِهِ﴾ خبرها.
وقرئ: (تُقْضَى هذه الحياةُ) على البناء للمفعول (٣). ولا يخلو أن تنصب ﴿هَذِهِ الْحَيَاةَ﴾ في قراءة الجمهور على الظرف، أو على أنه مفعول به، فإن كان ظرفًا فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به، كقولك في صمت يوم الجمعة: صيم يوم الجمعة، وإن كان مفعولًا به فظاهر.
﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾:
стр. 2476
قوله : ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ في (ما) وجهان:
أحدهما: موصول، وفي محله وجهان - أحدهما: الرفع بالابتداء والخبر محذوف، أي: وما أكرهتنا عليه من السحر محطوط أو موضوع عنا. والثاني: النصب عطفًا على الخطايا، على معنى: إنا آمنا بربنا ليغفر لنا الكفر الذي كنا عليه، والذي أكرهتنا عليه من السحر. و ﴿مِنَ السِّحْرِ﴾ على الوجه الأول: حال من الهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾، وعلى الثاني: حال من (ما)، أو من الهاء.
وأنكر أبو علي هذا الوجه، وهو أن يكون عطفًا على الخطايا (١) لأمرين - أحدهما: أنهم قالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، فهذا يدل على أنهم لم يكرهوا، وهذا فيه ما فيه، لأن طلبهم الأجر لا يدل على عدم الإكراه. والثاني: أنهم لو كانوا مكرهين، لم يكن ما أكرهوا عليه ذنبًا لهم، لأنّ الإكراه فعل المُكْرِهِ فإثمه عليه، وهو موضوع عن المُكْرَهِ.
والوجه الثاني: أن تكون (ما) نافية، و ﴿مِنَ السِّحْرِ﴾ حال من الخطايا، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ليغفر لنا خطايانا من السحر ولم تكرهنا عليه.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾:
قوله : ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير ضمير الشأن أو الأمر.
﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ (مجرمًا) منصوب على الحال من المنوي في
стр. 2477
﴿يَأْتِ﴾، ومثله ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ في كونها حالًا من الهاء في ﴿لَهُ﴾ والعامل فيها الاستقرار.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ حال من المستتر في ﴿يَأْتِهِ﴾. أي: مصدقًا بالله ورسله، وبما أتى من عند الله.
وقوله: ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ في موضع نصب على الحال أيضًا، إما من المستكن في ﴿يَأْتِهِ﴾ على قول من جوز حالين من ذي حال واحد، أو من المنوي في ﴿مُؤْمِنًا﴾ أي: مصدقًا عاملًا الصالحات.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ (الدرجات) مرتفعة بـ ﴿لَهُمُ﴾ على المذهبين، لكونه جرى خبرًا على المبتدأ وهو (أولئك)، والظرف إذا جرى خبرًا على المبتدأ رفع ما بعده بلا خلاف (١).
وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من قوله: ﴿الدَّرَجَاتُ﴾ كأنه قيل: فأولئك لهم جنات عدن. ولا يجوز أن يكون خبر مبتدإٍ محذوف على تقدير: هي جنات عدن، كما زعم بعضهم، لأن قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿لَهُمُ﴾ فالعامل فيها الاستقرار لا معنى الإشارة، كما زعم بعضهم (٢)، أي: الدرجات استقرت لهم باقين فيها بقاء لا آخر له.
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾:
قوله : ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ أي: فاجعل لهم طريقًا في البحر بالعصا، من قولهم: ضرب له في ماله سهمًا، أي: جعل له في ماله سهمًا فهو مفعول به.
والجمهور على فتح الباء في قوله: ﴿يَبَسًا﴾ وفيه وجهان: أحدهما:
стр. 2478
هو المكان، يكون رطبًا ثم يَيْبَسُ، ذكره الجوهري (١). والثاني: هو مصدر قولك: يَبِسَ الشيء يَيْبَسُ يُبْسًا وَيَبَسًا، وهو قول الجمهور، ونظيرهما: العُدْمُ والعَدَمُ، والرُّشْدُ والرَّشَدُ، ومن ثم وصف به المؤنث، فقيل: شاتنا يَبَسٌ، إذا لم يكن بها لبن، وَيَبْسٌ أيضًا بالتسكين، حكاهما أبو عبيدة (٢)، أي: طريقًا يابسًا، أو ذات، أو ذا يَبَسٍ. ولك أن تجعله عين اليبسِ وذاته مبالغة.
وقرئ: (يَبْسًا) بسكون الباء (٣)، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه:
أن يكون صفة على فَعْلِ، يقال: حَطَبٌ يَبْسٌ، قال ثعلب: كأنه خِلْقَةٌ (٤).
وأن يكون جمع يابس، كراكب ورَكْب، وُصِفَ به الواحد تأكيدًا، كقوله:
٤٣٦ - . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . ومِعىً جِياعا (٥)
جعله لفرط جوعه كجماعة جياع.
وأن يكون مصدرًا بمعنى اليَبَسُ واليَبِسُ، ذكره أبو إسحاق قال: يقال: يبس الشيء: يَيْبَسُ ويَيْبِسُ يَبَسًا ويُبْسًا ويَبْسًا ثلاث لغات في المصدر، انتهى كلامه (٦).
ولا يجوز أن يكون مخففًا عن اليَبَسِ كما زعم بعضهم (٧)، لأن ما كان
стр. 2479
عَلَى فَعَل لا يخفف في حال السعة والاختيار لخفة الفتح، إنما يكون ذلك في أختيه، فاعرفه.
وقوله: ﴿لَا تَخَافُ﴾ قرئ: بالرفع (١)، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه:
أن يكون حالًا من المنوي في ﴿فَاضْرِبْ﴾، أي: فاضرب لهم طريقًا غير خائفٍ ولا خاشٍ.
وأن يكون مستأنفًا، كأنه قيل: وأنت لا تخاف، أي: ومن شأنك أنك آمن لا تخاف.
وأن يكون صفة لقوله: ﴿طَرِيقًا﴾ والعائد منها إلى الموصوف محذوف، أي: لا تخاف فيه، ثم حذف العائد من الصفة كما يحذف من الصلة.
وقرئ: (لَا تَخَف) بالجزم (٢)، وذلك يحتمل وجهين:
أن يكون جواب شرط محذوف، أي: اضرب فإنك إن تضرب لا تخف دركًا ممن خلفك.
وأن يكون نهيًا.
وأما قوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ على القراءة الأولى فظاهر، لأنه معطوف على (لا تخاف) وحكمه في الإِعراب حكمه وقد ذكر، وأما على قراءة من قرأ (لا تخف) بالجزم، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: مستأنف على تقدير: وأنت لا تخشى، ثم في موضع الجملة وجهان - أحدهما: الرفع على القطع والاستئناف. والثاني: النصب على
стр. 2480
الحال، كقراءة من قرأ: (فاستقيما ولا تتبعانِ) (١) وهو ابن عامر، أي: فاستقيما غير متبعين سبيل الجهلة، وقد ذُكِر ثَمَّ بأشبع ما يكون (٢).
والثاني: مجزوم بالعطف على (لا تخف) غير أنه لم يحذف ألفه للجزم، واقتصر على حذف الحركة المقدرة كقوله:
٤٣٧ - وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا (٣)
والثالث: مجزوم أيضًا، إلا أن هذه الألف ليست المنقلبة عن الياء التي هي لام الفعل، ولكنها الناشئة عن إشباع الفتحة من أجل الفاصلة، كقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (٤). ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٥)، وإشباع الفتحة في كلام القوم كثير شائع.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾:
قوله : ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ الجمهور على قطع الهمزة في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ وفيه وجهان:
أحدهما: منقول من تبعهم، وتبع يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، بشهادة قوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ (٦).
стр. 2481
والثاني: هو بمعنى: تبع، يقال: أَتْبَعَ وَتَبِعَ واتَّبَعَ بمعنىً.
فالباء في قوله: ﴿بِجُنُودِهِ﴾ على الوجه الأول: يجوز أن تكون مزيدة كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) وقوله:
٤٣٨ - . . . . . . . . . . . . ... . . . . لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ (٢)
وشبهها من المفاعيل بما يزاد فيه الجار، أي: فأتبعهم فرعون جنودَه. وأن تكون للحال، والمفعول الثاني محذوف، أي: فاتبعهم فرعون عقوبته ومعه جنوده، وذو الحال فرعون. وأما على الثاني: فيحتمل أن تكون للحال، وأن تكون للتعدية.
وقرئ: (فاتَّبَعَهُمْ) بوصل الألف (٣)، والباء على هذه للتعدية أو للحال أي: فتبعهم ومعه جنوده.
وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ (ما) موصول هو فاعل قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ أي: علاهم وسترهم من البحر ما لا يعلم كنهه إلا الله، وأتى بلفظ العموم تهويلًا للأمر وتعظيمًا للشأن، لأنه أبلغ وأشد تأثيرًا في القلب من التعيين، واليم: البحر.
وقوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ أي: وما هداهم حين أوردهم موارد الهلكة، وإنما لم يُعَدَّ استغناءً بتعدية (أَضلَّ) كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا
стр. 2482
قَلَى﴾، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (١) استغناء بتعدية الأولين عن تعدية الآخرين. وقيل: المعنى وأضل فرعونُ قومَه وما هداه اللهُ إلى الصواب (٢).
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾:
قوله : ﴿جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ انتصاب قوله: ﴿جَانِبَ﴾ على أنه مفعول به ثان لواعدنا على السعة، على تقدير: وواعدناكم إتيان جانب الطور، فحذف المضاف، لا على أنه ظرف له على تقدير: وواعدناكم في جانب الطور الأيمن إنزال التوراة عليكم، كما زعم بعضهم، لأنه مكان مخصوص، وظرف المكان إذا كان مخصوصًا لم يتعد الفعل إليه إلَّا بحرف جر، نحو: جَلَسْتُ في الدَّارِ، وَصَلَّيتُ في المسجد، ولو قلت: جلست الدار، وصليت المسجد، لم يجز. فأما قولهم: دخلت الدار، وذهبت الشام، فحذف منهما الجار لكثرة الاستعمال، ولا يقاس عليهما. و ﴿الْأَيْمَنَ﴾: منصوب لأنه نعت للجانب.
وقوله: ﴿فَيَحِلَّ﴾ منصوب على جواب النهي بإضمار أن، وقيل: هو معطوف، فيكون نهيًا أيضًا، كقولهم: لَا تَمْدُدْهَا فَتَشُقَّها (٣).
وقرئ: (فيحلّ) بضم الحاء وكسرها (٤)، فالضم: من الحلول الذي
стр. 2483
معناه النزول، أي: فينزل عليكم عقوبتي. والكسر من الحلال الذي معناه الوجوب، أي: فيجب عليكم عقوبتي، من حلَّ الشيءُ يحل حلالًا، إذا انْحَلَّ عنه عَقْدُ التحريم، وزال الخطر عنه، فإذا ارتفع الخطر وقع، فلهذا فسر بيجب، ومنه حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ حُلُولًا [إذا] وجب أداؤه، لانحلال عقد المنع عنه وهو الأجل، فاعرفه فإنه موضع لطيف، ومعنىً دقيق.
ومثله ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ قرئ: بضم اللام وكسرها (١) على المعنيين المذكورين.
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾:
قوله : ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ (ما) استفهام، ومعناه الإنكار، ومحله الرفع بالابتداء، والخبر ﴿أَعْجَلَكَ﴾، وفيه ضمير مرتفع به، وهو عائد إلى (ما). و ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾: في موضع الحال من الكاف، أي: أي شيء حملك على العجلة خارجًا عن قومك حين خلفتهم وسبقتهم في المجيء.
وقوله: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ (هم) مبتدأ، وخبره ﴿أُولَاءِ﴾. و ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ خبر بعد خبر. ويجوز أن يكون ﴿أُولَاءِ﴾ بمعنى الذين في موضع الخبر، و ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ صلته، وقد مضى الكلام على نحو هذا في البقرة عند قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ بأشبع من هذا (٢).
والجمهور على فتح الهمزة والثاء في قوله: ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ وقرئ: (على إثري) بكسر الهمزة وإسكان الثاء (٣)، وهما لغتان بمعنى، غير أن الأثر أفصح
стр. 2484
من الإِثر، قاله الزمخشري (١).
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾:
قوله : ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ حالان من ﴿مُوسَى﴾، ولك أن تجعل ﴿أَسِفًا﴾ حالًا من المنوي في ﴿غَضْبَانَ﴾، أي ممتلئًا من الغضب عليهم، حزينًا متلهفًا من أجلهم.
وقوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا﴾ (وعدًا) هنا يجوز أن يكون على بابه، وهو مصدر مؤكد، وأن يكون بمعنى الموعود، كخلق الله، وضرب الأمير فيكون مفعولًا به ثانيًا لقوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ﴾.
﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾:
قوله : ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قرئ: ﴿بِمَلْكِنَا﴾ بالحركات الثلاث في الميم (٢)، وهي لغات، والجميع مصدر بمعنى القدرة، والمصدر مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف، أي: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وَخُلِّينا ورأينا لما أخلفناه، ولكن غُلبنا من جهة السامري وكيده (٣).
стр. 2485
وقوله: ﴿حُمِّلْنَا أَوْزَارًا﴾ قرئ: (حَمَلْنا) بفتح الحاء والميم مخففًا (١)، على إسناد الفعل إليهم وتعديته إلى مفعول واحد وهو ﴿أَوْزَارًا﴾.
وقرئ: (حُمِّلنا) بضم الحاء وكسر الميم مشددًا (٢)، على البناء للمفعول وتعديته إلى مفعولين، أحدهما: القائم مقام الفاعل وهو الألف والنون، والثاني: باق على أصله وهو ﴿أَوْزَارًا﴾، وذلك أن (حَمَل) فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا ضوعفت عينه تعدى إلى مفعولين، نحو: حمل فلان الشيء وحَمَّلْتُه إياه، قال جل ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ (٣). والقراءتان متقاربتان، لأنهم إذا حُمِّلُوا حَمَلُوا. والأوزار: الأثقال من حُلِي القبط. وقيل: الأوزار: الآثام (٤).
وقوله: ﴿فَكَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: إلقاء مثل ذلك.
وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ في فاعل الفعل وجهان:
أحدهما: موسى ﵇، على معنى: أن موسى نسي إلهه ها هنا وذهب يطلبه عند الطور، أي: تركه، ويجوز أن يكون من النسيان الذي هو ضد الذكر، وهو في كلا التأويلين حكاية عن قول السامري.
والثاني: السامري، أي: نسي السامري. أي: فترك ما كان عليه من الإيمان، وهو استئناف كلام من الله جل ذكره.
стр. 2486
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾:
قوله : ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿يَرْجِعُ﴾ على أنَّ (أَنْ) هي المخففة من الثقيلة الناصبة للأسماء، واسمها مضمر، و (لا) كالعوض منه، أي: أفلا يرون أن هذا العجل لا يرد لهم جوابًا إذا كلموه؟ بشهادة قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ (١) وقرئ: بالنصب (٢)، على أنها الناصبة للأفعال، والرؤية على هذه القراءة من رؤية العين لا من رؤية القلب، لأن تلك بمعنى العلم، والعلم لا يقع بعده (أن) الناصبة للأفعال، لو قلت: علمت أن يقوم زيد، لم يجز، وأما قول أبي إسحاق: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾: توقن (٣). وتابعه على هذا جمهور المفسرين، فهو سهو منه وغلط منهم، لما ذكرت آنفًا، أن (أن) الناصبة لا تقع بعد العلم واليقين، وإنما المعنى: تتوقع أن يفعل، فاعرفه فإنه موضع.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل مجيء موسى ﵇ من الطور. وقيل: من قبل أن يقول لهم السامري ما قال، كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به واستحسنوه، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون ﵇ بقوله: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ (٤).
﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾:
стр. 2487
قوله : ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ (عاكفين) خبر قوله: ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾، و ﴿عَلَيْهِ﴾ من صلته، أي: لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. ولك أن تنصبه على الحال من المنوي في ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾.
وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿مَنَعَكَ﴾، و ﴿إِذْ﴾ ظرف له، و ﴿ضَلُّوا﴾ في موضع المفعول الثاني [لرأيت]. ويجوز أن يكون في موضع الحال وقد معه مرادة، والرؤية على هذه من رؤية العين. و (لا) في ﴿أَلَّا﴾ مزيدة، كالتي في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (١)، أي: ما منعك أن تتبعني، وأنْ وما اتصل بها في موضع نصب بقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾، والمعنى: ما منعك من اتباعي واللحوق بي بمن أطاعك؟ وقيل: معناه ما منعك أن تتبعني فيما أمرتك به حين قلت لك: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (٢).
﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥)﴾:
قوله : ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ قد مضى الكلام عليه في "الأعراف" (٣).
وقوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ في الكلام حذف تقدير: لا تأخذني، ولذلك دخلت الباء في قوله: ﴿بِلِحْيَتِي﴾ وقوله: ﴿وَلَا بِرَأْسِي﴾.
والجمهور على كسر اللام في قوله: ﴿بِلِحْيَتِي﴾، وقرئ: بفتحها (٤). قيل: وهي لغة أهل الحجاز (٥).
стр. 2488
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾:
قوله : ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يقال: بَصُرَ فلان بالشيء يَبْصُرُ به، بالضم فيهما بَصَارَةً، إذا صار عليمًا به، وبَصِرَ به أيضًا يَبْصَرُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، لغية في معناه، وكلاهما يتعدى بالباء، والمعنى: علمت ما لم تعلموه، وفطنت لما لم تفطنوا له، وَأَبْصرَ يُبْصِرُ إِبْصَارًا، إذا نظر.
وقرئ: (بما لم يَبْصُرُوا) بالياء النقط من تحته على الغيبة، على معنى: بما لم يبصر به بنو إسرائيل، وبالتاء النقط (من فوقها) (١) على الخطاب لموسى ﵇ ومن معه.
وقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ قراءة الجمهور بالضاد فيهما معجمة وفتح القاف، وهو القبض بجميع اليد. وقرئ: بالصاد فيهما وفتح القاف أيضًا (٢)، وهو القبض بأطراف الأصابع، وأما القبضة أو القَبْصةُ: فيجوز أن يكون مصدرًا، وهي المرة من القبض أو القبص، وأن يكون بمعنى المقبوض تسمية للمفعول بالمصدر كخلق الله، وضرب الأمير، فيكون مفعولًا به.
وقرئ: (قُبْصةً) بضم القاف (٣)، وهي اسم المقبوض، كالغُرْفة والحُسْوة، والقُبْضَةُ مثلها، وهي قراءة الحسن (٤).
стр. 2489
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفي الكلام حذف تقديره: سولت لي نفسي أن أفعل فعلًا مثل ذلك الفعل الذي وصف قبله.
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾:
قوله : ﴿لَا مِسَاسَ﴾ الجمهور على كسر الميم وفتح السين وهو مصدر مَاسَسْتُه مِسَاسًا، كضَارَبْتُه ضِرَابًا، والمعنى: لا مماسّة، أي: لا يمسّ بعضنا بعضًا، وهو منصوب على التَّبْرِيَةِ، كقولك: لَا رَجُلَ في الدار، وقرئ: (لا مَسَاسِ) بفتح الميم وكسر السين بوزن قَطَامِ (١)، وفيه وجهان:
أحدهما: اسم للفعل، كنزالِ ودراكِ.
قال أبو إسحاق: وهو نفي قولك: مساس مساس (٢).
قال أبو الفتح: فإن قال قائل: فأنت لا تقول: مساس بمعنى امسس، فيا ليت شعري ما الذي نفيت (٣)؟ فالجواب: أنه يقدر تقدير الأمر، كأنه استعمل في الأمر مساس، فنفي على تصور الحكاية والقول وإن لم يستعمل كقولك، أي: لا أقول مساس، لا بد من تقدير الحكاية، ألا ترى أنك لا تقول: لا أضرب، فتنفي بلا لفظ الأمر، لتنافي اجتماع لفظ الأمر والنهي،
стр. 2490
وكذلك لا يصح أن تقول: لا مساس إلا على ما ذكر من تقدير الحكاية.
والثاني: هو اسم للخبر، عَلَمٌ للمسَّة، أي: لا تكون بيننا مَمَاسَّةٌ.
وقوله: (لن تُخلِفه) قرئ: بضم التاء وكسر اللام (١) على البناء للفاعل وهو السامري، أي: لن تجده مخلفًا، من أخلفت الموعد، إذا وجدته خُلْفًا، كقولك: أحمدتُ فلانًا، وأجبنتُه، إذا وجدتَه محمودًا وبخيلًا، ومنه قوله الأعشى:
٤٣٩ - . . . . . . . . . . . . . ... فَمَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدا (٢)
أي: صادفه خُلْفًا. وقيل: المعنى ستأتيه.
وقرئ: (لن تُخْلَفَهُ) بضم التاء وفتح اللام (٣) على ترك تسمية الفاعل، وهو الله ، أو موسى ﵇، من أخلفه ما وعده، وهو أن يقول شيئًا ولا يفعله على الاستقبال، وهو يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: القائم مقام الفاعل وهو المخاطب. والثاني: الضمير الراجع إلى الموعد، والتقدير: لن يُخْلِفكه الله، ثم حذفت الجلالة، وأقمت الكاف مقامه، فبقي (لن تُخْلَفَهُ) كما ترى، قال أبو علي: ومعناه سنأتيك به، ولا مذهب لك عنه وهو وعيد، وهذا المعنى في القراءة الأولى أبين، انتهى كلامه (٤).