﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: وهو الجبل، حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. وقد جوز أن تكون الواو في ﴿وَرَفَعْنَا﴾ للحال، ولا بد من إضمار (قد) على هذا. و ﴿فَوْقَكُمُ﴾: ظرف لـ ﴿وَرَفَعْنَا﴾.
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾: على إرادة القول، و ﴿مَا﴾ موصولة، وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف. وهي مع صلتها في موضع نصب بـ ﴿خُذُوا﴾، و ﴿خُذُوا﴾ وما اتصل به في موضع نصب بالقول المراد.
﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجد وعزيمة، وهي في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿خُذُوا﴾، أي: خذوا مجتهدين في العمل به عازمين عليه.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾: واحفظوا ما فيه وادرسوه، والزموا العمل بما فيه إرادةَ أن تتقوا.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الميثاق والوفاء به.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾: ﴿فَلَوْلَا﴾ أصلها: لو ضُمَّ إليها لا، والحروف إذا ركبط بعضها مع بعض تغيرت أحكامها ومعانيها. بيان ذلك: أن ﴿لَوْ﴾ قبل التركيب معناه امتناع الشيء لامتناع غيره، وقد صار بعد انضمام (لا) إليه معدولًا عن هذا المعنى، وصار له معنيان:
أحدهما: امتناع الشيء لوجود غيره.
والثاني: أن يكون للتحضيض.
وسبب ذلك أن الامتناع نفي في المعنى و (لا) للنفي، والنفي إذا دخل على النفي صار إثباتًا وإيجابًا، هذا تَغَيُّرُ المعنى.
وأما تَغُيُّرُ الحكم فيه: فهو أن (لو) يختص بالفعل، وقد صار بعد انضمام (لا) إليه مختصًا بالاسم إذا كان معناه امتناع الشيء لوجود غيره.
стр. 282
وأما إذا كان بمعنى التحضيض، فوجه تغيُّر الحكم فيه: أن (لو) كان يقتضي الجواب، و (لولا) الذي للتحضيض لا يقتضي الجواب فاعرفه.
و﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: ولولا فضله يدرككم بتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين، ولزم حذف هذا الخبر عند صاحب الكتاب لطول الكلام بالجواب وللعلم به (١).
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾:
قوله : ﴿عَلِمْتُمُ﴾ هنا بمعنى عرفتم، فيتعدى إلى مفعول واحد. والفرق بينهما أن [العِلْمَ] (٢) يتعلق بمعنى الجملة، وأما المعرفة فتتعلق بمعنى المفرد، بيان ذلك: أنك إذا قلت: زيد منطلق، فهذا خبر. فإن قلتَ: علمت زيدًا منطلقًا، تعلق علمك بالخبر واشتمل عليه. وإذا قلتَ: عرفت زيدًا منطلقًا، تعلقتْ معرفتكٍ بمعنى المفرد دون الخبر، وكان منطلقًا حالًا لا خبرًا.
﴿مِنْكُمْ﴾: من: للتبعيض، لأن ناسًا منهم اعتدوا فيه، أي: تجاوزوا ما حُدَّ لهم في يوم السبت، وحرفا الجر متعلقان بـ ﴿اعْتَدَوْا﴾، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿فِي السَّبْتِ﴾.
والسبت: مصدر سَبَتَتْ اليهود: إذا عَظَّمَتْ يومَ السبت، وأصله القطع، لأنهم يقطعون الأعمال فيه.
﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: خبران لـ ﴿كُونُوا﴾ أي: كونوا جامعين بين الصَّغار والطرد. يقال: خَسَأْتُ الكلبَ خَسْئًا، إذا طردته، وخَسَأَ الكلبُ بنفسه
стр. 283
خُسُوءًا، يتعدى ولا يتعدى، كزاد وغاض (١).
ولك أن تجعل ﴿خَاسِئِينَ﴾ وصفًا للقردة، أو حالًا من اسم كان، والعامل فيها كان، والأول أمتن وعليه المعنى.
والقِرْدُ معروف، ويجمع على قِرَدَة، وقُرود، والأنثى قِرْدَةٌ، وجمعها قِرَدٌ، كقِرْبَة وقِرَب.
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾:
قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾: الضمير مفعول أول، و ﴿نَكَالًا﴾ ثان، لأن جعل هنا بمعنى صيَّر، والضمير للفِعْلة، أو لِلمَسْخَة، أو للعقوبة، أو للقرية التي اعتَدَى أهلُها، أو للأمة التي اعتدت في السبت، أو للقِرَدَةِ. وقيل: للحيتان. وكذلك القول في الضمير في ﴿يَدَيْهَا﴾ و ﴿خَلْفَهَا﴾ (٢).
والنَّكَالُ: اسم لما جعلتَه نَكَالًا لغيره، إذا رآه خاف أن يفعل فعله، فيناله مثل الذي ناله، يقال: نَكَّلَ به تنكيلًا، إذا جعله نكالًا وعبرة لغيره، من نَكَلَ عن العدو وغيره، ينكُل بالضم نكولًا، إذا جَبُنَ عنه، والناكلُ: الجبان الضعيف.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قيل: لما قبلها. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: وما بعدها من الأمم والقرون، لأَنَّ مَسْخَتَهُم ذُكِرَتْ في كتب الأولين فاعتَبَروا بها، واعتبرَ بها مَن بَلَغَتْهُم من الآخرين. وقيل: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ بحضرتها من القرى والأمم (٣).
стр. 284
و ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: للذين نَهَوْهُم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل مُتَّقٍ سَمِعَها.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾:
قوله : ﴿أَنْ تَذْبَحُوا﴾ أي: بأن تذبحوا، ثم حُذف الجار فوصل الفعل إليه فَنَصَبَ، فهو في موضع نَصْبٍ لعدم الجار، أو في موضع جرٍ على إرادته.
﴿هُزُوًا﴾: مصدر هزئتُ به ومنه، ويجوز فيه أربعة أوجه:
ضم الزاي مع الهمز (١).
وسكونها مع الهمز (٢).
وقلب الهمزة واوًا مع ضم الزاي (٣).
وقلبها مع سكون الزاي (٤).
وقد قرئ بهن (٥). وهو مفعول ثان، لقوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا﴾، و (نا) مفعول أول، أي: أتجعلنا أهلَ هُزْءٍ، أو مهزوءًا بنا، كضرْبِ الأمير، وخَلْقِ الله، أو الهُزْءَ بنفسه لفرط الاستهزاء من الجاهلين، لأن الهُزْءَ في مثل هذا من باب الجهل والسَّفَهِ.
والجمهور على التاء في قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا﴾ النقط من فوقه على الخطاب لموسى ﵇، والمنويُّ فيه له، وهو الوجه.
стр. 285
وقرئ: بالياء النقط من تحتها (١)، فالمُسْتَكِنُّ فيه على هذا لله جل ذكره.
قال أهل التأويل: ولا يُسُتَبْعَدُ هذا من جهلهم، لأنهم هم الذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٢).
﴿أَنْ أَكُونَ﴾: في موضع نصب أو جر، أي: من أن أكون، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٣).
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾:
قوله : ﴿ادْعُ لَنَا﴾ بعض العرب يكسر العين من ﴿ادْعُ﴾ لسكونها وسكون الدال قبلها على التوهم، كأنها لام الفعل (٤)، أي: سل (٥)، تعضده قراءة من قرأ: (سل لنا ربك) وهو عبد الله، وكذا هو في مصحفه (٦). ﴿يُبَيِّنْ﴾: مجزومٌ على جواب شرط محذوف.
﴿مَا هِيَ﴾: ﴿مَا﴾: استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿هِيَ﴾ خبره، سؤالٌ عن حالها وصفتها، أيْ: أيُّ شيءٍ هي؟ لأنهم تعجبوا من بقرة ميتة يُضْرَبُ ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن، الخارجة عما عليه البقر.
стр. 286
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ﴾، أي قال موسى ﵇: إن الله يقول. ﴿لَا فَارِضٌ﴾ وصف للبقرة، أي: غير فارض، ولك أن تجعله خبر مبتدأ محذوف، أي: لا هي فارض، وكذلك ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ يحتمل الوجهين.
والفارض: المسنة، يقال: فرَضَتِ البقرةُ تَفرِض بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر فروضًا، إذا كَبِرَتْ وطعنت في السن، وكذلك فَرُض بالضم فراضَةً.
والبِكْر: الفَتِيَّةُ الصغيرة التي لم تَلد، يقال: بقرة بكر، أي: فَتِيَّةٌ لم تحمل.
﴿عَوَانٌ﴾: أي: هي عَوان، والعوان: النَّصَفُ في سنها من كل شيء، والجمع عُوْن، بإسكان الواو، قال الشاعر:
٧٦ - ..................... ... نَواعِمُ بين أبكارٍ وعُونٍ (١)
وروي: (عُوُنٌ) بضم الواو، وقد عَوَّنَتْ تعوينًا، وعانت تعونُ عَوْنًا.
﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ﴿بَيْنَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿عَوَانٌ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم من الفارض والبكر، لأن ﴿بَيْنَ﴾ يقتضي شيئين فصاعدًا، وذلك أن أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، فلذلك جاز دخول بين عليه، لكونه مشارًا به إلى المذكورين، وإن كان في الأصل موضوعًا للإشارة إلى واحد مذكر (٢).
стр. 287
وقد جوز إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، عن أبي عبيدة، قلتُ: لِرُؤْبَةَ (١) في قوله:
٧٧ - فيها خُطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ ... كأَنهُ في الجِلْدِ تَوْليعُ البَهَقْ (٢)
إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك، ويلك (٣).
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾: ﴿مَا﴾ موصولة وما بعدها صلتها، وهي مع صلتها في موضع نصب بقوله: ﴿فَافْعَلُوا﴾، والعائد محذوف تقديره: ما تؤمرونه، أي: تؤمرون به من ذبح البقرة الموصوفة، كقوله:
٧٨ - أمرتك الخير ... .................... (٤)
ولك أن تجعلها مصدرية، أي: افعلوا أمرَكم، أي: مأموركم، تسمية للمفعول بالمصدر كَخَلْقِ الله، وضرب الأمير.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾:
стр. 288
قوله : ﴿مَا لَوْنُهَا﴾: ﴿مَا﴾ استفهام أيضًا في موضع رفع بالابتداء، و ﴿لَوْنُهَا﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿يُبَيِّنْ﴾. ويجوز نصب ﴿لَوْنُهَا﴾ على أن تجعل ﴿مَا﴾ مزيدة، كالتي في قوله: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ (١)، وبه قرأ بعض القراء (٢). ﴿صَفْرَاءُ﴾: صفة للبقرة، والهمزة في ﴿صَفْرَاءُ﴾ منقلبة عن ألف التأنيث، ولذلك لم تُصْرَفْ. ﴿فَاقِعٌ﴾: وصف لقوله: ﴿صَفْرَاءُ﴾ على وجه التوكيد، وقد ذكرتُ فيما سلف من الكتاب: أن الصفة لا توصف إلَّا أن يكون في الثاني معنى زائد على الأول كقولهم: أصفرُ فاقعٌ، وأبيضُ ناصعٌ، وأسودُ حالك (٣).
وارتفع ﴿لَوْنُهَا﴾ به ارتفاع الفاعل بفعله، وتذكيره لذلك، فلا فرق بين قولك: صفراء فاقعة، وصفراء فاقع لونها، لأن اللون من سببها وملتبس بها. ولك أن تجعل ﴿لَوْنُهَا﴾ مبتدأ و ﴿فَاقِعٌ﴾ خبره، والجملة في موضع رفع بحق الصفة. والفُقُوع: أشد ما يكون من الصفرة، يقال في التوكيد: أَصْفَرُ فاقعٌ. إذا كان شديد الصفرة، وقد فَقَعَ لونُه يَفْقَعُ وَيَفْقُعُ فُقُوعًا (٤).
وعن الحسن البصري: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ سوداء شديدة السواد (٥).
قال بعض أهل التأويل: ولعله مستعار من صفة الإبل، لأن سوادها تعلوه صفرة، وبه فُسّر قوله: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ (٦). وقال الأعشى:
стр. 289
٧٩ - تِلْكَ خَيلِي مِنْهُ وتِلكَ رِكابِي ... هُنَّ صُفْرٌ أولادُهَا كالزَّبيب (١)
وقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾، صفة بعد صفة، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي تسر الناظرين إليها لِحُسنها، لأن الشخص يُسَرُّ بالنظر إلى الشيء الحسن.
وعن وهب بن منبه (٢): إذا نظرتَ إليها خُيِّلَ إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها (٣).
والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه.
وقيل: ﴿فَاقِعٌ﴾ صفة للبقرة، و ﴿لَوْنُهَا﴾ مبتدأ، و ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ خبره (٤).
وأُنث اللون إما لكونه مضافًا إلى المؤنث، كما قيل: ذهبت بعض أصابعه، أو للحمل على المعنى، لأن اللون هنا صفرة في المعنى، كما أن الأمثال في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٥) حسنات في المعنى، أو لكونها مضافًا إلى المؤنث، فلذلك قيل: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ بطرح التاء من العشر (٦).
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾:
стр. 290
قوله : ﴿تَشَابَهَ﴾ فعل ماض وعليه الجمهور.
وقرئ: (تَشَّابهُ) بتشديد الشين وضم الهاء (١)، على أنه فعل مُسْتَقْبَلٌ، وأصله: تتشابه، فأدغمت التاء في الشين.
وقرئ أيضًا: (تَشَابَهُ) بطرح إحدى التاءين (٢).
وقرئ أيضًا: (يشَّابه) بالياء مكان التاء والتشديد (٣).
وتشابهت ومتشابهةٌ، ومتشابهٌ، فالتذكير على إرادة الجنس، والجمع والتأنيث على إرادة الجماعة. والمعنى: أن البقر الموصوف بالتَعْوِين والصُّفْرة كثير، فاشتبه علينا أَيُّها يُذْبَحُ (٤).
وقوله: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾: (إِنْ) حرف شرط، وجوابه: (إنَّ) وما اتصل به عند صاحب الكتاب، وحَسُنَ ذلك من حيث كان الشرط متوسطًا.
و﴿لَمُهْتَدُونَ﴾: خبر إن، وهو جواب الشرط في المعنى، ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف، أي: إن شاء الله هدايتنا اهتدينا.
وقال أبو العباس المُبَرَّد: الجواب محذوف، دلت عليه الجملة، لأن الشرط معترض، فالنية به التأخير، فهو كما تقول: أنت ظالم إن فعلت (٥).
стр. 291
والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها، أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل (١).
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾:
قوله : ﴿لَا ذَلُولٌ﴾ صفة لـ ﴿بَقَرَةٌ﴾، أي: بقرة غير ذلول، يقال: دابة ذلولٌ بينةُ الذِّل - بالكسر - من دَوابَّ ذُلُل. وفعول إذا كانت صفة لم تدخله التاء للتأنيث. يقال: امرأة صبور، وشكور. وهو بناء للمبالغة، أي: لم تُذَلَّلْ للكِراب (٢) وإثارَةِ الأرضِ.
﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾: أي لا يُسقَى عليها. و ﴿لَا﴾ الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلولٌ تُثير وتَسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.
والدليل على نفي العمل عنها قول الحسن: كانت وحشية (٣).
أو خبر مبتدأ محذوف، أي: لا هي ذلول، والجملة في موضع الرفع بحق الصفة.
وقيل: ﴿تُثِيرُ﴾ خبر مبتدأ محذوف. والوقف على ﴿لَا ذَلُولٌ﴾، على معنى: ليست بذلول، ولكنها تثير الأرض، وليس بشيء؛ لأنها لو كانت مثيرة لما نَفَى الله تعالى عنها الذِّلَ. وأيضًا فإن المعطوف يأبَى ذلك، وهو ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾؛ لأنه منفي، فيجب أن يكون المعطوف عليه كذلك في المعنى، ألا ترى أنك لا تقول: مررت برجل قائم ولا قاعد، ولكن: لا قاعد، بغير العاطف، وهنا بالعاطف كما ترى.
стр. 292
وقرئ: (لا ذلولَ) بالفتح (١) على إضمار خبر النفي، أي: لا ذلول هناك، أي حيث هي، وهو نفي لِذِلِّها. وهذا أيضًا يدل على فساد قول من أثبت لها الإثارة، ونظيره: مررت بقوم لا بخيلَ ولا جبان، أي فيهم، أو حيث هم، قاله الزمخشري (٢).
والجمهور على فتح التاء في ﴿وَلَا تَسْقِي﴾ من سقيته، إذا ناولته فشربَ، وقرئ: (ولا تُسقي) بضم التاء (٣) من أسقيتُه، إذا جعلتَ له سقيًا، عن الزجاج (٤). وقيل: هما لغتان بمعنى.
وقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مسلّمة، على معنى: سلمها الله من العيوب، عن قتادة وغيره (٥).
وقيل: مُعَفَاةٌ من العمل، سلمها أهلُها منه (٦).
أو مُخْلَصةُ اللون، من سَلِمَ له كذا، إذا خَلَصَ له، لم يَشُبْ صفرتَها شيءٌ من الألوان، عن مجاهد (٧).
﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: مبنية مع ﴿لَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿فِيهَا﴾ الخبر، كما تقول: لا رجل في الدار.
وقيل: هي خبر ثان لـ (هي) المضمرة.
стр. 293
وقيل: هي صفة لـ ﴿بَقَرَةٌ﴾، وكذلك ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ (١).
والمعنى: لا لمعة في لونها من لون آخر سوى الصفرة، فهي صفراء كلها حتى قرنُها وظِلْفُها، وهي في الأصل مصدر قولك: وَشَيْتُ الثوبَ أشِيْهِ وَشْيًا وشِيَةً، إذا خلطتَ بلونه لونًا آخر. وأصلها وِشْيَةٌ، كحِمية، فلما حذفوا الواو من الفعل لوقوعها بين ياء وكسرة حذفوها أيضًا من المصدر بعد نقل حركتها إلى العين، لأنهم يُعِلّون المصدر بإعلال الفعل للتشاكل، وأَتَوا بالتاء عوضًا عن الواو (٢).
وقوله: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ ﴿الْآنَ﴾: ظرف للزمان الذي أنت فيه، والعامل فيه ﴿جِئْتَ﴾، أي: في هذا الوقت جئت، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها، وهو مبني لأنه لا يلزمُ المسمى، وإنما هو اسمٌ للوقت الذي أنت فيه، فهو يشبه (هذا) الذي يشار به إلى ما بالحضرة.
وقيل: بُني لأنه لم يُسمع له نكرة، فخالف ما عليه الأسماء (٣). وبُني على حركةٍ لسكونِ ما قبل آخره، وفُتح لأن الفتحة أخفُّ الحركات.
ويجوز في ﴿قَالُوا الْآنَ﴾ أوجه:
أجودها: تحقيقُ الهمزة الواقعة بعد اللام الساكنة (٤)، ثم إلقاءُ حركتها على اللام وحذفُها بعد النقل (٥)، ثم حذف الواو من ﴿قَالُوا﴾ في اللفظ دون الرسم لالتقاء الساكنين، لأجل أن حركة اللام عارضة (٦). ويجوز لك إثباتها
стр. 294
في اللفظ إن اعْتَدَدْتَ بحركة اللام.
ويجوز لك إذا وقفت على ﴿قَالُوا﴾ وابتدأت بقوله: ﴿الْآنَ﴾ ثلاثةُ أوجهٍ: إثبات ألف الوصل مع تحقيق الهمزة الواقعة بعد اللام ليس إلا، وإثباتها مع النقل، وحذفها مع النقل، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ أي: فَحَصَّلُوا البقرةَ الجامعة لهذه الأوصاف كلها ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ الذبْحَ (٢).
قيل: لغلاء ثمنها، وقيل: خوف الفضيحة في ظهور القاتل (٣).
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ أي: اذكروا إذ قتلتم، وخوطِبَتِ الجماعةُ لوجود القتل فيهم.
﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾: فاختلفتم واختصمتم في شأنها، وأصل الدَّرْءِ: الدفعُ، وأصله: (تدارأتم)، ووزنه: (تفاعلتم)، غير أن التاء أُدغمت في الدال بعد القلب لكونهما من مخرج واحد، فلما أدغمت سكنت، إذ شرط المدغَم أن يكون ساكنًا، ولم يمكن الابتداء بالساكن، فاجتُلبت له همزةُ
стр. 295
الوصل لذلك، ومثله: ﴿ادَّارَكُوا﴾ (١) و: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ (٢) و: ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ (٣) ونظائرهن.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾: يَحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صِلَتُها وعائدها محذوف، أي: تكتمونه. وأن تكون مصدرية، أي: مُخْرِجٌ كَتْمَكُمْ، أي: مكتومَكم، تسمية للمفعول بالمصدر، كضرْب الأمير، وحَلَبِ الناقة، وهي في كلا الوجهين في موضع نصب بـ ﴿مُخْرِجٌ﴾ أي: مُظْهرٌ لا محالَةَ ما كتمتم من أمر القتيل، لا يتركه مكتومًا. ويجوز حذف التنوين من ﴿مُخْرِجٌ﴾ تخفيفًا، كما حذف من نحو قوله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٤) ومن قوله: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٥). وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما (ادارأتم) وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾. والضمير المنصوب في ﴿اضْرِبُوهُ﴾ للنفْس على تأويل الشمخص، أو الإنسان، أو للقتيل لما دل عليه من قوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾:
قوله : ﴿بِبَعْضِهَا﴾ أي: ببعض البقرة، واختلف في البعض الذي ضُرِبَ به: فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عَجْبُها، والعَجْبُ بالفتح: أصل الذَّنَب. وقيل: الأذن، وقيل: البضعة التي بين الكتفين، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف، عن ابن عباس رضي الله
стр. 296
عنهما، وهو أصل الأذن (١).
﴿كَذَلِكَ﴾: الكاف الأَول في محل النصب على أنه وصف لمصدر محذوف، أي: إحياءً كذلك، وفي الكلام حذف، أي: اضربوه فَيُحْيَا (٢)، فضربوه فَحُيِيَ، والذي سوغ حذف ذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الزمخشري: معنى ﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾: استبعاد القسوة من بعد ما ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها، وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مَثَلٌ لنبوِّها عن الاعتبار، وأن المواعظ لا تؤثر فيها (٣).
يقال: قَسا قلبه قَسْوَةً وقَسَاوةً، وقَسَاءً بالفتح والمد، إذا غَلُظَ ونبا عن الاعتبار وقبول الموعظة. وحذفت الألفُ المنقلبة عن الواو من ﴿قَسَتْ﴾ لالتقاء الساكنين هي وتاء التأنيث.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: الإشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما ذكر من الآيات المعدودة: من المَسْخ، ورَفْعِ الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من الحجَر.
﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾: ابتداء وخبر، والكاف هنا يَحتمل أن يكون حرف جر، وأن يكون اسمًا، فإن جعلته حرف جر كان متعلقًا بمحذوف، وإلَّا
стр. 297
فلا، أي: قلوبُهم في القسوة مستقرةٌ كالحِجارة، أو مثل الحجارة.
﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ منها، و ﴿أَوْ﴾ هنا كالتي في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ (١)، و ﴿أَشَدُّ﴾ معطوف على الكاف إما على تقدير: أو كأشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تعضده قراءة من قرأ: (أو أشدَّ قَسوة) بفتح الدال على أنه مجرور عطفًا على الحجارة، وهو الأعمش (٢) وإما على تقدير: أو هي في أنفُسِها أشدُّ قسوةً. و ﴿قَسْوَةً﴾: نصب على التمييز.
الزمخشري: فإن قلت: لِمَ قيل: ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وفِعْل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل، وفعل التعجب؟ قلت: لكونه أَبْيَنَ وأَدَلَّ على فرط القسوة، ووجهٌ آخرُ، وهو ألَّا يُقْصدَ معنى الأقسَى، ولكن قُصِد وَصْفُ القَسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة.
فإن قلت: لم تُرِكَ ضميرُ المفضل عليه؟ قلت: لعدم الإلباس، كقولك زيد كريم وعمروٌ أكرم (٣).
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾: بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة، وتقرير لقوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾: (لَمَا) اللام للتوكيد، و (ما) موصولة، وما
стр. 298
بعدها صلتها، وعائدها الضمير في ﴿مِنْهُ﴾، وهي مع صلتها في موضع نصب لكونها اسم إن، وخبرها: ﴿مِنَ الْحِجَارَةِ﴾.
والكلام في ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾، كالكلام في ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾.
وقرئ: (وإنْ من الحجارة) بالتخفيف (١)، وكذلك ما بعدها (٢)، على أنها المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة.
وأصل يَشَّقَق: يتشقق، وبه قرأ بعض القراء (٣)، فأدغمت التاء في الشين بعد القَلْب، وفاعله ضمير (ما).
و﴿مِنْ خَشْيَةِ﴾: من صلة ﴿يَهْبِطُ﴾.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾: بغافل: في موضع نصب على لغة أهل الحجاز، لكونه خبر (ما) والباء لتأكيد النفي، وفي موضع رفع على لغة بني تميم، لكونه خبر المبتدأ على قول من جوز دخول الباء على خبر المبتدأ.
﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: (ما) موصولة وما بعدها صلتها، والعائد محذوف، أو مصدرية وهو أحسن.
وقرئ: (تعملون) بالتاء حملًا على قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وبالياء (٤) لقوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٥) وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (٦) وهو وعيد.
стр. 299
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، ومعناه: الإنكار. والطمع: الأمل والرجاء. والخطاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين.
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾: في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته، والأصل: بأن يؤمنوا، وقد ذكر نظيره في غير موضع.
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الواو: واو الحال. و ﴿فَرِيقٌ﴾: اسم كان. و ﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع رفع لكونه وصفًا لفريق. وفريق: اسم جمع لا واحد له من لفظه.
و﴿يَسْمَعُونَ﴾ خبر كان، وقد جوز أن يكون ﴿مِنْهُمْ﴾ الخبر و ﴿يَسْمَعُونَ﴾ الوصف، والأول أمتن (١).
وقرئ: (كَلِمَ اللَّهِ) (٢)، وهي جمع كلمة، وأما الكلام: فما استقل بنفسه غير مفتقر إلى غيره، ويكون جملة.
وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني ما يتلونه من التوراة. ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ يغيرونه ويميلونه.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾: ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: من بعد عَقْلِهِمْ إياه. وقد جوز أن يكون بمعنى (إذ)، كقوله: ﴿إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٣)، أي: من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم تَبْقَ لهم شبهة في صحته (٤).
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال من الضمير
стр. 300
في ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾، أو من الضمير في ﴿عَقَلُوهُ﴾، فيكون كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١) فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال، والمعنى: وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ أصله: لَقِيُوا، وقد ذكر (٢)، وهم اليهود. ﴿قَالُوا﴾: قال منافقوهم: ﴿آمَنَّا﴾ بأنكم على الحق، وأن محمدًا هو الرسولُ المُبَشَّرُ به. ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ﴾ الذين لم ينافقوا، ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾ إلى الذين نافقوا، قالوا عاتبين عليهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (ما) موصولة وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف، أي: بما فتحه الله، أو موصوفة وما بعدها صفتها، أو مصدرية، أي: بما بَيَّنَ لكم في التوراة من صفة محمد ﷺ .
والفتح على معان، وأصله التوسعة وإزالة الإبهام، والفتَّاحُ: هو القاضي بلغة أهل اليمن (٣).
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾: اللام لام كي، والفعل بعده منصوب بإضمار أن، لأن اللام في الحقيقة لام الجر الذي يدخل على الأسماء، وإذا كان كذلك كان الفعل بعده منصوبًا بإضمار أن، لأن الجار لا يعمل النصب، فاللام داخل في اللفظ على الفعل، وفي المعنى على الاسم، لأن (أن) المضمرة وما بعدها
стр. 301
من الفعل في تأويل المصدر. وعن يونس (١): أن ناسًا من العرب يفتحون لام كي. قال أبو الحسن: لأن الفتح الأصل، ولهذا يُفْتَحُ مع المضمَر (٢). وهذه اللام متعلقة بقوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾.
ومعنى ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، أي: لتكون لهم الحجة عليكم، لكونه هو في كتابكم هكذا قيل (٣). وأصله من حج إذا قصد، لأن كل واحد من الخصمين عند التحاجّ يَقْصِدُ غَلَبَةَ الآخر و ﴿بِهِ﴾، و ﴿عِنْدَ﴾ كلاهما متعلق بقوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾:
قول : ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ الهمزة للاستفهام دخلت على العاطف، ومعناه التقرير. ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من الكفر والنفاق. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الإيمان والانقياد.
والجمهور على الياء النقط من تحته في قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: أوَلا يعلم اليهود أن الله يعلم ما يخفونه من الكفر وما يظهرونه من الإيمان، وقرئ: (أولا تعلمون) بالتاء النقط من فوقها (٤) على الخطاب للمؤمنين، أي: أولا تعلمون أيها المؤمنون أن الله يعلم ما يخفونه وما يبدونه، يعني اليهود.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾:
قوله : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾: ﴿أُمِّيُّونَ﴾ رفع بالابتداء,
стр. 302
و ﴿مِنْهُمْ﴾ الخبر، أو بمنهم على رأي أبي الحسن. قال الزجاج: الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه حملته أمه (١)، أي: لا يَكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه (٢).
﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: في موضع رفع لكونه وصفًا لقوله: ﴿أُمِّيُّونَ﴾، أي: غير عالمين.
﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: استثناء ليس من الأول، لأن الأماني ليس من جنس ما قبله. وهي جمع أمنية، وأصلها: أُمْنُوْيَةٌ، على وزن: أُفْعُولَة، كأرجوزة. وما كان على هذا الوزن فإنه يجمع على أفاعيل وأفاعل.
قيل: والمعنى: لا يعلمون التوراة ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ إلا ما هم عليه من أمانيهم، وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يُمَنِّيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أيامًا معدودةً، وما أشبه هذا مما ليس لهم أن يتمنوه (٣).
وقيل: إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فأخذوها تقليدًا. قال أعرابي لابنِ دَأْبٍ (٤) وهو يحدث: أهذا شيء رويتَه أم تمنيته؟ أي اختلقته (٥).
стр. 303
وقيل: إلا ما يقرؤون، من قوله: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (١).
وقيل: الاشتقاق من مَنَى، إذا قَدَّر، لأن المتمني يقدر في نفسه، ويَحْزِرُ ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارئ يُقَدِّرَانِ كَلِمَةَ كذا بعد كذا، وحَرْفَ كذا بعد كذا (٢).
والجمهور على تشديد الياء، وقرئ: (إلا أمانِيَ) بالتخفيف وطرح إحدى الياءين (٣) كراهة التضعيف. ونظيره أُثْفِيَّة وأثافيّ وأثافٍ، بالتشديد والتخفيف (٤).
﴿وَإِنْ هُمْ﴾: (إنْ) بمعنى: ما، ولكن لا يعمل عمله، وأكثر ما يأتي بمعناه إذا انتقض النفي بإلا. و ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وما بعده خبره. و ﴿إِلَّا﴾ في نحو هذا لتأكيد النفي.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾:
قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ﴾ ويل: رفع بالابتداء، وخبره ﴿لِلَّذِينَ﴾. وانتصابه في الكلام جائز، على معنى: جعل الله ويلًا لهم، تقول: ويلٌ لِزيدٍ، وويلًا لزيد، فالرفع بالابتداء وهو الجيد، لكونه يدل على معنى الثبات، والنصب على إضمار الفعل، هذا إذا لم تُضِفْهُ، فأما إذا أضفته فالنصب ليس إلا، لأن الاسم الذي أضفته إليه كان الخبر. فلو رفعته لم يكن له خبر، فاعرفه (٥).
стр. 304
و (ويل) مصدر، ولم يأت منه فعل، لأن فاءه وعينه حرفا علة، وهذا مما يَعْضُد مذهب من قال: إن الفعل مشتق من المصدر، ويجمع على ويلات ومثله وَيْحٌ ووَيْبٌ ووَيْسٌ (١).
﴿لِيَشْتَرُوا﴾: اللام متعلق بقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقولون ذلك ليشتروا به ثمنًا قليلًا، و ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الكتاب.
﴿مِمَّا كَتَبَت﴾: (ما) هنا تَحتمل ثلاثةَ أوجهٍ: أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفةً، وأن تكون مصدرية. وكذلك (ما) في ﴿مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ تحتمل الأوجهَ الثلاثة.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ نَصْبٌ على الظرف، والعامل فيه قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾، وليس لـ ﴿إِلَّا﴾ فيه عمل. و ﴿مَعْدُودَةً﴾: صفة للأيام على إرادة الجماعة في الموصوف. قيل: والمعدودة إذا أطلقت في كلام العرب كان معناها القليلة، كقوله: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٢).
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾: همزة ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ همزة استفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل للاستغناء عنها بهمزة الاستفهام، وهي مقطوعة مفتوحة في الوصل والوقف، وهو هنا مما يتعدى إلى مفعولط واحد، كقوله: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ (٣).
﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾: متعلق بمحذوف دل عليه ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾ أي: إن
стр. 305
اتّخذتم عنده عهدًا فلن يخلف الله عهده.
﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾: قد جوز أن تكون ﴿أَمْ﴾ هنا متصلة، بمعنى: على أي الحالين أنتم؟ كأنه قيل: أتقولون على الله ما لا تعلمون أم تقولون ما تعلمون؟ وأن تكون منقطعة على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، ثم استؤنف الكلام بأَم على معنى: بل أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ و ﴿مَا﴾ من ﴿مَا لَا﴾ موصولة، وما بعدها صلتها، أو موصوفة وما بعدها صفتها.
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿بَلَى﴾: ﴿بَلَى﴾ حرف، وله موضعان:
الأول: أن يكون إثباتًا لما بعد حرف النفي الواقع قبله خبرًا كان أو نهيًا، تقول: ما ضربت زيدًا، فيقول المثبت: بلى، أي: بلى قد ضربتَ. وتقول: لا تضرب زيدًا، فيقول: المثبت: بلى، أي بلى أَضْربُهُ، ومنه قوله سبحانه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ... بَلَى﴾، أي: بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى﴾ (١)، أي: بل عملتم السوء. وقوله: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى﴾ (٢)، أي: بلى يبعثهم. ولو أتيت بنعم هنا لكنت معترفا بالمنفي.
والثاني: أن يقع جوابًا لاستفهام دخل على نفي فَحَقَّقَهُ، فيكون معناه التصديق لما قبله، وذلك قولك: ألم أُكْرِمْ فلانًا؟ ألم أَهْزِمْ جيشًا؟ فيقول
стр. 306
المجيب: بلى، أي: أَكرمتَه، وبلى هزمتَه، وفي التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١)، وفيه: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى﴾ (٢)، أي: بلى أنت ربنا، وبلى هذا الحق.
ولو أتيت بنعم هنا معتقدًا لكنت كافرًا، لأنه يصير المعنى: نعم لست بربنا ونعم ليس هذا بالحق. ولهذا لو قال قائل: أليس لي عندك كذا وكذا، فقال: بلى، للزمه ذلك، لأن المعنى: بلى لك عندي ما ذكرتَ، ولو قال: نعم، لم يلزمه شيء، لأنه يصير المعنى: نعم ليس لك عندي ذلك، فاعرفه (٣).
ومذهب أهل البصرة: أن ﴿بَلَى﴾ بكمالها حرف. ومذهب أهل الكوفة: أن أصله (بل) زيدت عليه الألف، كما زيدت التاء على ثُمَّت ورُبَّت ونحوهما (٤).
﴿مَنْ كَسَبَ﴾: من: شرطية في موضع رفع بالابتداء. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء وما اتصل به جواب الشرط. و (أولئك) ابتداء ثان، و ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ خبره، والجملة خبر عن المبتدأ الأول وهو ﴿مَنْ﴾.
﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿خَالِدُونَ﴾ خبره، والظرف ملغى متعلق بالخبر، والجملة في موضع نصب على الحال من ﴿أَصْحَابُ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، أو من ﴿النَّارِ﴾، لأن في الجملة ضميرًا يعود عليها وهو ﴿فِيهَا﴾، والعامل فيها معنى الإضافة، أو المصاحبة، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا، فأغنى عن الإعادة هنا (٥).
стр. 307
ولك أن تجعل ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ خبرًا بعد خبر لأنهما خبران عن شيءٍ واحد، فلهذا لم تحتج إلى العاطف، وأيضًا فإن الضمير يربط الثاني بالأول، كما أن العاطف يربطه به، ألا ترى أنك تقول: رأيتُ زيدًا والناس يبصرون الهلال، فلا يجوز حذف العاطف. ولو قلت: رأيت زيدًا الناسُ عنده يبصرون الهلالَ جاز حذف العاطف وإثباته فاعرفه.
وكذلك الكلام في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
ويحتمل أن تكون موصولة (١) يعضده المعطوف وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، و ﴿كَسَبَ﴾ لا موضع له من الإعراب على هذا الوجه. وعلى الوجه الأول: في موضع جزم بالشرط إلا أنه لا يظهر فيه إعراب لكونه ماضيًا.
فإن قلت: فإن كان الأمرُ على ما زعمت، فلِمَ دخلت الفاء في خبره؟ قلت: قيل: ليدل على أن الخبر يجب بوجوب معنى الصلة، كقولك: الذي في الدار فله درهم. قال ابن السراج (٢): دَلَلْتَ أنه وجب الدرهمُ من أجل الكون في الدار (٣).
فإن قلت: ما الفرق بين الذي وبين الشرط، وقد وجب الخبر بوجوب الأول؟ قلت: قيل: إن ظاهر الشرط لا يدل على أنه كائن لا محالة، لأنك إنما تشترط أنه إن كان كذا كان كذا على الجزاء، فأما الصلة فالظاهر فيها كون المعنى ووقوعه، كقولك: الذي في الدار فَأَعْطِهِ درهمًا.
وأُفرد الضمير في ﴿بِهِ﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، وجُمع ما بعده على معناه.
стр. 308
وقرئ: (خطيئته) بالتوحيد حملًا على لفظ السيئة لكونها مفردة، وبالعكس (١) حملًا على معناها، لأن المراد بها الكثرة والجنس. وهي فَعِيْلَة من ساء يسوء، كميتة من مات يموت، ثم أدغمت الياء المزيدة في العين بعد قلبها ياء، كما فعل بميّت وسيّد ونحوهما.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ أي: واذكروا إذ أخذنا.
﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ قرئ: بالتاء على حكاية ما خوطبوا به، أي: قلنا لا تعبدون إلا الله، وبالياء، لأنهم غُيَّب (٢).
﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ فيه أربعةُ أقوال:
أحدهما: أنَّ (أَنْ) مرادة، أي: أخذنا ميثاق بني إسرائيل أن لا تعبدوا، فلما حذفت (أن) رفع، كقوله:
٨٠ - ألا أيُّهذا الزَّاجري أحضُرُ الوَغَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللَّذاتِ هَلْ أنتَ مُخْلِدي (٣)
يريد: أن أحضُرَ، فلما حَذَفَ (أن) رفع الفعل، وتَنصره قراءة من قرأ:
стр. 309
(أن لا تعبدوا)، وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (١).
والثاني: أنه جواب قوله: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إجراء له مجرى القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.
والثالث: أنَّ لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، كما تقول: يَذْهَبُ فلانٌ إلى فلان يقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كَأَنْ سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه، وتعضده قراءة من قرأ: (لا تعبدوا) بطرح النون وهما عبد الله وأُبي ﵄ (٢) ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿وَقُولُوا﴾، ﴿وَأَقِيمُوا﴾، ﴿وَآتُوا﴾، ولا بد من إرادة القول، أي: قلنا لهم لا تعبدوا.
والرابع: أنه في موضع نصب على الحال، أي: أخذنا ميثاقَهم غير عابدين إلا الله، أي: موحدين، لأنهم كانوا وقت أخذ العهد موحدين. قلت: وهذا الوجه يمشي على قراءة من قرأ بالياء النقط من تحته.
والقول في قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ (٣)، كالقول في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ في جميع ما ذكرت (٤).
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: الباء متعلق بفعل دل عليه قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾، أي: وقلنا أحسنوا بالوالدين إحسانًا، فـ ﴿إِحْسَانًا﴾ على هذا مصدر أحسنوا.
стр. 310
وعن أبي حاتم (١): واستوصوا بالوالدين إحسانًا. فيكون ﴿إِحْسَانًا﴾ على هذا مفعولًا به (٢)، والباء متعلق بهذا الفعل، وقيل: متعلق بالخبر المعطوف أعلى المعنى الأول، كأنه قيل: بأن لا تعبدوا، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانًا.
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ عطف على الوالدين، وأفرد على إرادة الجنس، أو وضع موضع الجمع.
﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم كنديم ونَدامى، ويجمع أيضًا على أيتام] (٣).
وقيل على القلب، كما قيل: أيامى، والأصل أيائم [ويتائم] (٤). ويقال للإناث: اليتامى كما يقال للذكور. واليُتْمُ في الناس: من قِبَلِ الأب، وفي البهائم: من قبل الأم، عن الجوهري وغيره يقال: يَتِم الصبيّ يَيْتَمُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر يُتْمًا بالضم وَيَتْمًا بالفتح مع التسكين فيهما، فهو يتيم حتى يبلغ الحلم (٥).
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، مأخوذ من السكون، كأنه أسكنه الفقر، عن الزجاج (٦). والميم فيه مزيدةٌ لما ذكرت آنفًا، فاعرفه (٧).
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: وقلنا لهم قولوا ذلك.
стр. 311
وقرئ: (حُسْنًا) بضم الحاء وإسكان السين على أنه مصدر كالشكر، أي: وقولوا للناس قولًا ذا حُسْنٍ، وبفتحهما (١) على أنه وصف لمصدر محذوف، أي: وقولوا لهم قولًا حَسَنًا. وقيل: هما لغتان بمعنىً واحدٍ، كالبُخْل والبَخَل، والحُزْن والحَزَن مصدران بمعنىً.
وقرئ: أيضًا: (حُسُنًا) بضم الحاء والسين مع التنوين (٢)، وهي لغية، كالرُّعُبِ والسُّحُتِ فيمن ضم العين فيهما.
وقرئ أيضًا: (إحسانًا) بالألف (٣)، كقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقد ذكر آنفًا.
وقرئ: (حُسْنَى) (٤) على أنه مصدر والألف للتأنيث، كالتي في بُشْرَى ورجعى.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون (حُسنى) على هذه القراءة تأنيث (أفعل) كالأفضل والفضلى، والأكبر والكبرى؟ قلت: لا، لأجل أن تأنيث أفعل لا يستعمل إلا بالألف واللام، وهذا عارٍ منهما كما ترى، لا يقول أَحَدٌ: رأيتُ امرأةً حُسْنَى، وإنما هو مصدر كالبشرى والرجعى.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: على طريق الالتفات، أي: توليتم عن الميثاق ورفضتموه.
стр. 312
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾: منصوب على الاستثناء من الضمير في ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾، قيل: هم الذين أسلموا منهم (١).
وقريء: (إلا قليلٌ) بالرفع (٢)، حملًا على المعنى، وإعراضًا عن اللفظ، لأن معنى (توليتم) لم تَثْبِتُوا، كأنه قيل لم تثبتوا إلا قليل منكم.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون بدلًا؟ قلت: لا، لفساد المعنى، لأجل أن المبدَل منه يجب أن يكون في حكم الساقط. وإذا قَدَّرْتَ حَذفَ الضمير بقي: تَوَلَّى إلا قليلٌ منكم، وهذا ظاهر الفساد، لأن الغَرَضَ إخراج القليل من جملة المعرضين، فإذا جعلتهم فاعلَ التولي كنت قد أسقطت المعرضين وأثبتهم، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى.
﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: ابتداء وخبر في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهي حال مؤكِّدة، لأن التولي فيه دلالة على الإعراض، فهو يغني عنه (٣).
وقيل: لأنه يقال: تولى عنه وإليه، فَبَيَّنَ المراد بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وقيل: الحال مُنْتَقِلَةٌ، على جعل التولِّي للأبدان، والإعراض للقلوب.
وقيل: التولي للاباء، والإعراض للأبناء، كقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (٤) يعني آباءهم (٥).
стр. 313
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ أي: واذكروا إذ أخذنا.
والكلام في قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ كالكلام في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ وقد ذَكَرْتُ قُبَيْلُ، والسَّفْكُ: صَبُّ الدم، والجمهور على كسر الفاء، وقريء: بضمها (١) وهو لغية. والسفك، والصب، والإراقة، نظائر في المعنى.
﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: جمع دار، يقال: دارٌ وأَدْؤُرٌ بالهمز وتَركِهِ في القلة، وفي الكثير: ديار، كجبل وأجبل وجبال، ودور أيضًا كأَسَد وأُسْد. والياء في ديار منقلبة عن واو لكسرة ما قبلها كَحِياضٍ.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾: قيل: فيه وجهان:
أحدهما: أن ﴿ثُمَّ﴾ على بابها في إفادة العطف والتراخي، والمعطوف عليه محذوف، أي: فقبلتم ثم أقررتم. والمُقَرُّ به هو الميثاق.
والثاني: أن تكون ﴿ثُمَّ﴾ أتت لترتيب الخَبَر، لا لترتيب المُخْبَرِ عنه كقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: جملة في موضع الحال من الضمير في ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾. والمعنى: ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون عليها، كما تقول: فلان مُقِرٌّ على نفسه بكذا، وهو شاهد عليها.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ
стр. 314
تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (أنتم) في موضع رفع بالابتداء، و ﴿تَقْتُلُونَ﴾ وما اتصل به خبره، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ على هذا ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها في موضع رفع على التوكيد لـ ﴿أَنْتُمْ﴾، لما في ذلك من البيان والتخصيص، كأنه قيل: أنتم القوم تفعلون كَيتَ وكيتَ.
والثاني: على النداء، أي: يا هؤلاء، لما في النداء من التنبيه والتخصيص أيضًا. وصاحب الكتاب لا يجيز حذف حرف النداء مع المبهم (١).
والثالث: أنها في موضع نصب بإضمار فعل، أي: أعني هؤلاء، لما في ذلك أيضًا من التنبيه والتخصيص عند السامع.
وقيل: هؤلاء موصول بمعنى الذين، و ﴿تَقْتُلُونَ﴾ وما اتصل به صلته، والموصول وما اتصل به في موضع رفع لكونه خبرًا لـ ﴿أَنْتُمْ﴾، عن أبي إسحاق (٢)، ونظيرُهُ عندَه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٣) أي: وما التي بيمينك؟ وما ذهب إليه أبو إسحاق من جعله المبهم موصولًا مذهب أهل الكوفة (٤).
стр. 315
وقيل: ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ خبره، و ﴿تَقْتُلُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من أولاء، ولا يستغنى عنها ولم يستغن عن حال المبهم كما لم يستغن عنه نعته، والعامل في الحال معنى التنبيه.
﴿فَرِيقًا مِنْكُمْ﴾: (منكم) في موضع نصب لكونه وصفًا لقوله: ﴿فَرِيقًا﴾ متعلق بمحذوف.
﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُخْرِجُونَ﴾.
(تظّاهرون): في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تُخْرِجُونَ﴾، أي: وتخرجون المذكورين مظاهرين عليهم، أي: معاونين، والمظاهرة: المعاونة، والتظاهر: التعاون (١).
قيل: وهو مأخوذ من الظهر، كأن المتظاهِرَيْنِ يُسْنِدُ كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه (٢).
وقرئ: (تَظَاهرون) بحذف إحدى التاءين كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة، وهي الثانية، ولأن الثِّقَلَ والتكرير بها حصل، ولأن الأولى تدل على معنىً. وقيل: الأولى (٣). وبإدغامها (٤)، لذلك أيضًا.
وقرئ أيضًا: (تُظاهِرون) بضم التاء، وكسر الهاء، وتخفيف الظاء، من ظاهر (٥).
﴿بِالْإِثْمِ﴾: في موضع الحال، أي: ملتبسين به. والإثم، والوِزْر، والذنب، والجُرْم نظائر في المعنى.
стр. 316
والعُدْوان: مصدر كالكفران، وهو الظلم الصُّراح (١).
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ﴾: يعني الفَريق الذين تقدم ذكرهم، (إن) حرف شرط، ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ مجزوم به، وعلامة الجزم حذف النون.
و﴿أُسَارَى﴾: جمع أسير، وهو في موضع نصب على الحال من المضمر المرفوع في ﴿يَأْتُوكُمْ﴾.
وقرئ: بضم الهمزة على وزن (فُعالَى) تشبيهًا بكُسالى، وسُكارى، و (أَسْرى) على وزن (فَعْلى) (٢) وهو القياس، كجريح وجَرحَى، ولك أن تجمعه على (فَعالى) كسَكارَى، وعلى فُعلاء، كشهداء، وظرفاء. ولا تَجْمَعُ بالواو والنون، وإنما يُكَسَّر على ما ذكرتُ آنفًا.
﴿تُفَادُوهُمْ﴾: جواب الشرط، وقرئ: (تفدوهم) بغير ألف، لأن الفعل من الواحد وهو المغلوب، و (تُفادوهم) بالألف (٣)؛ لأن كل واحد من الفريقين يعطي شيئًا، فالأَخِيذُ يُعطِي المال، والآخذ يُعطِي الإطلاق. ويجوز أن يكون من باب سافرت، فتكون القراءتان بمعنىً، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين؛ الثاني منهما بحرف جر، تقول: فديت زيدًا بمال، [وفاديته بمال] (٤).
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ ﴿هُوَ﴾: في موضع رفع بالابتداء، وهو ضمير الشأن والحديث، كالذي في قوله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وإنما يؤتى به في الكلام للتفخيم والتعظيم، وقد ذكر. و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ مبتدأ
стр. 317
ثان. و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في موضع رفع بحق خبر المبتدأ الأول. وفي ﴿مُحَرَّمٌ﴾ ضميرُ ما لم يُسَبمَّ فاعله يعود على الإخراج. أو ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ومحرم مبتدأ ثان، و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ رفع بمحرم، لاعتماده على المبتدأ الذي هو ﴿هُوَ﴾، وقد سَدَّ مَسَدَّ خبر المبتدأ الثاني، ولا ضمير على هذا في ﴿مُحَرَّمٌ﴾ لكونه رَفَعَ الظاهِرَ، والجملة خبر عن المبتدأ الأول.
وإن شئت جعلت ﴿هُوَ﴾ ضمير الإخراج، دل عليه قوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبره، و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ بدل من الضمير في ﴿مُحَرَّمٌ﴾: أو من ﴿هُوَ﴾، وإنما أعيد ذكره توكيدًا، لأنه فصل بينهما بكلام، كأنه قيل: وإخراجهم محرم عليكم، ثم أعيد تأكيدًا وتبيينًا أيضًا.
وعن الفراء: أن ﴿هُوَ﴾ هنا عمادٌ، محتجًا بأن الواو تَطلبُ الاسمَ، وكل موضع تَطلب فيه الاسمَ فالعماد فيه جائز (١). ومنعه البصريون؛ لأن العماد لا يكون في أول الكلام (٢).
وقد مضى الكلام على الفصل والعماد فيما سلف من الكتاب، فأغنى ذلك عن الإعادة ها هنا (٣).
و﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بمحرّم على التقديرات كلها.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الذي معناه التقرير والتوبيخ.
﴿فَمَا جَزَاءُ﴾ (ما) يحتمل وجهين:
أن يكون نفيًا، و ﴿جَزَاءُ﴾ مبتدأ. ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾ من: موصول وما بعده صلته، وفي ﴿يَفْعَلُ﴾ ضمير مرفوع وهو عائده، و ﴿مَنْ﴾ وما اتصل به في موضع جر بالإضافة. ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من الذكر في
стр. 318
﴿يَفْعَلُ﴾. ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾: (إلَّا) إيجاب بعد النفي، و ﴿خِزْيٌ﴾ خبر المبتدأ الذي هو ﴿خِزْيٌ﴾.
وأن يكون استفهامًا في موضع رفع بالابتداء، أَيْ: أيُّ شيء؟ و ﴿خِزْيٌ﴾ خبره، ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ بدل من جزاء وتبيينٌ له، هذا على قول من لم ينو بالأول الطَّرْحَ، فأما على قول من ينوي بالأول الطرح: فخبر مبتدأ محذوف دل عليه صدر الكلام ومعناه، أي: ما جزاؤه إلا خزي.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: في موضع رفع على أنها صفة للخزي، وقد جوز أن يكون ظرفًا متعلقًا بالخزي؛ لما فيه من معنى الفعل، أي: إلَّا أن يُخزى في الحياة الدنيا.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾: يوم: ظرف متعلق بـ ﴿يُرَدُّونَ﴾، وكذا ﴿إِلَى أَشَدِّ﴾ متعلق به.
والجمهور على الياء في ﴿يُرَدُّونَ﴾ النقط من تحته حملًا على ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، وقرئ: بالتاء النقط من فوقه (١) لقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿مِنْكُمْ﴾.
﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: (ما) يَحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وقرئ: (تعملون) بالتاء والياء ووجههما ظاهر (٢).
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾:
قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ﴾
стр. 319
خبره، و ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿فَلَا يُخَفَّفُ﴾ وما اتصل به خبر بعد خبر، والفاء مزيدة.
ولك أن تجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ ثانيًا، و ﴿فَلَا يُخَفَّفُ﴾ وما اتصل به خبره، وليست الفاء مزيدة على هذا الوجه، وإنما جيء بها، لأن الموصول موصول بالفعل، كقولك: الذي يأتيني فله درهم، والجملة خبر أولئك.
فإن قلت: مِن شَرْطِ الجملة إذا وقعت أخبارًا أن يكون فيها ما يعود إلى المبتدأ، فما العائد هنا؟ قلت: هنا لم تحتج إلى العائد؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ هم ﴿الَّذِينَ﴾، وإنما تحتاج إذا كانت الجملة غير المبتدأ. وقيل: دخلت الفاء للعطف على ﴿اشْتَرَوُا﴾ فيكون في صلة الذين.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾:
قوله : ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقال قَفَوْتُ أثره قَفْوًا وقُفُوًّا، إذا اتّبعتَه، وقَفّيْتُ على أثره بفلان، إذا أَتبعتَه إياه، والتقفية إلحاق الشيء بالشيء بعده عند أهل اللغة، وقلبت الواو ياء لوقوعها رابعة. و ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ لابتداء الغاية، والرسل جمع رسول، كصَبُور وصُبُر، ولك الضم والإسكان في الرسل، فالضم لغة أهل الحجاز، والإسكان لغة بني تميم (١).
و﴿عِيسَى﴾: اسم سُرْياني (٢) لا اشتقاق له. وقيل: هو من العَيَس، وهو بياض الإبل يخالطها شيء من الشُقْرة. وقيل: من العَوْس، وهو السياسة، فقلبت الواو في عيسى ياءً، لانكسار ما قبلها (٣).
стр. 320
واختُلف في وزنه: فقال الكوفيون: وزنه (فِعْلَى)، وألفه للتأنيث، ولم يَحكُوا صرفه في النكرة أيضًا. وقال البصريون: وزنه (فِعْلَى) وألفه للإلحاق، ولا تكون أصلًا، لأن بنات الأربعة لا تكون الواو والياء أصلًا فيها، فهو كمِعْزىً (١)، وقالوا: لو كان ألفه للتأنيث لكان ينبغي ألا ينصرف في النكرة، وقد سمع فيه الصرف.
و﴿مَرْيَمَ﴾ مَفْعَلٌ من رام يريم (٢)؛ لأن فَعْيَلًا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية، كما ثبت في نحو: عِثْيَرٍ (٣)، ولو كان مريم مثل: عِثير في زيادة الياء لوجب أن يكسر صدره، فيقال: مِريم، لما ذكرت آنفًا من أن فَعْيَلًا لم يثبت في الأبنية، وصحت الياء في مريم كما صحت الواو في مَكْوَزَة (٤)، ولا يقاس. والمانع له من الصرف: التعريف والتأنيث.
قوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ الأَيْدُ والآدُ: القوة، تقول من الأَيْدِ: أَيَّدْتُهُ تأييدًا، أي: قويته، ومن الآد: آيَدْتُهُ. وأصله: أَأْيَدْتُه، فأبدلت الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، فوزن أيَّدْتُه؛ فعَّلْته، ووزن آيدْتُه: أفعَلْتُه، وإنما صحت العين لأجل أن الساكن الذي قبلها ألف، فلو قلبت الياء ألفًا لاجتمع ألفان ودال ساكنة لاتصالها بالضمير، فكنت تفتقر إلى حذف الألفين فيبقى أدناه، وذلك إجحاف بالكلمة، وتغيير لِلْبِنية، فَصُحِّحَتْ لذلك.
والجمهور على: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾، وقرئ: (وآيدناه) وقد أوضحته (٥).
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قرئ: بإسكان الدال على الاستخفاف، وبضمها على