أصحابنا أمتن، لا بل هو الوجه عند من تأمله.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ الجمهور على ترك التنوين في ﴿ذِكْرُ﴾ فيهما على الإضافة إلى ﴿مَنْ﴾، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، على معنى: أن هذا الكتاب [المنزل] (١) عَلَيَّ وهو القرآن - هو ذكر مَن معي مِن الأمة، وذكر من معي من الأمم المتقدمة، أي: يشتمل على ذكر هذه الأمة، وذكر الأمم السالفة، وليس فيه جواز اتخاذ آلهة سوى الله.
أو إلى الفاعل، على معنى: أن هذا الذي أتلوه عليكم، أن الله تعالى فرد صمد، وأنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، قول من معي في عصري، ومن قبلي من أهل الكتاب، أي ذكر ذلك من معي ومن قبلي.
وقرئ: (ذِكْرٌ مَنْ مَعِي وذِكْرٌ مَنْ قَبْلِي) بالتنوين (٢)، وهو الأصل، و (مَنْ) مفعول منصوب بالذكر، أو فاعل مرفوع به على المعنيين.
وقرئ أيضًا: (هذا ذِكْرٌ مِنْ معي وذكرٌ مِنْ قبلي) بالتنوين في (ذكر) فيهما وكسر الميم من (مِن) في الموضعين (٣). قال أبو الفتح: حكى صاحب الكتاب وأبو زيد: جئت مِنْ مَعِهِمْ، بمعنى من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكر منْ عندي ومن قبلي، أي: جئت به، كما جاء به الأنبياء من قبلي، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤) وتجويز
стр. 2522
دخول (مِن) على (مع) دليل على أنه اسم هو ظرف، كقبل وبعد وعند ولدن وما أشبه ذلك من الأسماء التي هي الظروف، فدخل عليه (مِنْ) كما يدخل على أخواته (١).
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ الجمهور على نصب ﴿الْحَقَّ﴾ بالفعل الذي قبله وهو ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقرئ: بالرفع (٢) على إضمار مبتدأ أي: هذا، أو هو الحقُّ.
وقوله: ﴿أَنَّهُ﴾ هو القائم مقام الفاعل، والضمير ضمير الشأن والحديث.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ خبر مبتدإٍ محذوف، أي: بل هم عباد، وأجاز الفراء: (عبادًا) بالنصب على بل اتخذ عبادًا (٣). و ﴿مُكْرَمُونَ﴾ صفة لهم، وكذا و ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ﴾.
وقوله: ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ في محل (ذلك) وجهان - أحدهما: الرفع بالابتداء و ﴿نَجْزِيهِ﴾ الخبر، والهاء تعود إلى ذا و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مفعول ثان لنجزيه، والجملة جواب الشرط الذي هو ﴿وَمَنْ يَقُلْ﴾، والإشارة في قوله: ﴿فَذَلِكَ﴾ إلى (مَن)، أي: فذلك القائل نجزيه جهنم على ادعائه الإلهيّة، والثاني: النصب بفعل دل عليه ﴿نَجْزِيهِ﴾.
стр. 2523
وقرئ: (نُجْزِيهُ) بضم النون والهاء (١)، على أن الأصل نجزئ به جهنم، أي: نكفيها به، أي: نمكنها منه فتأتي عليه، كأنها تطلب باستيفائها إياه الاكتفاء بذلك، من قولهم: أجزأني الشيء، أي: كفاني، ثم حذف حرف الجر فصار نجزئه جهنم، أي: نطعمه جهنم، ثم أبدلت الهمزة ياء على حد: أَخْطَيْتُ، وَقَرَيْتُ، فصارت نُجْزِيهُ، وأُقِرَّت الهاء على ضمتها تنبيهًا على أنّ الأصل الهمز وأن حكمه باق، وأن ما عرض فيه من البدل لم يكن عن قويّ عذر، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (٢).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نجزيهم جهنم جزاء مثل ذلك.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾:
قوله : ﴿أَوَلَمْ﴾ قرئ بالواو (٣) ردًّا للكلام بالعاطف على ما قبله، وقرئ: (ألم) بحذفها (٤) على استئناف الكلام، وكلٌّ من الفريقين وافق رسمه (٥).
وقوله: ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ الجمهور على إسكان التاء، وهو مصدر قولك: رتق فلان الفتق يرتقه رَتْقًا إذا سدّه، ولكونه مصدرًا وُحِّد، أي: كانتا ذواتي رتق، أو مرتوقتين، كخلق الله، وصيد الصائد، وكل شيئين
стр. 2524
متصلين لا فرجة بينهما فهو رتق، أي: مرتوق.
وقرئ: (رَتَقًا) بفتح التاء (١)، وهو بمعنى المرتوق، قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجيء المصدر على فَعْل ساكن العين، واسم المفعول منه على فَعَلٍ مفتوحها، وذلك قولهم: النَّقْضُ للمصدر والنَّقَضُ للمنقوض، والخَبْطُ المصدر، والخَبَطُ: الشيء المخبوط، وكذا الرّتَقُ بمعنى المرتوق (٢). وهو على تقدير حذف موصوف، أي: كانتا شيئًا رتقًا، أي: مرتوقًا. ومعنى ذلك: أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما، فجعل بينهما الهواء، أو كانت السموات متلاصقات، وكذلك الأرضون، لا فرج بينهما، ففتقها الله، وفرج بينها.
وقيل: فتقت السماء بالمطر، والأرض بالنبات (٣).
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ الجعل هنا يجوز أن يكون بمعنى التصيير، فيتعدى إلى مفعولين وهما: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فكل شيء مفعول أول، و ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ ثانٍ، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وصيرنا حياة كل شيء من الماء، فحذف المضاف اكتفاء بقوله: ﴿حَيٍّ﴾، وهو صفة لشيء.
وقرئ: (حَيًّا) بالنصب (٤)، وذلك يحتمل وجهين - أحدهما: أن يكون هو المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنَا﴾ ويكون الظرف لغوًا. والثاني: أن يكون صفة لـ ﴿كُلَّ﴾ والظرف على بابه.
стр. 2525
وأن يكون بمعنى الخلق، فيتعدى إلى مفعول واحد، وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: وخلقنا من الماء كل حيوان.
و﴿مِنَ الْمَاءِ﴾: يجوز أن يكون من صلة ﴿جَعَلْنَا﴾، وأن يكون صفة لـ ﴿كُلَّ﴾ في الأصل، فلما تقدم عليه حكم عليه بالحال.
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي: كراهة أو مخافة أن تميد بهم، أي: تميل وتضطرب، أو لأن لا تميد بهم، فحذف لا واللام لعدم الإلباس، وهذا مذهب أهل الكوفة (١).
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ (فيها) أي: في الرواسي، أو في الأرض، وانتصاب قوله: ﴿فِجَاجًا﴾ على الحال من سبل، وهو في الأصل صفة لها، بشهادة قوله جل ذكره في موضع آخر: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ (٢) فلما تقدمت عليها جعلت حالًا، كقوله:
٤٤٤ - لِعَزَةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمٌ ... . . . . . . . . . . . . (٣)
قيل: والفرق بينهما من جهة المعنى: أن أحدهما إعلام بأنه جعل فيها طرقًا واسعة. والثاني: بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة، فهو بيان لما أبهم ثمة (٤).
وقيل: (سبلًا) بدلٌ منها (٥). والوجه هو الأول.
стр. 2526
والفجاج: جمع فج، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾:
قوله : ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (كل) رفع بالابتداء، والتنوين فيه عوض من المضاف إليه، أي: كلها، أو كلهم لقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾، وجيء بضمير الجمع على معنى ﴿كُلٌّ﴾ وذُكّر لوصفها بوصف العقلاء وهو السباحة.
وفي الخبر وجهان - أحدهما: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ و ﴿فِي فَلَكٍ﴾ من صلة الخبر، والثاني: ﴿فِي فَلَكٍ﴾، و ﴿يَسْبَحُونَ﴾ على هذا حال من المنوي فيه، أو خبر بعد خبر.
والضمير للشمس، والقمر، والنجوم ودل على النجوم ذكرهما، أي: كل من الشمس والقمر والنجوم يَسْبحون، أي: يسيرون ويجرون في فلك.
وقيل: الضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة، جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها، وهو السبب في جمعها بالشموس والأقمار، وإلا فالشمس واحدة، والقمر واحد.
والجملة التي هي ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ مستأنفة، وقيل: في موضع نصب على الحال من الشمس والقمر دون الليل والنهار، كما تقول: رأيت زيدًا وهندًا ضاحكة (١).
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ الهمزة التي للاستفهام في قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ﴾ عند صاحب الكتاب ﵀ في موضعها، وإذا دخلت على حرف الشرط في نحو: أإِن تأتني آتك، لم تُبطل عمله، بل يعمل كما يعمل إذا لم تدخل عليه، نحو: إنْ تأتني آتك (٢)، وَزَعْمُ أن الهمزة في مثل هذا
стр. 2527
حقها أن تدخل على الجزاء والتقدير: أَفَهُمُ الخالدون إنْ مِتَّ؛ لأن الغرض التنبيه أو التوبيخ على هذا الفعل المشروط، لكنها دخلت على الشرط، لأن الاستفهام له صدر الكلام؟ والقول قول صاحب الكتاب، لأن الهمزة لها صدر الكلام، وإنْ لها صدر الكلام، فقد وقعا في موضعهما، والشيء إذا وقع في رتبته لم ينو به التأخير من غير اضطرار، وأيضًا فإن المعنى [لم] (١) يتم بدخول الهمزة على جملة الشرط والجواب، لأنهما كالشيء الواحد. والفاء في (فإنْ) لعطف جملة على جملة، وفي ﴿فَهُمُ﴾ للجزاء.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾:
قول : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الفتنة): الامتحان والاختبار، وهو مصدر قولك: فتنت فلانًا، إذا اختبرته أو امتحنته، وانتصابه على المصدر، وهو مصدر مؤكد لـ (نبلوكم) من غير لفظه حملًا على المعنى، لأن الابتلاء والفتنة بمعنى، كأنه قيل: ونبلوكم بهما بلوى، أو نفتنكم بهما فتنة، أو على أنه مفعول له، وقد جوز أن يكون في موضع الحال (٢).
وقوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ (إنْ) بمعنى ما. و ﴿هُزُوًا﴾: مفعول ثان، أي: وإذا رآك الكفار ما يتخذونك إلا هزوًا، أي: مهزوًا به، قائلين: أهذا الذي يذكر آلهتكم بالسوء؟ ، فحذف المفعول الثاني للعلم به.
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ
стр. 2528
مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ من صلة ﴿خُلِقَ﴾، كما تقول: خلق فلان من الكرم، إذا كثر ذلك منه. وقيل: في موضع الحال، أي: عَجِلًا أو عَجُولًا، يقال: رجل عَجِلٌ، وَعَجُلٌ، وعَجُولٌ. والعَجَلُ: ضد البطء.
وقوله: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف. و ﴿حِينَ﴾ مفعول به لقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ لا ظرف له كما زعم بعضهم، لأنه هو المعلوم لا غيره فيه، أي: لو يعلمون الوقت الذي لا يقدرون فيه على كف النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم، لما صدر منهم ما صدر وهو الكفر والسخرية والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي حملهم على ذلك فاكهين به.
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾:
قوله : ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ الجمهور على التاء في قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ. . . فَتَبْهَتُهُمْ﴾ النقط من فوقه، والمنوي فيهما راجع إلى النار، أو إلى الوعد، لأنه في معنى النار، وهي التي وُعِدُوها، أو على تأويل العِدَةِ والموْعِدَةِ، أو إلى الحِين، لأنه في معنى الساعة، أو إلى الساعة وإن لم يجر لها ذكر، لكونها معلومة، كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (١). و ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢)، وإن لم يجر للدنيا والشمس ذكر، لما ذكر آنفًا.
стр. 2529
وقرئ: (بل يأتيهم. . . فيبهتهم) بالياء فيهما النقط من تحتها (١) , والمستكن فيهما للوعد، أو للعذاب، أو للحين.
و﴿بَغْتَةً﴾: مصدر في موضع الحال من المنوي في ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، أي: مفاجأة. قيل: المعنى: لا يكفونها بل تَفْجَؤهُمْ فتغلبهم، يقال للمغلوب في المَحَاجَّةِ: مَبْهُوتٌ، ومنه ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (٢) أي: غَلَبَ إبراهيمُ ﵇ الكافرَ (٣). وأصل البهت من قولهم: بَهَتَهُ يَبْهَتُهُ، إذا واجهه بشيء يحيره فيه.
﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ (مَنْ) استفهام، ومعناه النفي. ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: من بأسه وعذابه (٤)، فحذف المضاف. وقيل: (مِنْ) هنا بمعنى البدل كقول الشاعر:
٤٤٥ - فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ... . . . . . . . . . . (٥)
стр. 2530
أي: بدل ماء زمزم، أي: من يحفظكم بدل الرحمن.
وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (أم) هنا المنقطعة.
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ الضمير للآلهة، أي: لا يجارون ولا يحفظون منا، ولا يمنعهم مانع منا، يقال: صحبك الله، أي: حفظك الله. وقيل: لا يصحبها الله معونة على النصر. وقيل: الضمير للكفار، أي: ولا هؤلاء الكفار يجارون ويحفظون من عذابنا (١).
وقوله: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ الاستفهام معناه الإنكار والنفي، أي: ليسوا بغالبين، ولكنهم المغلوبون.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ قرئ: بفتح الياء والميم ورفع (الصمُّ) به (٢).
وقرئ: (وَلَا تُسْمِعُ الصمَّ) بضم التاء وكسر الميم ونصب الصم على الخطاب (٣)، أي: لا تسمع أنت الصم الدعاء.
стр. 2531
وقرئ أيضًا: (وَلَا يُسْمَعُ) بضم الياء وفتح الميم ورفع (الصم) على البناء للمفعول (١). ووجه الجميع ظاهر. و ﴿إِذَا﴾: معمول ﴿يَسْمَعُ﴾، وقد جوز أن يكون معمول الدعاء (٢).
وقوله: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ (من عذاب) يجوز أن يكون من صلة ﴿مَسَّتْهُمْ﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أن يكون صفة لـ ﴿نَفْحَةٌ﴾، فعلى الوجه الأول: محله النصب، وعلى الثاني: الرفع.
والنفحة: الدفعة من الشيء دون معظمه، ونَفَحَهُ بالسيف، إذا ضربه ضربة خفيفة، والمعنى: ولئن مستهم من هذا الذي يُنْذَرُون به أدنى شيء لأذعنوا وَذَلُّوا ودعوا على أنفسهم بالويل مقرين بأنهم كانوا ظالمين، قد ظلموا أنفسهم بالشرك والإعراض عما جاء به رسول الله ﷺ .
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ (الموازين) جمع ميزان أو موزون على ما فسر (٣)، والقسط: العدل، وهو مصدر وصفت الموازين به، إما على حذف المضاف، أي: ونضع الموازين ذوات القسط، أو جعلت كأنها القسط بعينه وبذاته مبالغة.
وقوله: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ اللام من صلة (نضع)، وفي الكلام حذف مضاف، أي: لأهل يوم القيامة، أي: لأجلهم. وقيل: هي بمعنى في (٤).
стр. 2532
وقوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ انتصاب قوله: ﴿شَيْئًا﴾ إما على المصدر، أي: شيئًا من الظلم، أو على أنه مفعول ثان لـ ﴿تُظْلَمُ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ قرئ: (مِثقالَ) بالنصب (١) على كان الناقصة، أي: وإن كان الشيءُ أو الظلامةُ مثقالَ حبة. فإن قلت: لو كان المنوي فيها للظلامة لقيل: كانت. قلت: ذُكِّر حملًا على المعنى، لأن الظلامة والظلم بمعنى.
وقرئ: (مِثقالُ) بالرفع (٢) على كان التامة، كقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (٣)، أي: وإن وقع مثقال حبة. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾: في موضع الصفة ولـ ﴿مِثْقَالَ﴾، أو لـ ﴿حَبَّةٍ﴾.
وقوله: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ الجمهور على قصر (أتينا) بمعنى جئنا بها، تعضده قراءة من قرأ: (جئنا بها) وهو أبي ﵁ (٤).
وقرئ: (آتينا بها) بالمد (٥)، بمعنى: جازينا ﴿بِهَا﴾، فهو فَاعَلْنَا، ولا يكون أفعلنا، إذ لو كان كذلك للزم حذف الباء من ﴿بِهَا﴾، لأن أفعلنا لا يتعدى بحرف جر. قال أبو الفتح: ومضارع آتينا بها نُؤَاتِي مُؤَاتَاةً، وأنا مُؤَاتٍ، وهو مُؤَاتىً، ومن قال: ضارَبْتُ ضِرَابًا، قال: إِتَاءً، ومن قال: ضِيرابًا، قال: إِيتَاءً، انتهى كلامه (٦).
стр. 2533
وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى الحبة، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه (١).
وقوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ محل الباء وما عملت فيه الرفع على الفاعلية، وانتصاب ﴿حَاسِبِينَ﴾ إما على الحال، أو على التمييز.
قال أبو إسحاق: ودخلت الباء في ﴿وَكَفَى بِنَا﴾ لأنه في معنى الأمر، المعنى: اكتفوا بالله حسيبًا (٢).
وأنكر أبو علي ذلك، وقال: ليس هذا الكلام خبرًا بمعنى الأمر، بل هو بلفظ الخبر ومعناه، فهو كقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ (٣) وقوله: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ (٤) وما أشبهه. ولا يدل دخول الباء عليه على أنه بمعنى الأمر، لأنها قد دخلت في قولهم: (أكرم بزيد) على الفاعل، ولا مذهب للأمر فيه، قال: وقد قال أبو الحسن في قوله : ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ (٥) أن معناه: جزاءُ سيئة مثلها، فدخلت الباء في ذلك ولا معنى للأمر فيه.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ الجمهور على إتيان الواو في قوله: ﴿وَضِيَاءً﴾ وفيه وجهان:
стр. 2534
أحدهما: الواو للعطف، على معنى أن التوراة قد جمعت بين كونها فارقة بين الحق والباطل وبين كونها ضياء، أي: نورًا يستضاء به في ظلمة الحيرة. ﴿وَذِكْرًا﴾، أي: وعظة يتعظ بها المتقون.
والثاني: مزيدة، فيكون حالًا من ﴿الْفُرْقَانَ﴾، أي: مضيئًا، أو ذا ضياء، تعضده قراءة من قرأ: (ضياء) بغير العاطف، وهو ابن عباس، وعكرمة، والضحاك (١) ﵃، وانتصابه على الحال، وعلى الوجه الأول مفعول به عطفًا على الفرقان على التأويل المذكور آنفًا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾: الجر على الصفة للمتقين، أو النصب على المدح، أو الرفع على هم الذين. و ﴿بِالْغَيْبِ﴾: في موضع الحال، إما من الفاعل، أو من المنصوب على التعظيم.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ الرشد: الاهتداء لوجوه الصلاح. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي من قبل موسى وهارون. وقيل: من قبل محمد عليهم الصلاة والسلام (٢)، فلما قطع عن الإضافة بني.
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ (إذ) معمول أحد أربعة أشياء: إما ﴿آتَيْنَا﴾، أو
стр. 2535
﴿رُشْدَهُ﴾، أو ﴿عَالِمِينَ﴾، أو اذكر مضمرًا (١).
وقوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ التماثيل: جمع تمثال، وهو شيء يعمل مشبهًا لغيره في الشكل، وأصله: من مَثَّلْتُ الشيء بالشيء، إذا أشبهتَه به. واسمُ ذلك المُمَثَّلُ: تمثال.
وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ اللام على بابها، على معنى: أنتم لأجلها عاكفون على عبادتها، ثم حذف للعلم به. وقيل: اللام بمعنى على، والمعنى: على عبادتها عاكفون (٢).
وقوله: ﴿عَابِدِينَ﴾ مفعول ثان لقوله: ﴿وَجَدْنَا﴾، وهو من وجدان القلب، وقد جُوِّزَ أن يكون من وجدان الضالة، فيكون ﴿عَابِدِينَ﴾ حالًا من الآباء، وليس بالمتين.
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾:
قوله : ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (أنا) مبتدأ، وخبره محذوف دل عليه ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، أي: وأنا شاهد على ذلكم. ولا يجوز أن يكون ﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ لما فيه من تقديم الصلة على الموصول (٣).
стр. 2536
وقوله: ﴿وَتَاللَّهِ﴾ الجمهور على التاء، وقرئ: (بالله) بالباء (١)، وهي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدلة منها، غير أن التاء فيها زيادة معنى، وهو التعجب.
وقوله: ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أي: تولوا عنها، أي: تعرضوا عنها بذهابكم، ﴿مُدْبِرِينَ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿تُوَلُّوا﴾، وهي حال مؤكدة.
وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ قرئ: بالحركات الثلاث في الجيم (٢). وهي لغات ذكرها أبو الفتح عن أبي حاتم، ثم قال: قال أبو حاتم: وأجودها الضم، كالحطام والرفات. ثم قال أبو الفتح: وكذلك أيضًا روينا عن قطرب جَذَّ الشيءَ يَجُذُّه جَذًا وجُذَاذًا وجِذَاذًا وجَذاذًا، انتهى كلامه (٣).
وعن الفراء: المضموم مصدر، والمكسور جمع جذيذ، وهو فعيل بمعنى مفعول (٤).
وقال غيره: المضموم جمع جُذاذة، كزجاجة وزجاج، وكذا المكسور جمع جَذيذ، وأما المفتوح فمصدر (٥).
قلت: من جعل الجذاذ جمعًا فلا حذف، ومن جعله مصدرًا ففي
стр. 2537
الكلام حذف، أي: ذوي جذاذ.
وقرئ [أيضًا (جُذُذًا) بضم الجيم والذال الأولى (١)، وهو جمع جذيذ، كقُلُب في جمع قليب.
و(جُذَذًا) بضم الجيم وفتح الذال الأولى من غير ألف (٢)، وهو جمع جُذَّة، كقُبب في جمع قُبة.
﴿إِلَّا كَبِيرًا﴾: منصوب على الاستثناء، و ﴿لَهُمْ﴾ في موضع الصفة للكبير.
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾:
قوله : ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ في ﴿مَنْ﴾ وجهان:
أحدهما: استفهام وهو الوجه، وعليه الجل، ومعناه الاستعلام أو التوبيخ، أي: من فعل هذا الفعل الشنيع بهم؟ ثم ابتدأوا فقالوا: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
والثاني: موصول ونهاية صلته ﴿بِآلِهَتِنَا﴾، و ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ خبره.
وقوله: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (فتى) مفعول أول لسمعنا، ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾] (٣) صفة له، والتقدير: يذكرهم بالسوء، أي: ذاكرهم به، وسمعت: فعلٌ يتعدى إلى مفعولين، ولا بد أن يكون الثاني مما يسمع،
стр. 2538
كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا، ولو قلت: سمعت زيدًا - ساكتًا عليه - لم يجز، لأنه لا يفيد، وكذا لو قلت: سمعت زيدًا يقتل، لم يجز، لأن القتل ليس مما يسمع، ولا يجوز أن يكون ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ هو المفعول الثاني كما زعم بعضهم (١) لأن قوله: ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ جملة من فعل وفاعل، والجملة لا تقع مفعولة إلا في باب العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، وهي كان وأخواتها، وظننت وأخواتها، فإن قلت: فأين المفعول الثاني هنا؟ قلت: قد سدت الصفة مسده، كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا، والمعنى: سمعت قوله، فكما سدت الحال هنا مسدّه كما في الآية، سدت الصفة مسده، لأجل أنك إذا سمعته في حال القول، فقد سمعت القول، وكذا إذا سمعت [شخصًا] ذاكرًا، فقد سمعت الذكر، ويقال: صفة أيضًا بعد صفة.
واختلف في ارتفاع قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، فقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو إبراهيم، والجملة محكية. وقيل: هو منادى مفرد، فضمته على هذا ضمة بناء. وقيل: هو فاعل ﴿يُقَالُ﴾ (٢)، إذ المراد الاسم لا المسمى، والمراد: فلعله فعل ذلك (٣).
وقوله: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ (على أعين الناس) في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿بِهِ﴾، أي: فأتوا بإبراهيم معاينًا ومشاهدًا، أي: بمرأىً من الخلق حيث تقع عيونهم عليه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ ما يفعل به من العقوبة فَيَنْكُلُ غيره عن مثل ما فَعَلَ هو. أو لعلهم يشهدون عليه إذا اعترف بما فعل، فيكون ذلك حجة عليه، عن الحسن وغيره (٤).
стр. 2539
﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾:
قوله : ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ الفعل مسند إلى ﴿كَبِيرُهُمْ﴾، و ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ هو الفاعل، و ﴿هَذَا﴾ بدل منه، أو صفة له، لأنه مضاف إلى المضمر فهو أعرف من ﴿هَذَا﴾.
وعن الكسائي: أن الوقف على قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾، والفاعل محذوف تقديره: فعله من فعله، ثم يُبتدأ بقوله: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ على الابتداء والخبر (١).
وهذا عند صاحب الكتاب ﵀ ليس بشيء، لأن حذف الفاعل لا يسوغ عند (٢).
وقيل: ضمير الفاعل في ﴿فَعَلَهُ﴾ مسند إلى (إبراهيم)، أي: بل فعله المنادى بقولكم يا إبراهيم، ثم ابتدأ فقال: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٣).
وقوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ الجمهور على ترك تسمية الفاعل في ﴿نُكِسُوا﴾، وقرئ: (نَكَسُوا) على البناء للفاعل (٤)، بمعنى: نكسوا أنفسهم على رؤوسهم. والنكس: القلب، يقال: نكست الشيء، أي: قلبته
стр. 2540
فجعلت أعلاه أسفله، والتنكيس مثله. وبالتشديد قرأ بعض القراء: (ثم نُكِّسُوا) (١). و ﴿عَلَى﴾: من صلة ﴿نُكِسُوا﴾، وقد جوز أن يكون في موضع الحال (٢).
﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾:
قوله : ﴿مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾ (شيئًا) هنا يجوز أن يكون مفعولًا به على تضمين النفع معنى الإعطاء، وأن يكون في موضع المصدر أي: شيئًا من النفع.
وقوله: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ (أف) صوتٌ إذا صُوِّتَ به عُلِم أن صاحبه متضجر، وقد مضى الكلام عليه في "سبحان" بأشبع من هذا (٣).
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: ذات برد وسلامة عليه، أو جعلت كأنها في نفسها برد وسلام، على وجه المبالغة، أي: صيري عليه كذلك. و ﴿عَلَى﴾ من صلة سلام، ويجوز أن يكون نعتًا له، فيكون من صلة محذوف.
стр. 2541
وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ في نصب ﴿نَافِلَةً﴾ وجهان:
أحدهما: حال من ﴿يَعْقُوبَ﴾، أي زيادة على ما سأل، وسمي ولد الولد نافلة: لأنه زيادة على الولد، والنافلة: الزيادة.
والثاني: مصدر كالعاقبة والعافية واقع موقع الهبة راجع إليهما، لأنه بمعنى العطية، كأنه قيل: ووهبنا له كليهما هبة.
وقوله: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ الجعل هنا بمعنى التصيير، ومفعولاه: (كُلًّا) ﴿صَالِحِينَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾:
قوله : ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ الأصل إقوام، ألقيت حركة الواو على القاف فتحركت، والواو في نية حركةٍ، فقلبت ألفًا، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما. قيل: الأولى، وقيل: الثانية، فإذا أفردت قيل: إقامة، فجيء بالتاء عوضًا من حذف إحدى الألفين، فإذا أضيف حذفت التاء، وجعل المضاف إليه بدلًا منها (١).
﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ﴾ انتصاب قوله: ﴿وَلُوطًا﴾ بمضمر، واختلف في ذلك المضمر، فقيل: وآتينا لوطًا، دل عليه هذا الظاهر. وقيل: وأرسلنا لوطًا. وقيل: واذكر لوطًا، على تقدير: خَبَرَ لوطٍ، فحذف المضاف،
стр. 2542
والوجه الأول أمتن وأقيس، ومثله: ﴿وَنُوحًا﴾، ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿وَأَيُّوبَ﴾، ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ﴾، ﴿وَذَا النُّونِ﴾، ﴿وَزَكَرِيَّا﴾ (١)، إلى آخر القصة، كل واحد منهم تنصبه بمضمر يليق به، على ما ستراه إن شاء الله (٢).
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾:
قوله : ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾ أي: ونجينا نوحًا، دل عليه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾، أو: واذكر نوحًا من قبلُ، [أي: من قبل] إبراهيم ولوط. ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ أي: ومنعناه من الكفار، والنصر: المنع من العدو. وقيل: ﴿مِنَ﴾ هنا بمعنى على، أي: ونصرناه على القوم (٣).
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾:
قوله : ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ أي: واذكر خبرهما لقومك، و ﴿إِذْ﴾ معمول هذا المحذوف. ﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾ (إذ) معمول ﴿يَحْكُمَانِ﴾، والنَّفَشُ: الانتشار بالليل، يقال: نفشت الغنم، إذا تفرقت بالليل ترعى بلا راع.
стр. 2543
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والمتحاكمين إليهما وهم الذين اختصموا في الحرث، وقيل: الضمير لداود وسليمان خاصة، وإنما جمع لأن الاثنين جمع، عن الفراء (١)، كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (٢)، ويريد الأخوين.
وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الضمير في ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ للقضية أو للحكومة.
وقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ (مع) معمول ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ بشهادة قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٣)، ومحل ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ النصب على الحال من ﴿الْجِبَالَ﴾: والتقدير: وسخرنا الجبال مسبحات مع داود، وقد جوز أن تكون مستأنفة (٤)، كأن قائلًا قال: كيف سخرهن؟ فقال: يسبحن. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطف على، ﴿الْجِبَالَ﴾ أو مفعول معه، ويجوز رفع (الطير) عطفًا على الضمير في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ (٥).
وقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ الهاء و ﴿صَنْعَةَ﴾ مفعولا التعليم. و ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يكون في موضع الصفة لـ ﴿لَبُوسٍ﴾، وأن يكون من صلة علمنا، أي: لأجلكم، واللبوس: اللباس.
وقوله: (ليُحْصِنَكُم) من صلة ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾. وقيل: بدل من ﴿لَكُمْ﴾ بإعادة الجار (٦)، وفيه نظر.
وقرئ: (ليحصنكم) بالياء النقط من تحته (٧)، والمنوي فيه لله جل ذكره
стр. 2544
لتقدم ذكره في ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، أو لداود، أو للبوس، لأنه في معنى اللباس، من حيث كان ضربًا منه، أو للتعليم، دل عليه ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾.
وبالتاء النقط من فوقها (١)، على أن المستكن فيه للصنعة، أو للبوس، على تأويل الدرع.
وبالنون (٢) على: لنحصنكم نحن، سبحانه ما أعظم شأنه!
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ الجمهور على نصب ﴿الرِّيحَ﴾ هنا، على: وسخرنا له الريح، دل عليه: ﴿سَخَّرْنَا. . . الْجِبَالَ﴾ (٣)، وقرئ: بالرفع (٤) على الابتداء. و ﴿عَاصِفَةً﴾ نصب على الحال من الريح، أي: شديدة الهبوب، وكذا ﴿تَجْرِي﴾ حال أخرى إما من ﴿الرِّيحَ﴾، أو من المنوي في ﴿عَاصِفَةً﴾.
وقوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ محل ﴿مَن﴾ إما النصب عطفًا على ﴿الرِّيحَ﴾، على: وسخرنا لسليمان مِن الشياطين مَن ينزلون لأجله في قعر البحر إذا أمرهم به، أو الرفع بالابتداء، والخبر ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾. و ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ صفة لعمل، والإشارة إلى الغوص.
стр. 2545
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾:
قوله : ﴿وَأَيُّوبَ﴾ أي: واذكر أيوب.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ (رحمة) مفعول له، أي: فعلنا به ذلك للرحمة، ولك أن تنصب على المصدر، أي: وآتيناه ذلك ورحمناه رحمة. و ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾: في موضع الصفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ أي: واذكر هؤلاء.
وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي: واذكر ذا النون، أو وأرسلنا ذا النون، و ﴿مُغَاضِبًا﴾ منصوب على الحال من المنوي في ﴿ذَهَبَ﴾.
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ﴾ أنْ مخففة من الثقيلة، أي: أنه، واسمها ضمير الشأن. ﴿أَنْ لَا إِلَهَ﴾ أي: بأن، فتكون مصدرية، ويجوز أن تكون بمعنى: أي (١).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إنجاء، أو تنجية مثل ذلك.
стр. 2546
وقرئ: (نُنْجِيْ) بنونين الأولى هي حرف المضارعة، والثانية فاء الفعل مع تخفيف الجيم (١).
وقرئ: (نُجِّيْ) بنون واحدة وتشديد الجيم وإسكان الياء (٢)، وفيه أوجه:
أحدهما: أنه فعل ماض مبني للمفعول مسند إلى مصدره، وإسكان يائه تخفيف و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصب، لأنه المفعول الثاني، أي: نجي النجاء المؤمنين، كقولك: ضُرِبَ الضربُ زيدًا وأنشد:
٤٤٦ - وَلَوْ وَلَدَتْ قفيرَةُ جرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الجرْوِ الكِلَابَا (٣)
أي: لَسُبَّ السَّبُّ، وهذا فيه ما فيه، لأن المصدر إنما يقام مقام الفاعل عند عدم المفعول به، أو اشتغاله بحرف الجر مع ما في إسكان الياء أيضًا من البعد.
والثاني: أنه فعل مستقبل، إلا أن النون الثانية أدغمت في الجيم بعد قلبها جيمًا، وهذا ضعيف، لأن النون تُخفَى عند الجيم، ولا تدغم فيها.
والثالث: أن أصله: نُنَجي بنونين، الأولى مضمومة، والثانية مفتوحة، فحذفت الثانية كراهة اجتماع المثلين، كما حذفت إحدى التاءين من ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٤) و ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ (٥) وشبههما، فبقي (نجي) كما ترى، وهذا أقرب الأوجه.
стр. 2547
وقال أبو علي: أخفَى القارئ النون عند الجيم، فالتبس على السامع فظن أنه مدغم. وهذا أيضًا فيه ما فيه، لأن الإخفاء عار من التشديد، والقراءة مروية بالتشديد، وهب أنه خفي على الواحد، فكيف يخفى على الجميع.
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾:
قوله : ﴿وَزَكَرِيَّا﴾ أي: واذكر، أو وأرسلنا زكريا. ﴿لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾، أي: وحيدًا، وهو منصوب على الحال من الياء في ﴿لَا تَذَرْنِي﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ الضمير للأنبياء المذكورين في هذه السورة. وقيل: لزكرياء ويحيى والزوجة (١).
وقوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ مفعول له، أي: للرغبة في الثواب والرهبة من العقاب، أو مصدر في موضع الحال، أي: ذوي رغب ورهب، أو راغبين وراهبين. وقيل: هما مصدران على المعنى، والوجه الأول أحسن (٢).
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾:
قوله : ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ محل (التي) النصب على تقدير: واذكر التي أحصنت فرجها إحصانًا كليًا من الحلال والحرام جميعًا،
стр. 2548
بشهادة قولها: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (١). أو الرفع على تقدير: ومما يتلى عليك نبأ التي حفظت فرجها.
وقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ أي في مريم، على معنى: فنفخنا الروح في عيسى فيها، أي أحييناه في جوفها، وقال في موضع آخر: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ (٢) أي في الجيب، على ما فسر أن جبريل ﵇ أخذ بجيبها ونفخ فيه (٣).
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً﴾ (آية) مفعول ثان لجعل. واختلف في التقدير لأجل توحيد الآية:
فقيل: التقدير: وجعلناها آيةً [وابنها آية]، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه (٤).
وقيل التقدير: وجعلنا قصتهما آية (٥).
وقيل: التوحيد لأجل أن حالهما بمجموعهما آية وأعجوبة واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل (٦).
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ على خبر ﴿إِنَّ﴾، ونصب قوله: ﴿أُمَّةً﴾ على الحال، والعامل فيها ما في ﴿هَذِهِ﴾ من معنى الفعل، والفائدة منوطة بالصفة وهي ﴿وَاحِدَةً﴾.
стр. 2549
وقرئ: (أمتَّكم) بالنصب على البدل من ﴿هَذِهِ﴾ و (أمةٌ واحدةٌ) بالرفع على خبر ﴿إِنَّ﴾ (١).
وبرفعهما جميعًا (٢) على أنهما خبران لـ ﴿هَذِهِ﴾. ولك أن تجعل الخبر هو الأول، والثانى على إضمار مبتدإٍ، أو بدلًا من الأول، كقولك: أخوك زيد رجل صالح، حتى كأنه قيل: أخوك رجل صالح.
قيل: والأمة: الملة، وهذه إشارة إلى ملة الإسلام، أي: إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها، يشار إليها: ملة واحدة غير مختلفة (٣).
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾:
قوله : ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ (أمرهم) مفعول ﴿وَتَقَطَّعُوا﴾. ﴿وَتَقَطَّعُوا﴾ بمعنى قطعوا، أي: قطعوا أمر دينهم فصاروا متحزبين فيه. وقيل: هو تمييز، أي: تقطع أمرهم. وقيل: التقدير: وتقطعوا في أمر دينهم، أي تفرقوا (٤).
وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الواو للحال.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ أي: للسعي، فنجازيه عليه يوم الجزاء.
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾:
стр. 2550
قوله : ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (حرام) مبتدأ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة، لاختصاصه بما طال بعده من الكلام، وفي خبره وجهان:
أحدهما: أن مع اسمها وخبرها، و ﴿لَا﴾ صلة، والمعنى: وحرام على أهل قرية حكمنا بإهلاكهم أن يرجعوا إلى الدنيا، أو إلى قريتهم فيستأنفوا العمل ويتلافوا ما فرط منهم، كقوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) وأصل الحرام المنع، أي: ممتنع رجوعهم إليها. وقيل: ﴿لَا﴾ ليست بصلة، والحرام: العزم، والمعنى: عزم عليهم، وواجب ترك الرجوع إليها بعد الإهلاك، يعني أنهم إذا أهلكوا، فواجب ألا يرجعوا، أو: ممنوعون من ذلك، و ﴿لَا﴾ على هذين التأويلين ليست مزيدة. وقيل: المعنى: وحرام على أهل قرية أردنا إهلاكهم ألا يرجعوا بالتوبة. و ﴿لَا﴾ على هذا الوجه أيضًا ليست زائدة (٢).
والثاني: أن قوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ في صلة المصدر الذي هو المبتدأ، والخبر محذوف، أي: وحرام على قرية أهلكناها بأنهم لا يرجعون مَقْضِي، أو ثابت، أو محكوم عليه، ونحو هذا.
وقيل: ﴿حَرَامٌ﴾ خبر مبتدإٍ محذوف (٣)، أي: ذلك الذي ذكرنا من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور حرام على أهل قرية من صفتهم كيت وكيت. أو بالعكس، أي: وحرام على قرية أهلكناها ذاك وهو المذكور آنفًا من العمل الصالح والسعي المشكور، تعضد هذين الوجهين قراءة
стр. 2551
بعضهم: (إنهم) بالكسر (١)، لأن حق هذا أن يتم الكلام قبله، وإذا كان كذلك فلا بد من تقدير محذوف، إما مبتدأ، أو خبر مبتدإٍ، فاعرفه فإنه موضع مشكل، ولا يعرفه إلا الفارسيُّ وفرسانه (٢)، والجمهور على فتحها على أنها مصدرية على ما أُوضح آنفًا.
وقرئ: (وحرام) بفتح الحاء وألف بعد الراء (٣).
و(حِرْم) بكسر الحاء من غير الألف (٤)، وهما لغتان بمعنىً، كالحلال والحل.
(وحَرِمَ) بفتح الحاء والميم وكسر الراء (٥)، وهو فعل ماض، ومعناه وجب. أبو زيد والكسائي: حَرِمَ الرجل يَحْرَمُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر حَرَمًا (٦)، فهو حَرِمٌ وَحَارِمٌ، أي: قُمِرَ ماله، وأحرمته أنا، أي: قمرته (٧)، وأنشد لزهير:
٤٤٧ - وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلةٍ ... يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ (٨)
стр. 2552
و (حَرُمَ) بفتح الحاء والميم وضم الراء (١)، وهو فعل ماض أيضًا من حَرُمَ الشيء حُرْمَةً، يقال: حَرُمَتِ الصَّلاةُ على الجنب والحائض، والمعنى: حَرُمَ عليهم الرجوع بعد الإهلاك، أو حرم عليهم الرجوع، أي التوبة، إذ سَبق في علم الله إهلاكهم على الكفر، على ما مضى في الإعراب قبيل.
(وَحَرِمٌ) بفتح الحاء وكسر الراء ورفع الميم منونًا (٢)، على معنى: واجبٌ عليهم. وقرئ كذلك غير أن الراء مسكنة (٣)، وهو مخفف منه، أعني من (حَرِمٌ).
(وَحَرَمَ) بفتح الحاء والراء والميم (٤)، من حَرَمْتُهُ الشيء، إذا منعته إياه، يقال: حَرَمَهُ الشيءَ يَحْرِمُهُ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر حَرِمًا وحِرْمَةً وَحَرِيمَةً وَحِرْمَانًا، إذا منعه إياه، وأحرمه أيضًا مثله (٥). وقال يصف امرأة:
٤٤٨ - وَنُبِّئْتُهَا أَحْرَمَتْ قَوْمَهَا ... لِتَنْكِحَ في مَعْشَرٍ آخَرِينَا (٦)
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾:
قوله : ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ قيل: ﴿حَتَّى﴾ متعلقة
стр. 2553
بـ ﴿وَحَرَامٌ﴾ وغاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي حتى التي يُحكَى بعدها الكلام، والكلام المحكى: الجملة من الشرط والجزاء، وهي ﴿إِذَا﴾ وما في حيزها.
وقوله: ﴿فُتِحَتْ﴾ في الكلام حذف مضاف وهو السد، أي: فتح السد، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كما فعل بقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ الجملة في موضع الحال. والحدب: النشز من الأرض.
وقرئ: (من كل جَدَثٍ) بالجيم والثاء (٣)، وهو القبر، وهي لغة حجازية، وأما بنو تميم فيقولون: جدف بالفاء. قال أبو الفتح: وقالوا أَجْدَثْتُ له جَدَثًا، ولم يقولوا: أَجْدَفْتُ، فهذا يريك أن الفاء في (جدف) بدل من الثاء في (جدث)، ثم قال: وقد يجوز أن يكونا أصلين، إلا أن أحدهما أوسع تصرفًا من صاحبه، انتهى كلامه (٤).
ومعنى ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون، والنسلان: الإسراع.
وقرئ: (يَنْسُلُونَ) بضم السين (٥)، وضم السين وكسرها في ﴿يَنْسِلُونَ﴾ لغتان.
стр. 2554
واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾ الواقعة بعد ﴿حَتَّى﴾، فقيل: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (١)، وذلك أن إذا المكانية تقع في جواب الشرط سادّة مسد الفاء، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٢) فإذا أتت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط على وجه التأكيد (٣).
وقيل: جوابها محذوف (٤)، والتقدير والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، واقترب قيام الساعة، وبعث الخلق فشخصت أبصارهم، قال هؤلاء الكفار حينئذ تحسرًا، على ما فرطوا فيه: ﴿يَاوَيْلَنَا. .﴾ الآية، وعن الفراء الجواب: ﴿وَاقْتَرَبَ﴾، والواو صلة (٥).
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾:
قوله : ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ (إذا) للمفاجأة، وقد ذكرت في غير موضع أنها مكانية (٦) بمعنى هناك وَثَمَّ، والعامل فيها ﴿شَاخِصَةٌ﴾. و ﴿هِيَ﴾: ضمير مجهول مبهم توضحه (الأبصار) وتفسره، أي: فإذا القصة شاخصة أبصار الذين كفروا, أي القصة أن أبصارهم تشخص في ذلك اليوم مِن هوله، و ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿شَاخِصَةٌ﴾، والجملة موضحة للضمير ومفسرة له (٧).
وقيل: (هي) ضمير الأبصار، والتقدير: فإذا الأبصار شاخصة، ثم
стр. 2555
قال: ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فالأبصار الثانية مفسرة لها وموضحة، فهي على هذا مبتدأ، ﴿شَاخِصَةٌ﴾ خبره، ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبينة لها (١).
وقيل: هي ضمير الساعة، أي: فإذا القيامة، ثم ابتدأ فقال: شاخصة أبصار الذين كفروا، يعضد هذا الوجه قول من جوز الوقف على ﴿هِيَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ في موضع نصب بقالوا المذكور المقدر. وقال الزمخشري: تقديره: يقولون يا ويلنا، و (يقولون) في موضع الحال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: قائلين ذلك (٣).
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾:
قوله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (ما) موصولة عطف على اسم (إنَّ)، والخبر ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. والحصب: اسم الشيء المرمي من حطب وغيره، يقال: حصبته، أي: رميته، وهو بمعنى المحصوب، كالقبض بمعنى المقبوض. وقيل: الحصب: الحطب بلغة حبشة (٤).
وقرئ: (حَصْبُ) بإسكان الصاد (٥) تسمية للمفعول بالمصدر كخَلْقِ اللهِ، وضَرْبِ الأميرِ.
стр. 2556
وقرئ: (حَضْبُ) بالضاد معجمة وساكنة (١)، والكلام فيه كالكلام في الحصب، وهو بمعناه:
قال أبو الفتح: الحصب والحضب كلاهما الخطيب، وفيه ثلاث لغات حَطَبٌ وَحَصَبٌ وَحَضَبٌ، وقد قرئ بهن (٢)، وأما إسكان الثاني منهما، فهو على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول، انتهى كلامه (٣).
وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ جملة مستأنفة.
وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ابتداء وخبر، والظرف ملغى، ويجوز في الكلام نصب (خالدِينَ) (٤) على أن تجعل الظرف مستقرًا. و ﴿مِنَّا﴾ من صلة ﴿سَبَقَتْ﴾، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿الْحُسْنَى﴾، وهي رفع بسبقت، أعني ﴿الْحُسْنَى﴾.
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾:
قوله : ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون خبرًا بعد خبر لـ ﴿إِنَّ﴾، وأن تكون حالًا من المنوي في ﴿مُبْعَدُونَ﴾ أي: غير سامعين، والحسيس والحس: الصوت الخفي تسمعه من الشيء يمر بك قريبًا، وهذه مبالغة في الإِبعاد عنها، يعني لا يقربون منها فيسمعوا صوتها.
стр. 2557
وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾ أي يقولون: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ (يوم) يحتمل وجهين - أحدهما: أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾ أو لـ ﴿الْفَزَعُ﴾ أو لـ ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾. والثاني: أن يكون مفعولًا به على أن يكون بدلًا من العائد المحذوف في الصلة، أي: هذا يومكم الذي كنتم توعدونه. أو: منصوبًا بإضمار اذكر.
وقرئ: (نطوي) بالنون، و (يطوي) بالياء (١)، فالنون للتعظيم، والياء للغيبة، وكلتاهما ترجع إلى معنى. (وتُطْوَى) بالتاء على البناء للمفعول (٢)، ورفع السماء به على الفاعلية.
وقوله: (كطي السجل للكتاب) (٣) محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: طيًّا مثل طي السجل. واختلف في السجل، فقيل: الصحيفة. وقيل: مَلَك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه. وقيل: كاتبٌ كان يكتب لرسول الله ﷺ (٤).
فإذا فهم هذا، فقوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ فالمصدر الذي هو الطي مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف من اللفظ، والكتاب مصدر، أي: كطي الطاوي السجل ليكتب فيه، أو للكتاب الذي فيه، فيكون الكتاب بمعنى
стр. 2558
المكتوب، تسمية للمفعول بالمصدر، كخلق الله، وصيد الصائد. أو إلى الفاعل، واللام في للكتاب صلة، كالتي في قوله : ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (١) أي: كما يطوي الملَك أو الكاتب الكتاب.
والجمهور على كسر السين والجيم وتشديد اللام في ﴿السِّجِلِّ﴾، وقرئ: (السُّجُلِّ) بضم السين والجيم، وتشديد اللام بوزن العُتُلّ (٢). و (السَّجْلِ) بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام بلفظ الدَّلْوِ (٣). (والسِجْلِ) بكسر السين وسكون الجيم وتخفيف اللام بلفظ الحِمْلِ (٤)، وهي لغات مسموعة فيه حكاها أبو الفتح وغيره (٥).
وقرئ: (للكتاب) مفردًا وجمعًا (٦). فالإِفراد على إِرادة الجنس، والجمع على موافقة المعنى.
وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية، أي: نعيد الخلق إعادة مثل ابتدائه، أي: مثل ابتداء الخلق.
وقيل: الكاف معمول فعل مضمر يفسره ﴿نُعِيدُهُ﴾، وما موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده (٧). و ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾: ظرف لبدأناه، أو
стр. 2559
حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى، وهو كلام مستأنف، أعني: ﴿كَمَا بَدَأْنَا﴾.
وقيل: هو متعلق بقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ على معنى: نفني السماء ثم نعيدها في الآخرة كما ابتدأنا خلقها في الدنيا، بشهادة قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (١) أي: تفنيان ثم تعادان غير ما كانتا في الدنيا في الصورة والهيئة (٢).
وقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد، لأن قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ عدة للإِعادة، أي: وعدنا ذلك وعدًا علينا إنجازه، وأكد الوعد بقوله: ﴿عَلَيْنَا﴾ إعلامًا بأن وعده لا يجوز إخلافه، وهو صفة للوعد، أي: وعدًا ثابتًا.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (من بعد) من صلة ﴿كَتَبْنَا﴾، وقد جوز أن يكون من صلة ﴿الزَّبُورِ﴾، لأن الزبور بمعنى المزبور، أي: المكتوب (٣). ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾: مفعول ﴿كَتَبْنَا﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ مصدر في موضع الحال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، أي: راحمًا، أو ذا رحمة، أو مفعول له، أي: للرحمة، وفي الحديث "إنما أنا رحمة مهداة" (٤).
стр. 2560
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا﴾ كسرت إنَّ الأولى لأنها بعد القول، وفتحت الثانية لكونها معمول ﴿يُوحَى﴾ القائم مقام الفاعل، و (ما) الأولى كافة أو موصولة، أي: إن الذي يوحى إلي، وأما الثانية فكافة ليس إلا.
وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الاستفهام هنا بمعنى الأمر. أي: أسلموا.
وقوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ في موضع الحال من الفاعل والمفعولين جميعًا، أي: مستويين في الإعلام، لأنهم قالوا في التفسير: فقل أعلمتكم فاستوينا نحن وأنتم فيه، فتكون الحال منهما لا من أحدهما كما زعم بعضهم (١). وقيل: هو نعت لمصدر محذوف، أي: إيذانًا على سواء (٢).
وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ (إِنْ) هنا بمعنى (ما).
والجمهور على إسكان ياء ﴿أَدْرِي﴾ وهو الأصل، لأنها لام الفعل عار عن النصب، وقرئ: بفتحها (٣) على تشبيه ياء (أدري) بياء غلامي، من