← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾: قوله : ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿يَرْجِعُ﴾ على أنَّ (أَنْ) هي المخففة من الثقيلة الناصبة للأسماء، واسمها مضمر، و (لا) كالعوض منه، أي: أفلا يرون أن هذا العجل لا يرد لهم جوابًا إذا كلموه؟ بشهادة قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ (١) وقرئ: بالنصب (٢)، على أنها الناصبة للأفعال، والرؤية على هذه القراءة من رؤية العين لا من رؤية القلب، لأن تلك بمعنى العلم، والعلم لا يقع بعده (أن) الناصبة للأفعال، لو قلت: علمت أن يقوم زيد، لم يجز، وأما قول أبي إسحاق: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾: توقن (٣). وتابعه على هذا جمهور المفسرين، فهو سهو منه وغلط منهم، لما ذكرت آنفًا، أن (أن) الناصبة لا تقع بعد العلم واليقين، وإنما المعنى: تتوقع أن يفعل، فاعرفه فإنه موضع. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل مجيء موسى ﵇ من الطور. وقيل: من قبل أن يقول لهم السامري ما قال، كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به واستحسنوه، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون ﵇ بقوله: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ (٤). ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾:

стр. 2487

قوله : ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ (عاكفين) خبر قوله: ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾، و ﴿عَلَيْهِ﴾ من صلته، أي: لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى. ولك أن تنصبه على الحال من المنوي في ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾. وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿مَنَعَكَ﴾، و ﴿إِذْ﴾ ظرف له، و ﴿ضَلُّوا﴾ في موضع المفعول الثاني [لرأيت]. ويجوز أن يكون في موضع الحال وقد معه مرادة، والرؤية على هذه من رؤية العين. و (لا) في ﴿أَلَّا﴾ مزيدة، كالتي في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (١)، أي: ما منعك أن تتبعني، وأنْ وما اتصل بها في موضع نصب بقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾، والمعنى: ما منعك من اتباعي واللحوق بي بمن أطاعك؟ وقيل: معناه ما منعك أن تتبعني فيما أمرتك به حين قلت لك: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (٢). ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥)﴾: قوله : ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ قد مضى الكلام عليه في "الأعراف" (٣). وقوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ في الكلام حذف تقدير: لا تأخذني، ولذلك دخلت الباء في قوله: ﴿بِلِحْيَتِي﴾ وقوله: ﴿وَلَا بِرَأْسِي﴾. والجمهور على كسر اللام في قوله: ﴿بِلِحْيَتِي﴾، وقرئ: بفتحها (٤). قيل: وهي لغة أهل الحجاز (٥).

стр. 2488

﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾: قوله : ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يقال: بَصُرَ فلان بالشيء يَبْصُرُ به، بالضم فيهما بَصَارَةً، إذا صار عليمًا به، وبَصِرَ به أيضًا يَبْصَرُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، لغية في معناه، وكلاهما يتعدى بالباء، والمعنى: علمت ما لم تعلموه، وفطنت لما لم تفطنوا له، وَأَبْصرَ يُبْصِرُ إِبْصَارًا، إذا نظر. وقرئ: (بما لم يَبْصُرُوا) بالياء النقط من تحته على الغيبة، على معنى: بما لم يبصر به بنو إسرائيل، وبالتاء النقط (من فوقها) (١) على الخطاب لموسى ﵇ ومن معه. وقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ قراءة الجمهور بالضاد فيهما معجمة وفتح القاف، وهو القبض بجميع اليد. وقرئ: بالصاد فيهما وفتح القاف أيضًا (٢)، وهو القبض بأطراف الأصابع، وأما القبضة أو القَبْصةُ: فيجوز أن يكون مصدرًا، وهي المرة من القبض أو القبص، وأن يكون بمعنى المقبوض تسمية للمفعول بالمصدر كخلق الله، وضرب الأمير، فيكون مفعولًا به. وقرئ: (قُبْصةً) بضم القاف (٣)، وهي اسم المقبوض، كالغُرْفة والحُسْوة، والقُبْضَةُ مثلها، وهي قراءة الحسن (٤).

стр. 2489

وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفي الكلام حذف تقديره: سولت لي نفسي أن أفعل فعلًا مثل ذلك الفعل الذي وصف قبله. ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾: قوله : ﴿لَا مِسَاسَ﴾ الجمهور على كسر الميم وفتح السين وهو مصدر مَاسَسْتُه مِسَاسًا، كضَارَبْتُه ضِرَابًا، والمعنى: لا مماسّة، أي: لا يمسّ بعضنا بعضًا، وهو منصوب على التَّبْرِيَةِ، كقولك: لَا رَجُلَ في الدار، وقرئ: (لا مَسَاسِ) بفتح الميم وكسر السين بوزن قَطَامِ (١)، وفيه وجهان: أحدهما: اسم للفعل، كنزالِ ودراكِ. قال أبو إسحاق: وهو نفي قولك: مساس مساس (٢). قال أبو الفتح: فإن قال قائل: فأنت لا تقول: مساس بمعنى امسس، فيا ليت شعري ما الذي نفيت (٣)؟ فالجواب: أنه يقدر تقدير الأمر، كأنه استعمل في الأمر مساس، فنفي على تصور الحكاية والقول وإن لم يستعمل كقولك، أي: لا أقول مساس، لا بد من تقدير الحكاية، ألا ترى أنك لا تقول: لا أضرب، فتنفي بلا لفظ الأمر، لتنافي اجتماع لفظ الأمر والنهي،

стр. 2490

وكذلك لا يصح أن تقول: لا مساس إلا على ما ذكر من تقدير الحكاية. والثاني: هو اسم للخبر، عَلَمٌ للمسَّة، أي: لا تكون بيننا مَمَاسَّةٌ. وقوله: (لن تُخلِفه) قرئ: بضم التاء وكسر اللام (١) على البناء للفاعل وهو السامري، أي: لن تجده مخلفًا، من أخلفت الموعد، إذا وجدته خُلْفًا، كقولك: أحمدتُ فلانًا، وأجبنتُه، إذا وجدتَه محمودًا وبخيلًا، ومنه قوله الأعشى: ٤٣٩ - . . . . . . . . . . . . . ... فَمَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدا (٢) أي: صادفه خُلْفًا. وقيل: المعنى ستأتيه. وقرئ: (لن تُخْلَفَهُ) بضم التاء وفتح اللام (٣) على ترك تسمية الفاعل، وهو الله ، أو موسى ﵇، من أخلفه ما وعده، وهو أن يقول شيئًا ولا يفعله على الاستقبال، وهو يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: القائم مقام الفاعل وهو المخاطب. والثاني: الضمير الراجع إلى الموعد، والتقدير: لن يُخْلِفكه الله، ثم حذفت الجلالة، وأقمت الكاف مقامه، فبقي (لن تُخْلَفَهُ) كما ترى، قال أبو علي: ومعناه سنأتيك به، ولا مذهب لك عنه وهو وعيد، وهذا المعنى في القراءة الأولى أبين، انتهى كلامه (٤).

стр. 2491

وقرئ أيضًا: (لن نُخْلِفَه) بالنون وكسر اللام (١)، على معنى: لن نُخْلِفَكَهُ، أو: لن نخلفك إياه، فحذف المفعول الأول. وهو في جميع الأوجه: صفة لقوله: ﴿مَوْعِدًا﴾. وقوله: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ الجمهور على فتح الظاء، وقرئ: (ظِلْتَ) بكسرها (٢)، وهما لغتان، والأصل: ظَلِلْتَ بلامين، الأولى مكسورة فحذفت الأولى كراهة التضعيف والكسر، وبقيت الظاء على فتحها، ومن كسر الظاء حذف اللام الأولى لما ذكر آنفًا، ونقل حركتها إلى الظاء بعد إزالة حركتها، لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى. و ﴿عَاكِفًا﴾ خبر ﴿ظَلْتَ﴾ وليس بمنصوب على الحال. وقوله: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ الجمهور على ضم النون، وفتح الحاء وكسر الراء مشددًا، بمعنى الإحراق بالنار، وبه قرأ ابن القعقاع: (لَنُحْرِقَنَّهُ) بضم النون وإسكان الحاء، وكسر الراء مخففًا (٣)، غير أنَّ في التشديد معنى الكثرة، وعن الشيخ أبي علي (٤): (لَنُحَرِّقَنَّهُ) في قراءة الجمهور، أنه يجوز أن يكون حَرَّق مبالغة في حَرَقَ الحديد، إذا برده بالمبرد لِيَتَحَاتَّ، وعليه قراءة من قرأ: (لَنَحْرُقَنَّهُ) بفتح النون وإسكان الحاء وضم الراء، وهما ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم (٥).

стр. 2492

وعلى كسر السين في قوله: (لَنَنْسِفَنَّهُ)، وقرئ: بضمها (١)، وهما لغتان بمعنى، والنسف: تذرية الحب في الريح. ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾: قوله : ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ الجمهور على كسر السين مخففًا، وهو فعل يتعدى إلى مفعول واحد، وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، و ﴿عِلْمًا﴾ منصوب على التمييز، وهو في المعنى فاعل، أي: وسع علمه كل شيء، فلما نقل الفعل عنه انتصب عفى التمييز، والمعنى: لم يقصر علمه عن شيء. قيل: وهو من قولهم: وسع الإناء الماء، إذا أحاط به ولم يقصر عنه. وقرئ: (وَسَّعَ) بفتح السين مشددًا (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: معدى إلى مفعولين، وهما: ﴿كُلَّ﴾ و ﴿عِلْمًا﴾، وذلك أنَّ هذا الفعل يتعدى إلى مفعول واحد كما ذكر آنفًا، فلما ضوعفت عينه تعدى إلى مفعولين على معنى: أعطى كل شيء علمًا، ففيه منوي يعود إلى الله جل ذكره. والثاني: وهو قول أبي الفتح: أن يكون بمعنى خرق كل مُصْمَتٍ بعلمه، لأنه بَطْنُ كلِّ مخفي ومستبهم، فصار لعلمه فضاء مُتَّسِعًا، بعدما كان متلاقيًا مجتمِعًا، كقوله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٣) فهذا في العمل، وذلك في العلم، انتهى كلامه (٤). فيكون انتصاب قوله: ﴿عِلْمًا﴾ على التمييز أيضًا.

стр. 2493

﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾: قوله : ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصصًا مثل ذلك القصص السابق ذكره. وقوله: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ﴾ الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للذكر، وهو القرآن، وقيل: لله سبحانه (١). وفي ﴿فَإِنَّهُ﴾ لـ ﴿مَنْ﴾ حملًا على اللفظ، و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من المنوي في ﴿يَحْمِلُ﴾ العائد إلى ﴿مَنْ﴾ ووحد الضمير فيه حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾ وجمع ﴿خَالِدِينَ﴾ على معناه. ولا يجوز أن يكون ﴿خَالِدِينَ﴾ صفة لقوله: ﴿وِزْرًا﴾ لأجل الضمير العائد إليه في قوله: ﴿فِيهِ﴾ لكون ﴿خَالِدِينَ﴾ جاريًا على غير من هو له، وإذا كان كذلك يجب أن يظهر الضمير الذي فيه، فتقول: خالدين فيه هم، لما ذكرت فيما سلف من الكتاب أن اسم الفاعل إذا جرى صفة أو خبرًا [أو حالًا] أو صلة على غير من هو له، لم يستتر فيه ضمير الفاعل بخلاف الفعل (٢). وقوله: ﴿فِيهِ﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: خالدين في جزائه، أي: في جزاء ذلك الإثم. وقوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ (ساء) في حكم بئس، والضمير الذي فيه للحِمل، دل عليه المفسِّرُ وهو ﴿حِمْلًا﴾، والمخصوص بالذم محذوف دل عليه الوزر السابق، والتقدير: ساء الحِمْل حِملًا وزرهم. ولا يجوز أن يكون في (ساء) ضمير الوزر كما زعم بعضهم لأمرين:

стр. 2494

أحدهما: أن المفسِّرَ يجب أن يكون من لفظ اسم ساء المفسَّر. والثاني: أن (ساء) إذا كان في حكم بئس لا يجوز أن يكون المنوي فيه ضمير شيء بعينه، كما لا يجوز أن تكون اللام التي في اسمه للعهد دون الجنس. واللام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (١). و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: منصوب على الظرف. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يجوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كأنه قيل: وساء لهم حملًا يوم ينفخ، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: اذكر ذلك اليوم، فيكون مفعولًا به. وقرئ: (يُنْفَخُ) بضم الياء وفتح الفاء على البناء للمفعول (٢). كقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر: ٦٨]. و (نَنْفُخُ) بنونين، الأولى مفتوحة والثانية ساكنة مع ضم الفاء على البناء للفاعل (٣)، وهو الله عز وعلا. والجمهور على إسكان واو (الصُّوْرِ) وفيه وجهان - أحدهما: أنه شبه قرن يُنْفَخُ فيه. والثاني: جمع صورة، كصوفة وصوف، عن أبي عبيدة (٤)،

стр. 2495

وقرئ: (في الصُّوَرِ) بفتح الواو (١)، وهو جمع صورة، يقال: صُورَةٌ وصُوَرٌ. قال أبو الفتح: وقد يقال فيها: صِيَرٌ، وَأصلها: صِوَرٌ، فقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها (٢). وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ انتصاب قوله: ﴿زُرْقًا﴾ على الحال. و ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ حال أيضًا إما من المجرمين، أو من المنوي في ﴿زُرْقًا﴾، أي: يحشرون زرقًا متخافتين، أي: يتسارون بينهم، فيقول بعضهم لبعض سرًا: ما لبثتم في القبور إلا عشر ليال. يقال: خَفَت كلامه يَخْفِتُ خَفْتًا وخُفُوتًا، إذا أَخْفَاهُ، وأصل الخُفُوت في اللغة: السكون، ومنه: خَفَتَ فلان، إذا مات. و ﴿عَشْرًا﴾: ظرف لِلَّبِثِ، وكذا ﴿يَوْمًا﴾ كما تقول: صمت يومًا، وإن كان العمل في كله. وقوله: ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ (طريقةً) نصب على التمييز. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾: قوله : ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا﴾ الضمير في فيذرها المفعول، وفيه وجهان: أحدهما: للجبال، على معنى: فيدع أماكنها بعد نسفها قاعًا، أي: أرضًا مستوية صلبة لا تراب فيها. ويُجمع القاع على أَقْوُعٍ وَأَقْوَاعٍ وقِيعَانٍ، وقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها، وانتصابه على الحال من الضمير

стр. 2496

المذكور، كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (١). و ﴿صَفْصَفًا﴾ نعته، والصفصف: المستوي، كأنه على صف واحد. والثاني: للأرض، وإن لم يجر لها ذكر للعلم بها. أو على أنه مفعول ثان على تضمين (يذر) معنى يجعل، ولأن الجبال تدل عليها. وقوله: ﴿لَا تَرَى﴾ يجوز أن يكون صفة بعد صفة للقاع، وأن يكون حالًا أيضًا، أي: غير راءٍ أنت فيها عوجًا ولا أمتًا، وأن يكون مستأنفًا، أي: لا ترى فيها اعوجاجًا ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا. ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾: قوله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ (يومئذٍ) معمول ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ والتنوين عوض من الجملة السابقة، أي: يوم إذ نسفت. وقد جوز أن يكون بدلًا بعد بدل من يوم القيامة (٢). وموضع ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ النصب على الحال، أي: يتبعونه غير منحرفين عنه، والمعنى: لا يعوج له مدعو بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته، والضمير في ﴿لَهُ﴾ للداعي. وقيل: المعنى يتبعونه سراعًا لا يتمكثون دونه، ولا يزيغون عنه. وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: سكنت لهيبته ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ أي: إلا صوتًا خفيًا، والهمس: الصوت الخفي، ومنه الحروف المهموسة. وقيل: هو من هميس الإبل، وهو صوت أخفافها إذا مشت، أي: لا تسمع إلا صوت الأقدام في نقلها إلى المحشر (٣).

стр. 2497

﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾: قوله : ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ العامل في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ﴿لَا تَنْفَعُ﴾. وفي محل ﴿مَنْ﴾ وجهان: أحدهما: الرفع على البدل من الشفاعة على تقدير حذف المضاف، أي: لا تنفع الشفاعة أحدًا إلا شفاعة مَنْ أذن له الرحمن، أي لا تنفع الشفاعة مشفوعًا له إلا شفاعة من أذن الرحمن لي في الشفاعة، أي: شفاعة شافع مأذون له في الشفاعة مَرْضِي قوله، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١). ولك أن تقدر أن المضاف كأنه في اللفظ موجود لم يحذف، فيكون في موضع جر، تعضده قراءة من قرأ: (واللَّهُ يريدُ الآخرةِ) (٢) بجر (الآخرةِ) على أن العوض كأنه موجود في اللفظ، وهو ابن جماز (٣). والثاني: النصب على الاستثناء المنقطع، أو على أنه مفعول به مفعول ﴿تَنْفَعُ﴾. و ﴿مَنْ﴾ على الوجهين الأولين هو الشافع، والمشفوع له محذوف، وعلى الوجه الأخير هو المشفوع له، والمعنى: لا تنفع الشفاعة مشفوعًا له إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة له، والأول أمتن، وهو أن يكون المراد بـ ﴿مَنْ﴾ الشافع، يعضده قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٤). وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ لـ ﴿مَا﴾ في قوله:

стр. 2498

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: يعلم سبحانه ذلك، وهم لا يعلمونه، و ﴿عِلْمًا﴾ مصدر مؤكد واقع موقع إحاطة، كأنه قيل: ولا يحيطون به إحاطة. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾: قوله : ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ أي: خضعت وذلت، يقال: عَنَا يَعْنُو عُنُوًّا، إذا خضع وذل، والعاني: الأسير، والمعنى: أنها خضعت وذلت خضوع الأسير في يد المالك القاهر له. وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿يَعْمَلْ﴾. وقوله: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ قرئ: بالرفع (١) على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: فهو لا يخاف، وبالجزم (٢) على النهي. قال أبو علي: اللفظ على النهي، والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لا خوف عليه، انتهى كلامه (٣). وموضع الفاء وما بعدها على القراءتين: جزم بجواب الشرط الذي هو ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾، أي: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن، فليأمن الظلم والهضم. [قال أبو إسحاق] (٤): الهضم: النقص، يقال: هضمه واهتضمه، إذا نقصه حقه. والمعنى: فلا يخاف ظلمًا بالزيادة في سيئاته، ولا هضمًا بالنقص في حسناته، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥). ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ

стр. 2499

يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إنزالًا مثل ذلك الإنزال، وهو معطوف على ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾ (١). و ﴿قُرْآنًا﴾: نصب على الحال، أي: مجموعًا. و ﴿عَرَبِيًّا﴾: نعته، وقد مضى الكلام عليه في أول "يوسف" بأشبع من هذا (٢). وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس، والمفعول محذوف، أي: وصرفنا فيه وعدًا من الوعيد، ويجوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ مزيدة على رأي أبي الحسن، فلا حذف على هذا (٣). وقوله: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿أَوْ يُحْدِثُ﴾ وقرئ: بالإسكان (٤) تخفيفًا، كقوله: ٤٤٠ - . . . . . . . . . . ... . . . . ولا تَعْرِفْكُم العربُ (٥) أي: ولا تَعْرِفُكُم. ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾:

стр. 2500

قوله : ﴿فَنَسِيَ﴾ الجمهور على فتح الياء على الأصل، وقرئ: بإسكانها (١) استثقالًا للحركة عليها. وعلى تخفيف السين، والمنوي فيه لآدم ﵇، وقرئ: (فَنُسِّي) بتشديدها (٢)، والمستكن فيه للشيطان، أي: فنساه الشيطان. وقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ الوجود هنا يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه ﴿لَهُ عَزْمًا﴾، وأن يكون بمعنى الإصابة، و ﴿لَهُ﴾ على هذا يجوز أن يكون من صلة ﴿نَجِدْ﴾، وأن يكون في موضع الحال من عزم، وهو في الأصل صفة له، فلما قدم عليه حكم عليه بالحال. والعزم: هو التصميم على الشيء. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ (إذ) منصوب بمضمر، أي: واذكر يا محمد وقت قولنا لهم. وقوله: ﴿فَتَشْقَى﴾ إنما أفرد بعد قوله: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾ لأن آدم ﵇ هو الأصل، وحواء تابعة له. وقيل: لأن أول الآية خطاب لآدم. وقيل: لمشاكلة رؤوس الآي (٣). ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾:

стр. 2501

قوله : ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾ (ألا تجوع) اسم إنَّ، و ﴿لَكَ﴾ الخبر. وقوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ قرئ: بفتح الهمزة (١) عطفًا على ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ إما على اللفظ، فيكون في موضع نصب، والتقدير: إِنَّ لك عدم الجوع، وعدم العُري، وعدم الظمأ، وجاز أن تقع (أَنّ) المفتوحة معمولة لـ (إنّ) لأجل الفصل بينهما بخبر إنَّ، وإذا فصل بينهما لم يكره، وإنما الممنوع أن تقول: إنَّ أنَّ زيدًا منطلق، كراهة اجتماع حرفين متقاربي المعنى. أو على المحل فيكون في موضع رفع. وقرئ: بكسرها (٢)، إما على العطف على الأول، وهو ﴿إِنَّ لَكَ﴾، أو على الاستئناف. ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾: قوله : ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ﴾ عُدِّيَ هنا بإلى على تضمين ﴿فَوَسْوَسَ﴾ معنى حَدّث وأَسَرَّ، وفي موضع آخر باللام (٣)، على تضمينه معنى ذَكَرَ، أو لأَجْلِهِ. وقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ قيل: يقال: طفق يفعل كذا، مثل: جعل يَفْعَل،

стр. 2502

وأخذ، وأنشأ، وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلًا مضارعًا، وبينها وبينه مسافة قصيرة هي للشروع في أول الأمر، وكاد لمشارفته والدنو منه، وقد مضى الكلام عليها، وعلى ﴿يَخْصِفَانِ﴾ في سورة الأعراف (١). وقوله: ﴿فَغَوَى﴾ الجمهور على فتح الواو وألف بعدها، وهو بمعنى خَاب وضَلَّ عما أُمر به، والغيّ في اللغة: الخيبة والضلال، وقد غَوَى يَغْوي بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر غَيًّا وَغَوَايَةً فهو غَاوٍ وغَوٍ. وقرئ: (فَغَوِيَ) بكسر الواو وفتح الياء (٢)، أي: فبشم من كثرة الأكل، يقال: غَوِيَ الفصيل والسخلة يَغْوَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر غَوًى، وهو أن يشرب اللبن حتى يتخم ويفسد جوفُه (٣). وهذه قراءة مرذولة مردودة، لا يحل لأحد أن يقرأ بها (٤). ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾

стр. 2503

الجمهور على تنوين قوله: ﴿ضَنْكًا﴾ وهو مصدر قولك: ضَنَكَ يَضْنَكُ، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر ضَنْكًا وَضَنَاكةً، وصف به، أي: ذات ضنك، أو جعلت نفس الضنك وعينه للمبالغة. وقرئ: (ضَنْكَى) بغير تنوين، بوزن صرعى (١)، على أن الألف للتأنيث كالتي [في] ذكرَى ونحوها من المصادر. والضَّنْكُ: الضيق، لغتان بمعنى (٢). وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ الجمهور على ضم الراء على الاستئناف، وقرئ: بإسكانها (٣) عطفًا على محل قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، لأنه جواب الذي هو قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾. وقوله: ﴿أَعْمَى﴾ في موضع نصب على الحال في الموضعين. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ يجوز أن يكون محل الكاف الرفع على تقدير: الأمر كذلك، أي: كما ترى، ثم استأنف فقال: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ , أو النصب على أنه مفعول به، أي: فعلنا ذلك جزاء لما صدر منك في الدنيا. أو نعت لمصدر محذوف، أي: تركناك تركًا مثل تركك آياتنا. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ أي: نسيانًا مثل ذلك. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ أي: كما جازينا المُعْرِضَ عن آياتنا، نجزي المسرف جزاء كذلك. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾:

стр. 2504

قوله : ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ اختلف في فاعل الفعل الذي هو لم يهد: فقيل: هو الله ، أي: أفلم يبين الله لهم طريق الاعتبار بكثرة إهلاكه القرون بتكذيبهم الرسل، تعضده قراءة من قرأ: (أفلم نهد) بالنون، وهما عبد الرحمن السلمي، وأبو رجاء وغيرهما (١). وقيل: هو مصدر (لم يهد) أي: أفلم يهد الهدى لهم، دل عليه فعله. وقيل: ما دل عليه ﴿أَهْلَكْنَا﴾، أي: أفلم يهد لهم إهلاكنا القرون. وعن بعض أهل الكوفة: فاعل الفعل هو ﴿كَمْ﴾، وأبى ذلك أهل البصرة، لأن كم استفهام، والاستفهام له صدر الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله، بل هو منصوب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ وهو مفعول مقدم، ومفسره محذوف، والتقدير: كم قرنًا أهلكنا؟ (٢) وقوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾، أي: أفلم يهد لهم في حال مرورهم من ديار المهلكين ومنازلهم؟ . ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾: قوله : ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿كَلِمَةٌ﴾ مبتدأ، و ﴿سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ في موضع الصفة للكلمة، والخبر محذوف، والكلمة السابقة هي العِدَةُ بتأخير جزائهم إلى الآخرة، ﴿وَأَجَلٌ﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾، أي: ولولا كلمة سابقة من ربك بتأخير العذاب عن أمتك وأجل مسمى، وهو يوم القيامة الذي يقع فيه جزاء كل نفس، لكان

стр. 2505

العذاب لازمًا لهم، لا يفارقهم كما لم يفارق القرون الماضية. واللزام: مصدر بمعنى الملازم، عن الجوهري وغيره (١). ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾: قوله : ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي: صَلِّ حامدًا ربك صلاة الفجر وصلاة العصر، والمراد بالتسبيح: الصلاة على ما فسر (٢). وقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ من صلة قوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ عطف على ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ على المحل، أي: فصل من ساعات الليل وأطراف النهار. وقرئ: (وأطرافِ) بالجر (٣) عطفًا على ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ على اللفظ. قيل: وإنما جمع ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ وهما طرفان بشهادة قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (٤)؛ لأنه أراد بالأطراف الساعات، كما قال: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ (٥). وقيل: لأن النهار جنس (٦). وقيل: وضع الجمع موضع التثنية لأمن

стр. 2506

الإلباس، وفي التثنية زيادة بيان (١)، ونظير مجيء الأمرين في الآيتين مجيئهما في قوله: ٤٤١ - . . . . . . . . . . . ... ظَهْرَاهُمَا مثلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ (٢) وواحد آناء الليل: إِنًا، وأَنًا. وإِنيٌ (٣). وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ قرئ بفتح التاء على البناء للفاعل، وهو النبي ﷺ ، وقرئ بضمها على البناء للمفعول (٤)، وهو هو أيضًا ﵊، والقراءتان ترجعان إلى معنىً، لأنه إذا رُضي، رَضي ﵇. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾: قوله : ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في نصب قوله: ﴿زَهْرَةَ﴾ أوجه: أحدها: نصب بفعل مضمر دل عليه ﴿مَتَّعْنَا﴾ أي: متعنا به أزواجًا منهم، وجعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا. والثاني: نصب على البدل من محل الجار والمجرور. وهما ﴿بِهِ﴾، كما تقول: مررت به زيدًا. والثالث: نصب على البدل من قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ على تقدير: ذوي زهرة، أو على جعل الأزواج نفس الزهرة وعينها على المبالغة، كقولك: رجلٌ صَوْمٌ وزَوْرٌ، تجعله نفس الصوم والزور وعينهما.

стр. 2507

ولا يجوز أن تكون منصوبة بمتعنا على تضمينه معنى أعطينا وخولنا كما زعم الزمخشري (١)، لأنه إذا ضمن ﴿مَتَّعْنَا﴾ معنى أعطينا وخولنا حكم بزيادة الباء، فيصير التقدير: ولا تمدن عينيك إلى ما خولناه أزواجًا منهم، والفعل إذا استوفى مفعوليه، لم يتعد إلى ثالث. ولا أن يكون بدلًا من محل (ما) في قوله: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ كما زعم بعضهم (٢)، لأن قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ من صلة ﴿مَا﴾ متعلق بمتعنا، ولا يتقدم المبدل على ما هو في الصلة، لأن البدل لا يكون إلا بعد تمام الصلة للمبدل منه، وقد نصت النحاة على أن الموصول لا يبدل منه وقد بقت منه بقية، اللهم [إلا] أن تجعل ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ من صلة محذوف تقديره: فعلنا ذلك لنفتنهم فيه. فإن قلت: فكيف تُجَوِّزُ البدلَ من ﴿بِهِ﴾، أو من ﴿أَزْوَاجًا﴾ وكلاهما داخل في الصلة معمول ﴿مَتَّعْنَا﴾ كالمذكور؟ قلت: الممنوع إنما هو من الموصول عينه قبل تمامه، لا مما في الصلة، فاعرفه فإنه موضع لطيف. والرابع: نصب على الذم، وهو النصب على الاختصاص. والخامس: نصب على الحال من ﴿مَا﴾ أو من الضمير في ﴿بِهِ﴾ وحذف التنوين منها لالتقاء الساكنين، هو واللام من ﴿الْحَيَاةِ﴾ تعضده قراءة: (ولا الليلُ سابقُ النهارَ) (٣) بنصب (النهار) بـ (سابق)، على تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام بعده، وجر الحياة على هذا على البدل من (ما) في قوله: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا﴾، كأنه: ولا تمدن عينيك إلى الحياة الدنيا زهرة، أي: في حال زَهْرَتِهَا، وزَهْرَتُها: زينتها وبهجتها وما يروق الناظر منها عند الرؤية (٤).

стр. 2508

عن الفراء: أنها نصب على الحال أيضًا، غير أنه يحكم بزيادة الألف واللام، واستدل بقول العرب: مررت به الشريف والكريم (١)، فتنصب على الحال، على تقدير: زيادة الألف واللام، وهذا فيه ما فيه عند من تأمل. وعنه أيضًا: نصب على التمييز (٢)، والمميز (ما) أو الضمير في به، وفيه نظر لكونها مضافًا إلى ما فيه حرف التعريف. ويقال: زَهْرَة وزَهَرة بإسكان الهاء وتحريكها من أجل حرف الحلق، وقد قرئ بهما (٣). ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾: قوله : ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: والعاقبة المحمودة لأهل التقوى، بشهادة قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤). وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ﴾ قرئ: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ﴾ بالتاء النقط من فوقها، لتأنيث لفظ البينة، وبالياء النقط من تحته (٥)، لأجل الفصل، أو لأن البينة والبيان بمعنى.

стр. 2509

والجمهور على إضافة ﴿بَيِّنَةُ﴾ إلى ﴿مَا﴾ وحكى الكسائي: بتنوين (بينةٌ) مرفوعةٌ (١)، و ﴿مَا﴾ على قوله بدل من (بينة)، أو خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هي ما في الصحف الأولى. وأجيز نصب (بينةً) على الحال من ﴿مَا﴾ (٢)، ولا يجوز أن يكون حالًا من المنوي في الظرف، وهو ﴿فِي الصُّحُفِ﴾، لأن العامل معنى، و ﴿مَا﴾ رَفْعٌ على الفاعلية. وقرئ: (في الصُّحْفِ) بالإسكان تخفيفًا (٣). ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ محل ﴿أَنَّا﴾ الرفع بمضمر، أي: لو وقع هذا، لأن (لو) لا يليه إلا الفعل. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل الرسول، أو من قبل القرآن. وقوله: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ منصوب على جواب ﴿لَوْلَا﴾ لأنه بمعنى (هلَّا). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ الجمهور على لفظ بناء الفاعل فيهما، وقرئ: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نُذَلَّ وَنُخْزَى) على ترك تسمية الفاعل (٤)، ووجههما ظاهر.

стр. 2510

وقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ﴾ (من) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿أَصْحَابُ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾، ولا يجوز أن تكون موصولة منصوبة المحل بستعلمون كما زعم الفراء، لعدم العائد إليها من الصلة (١). وقوله: ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ استفهام أيضًا عطف جملة على جملة، أي: فستعلمون في الآخرة مَن أصحاب الطريق المستقيم، ومن اهتدى من الضلالة، نحن أم أنتم. و﴿السَّوِيِّ﴾: المستوي، وهو الذي يستوي بسالكه فيؤديه إلى نجاحه، وهو قراءة الجمهور، وحكي فيه قراءات آخر: (السَّوَاء) بفتح السين والواو ممدودًا. بمعنى الوسط. و (السَّوْء) بفتح السين وإسكان الواو مهموزًا، بمعنى: الرداءة والشر، و (السُّوّى) بضم السين بوزن حُبْلَى (٢)، وهو تأنيث الأسوأ، قال أبو جعفر: وتأنيث الصراط شاذ قليل (٣). و (السُّوَيِّ) تصغير السوء (٤). هذا آخر إعراب سورة طه والحمد لله وحده

стр. 2511

إعراب سُورَةُ الأَنبيَاءِ ﵈ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾: قوله : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (اقترب) افتعل من القرب، قيل: وحقيقة القرب قلة ما بين الشيئين، وهو على ثلاثة أوجه: قرب زمان، وقرب مكان، وقرب حال، وهو هنا من قرب الزمان، إذ المراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك. واللام في ﴿لِلنَّاسِ﴾ من صلة ﴿اقْتَرَبَ﴾. وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (وهم) مبتدأ خبره ﴿مُعْرِضُونَ﴾. و ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها من صلة ﴿مُعْرِضُونَ﴾. والثاني حال من المنوي في ﴿مُعْرِضُونَ﴾. والثالث خبر الابتداء الذي هو ﴿وَهُمْ﴾، و ﴿مُعْرِضُونَ﴾ على هذا خبر بعد خبر، ويجوز في الكلام نصبه على الحال من المستكن في الخبر (١)، والواو في ﴿وَهُمْ﴾ واو الحال. ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾: قوله : ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ الجمهور على جر ﴿مُحْدَثٍ﴾ حملًا على لفظ ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾: على النعت، وقرئ: بالرفع (٢)

стр. 2512

حملًا على المحل كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) وغيرِه، وأجاز الكسائي: نصبه على الحال (٢). ومعنى محدث: محدث النزول، لأن القرآن أُنزل آية آية، وسورة سورة، وهو كلام رب العالمين، وصفة من صفات ذاته غير محدث، وغير مخلوق، ومن قال غير هذا فهو كافر مبتدع زنديق، لا تحل الصلاة عليه. وقيل: المراد بالذكر هنا الرسول ﵇ (٣) كقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ (٤) على قول من جعل الذكر الرسول (٥). وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يجوز فيه أوجه: أن يكون من صلة الإِتيان، وأن يكون في موضع الصفة لـ ﴿ذِكْرٍ﴾، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿مُحْدَثٍ﴾، وأن يكون من صلة ﴿مُحْدَثٍ﴾، والأجود أن يكون صفة لـ ﴿ذِكْرٍ﴾. وقوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ في محل النصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾. ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾: قوله : ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ نصب على الحال من الضمير [المرفوع] في ﴿يَلْعَبُونَ﴾، وإن شئت من ذي الحال الأول، وهذا معنى قول بعض النحاة: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ حالان مترادفتان، أو متداخلتان (٦). و ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ رفع بأنها الفاعلة لقوله: ﴿لَاهِيَةً﴾، فاللهو فعل

стр. 2513

للقلوب وحال لأصحابها، كما أن الاختلاف في قوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ (١) فعل للألوان، وصفة للثمرات، ولها نظائر في التنزيل. وقرئ: (لاهيةٌ) بالرفع (٢) على أنه خبر [بعد خبر] (٣) لقوله: ﴿وَهُمْ﴾. والقلوب مرتفعة بها أيضًا على الفاعلية. وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في محل ﴿الَّذِينَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع، وفيه خمسة أوجه - أحدها: بدل من الواو في ﴿أَسَرُّوا﴾ إعلامًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. والثاني: فاعل ﴿أَسَرُّوا﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث. و: ٤٤٢ - . . . . . . . . . ... . . . . . يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقاربُه (٤) والثالث: فاعل فعل مضمر، أي: وأسروا النجوى، وقال الذين ظلموا كيت وكيت. والرابع: مبتدأ خبره محذوف تقديره: الذين ظلموا يقولون: هل هذا إلا بشر مثلكم؟ دل عليه هذا المقول. والخامس: بالعكس، أي: هم الذين ظلموا. والثاني: النصب على الذم. والثالث: الجر على البدل من (الناس) أو على النعت لهم (٥).

стр. 2514

وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ الواو واو الحال. وقوله: ﴿هَلْ هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في موضع نصب إما على البدل من ﴿النَّجْوَى﴾ أي: وأسروا هذا الحديث، أو معمول القول مضمرًا، أي: قالوا ذلك. ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾: قوله : (قل ربي) قرئ على الأمر لرسول الله ﷺ ، و ﴿قَالَ رَبِّي﴾: على الخبر (١) حكاية لقوله ﵇ لهم. وقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿يَعْلَمُ﴾، وأن يكون حالًا من القول، فيكون من صلة محذوف، ويجوز أن يكون حالًا من المنوي في ﴿يَعْلَمُ﴾، والذي جوز ذلك عطف الأرض عليها، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال (٢). وقوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ خبر مبتدإٍ محذوف، أي: ما أتى به محمد ﷺ أضغاث أحلام. وقوله: ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف و (ما) مصدرية، أي: فليأتنا بآية إتيانًا مثل إرسال الأولين، قيل: وصحة التشبيه في قوله: ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ من حيث إنه في معنى: كما أتى الأولون بالآيات، لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان

стр. 2515

بالآيات، ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول: أُرسل محمد ﷺ [وبين قولك أتى محمد] ﷺ بالمعجزة (١). ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾: قوله : ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ في موضع النعت لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، إما على اللفظ، أو على المحل، أي مهلكةٍ أو مهلكةٌ، كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وغيرِه، وقد قرئ بهما (٢). وقوله: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام تبعيد بمعنى النفي، أي: لا يؤمنون. وقوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قرئ بالياء مبنيًا للمفعول (٣)، والقائم مقام الفاعل ﴿إِلَيْهِمْ﴾. وبالنون (٤) والمفعول محذوف، وهو ما أمر الله به عباده ونهاهم عنه. وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ (جسدًا) مفعول ثان، ويجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى الخلق، فيكون حالًا، والمراد بالجسد هنا: الجمع، لأنه جنس. وقيل: هو في الأصل مصدر سمي به، ولذلك لم يجمع، وفي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: ذوي جسد (٥).

стр. 2516

وقوله: ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ يجوز أن يكون صفة لجسد إن جعلته مفعولًا ثانيًا، وأن يكون حالًا، إن جعلته حالًا على معنى: وما جعلنا الرسل قبله ذوي جسد غير طاعمين. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)﴾: قوله : ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ في محل النصب على النعت لكتاب، و ﴿ذِكْرُكُمْ﴾ يجوز أن يكون المصدر مضافًا إلى المفعول والفاعل محذوف، أي: ذِكْرنا إياكم، وأن يكون مضافًا إلى الفاعل والمفعول محذوف، أي: ذِكْركم ما تريدون وما تكرهون. وقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ (كم) خبرية في موضع نصب بقوله: ﴿قَصَمْنَا﴾، والقصم: كسر الشيء الصلب قهرًا. و ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾: في موضع النعت لقرية، وجاز وصفها بالظلم، لأن المراد أهلها. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ جواب (لما) ما دل عليه ﴿إِذَا هُمْ﴾ أي: فلما أحسوا بأسنا أخذوا وشرعوا يهربون من قريتهم، و ﴿إِذَا﴾ هنا مكانية، وعاملها ﴿يَرْكُضُونَ﴾، والإحساس: إدراك الشيء بالحاسة، والركض: ضرب الدابة بالرِّجْلِ (١). ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾: قوله : ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ الإشارة إلى الكلمة أو المقالة، أي: فما زالت كلمة الويل دعواهم، أي: دعاؤهم. و ﴿تِلْكَ﴾ اسم زالت، و ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ خبرها، أو بالعكس.

стр. 2517

وقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ (هم) مفعول أول و ﴿حَصِيدًا﴾ ثان، وكذا ﴿خَامِدِينَ﴾، وذلك أن المفعول الأول الذي هو (هم) في الأصل مبتدأ، والمنصوبان بعده خبران له، كقولك: هذا حُلْوٌ حَامِضٌ، فلما دخل عليها جعل نصبها جميعًا على المفعولية، وجاز أن يكون لِجَعَلَ ثلاثة مفاعيل، لأن حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد، وذلك أن معنى قول القائل: جعلته حلوًا حامضًا، جعلته جامعًا للطعمين، وكذلك معنى ذلك جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود (١). والحصيد: الزرع المحصود، أي: جعلناهم مثل الحصيد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فلذلك لم يجمع كما لا يجمع المقدر وهو المثل. ومعنى ﴿خَامِدِينَ﴾، ميتين، كخمود النار إذا أطفئت. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿خَامِدِينَ﴾ حالًا من الهاء والميم؟ قلت: لا يبعد ذلك، غير أن الأول أمتن. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾: قوله : ﴿لَاعِبِينَ﴾ نصب على الحال من النون والألف في ﴿خَلَقْنَا﴾. وقوله: ﴿إِنْ كُنَّا﴾ إن هنا تحتمل أوجهًا: أن تكون نافية بمعنى (ما) على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا فاعلين ذلك. وأن تكون شرطية. وأن تكون بمعنى لو، أي: لو كنا فاعلين ذلك لاتخذناه من لدنا ولكنا لسنا بفاعلين لكونه مستحيلًا منا.

стр. 2518

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾: قوله : ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ الجمهور على رفعه وهو الوجه، إذ لا موجب لنصبه، وقرئ: (فَيَدْمَغَهُ) بالنصب (١)، قال الزمخشري: وهو في ضعف قوله: ٤٤٣ - سأَتْرُكُ مَنْزِلِي لَبنِي تَمِيمٍ ... وأَلْحَقُ بالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا (٢) والمعنى: فيهلكه ويكسره، وأصله أن يصيب أم الدماغ، وهو مقتل، فيهلكه. وقوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (مما تصفون) في موضع الحال من المنوي في (لكم) على رأي صاحب الكتاب ﵀، أو من الويل على مذهب أبي الحسن ﵀. و (ما) موصولة، أو مصدرية، أي: من وَصْفِكم، ويجوز أن تكون إبهامية بمعنى شيء. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وابتداء وخبر، ولك أن تعطف ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ على ﴿مَنْ﴾ الأولى المرفوعة، إما بالابتداء أو بالظرف، وهي قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، فقوله: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ على هذا الوجه في موضع الحال، إما مِنْ ﴿مَنْ﴾ الأولى، أو ﴿مَنْ﴾ الثانية، أو مِن المنوي في أحد

стр. 2519

الظرفين، وهو ﴿لَهُ﴾ أو ﴿عِنْدَهُ﴾، أي غير مستكبرين وغير مستحسرين، وكذا ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ في موضع الحال أيضًا، ويجوز أن يكون مستأنفًا، وكذا ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿يُسَبِّحُونَ﴾. والاستكبار: التعظيم. والاستحسار: الانقطاع، من الإعياء. والفتور: الضعف. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (أم) هنا المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة التي للاستفهام، والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، وهو يتضمن معنى النفي، أي: لم يتخذوا آلهة من صفتها كيت وكيت. و﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يجوز أن يكون من صلة الاتخاذ، و ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية. وأن يكون في موضع الصفة لـ ﴿آلِهَةً﴾، وكذا ﴿يُنْشِرُونَ﴾. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ حالًا من ﴿آلِهَةً﴾ لكونها خصصت بالصفة، أو من المنوي في الظرف؟ قلت: لا، لأن الجملة الإسمية إذا وقعت حالًا لا بد لها من رابط وهو الواو في الأمر العام. والجمهور على ضم الياء وكسر الشين في (يُنْشِرُون)، وقرئ (يَنْشُرُونَ) بفتح الياء وضم الشين (١)، وهما لغتان بمعنى، أنشر الله الموتى ونشرهم، إذا أحياهم، غير أن الإنشار أكثر من النشر الذي في معناه. وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ (إلَّا) هنا بمعنى غير، وهو مع ما بعده صفة لآلهة، أي: آلهة غير الله، ولهذا ارتفع ما بعد إلا.

стр. 2520

ولا يجوز أن يكون الرفع على البدل، لأن البدل في الموجب غير جائز، ألا ترى أنك لا تقول: جاءني القوم إلا زيد، على حد قولك: ما جاءني أحد إلا زيد، لأجل أنّ البدل يوجب إسقاط الأول، فقولك: ما جاءني أحد إلا زيد، بمنزلة قولك: ما جاءني إلا زيد، وليس كذا قولك: جاءني القوم إلا زيد، لأجل أنه لا تقدر أن تقول: جاءني إلا زيد، لأجل أن رفع زيد بالفعل يوجب إثبات المجيء له، وليس المعنى على هذا، وإنما الغرض أن يُنفى المجيء عنه، وإذا كان كذلك علمت أن قوله جل ذكره: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ بمعنى غير الله، وأن قوله: ﴿آلِهَةٌ﴾ لا يجوز أن يكون في حكم الساقط، إذ لو أسقطته لصار إلى قولك: لو كان فيهما إلّا الله لفسدتا. وهذا فاسد لفساد المعنى، لأن الله عز وعلا هو خالقهما، ووجودهما بإنشائه وإحداثه، فكيف تفسدان بوجوده فيهما؟ ولا يجوز النصب على الاستثناء لفساد المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: لو جاءني القوم إلا زيدًا - بالنصب - لأعطيتهم كذا وكذا. كان المعنى: أن الإعطاء امتنع لكون زيد مع القوم، وكذا في الآية لو نصبت لكان المعنى: أن فسود السموات والأرض امتنع لكون الله مع الآلهة فيهما، وهذا ظاهر الفساد لإثبات الآلهة مع الله، تعالى الله عما يقول الظالمون. وأبين من هذا أنك لو قلت: لو كان فيهما آلهة إلا الله بالنصب لفسدتا، لكان فاسدًا، لأنه يوهم أنك لو قلت: لو كان فيهما آلهة مع الله لما فسدتا، وهذا ظاهر الفساد، وإذا رفعت على الوصف لا يلزم منه مثل ذلك، والمعنى: لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا، لخربتا، وهلكتا بسبب التمانع والتنازع بين الآلهة، فاعرفه. وعن الفراء: (إلا) هنا بمعنى سوى (١)، وهو حسن، غير أن ما عليه

стр. 2521

أصحابنا أمتن، لا بل هو الوجه عند من تأمله. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾: قوله : ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ الجمهور على ترك التنوين في ﴿ذِكْرُ﴾ فيهما على الإضافة إلى ﴿مَنْ﴾، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، على معنى: أن هذا الكتاب [المنزل] (١) عَلَيَّ وهو القرآن - هو ذكر مَن معي مِن الأمة، وذكر من معي من الأمم المتقدمة، أي: يشتمل على ذكر هذه الأمة، وذكر الأمم السالفة، وليس فيه جواز اتخاذ آلهة سوى الله. أو إلى الفاعل، على معنى: أن هذا الذي أتلوه عليكم، أن الله تعالى فرد صمد، وأنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، قول من معي في عصري، ومن قبلي من أهل الكتاب، أي ذكر ذلك من معي ومن قبلي. وقرئ: (ذِكْرٌ مَنْ مَعِي وذِكْرٌ مَنْ قَبْلِي) بالتنوين (٢)، وهو الأصل، و (مَنْ) مفعول منصوب بالذكر، أو فاعل مرفوع به على المعنيين. وقرئ أيضًا: (هذا ذِكْرٌ مِنْ معي وذكرٌ مِنْ قبلي) بالتنوين في (ذكر) فيهما وكسر الميم من (مِن) في الموضعين (٣). قال أبو الفتح: حكى صاحب الكتاب وأبو زيد: جئت مِنْ مَعِهِمْ، بمعنى من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكر منْ عندي ومن قبلي، أي: جئت به، كما جاء به الأنبياء من قبلي، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤) وتجويز

стр. 2522

دخول (مِن) على (مع) دليل على أنه اسم هو ظرف، كقبل وبعد وعند ولدن وما أشبه ذلك من الأسماء التي هي الظروف، فدخل عليه (مِنْ) كما يدخل على أخواته (١). وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ الجمهور على نصب ﴿الْحَقَّ﴾ بالفعل الذي قبله وهو ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقرئ: بالرفع (٢) على إضمار مبتدأ أي: هذا، أو هو الحقُّ. وقوله: ﴿أَنَّهُ﴾ هو القائم مقام الفاعل، والضمير ضمير الشأن والحديث. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾: قوله : ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ خبر مبتدإٍ محذوف، أي: بل هم عباد، وأجاز الفراء: (عبادًا) بالنصب على بل اتخذ عبادًا (٣). و ﴿مُكْرَمُونَ﴾ صفة لهم، وكذا و ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ﴾. وقوله: ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ في محل (ذلك) وجهان - أحدهما: الرفع بالابتداء و ﴿نَجْزِيهِ﴾ الخبر، والهاء تعود إلى ذا و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مفعول ثان لنجزيه، والجملة جواب الشرط الذي هو ﴿وَمَنْ يَقُلْ﴾، والإشارة في قوله: ﴿فَذَلِكَ﴾ إلى (مَن)، أي: فذلك القائل نجزيه جهنم على ادعائه الإلهيّة، والثاني: النصب بفعل دل عليه ﴿نَجْزِيهِ﴾.

стр. 2523

وقرئ: (نُجْزِيهُ) بضم النون والهاء (١)، على أن الأصل نجزئ به جهنم، أي: نكفيها به، أي: نمكنها منه فتأتي عليه، كأنها تطلب باستيفائها إياه الاكتفاء بذلك، من قولهم: أجزأني الشيء، أي: كفاني، ثم حذف حرف الجر فصار نجزئه جهنم، أي: نطعمه جهنم، ثم أبدلت الهمزة ياء على حد: أَخْطَيْتُ، وَقَرَيْتُ، فصارت نُجْزِيهُ، وأُقِرَّت الهاء على ضمتها تنبيهًا على أنّ الأصل الهمز وأن حكمه باق، وأن ما عرض فيه من البدل لم يكن عن قويّ عذر، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (٢). وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نجزيهم جهنم جزاء مثل ذلك. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾: قوله : ﴿أَوَلَمْ﴾ قرئ بالواو (٣) ردًّا للكلام بالعاطف على ما قبله، وقرئ: (ألم) بحذفها (٤) على استئناف الكلام، وكلٌّ من الفريقين وافق رسمه (٥). وقوله: ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ الجمهور على إسكان التاء، وهو مصدر قولك: رتق فلان الفتق يرتقه رَتْقًا إذا سدّه، ولكونه مصدرًا وُحِّد، أي: كانتا ذواتي رتق، أو مرتوقتين، كخلق الله، وصيد الصائد، وكل شيئين

стр. 2524

متصلين لا فرجة بينهما فهو رتق، أي: مرتوق. وقرئ: (رَتَقًا) بفتح التاء (١)، وهو بمعنى المرتوق، قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجيء المصدر على فَعْل ساكن العين، واسم المفعول منه على فَعَلٍ مفتوحها، وذلك قولهم: النَّقْضُ للمصدر والنَّقَضُ للمنقوض، والخَبْطُ المصدر، والخَبَطُ: الشيء المخبوط، وكذا الرّتَقُ بمعنى المرتوق (٢). وهو على تقدير حذف موصوف، أي: كانتا شيئًا رتقًا، أي: مرتوقًا. ومعنى ذلك: أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما، فجعل بينهما الهواء، أو كانت السموات متلاصقات، وكذلك الأرضون، لا فرج بينهما، ففتقها الله، وفرج بينها. وقيل: فتقت السماء بالمطر، والأرض بالنبات (٣). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ الجعل هنا يجوز أن يكون بمعنى التصيير، فيتعدى إلى مفعولين وهما: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فكل شيء مفعول أول، و ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ ثانٍ، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وصيرنا حياة كل شيء من الماء، فحذف المضاف اكتفاء بقوله: ﴿حَيٍّ﴾، وهو صفة لشيء. وقرئ: (حَيًّا) بالنصب (٤)، وذلك يحتمل وجهين - أحدهما: أن يكون هو المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنَا﴾ ويكون الظرف لغوًا. والثاني: أن يكون صفة لـ ﴿كُلَّ﴾ والظرف على بابه.

стр. 2525

وأن يكون بمعنى الخلق، فيتعدى إلى مفعول واحد، وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: وخلقنا من الماء كل حيوان. و﴿مِنَ الْمَاءِ﴾: يجوز أن يكون من صلة ﴿جَعَلْنَا﴾، وأن يكون صفة لـ ﴿كُلَّ﴾ في الأصل، فلما تقدم عليه حكم عليه بالحال. ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾: قوله : ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي: كراهة أو مخافة أن تميد بهم، أي: تميل وتضطرب، أو لأن لا تميد بهم، فحذف لا واللام لعدم الإلباس، وهذا مذهب أهل الكوفة (١). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ (فيها) أي: في الرواسي، أو في الأرض، وانتصاب قوله: ﴿فِجَاجًا﴾ على الحال من سبل، وهو في الأصل صفة لها، بشهادة قوله جل ذكره في موضع آخر: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ (٢) فلما تقدمت عليها جعلت حالًا، كقوله: ٤٤٤ - لِعَزَةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمٌ ... . . . . . . . . . . . . (٣) قيل: والفرق بينهما من جهة المعنى: أن أحدهما إعلام بأنه جعل فيها طرقًا واسعة. والثاني: بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة، فهو بيان لما أبهم ثمة (٤). وقيل: (سبلًا) بدلٌ منها (٥). والوجه هو الأول.
следующие страницы →