← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وقرئ: (حَضْبُ) بالضاد معجمة وساكنة (١)، والكلام فيه كالكلام في الحصب، وهو بمعناه: قال أبو الفتح: الحصب والحضب كلاهما الخطيب، وفيه ثلاث لغات حَطَبٌ وَحَصَبٌ وَحَضَبٌ، وقد قرئ بهن (٢)، وأما إسكان الثاني منهما، فهو على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول، انتهى كلامه (٣). وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ جملة مستأنفة. وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ابتداء وخبر، والظرف ملغى، ويجوز في الكلام نصب (خالدِينَ) (٤) على أن تجعل الظرف مستقرًا. و ﴿مِنَّا﴾ من صلة ﴿سَبَقَتْ﴾، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿الْحُسْنَى﴾، وهي رفع بسبقت، أعني ﴿الْحُسْنَى﴾. ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾: قوله : ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون خبرًا بعد خبر لـ ﴿إِنَّ﴾، وأن تكون حالًا من المنوي في ﴿مُبْعَدُونَ﴾ أي: غير سامعين، والحسيس والحس: الصوت الخفي تسمعه من الشيء يمر بك قريبًا، وهذه مبالغة في الإِبعاد عنها، يعني لا يقربون منها فيسمعوا صوتها.

стр. 2557

وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾ أي يقولون: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ (يوم) يحتمل وجهين - أحدهما: أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾ أو لـ ﴿الْفَزَعُ﴾ أو لـ ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾. والثاني: أن يكون مفعولًا به على أن يكون بدلًا من العائد المحذوف في الصلة، أي: هذا يومكم الذي كنتم توعدونه. أو: منصوبًا بإضمار اذكر. وقرئ: (نطوي) بالنون، و (يطوي) بالياء (١)، فالنون للتعظيم، والياء للغيبة، وكلتاهما ترجع إلى معنى. (وتُطْوَى) بالتاء على البناء للمفعول (٢)، ورفع السماء به على الفاعلية. وقوله: (كطي السجل للكتاب) (٣) محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: طيًّا مثل طي السجل. واختلف في السجل، فقيل: الصحيفة. وقيل: مَلَك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه. وقيل: كاتبٌ كان يكتب لرسول الله ﷺ (٤). فإذا فهم هذا، فقوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ فالمصدر الذي هو الطي مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف من اللفظ، والكتاب مصدر، أي: كطي الطاوي السجل ليكتب فيه، أو للكتاب الذي فيه، فيكون الكتاب بمعنى

стр. 2558

المكتوب، تسمية للمفعول بالمصدر، كخلق الله، وصيد الصائد. أو إلى الفاعل، واللام في للكتاب صلة، كالتي في قوله : ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (١) أي: كما يطوي الملَك أو الكاتب الكتاب. والجمهور على كسر السين والجيم وتشديد اللام في ﴿السِّجِلِّ﴾، وقرئ: (السُّجُلِّ) بضم السين والجيم، وتشديد اللام بوزن العُتُلّ (٢). و (السَّجْلِ) بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام بلفظ الدَّلْوِ (٣). (والسِجْلِ) بكسر السين وسكون الجيم وتخفيف اللام بلفظ الحِمْلِ (٤)، وهي لغات مسموعة فيه حكاها أبو الفتح وغيره (٥). وقرئ: (للكتاب) مفردًا وجمعًا (٦). فالإِفراد على إِرادة الجنس، والجمع على موافقة المعنى. وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية، أي: نعيد الخلق إعادة مثل ابتدائه، أي: مثل ابتداء الخلق. وقيل: الكاف معمول فعل مضمر يفسره ﴿نُعِيدُهُ﴾، وما موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده (٧). و ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾: ظرف لبدأناه، أو

стр. 2559

حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى، وهو كلام مستأنف، أعني: ﴿كَمَا بَدَأْنَا﴾. وقيل: هو متعلق بقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ على معنى: نفني السماء ثم نعيدها في الآخرة كما ابتدأنا خلقها في الدنيا، بشهادة قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (١) أي: تفنيان ثم تعادان غير ما كانتا في الدنيا في الصورة والهيئة (٢). وقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد، لأن قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ عدة للإِعادة، أي: وعدنا ذلك وعدًا علينا إنجازه، وأكد الوعد بقوله: ﴿عَلَيْنَا﴾ إعلامًا بأن وعده لا يجوز إخلافه، وهو صفة للوعد، أي: وعدًا ثابتًا. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (من بعد) من صلة ﴿كَتَبْنَا﴾، وقد جوز أن يكون من صلة ﴿الزَّبُورِ﴾، لأن الزبور بمعنى المزبور، أي: المكتوب (٣). ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾: مفعول ﴿كَتَبْنَا﴾. وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ مصدر في موضع الحال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، أي: راحمًا، أو ذا رحمة، أو مفعول له، أي: للرحمة، وفي الحديث "إنما أنا رحمة مهداة" (٤).

стр. 2560

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا﴾ كسرت إنَّ الأولى لأنها بعد القول، وفتحت الثانية لكونها معمول ﴿يُوحَى﴾ القائم مقام الفاعل، و (ما) الأولى كافة أو موصولة، أي: إن الذي يوحى إلي، وأما الثانية فكافة ليس إلا. وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الاستفهام هنا بمعنى الأمر. أي: أسلموا. وقوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ في موضع الحال من الفاعل والمفعولين جميعًا، أي: مستويين في الإعلام، لأنهم قالوا في التفسير: فقل أعلمتكم فاستوينا نحن وأنتم فيه، فتكون الحال منهما لا من أحدهما كما زعم بعضهم (١). وقيل: هو نعت لمصدر محذوف، أي: إيذانًا على سواء (٢). وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ (إِنْ) هنا بمعنى (ما). والجمهور على إسكان ياء ﴿أَدْرِي﴾ وهو الأصل، لأنها لام الفعل عار عن النصب، وقرئ: بفتحها (٣) على تشبيه ياء (أدري) بياء غلامي، من

стр. 2561

حيث كانتا ياءين، وكان في (أدري) ضمير مرفوع، وفي غلامي أيضًا ضمير وإن كان مجرورًا، وهذا قول أبي الفتح (١)، وقال غيره: ألقيت حركة الهمزة على الياء فتحركت وبقيت الهمزة ساكنة، فقلبت ألفًا لانفتاح ما قبلها، ثم قلبت همزة متحركة، لأنها في حكم المبتدإِ بها، والابتداء بالساكن محال في اللغة العربية (٢). وكلاهما عندي ليس بشيء، والوجه عندي أن يكون أَكَّدَ الفعل بالنون الخفيفة، وأراد إن أدريَنْ، ثم أبدل منها ألفًا للوقف، ثم حذف الألف وبقى الفتحة تدل عليها، تعضده قراءة بعضهم: (أَلَمْ نَشْرَحَ) بفتح الحاء (٣)، وقد أُوّلَتْ على تقدير النون الخفيفة، ومنه قوله: ٤٤٩ - اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارِقَهَا ... . . . . . . . . . . . . (٤) قالوا: أراد (اضربَنْ). فاعرفه فإنه موضع لطيف. وقوله: ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ﴾ (أقريب) مبتدأ، و ﴿أَمْ بَعِيدٌ﴾ معطوف عليه. و ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ (ما) موصولة مرتفعة بقوله: ﴿أَقَرِيبٌ﴾ على الفاعلية لاعتماده على الهمزة سادة مسد الخبر، كقولك: أقائم أخواك. ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾:

стр. 2562

قوله : ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ أي: وما أدري لعله، لعل تأخير هذا العذاب امتحان واختبار لكم. وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ قرئ: (قل) على الأمر (١)، أي: قل يا محمد. و (قال) على الخبر (٢)، وهو حكاية قوله ﵇. و﴿رَبِّ﴾ بكسر الباء من غير ياء (٣)، اجتزاء بالكسرة عنها، أي: يا رب، ولأن النداء باب حذف وتغيير، و (ربُّ) بالضم (٤) على أنه منادى مفرد. قال أبو الفتح: هذا عندنا ضعيف، أعني: حذف حرف النداء مع الاسم الذي يجوز أن يكون وصفًا لأي، ألا تراك تقول: يا أيها الرب، وقالوا: فلم يكونوا ليجمعوا عليه حذف موصوفه، وهو (أي) وحذف حرف النداء جميعًا، وهو على ضعفه جائز، وقد قال بعض النحاة في قوله عز وعلا: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ (٥) إن معناه: يا هؤلاء، وهو جائز أن يكون وصفًا لأي (٦). و(ربي أَحكمُ) على أفعل التفضيل (٧)، أي: أَحكم من كل حاكم، وربي مبتدأ، وأَحكم خبره. و (ربي أَحْكَمَ) بفتح الميم (٨) من الإحكام، على

стр. 2563

معنى: أحكم الأمورَ بالحق، والجمهور على إسكان ميمه (١)، على أنه دعاء وطلب. وقرئ: ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ بالتاء على الخطاب للكفار على معنى: على ما تصفون من افترائكم على الله ما لا يليق به، وبالياء (٢) على معنى: على [ما] يصف هؤلاء الكفار من كذبهم وإنكارهم للبعث وغير ذلك. هذا آخر إعراب سورة الأنبياء ﵈ والحمد لله وحده

стр. 2564

إعراب سُورَةُ الحَجِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ الزلزلة: مصدر قولك: زلزلتُ الشيءَ زَلزلة وزِلزالًا، إذا حركته تحريكًا شديدًا وأزعجته إزعاجًا هائلًا، والمصدر إما مبني للفاعل مضاف إليه والمفعول محذوف، أي: إن زلزلة الساعة الأشياء كلها، أو مبني للمفعول مضاف إليه على سبيل الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقولك: ٤٥٠ - * يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أَهْلَ الدَّارِ (١) * وقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢). وقوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ﴾ (يوم) ظرف لقوله: ﴿تَذْهَلُ﴾ والضمير في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ للزلزلة، أي: في يوم رؤيتكم تلك الزلزلة تغفل كل مرضعة عما أرضعت لهول ذلك اليوم، والذهول: الغفلة والذهاب عن الشيء مع

стр. 2565

دهشة. أو لـ ﴿عَظِيْمٌ﴾ (١)، أو منسوب بإضمار اذكر. وقيل: ﴿تَذْهَلُ﴾ تنسى (٢). وقيل: تَحَيّرُ وتترك (٣). وقرئ: (تُذْهَلُ كلُّ مرضعة) بضم التاء على البناء للمفعول (٤). و (تُذْهِلُ كُلَّ مُرضِعةٍ) بضم التاء وكسر الهاء ونصب قوله: (كُلَّ مُرْضِعَةٍ) (٥)، والمنوي فيه للزلزلة، أي: تذهلها الزلزلة، ومحل (تُذْهِلُ) على هذه القراءة النصب على الحال من الضمير المفعول في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ أي: ترونها مذهلةً. وإنما دخلت التاء في ﴿مُرْضِعَةٍ﴾، لأنها جرت على الفعل في قوله: ﴿أَرْضَعَتْ﴾، ولكونها في المستقبل، كقولك: طالقة غدًا، وحائضة بعد غد، ولو أتى على النسبة لقيل: كل موضع (٦). وهذا هو معنى قول النحاة: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع: التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به (٧). وقوله: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ (ما) موصولة، أي: عن الذي أرضعته، أو مصدرية، أي: عن إرضاعها، وهو الجيد. وقوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ (وترى) هنا من رؤية البصر. والجمهور على فتح التاء ونصب ﴿النَّاسَ﴾ وهو ظاهر، والخطاب للنبي ﷺ أو لكل

стр. 2566

مخاطب، وقرئ: (وَتُرَى) بضم التاء ونصب (الناس) (١) من رأى زيد عمروًا، أي: وترى أنت يا محمد أو أيها المخاطب الناس. وقرئ: كذلك إلا أنه برفع (الناس) (٢) على أنه اسم (ترى) (٣)، وأنث على تأويل الجماعة. وبعد، فإنه يقال: رجل سكران وامرأة سكرى، كغضبان وغضبى، وعطشان وعطشى، وقد قال بعضهم: سكرانة، وليس بالشائع (٤). فأما الجمع فقالوا فيه: سُكَارَى بضم السين وسَكَارَى بفتحها، ككُسالى وعَجالى، وقد قرئ بهما (٥). و(سَكْرَى) كمرضى وصرعى (٦)، وهو جمع سَكْران أيضًا أو سَكِر، حكى صاحب الكتاب ﵀ رَجَلٌ سَكِرٌ (٧)، وجمعه سَكْرَى، كهَرِم وهَرْمَى، وزَمِن وزَمْنَى، وذلك لأن السُّكْرَ علة لحقت عقولهم، كما أن المرض والصرع والهرم علة لحقت أجسامهم، وفَعْلَى في التكسير مما يختص به المبتلون (٨). (وسُكْرَى) بوزن حُبْلى (٩)، وفيه وجهان - أحدهما: محذوف من

стр. 2567

(سكارى). والثاني: هو مفرد كالحبلى والبشرى، حكاه أبو الفتح [قال]: بهذا أفتاني أبو علي حين سألته عنه، كأنه قال: وترى الأمة سُكْرى. ومحل ﴿سُكَارَى﴾ على الأوجه كلها: النصب على الحال، أي: وتراهم دَهِشين مشبهين سكارى من الفزع، وما هم بسكارى من الشراب. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾: قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾ (مَن) موصولة أو موصوفة في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ الخبر. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: يجوز أن يكون من صلة ﴿يُجَادِلُ﴾، وأن يكون في موضع الحال من المنوي فيه. وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾: الجمهور على فتح الهمزة في الموضعين، أما الأول: ففتح لأنه فاعل ﴿كُتِبَ﴾، وأما الثاني: ففتح لأنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: شأنه أنه يضله، أو بالعكس على: فله أن يضله، أي: فله إضلاله وهدايته إلى عذاب السعير، والضمير في: ﴿عَلَيْهِ﴾ للشيطان، وفي ﴿أَنَّهُ﴾ وجهان - أحدهما: للشيطان أيضًا. والثاني: للأمر والشأن. و﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، و ﴿تَوَلَّاهُ﴾ في موضع الجزم بـ ﴿مَنْ﴾، والفاء وما بعده جواب الشرط على إضمار المبتدأ والخبر على ما ذكر آنفًا، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ أو الجواب على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع، أو موصولة ونهاية صلتها ﴿تَوَلَّاهُ﴾ ودخلت الفاء لما في الموصول من معنى الشرط. والضمير في ﴿تَوَلَّاهُ﴾ البارز للشيطان، والمنوي فيه لـ ﴿مَنْ﴾، وفي ﴿يُضِلُّهُ﴾ المستكن فيه للشيطان، والبارز لـ ﴿مَنْ﴾. وقيل: الضمير في

стр. 2568

﴿أَنَّهُ﴾ لله جل ذكره (١). أي: والشأن أن الله يضله. وقد قرئ: بالكسر فيهما (٢)، أما كسر الأول: فعلى تقدير قيل. وأما كسر الثاني: قيل: فعلى حكاية المكتوب كما هو، كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما تقول: كتبت ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٣)، أو على تقدير قيل، أو على أن ﴿كُتِبَ﴾ فيه معنى القول. ولأبي إسحاق في قوله: (فأنه) كلام ليس بالمرضي (٤) واعترض عليه فيه (٥)، وشهرته تغني عن ذكره مع أني نبهت على قوله في نظيره عند قوله جل ذكره: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ. . .﴾ الآية (٦). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾: قوله : ﴿فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ (من البعث) يجوز أن يكون من صلة ﴿رَيْبٍ﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه نعت له. وعن الحسن:

стр. 2569

(مِنَ البَعَثِ) بالتحريك (١) والإِسكان، وهما مصدران بمعنىً كالجلَبِ والجَلْبِ والطَّرَدِ والطَّرْدِ وشبههما، غير أن الإسكان فيه أشيع. وقوله: ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني أباكم آدم ﵇، فحذف المضاف. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾) يعني: أولاده. وقوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ الجمهور على رفعه على الاستئناف، أي: ونحن نقر، أي: ونحن نثبت في الأرحام ما نشاء أن نثبته، فلا يكون سقطًا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقت الولادة. وقرئ: بالنصب (٢) عطفًا على ﴿لِنُبَيِّنَ﴾، قال الزمخشري: القراءة بالنصب تعليل معطوف على تعليل، ومعناه: خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين - أحدهما: أن نبين قدرتنا. والثاني: أن نقر في الأرحام مَن نُقِرُّ حتى وقت الوضع (٣). وقرئ: (ونَقُرُّ) بفتح النون وضم القاف والراء (٤)، من قر الماء، إذا صبه. وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ الجمهور على رفع الجيم عطفًا على ﴿وَنُقِرُّ﴾ وقرئ: بالنصب (٥) عطفًا على ﴿لِنُبَيِّنَ﴾. وانتصاب قوله: ﴿طِفْلًا﴾ على الحال من الضمير المنصوب في ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾، وأفرد لأن الغرض الدلالة على الجنس. وقيل التقدير: نخرج

стр. 2570

كل واحد منكم طفلًا (١) كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢) أي: كل واحد منهم. وقيل: هو في الأصل مصدر فلهذا لم يجمع (٣)، والوجه هو الأول لسلامته من التقدير والدخل. وقوله: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (شيئًا) يجوز أن يكون مفعول ﴿عِلْمٍ﴾، وأن يكون مفعول ﴿يَعْلَمَ﴾ على المذهبين (٤)، والأسلم أن يكون معمول المصدر الذي هو ﴿عِلْمٍ﴾ للقرب وهو المذهب المنصور، وقد ذكر في "النحل" (٥). وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ (هامدة) نصب على الحال، لأن الرؤية من رؤية العين، أي: يابسة ميتة. وقوله: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: تحركت ونمت، من رَبَا يَرْبُو، إذا زاد ونمى. وقرئ: (وَربأت) بالهمز (٦)، أي: ارتفعت، من ربأ فلان، إذا ارتفع على موضع عال ينظر شيئًا ويحفظه، ومنه الربيئة وهو الطليعة. ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾: مفعول الإنبات على مذهب صاحب الكتاب محذوف، أي: أشياء من كل زوج حسن، وعند أبي الحسن هو ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة (٧). والزوج: الصنف. وقيل: اللون (٨). والبهيج: الحسن السار.

стр. 2571

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ في محل ﴿ذَلِكَ﴾ وجهان: أحدهما: الرفع، وفيه وجهان - أحدهما: مبتدأ وقوله: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ خبره، والإشارة بذلك إلى ما ذكره جل ذكره من خلق بني آدم والأحوال المنتقلة وغير ذلك من أصناف الحكم، أي: ذلك الذي وصفناه حاصل بسبب أن الله هو الحق، أي لا معبود سواه، ولا صانع غيره. والثاني: خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. والثاني: النصب، أي: فعل الله ذلك بأنه هو الحق، والباء على هذا من صلة هذا الفعل المقدر. وقوله: ﴿وَأَنَّهُ﴾ أي: وبأنه. وكذا و ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ أي: وبأن الساعة، ومثله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ﴾ أي: وبأن الله. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾: قوله : ﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (بغير علمٍ) يجوز أن يكون متعلقًا بـ ﴿يُجَادِلُ﴾، وأن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿يُجَادِلُ﴾. وقوله: ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ﴾ عطف على قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وحكمهما في الإِعراب حكمه. وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ منصوب على الحال من المنوي في ﴿يُجَادِلُ﴾، أو من المنوي في الأحوال التي بعده، وهي ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ﴾

стр. 2572

على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع، أي: يجادل ثانيًا عِطفه، أي: معرضًا، أي: متكبرًا، والعِطفُ: الجانب، والإِضافة في تقدير الانفصال، كقوله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١). وقوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾ من صلة ﴿يُجَادِلُ﴾ أو ﴿ثَانِيَ﴾. وقوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ الجملة مستأنفة، وقد جوز أن تكون في موضع الحال، أي: مستحقًا ذلك (٢). وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ابتداء وخبر، والإِشارة إلى ما ذكر من العقوبة في الدنيا والآخرة، أي: ذلك التعذيب بسبب ما قدمت يداك من الكفر والتكذيب والمجادلة والضلال أو الإِضلال على قدر القراءتين (٣). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ في موضع جر عطفًا على (ما)، أي: وبأن الله، أو رفع على تقدير: والأمر أن الله. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾: قوله : ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿يَعْبُدُ﴾ أي: شاكًا، أو مضطربًا، أو متزلزلًا على ما فسر (٤). وكذا

стр. 2573

﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: حال من المستكن في ﴿انْقَلَبَ﴾، أي: عائدًا إلى ما كان عليه من الكفر، أي: متوجهًا إليه على ما فسر (١)، لأن الإعراب تابع للمعنى. وقوله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون في موضع الحال وقد معه مرادة، تعضده قراءة من قرأ: (خَاسِرَ الدنيا والآخرةِ) بالنصب (٢)، وهما مجاهد وحميد بن قيس (٣)، جعلاه اسم الفاعل، وهو منصوب على الحال من المنوي في ﴿انْقَلَبَ﴾، أي: انقلب على وجهه خاسرًا. وقد جوز أبو الفتح: أن تكون الجملة التي هي ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ على قراءة الجمهور بدلًا من قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾، فكأنه قال: وإن أصابته فتنة خسر الدنيا والآخرة (٤). وقرئ أيضًا: (خاسرُ الدنيا والآخرة) بالرفع (٥)، وفيه وجهان - أحدهما: هو فاعل الفعل الذي هو ﴿انْقَلَبَ﴾، على وضع الظاهر موضع المضمر، والثاني: خبر مبتدإٍ محذوف. ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾: قوله : ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ اختلفت النحاة في

стр. 2574

﴿يَدْعُوا﴾ هنا على وجهين لأجل اللام الداخلة على مَنْ، وذلك أن اللام إذا دخلت على الجملة عَلّقت الفعل الذي قبلها عن العمل فيها لفظًا لا تقديرًا إذا كان من أفعال القلوب، نحو: علمت لزيد منطلق، (ويدعو) ليس منها: أحدهما: أن يكون عاملًا فيما بعده لفظًا أو تقديرًا، وفيه أوجه - أحدها: وهو قول الكسائي وغيره من أهل الكوفة: إن اللام في غير موضعها، و (مَنْ) في موضع نصب بـ ﴿يَدْعُوا﴾ والتقدير: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وإنما قدمه كما تُقَدَّم أشياء في كلامهم وتؤخر لأسباب وأغراض، ولعمري صدق فيما زعم أن أشياء تقدم وتؤخر في كلام القوم لأغراض وأسباب، ولكن خفي عليه من أنه إذا كان التقدير: يدعو من لضره [أقرب من نفعه] (١)، تكون اللام في صلة (من)، وما كان في صلة الموصول لا يتقدم عليه، لا أعرف فيه خلافًا بين أهل هذه الصناعة. والثاني: اللام مزيدة و (مَنْ) مفعول ﴿يَدْعُوا﴾، و ﴿ضَرُّهُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره، والجملة صلة (مَنْ)، لأن الدعاء قول. والثالث: وهو قول أبي الحسن (٢): أنّ ﴿يَدْعُوا﴾ بمعنى: يقول، تعضده قراءة من قرأ: (يَدْعُو مَنْ ضره) بغير لام، وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (٣). و (من) في موضع رفع بالابتداء، والجملة التي بعده صلته، والخبر محذوف، والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلاهه، وموضع الجملة نصب بالقول، ومثل (يدعو) في معنى يقول (٤) قول عنترة: ٤٥١ - يَدْعُونَ عَنْتَرُ والرِّمَاحُ كَأَنَّهَا ... أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِ (٥)

стр. 2575

أي: يقولون: يا عنترة. والرابع: أن (يدعو) يشبه أفعال القلوب من حيث كان معناه يسمى أو يزعم، وهو الوجه، لأن الزعم قول مع اعتقاد، أو يظن لأن ذلك ظن منه لا بل يقين واعتقاد، أي: يسمى أو يزعم أو يظن لمن ضره أقرب من نفعه إلاهًا أو مولى، أو نحو ذلك. والثاني: أن يكون غير عامل فيما بعده لا لفظًا ولا تقديرًا، وفيه أوجه أيضًا: أحدها: أنَّ ﴿يَدْعُوا﴾ تكرير وتأكيد للأول عمار عن المعمول، كأنه قال: يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبودًا أقرب من نفعه بكونه شفيعًا. والثاني: أن ﴿ذَلِكَ﴾ (١) مفعول: ﴿يَدْعُوا﴾ وهو بمعنى الذي وما بعده صلته، والتقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد، ثم ابتدأ فقال: لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى، وهذا على قول من جعل (ذا) مع غير الاستفهام بمعنى الذي. والثالث: أن ﴿ذَلِكَ﴾ موصول بمعنى الذي كما ذُكر آنفًا، غير أنه في موضع رفع بالابتداء، و ﴿يَدْعُوا﴾ خبره على تقدير الهاء، أي: الذي هو الضلال البعيد يدعوه. والرابع: أن ﴿ذَلِكَ﴾ على بابه في موضع رفع بالابتداء، وهو مبتدأ ثان، أو بدل، أو فصل، و ﴿الضَّلَالُ﴾ خبر الابتداء و ﴿يَدْعُوا﴾ في موضع الحال وفيه هاء محذوفة تعود إلى ﴿ذَلِكَ﴾، والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد مدعوًا، وهذا فيه ما فيه لمن تأمل، لأنه إذا جعل ﴿ذَلِكَ﴾ ذا الحال لم يبق في الكلام عامل، والوجه أن يكون ذو الحال ﴿الضَّلَالُ﴾ والعامل ما في (ذا) من معنى الفعل.

стр. 2576

والخامس: وهو قول المبرد (١): أن مفعول ﴿يَدْعُو﴾ محذوف، أي: يدعو إلاهًا. وعلى هذه الأوجه الكلام بعده مستأنف، واللام في مكانها، و (مَنْ) في موضع رفع بالابتداء، و ﴿ضَرُّهُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره، والجملة صلة (من)، و ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ خبره (٢)، فاعرفه فإنه موضع مشكل، ولم يبق فيه إشكال بعون الله بعد هذا الإيضاح والكشف (٣). والمولى: الناصر، والعشير: الصاحب والخليط. ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾: قوله : ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ﴾ (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والجواب: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ , والخبر ﴿كَانَ﴾ والجواب. وقوله: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ (أن) سدت مسد مفعولي ﴿يَظُنُّ﴾، وهي مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، أي: أنه. (ثم لِيقطع) قرئ: بكسر اللام على الأصل، وبإسكانها (٤) حملًا لـ (ثم) على الواو والفاء، لكون الجميع عواطف (٥).

стр. 2577

وقوله: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾. ﴿كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾: (ما) موصولة، أو مصدرية، أي: هل يذهبن كيده غيظه؟ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وانتصاب ﴿آيَاتٍ﴾ على الحال من الضمير في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ المفعول الراجع إلى القرآن، أي: ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن علامات واضحات يُهتَدى بها، لا أنها مفعول ثان لـ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ كما زعم بعضهم، اللهم إلا أن يُضَمّن الإنزال معنى التصيير، وإلا فلا. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ محل (أن) النصب، على معنى: أنزلنا إليك أن الله، أي: عرفناك ذلك. وقيل: التقدير: ولأن الله يهدي به من يشاء أنزله (١). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نهاية اسم ﴿إِنَّ﴾: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، و ﴿إِنَّ﴾ الثانية مع اسمها وخبرها خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كما تقول: إنَّ زيدًا إِنَّ أباه قائم، ونظيره قول جرير: ٤٥٢ - إِنَّ الخَلِيفَةَ إِنَّ اللهَ سرْبَلَهُ ... سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَوَاتِيمُ (٢) وفائدة إدخال ﴿إِنَّ﴾ على كل واحد من الجزءين لزيادة التأكيد. وقيل

стр. 2578

الخبر محذوف تقديره: مفترقون، ونحو ذلك (١). ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم، والرؤية هنا بمعنى العلم. والاستفهام بمعنى التقرير، وقيل: بمعنى الأمر، أي: أعلم أن الله. وقوله: ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ الجمهور على تشديد الباء وهو الأصل، لأنه من الدبيب، وقرئ: بتخفيفها (٢) على حذف إحدى الباءين وهي الأولى كراهة التضعيف، وله نظائر في كلام القوم، نحو: أحست، يريدون أحسست، وأنشد أبو زيد (٣) في مثله: ٤٥٣ - قَدْ كُنْتُ عِنْدَكَ حَوْلًا لَا تُرَوِّعُني ... فِيهِ رَوَائِعُ مِنْ إِنْسٍ وَلَا جَانٍ (٤) يريد ولا جانّ، فحذف إحدى النونين كما ترى لما ذكرت آنفًا. وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: رفع بالابتداء، و ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ صفة له، والخبر محذوف تقديره: وكثير من الناس حق له الثواب، يدلس عليه قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾، ويقويه أيضًا قوله ابن عباس ﵄: وكثير من الناس في الجنة (٥).

стр. 2579

والثاني: رفع بالفاعلية عطفًا على (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ويسجد له كثير من الناس، وأعيد ذكرهم للتفصيل، وله نظائر في التنزيل. والثالث: مبتدأ والخبر ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ على معنى: من الناس الذين هم الناس على الحقيقة، وهم الصالحون والمتقون. وفي وجه رابع: وهو أن يكون مبتدأ، ﴿وَكَثِيرٌ﴾ الثاني عطف عليه، و ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ صفة، والخبر: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾، كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليه العذاب، على وجه المبالغة في تكثير المحقوقين بالعذاب، وهذا الوجه لم أرض لما فيه من التعسف وتغيير النظم. وقوله: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ (مَنْ) شرط في موضع رفع بالابتداء، والجواب ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾، والخبر ﴿يُهِنِ﴾، أي: يهنه الله، أو الجواب. والجمهور على كسر راء (مكرِم)، وقرئ: (مِن مُكْرَم) بفتح الراء (١)، وهو مصدر بمعنى الإكرام: أي: فما له من إكرام. ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾: قوله : ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ الخصم يقع على الواحد والاثنين والجمع، لأنه مصدر في الأصل، والمصدر لا يثنى ولا يجمع في الأمر العام، وقد وصف به الفوج أو الفريق، والمعنى: هذان فوجان أو

стр. 2580

فريقان مختصمان هما المؤمنون والكافرون، وقوله: ﴿هَذَانِ﴾ للفظ، و ﴿اخْتَصَمُوا﴾ للمعنى، وقيل: الخصم هنا جمع خاصم، كركب وصحب في جمع راكب وصاحب (١). ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دين ربهم. وقوله: ﴿يُصَبُّ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر للمبتدأ الذي هو ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وأن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾، ومثله ﴿يُصْهَرُ﴾ في الإعراب في الأوجه الثلاثة، فإن جعلته حالًا، كان ذو الحال ﴿الْحَمِيمُ﴾. ومعنى يصهر: يذاب، يقال: صهرت الشيء فانصهر، أي: أذبته فذاب، فهو صهير، [أي: يذاب بذلك الحميم] (٢)، وأنشد لابن أحمر (٣) يصف فرخ قطاة: ٤٥٤ - تَرْوِي لَقىً أُلْقِيَ في صَفْصَفٍ ... تَصْهَرُهُ الشَّمْسُ فَمَا يَنْصَهِرْ (٤) أي: تذيبه الشمس فيصبر على ذلك. وعن الحسن البصري ﵀: بتشديد الهاء (٥) للمبالغة والتكثير. ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾: قوله : ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ المقامع: السياط، واحدها

стр. 2581

مقمعة، وقد قمعته، إذا ضربته بها. وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قوله: ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْهَا﴾ بإعادة الجار، وفيه وجهان، أحدهما: بدل الاشتمال، والثاني: بدل البعض، كقولك: ضُرِبَ زيدٌ رأسُهُ. كأن الغم بعضها، إذ يجوز أن يكون بعضها غمًا وبعضها غير غم. وقيل: الأُولى لابتداء الغاية، والثانية بمعنى من أجل (١). و ﴿كُلَّمَا﴾ معمول ﴿أُعِيدُوا﴾. والغم هنا مصدر قولك: غممت الشيء، إذا غطيته، وهو تغطية النار إياهم - أجارنا الله منها - حتى تأخذ بأنفاسهم، ومنه: غم يومنا فهو يوم غم، إذا كان يأخذ بالنفس من شدة الحر، وأغم يومنا مثله. وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: ويقال لهم ذلك، فحذف القول، كقوله: ٤٥٥ - * جَاؤوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئبَ قَطْ (٢) * أي: بمذق مقول فيه هذا القول. وقوله: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: عذاب النار المحرقة، وهو فعيل بمعنى مفعل كأليم بمعنى مؤلم، والذوق في اللغة مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا مجاز وتوسع، إذ المراد به إدراكهم الألم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾:

стр. 2582

قوله : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ الجمهور على ضم الياء وفتح الحاء وتشديد اللام في (يُحَلّون) من التحلية بالحلي، يقال: حَلَّيْتُ المرأةَ تحلية، إذا ألبستها الحَلْيَ، ومنه سيف مُحَلّى، والمعنى: يُزَينون فيها، والمفعول الثاني محذوف، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض أي: شيئًا أو بعضًا من أساور، هذا على رأي صاحب الكتاب (١). ولك أن تجعل ﴿مِنْ﴾ مزيدة و ﴿أَسَاوِرَ﴾ المفعول الثاني على مذهب أبي الحسن (٢). وقرئ (يَحْلَوْنَ) بفتح الياء وإسكان الحاء والتخفيف (٣)، من حَلِي يَحْلَى، يقال: حَلِيَتِ المرأةُ تَحْلَى، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، إذا لبست الحُلِيّ وصارت ذات حُلِيّ، فهي حَلِيَّةٌ وحالِيَةٌ (٤). وقيل: هو من حَلِيتُ بكذا، إذا ظفرت به، ويقال: لم أحل منه بطائل، أي: لم أظفر منه بطائل، كأن قارئ هذا الحرف جعل ما يحلون به هناك أمرًا ظفروا به وأُوصِلوا إليه (٥). و ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ نعت لأساور. وقوله: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ قرئ: بالنصب (٦) عطفًا على موضع ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ على معنى أنهم يحلون بالأساور وباللؤلؤ جميعًا، أو على: ويؤتون لؤلؤًا، أو يلبسون لؤلؤًا، تعضده قراءة من قرأ: (وحورًا عينًا) (٧) على: ويعطون حورًا عينًا، وهو أبي بن كعب ﵁ (٨).

стр. 2583

وبالجر (١) عطفًا على لفظ ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾، أو على ﴿ذَهَبٍ﴾، أي: يحلون فيها أساور من ذهب ومن لؤلؤ، أي منهما، على معنى أنها مرصعة، ومن مَنَعَ عَطْفَه على ﴿ذَهَبٍ﴾ مستدلًا بأن السوار لا يكون من لؤلؤ، فقد فاته هذا المعنى. وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (من القول) في موضع الحال من ﴿الطَّيِّبِ﴾ أي: كائنًا منه. وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (الحميد): بمعنى المحمود والحامد، وهو الله تعالى، (وصراط الله): الإسلام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ﴾ في خبر ﴿إِنَّ﴾ وجهان: أحدهما: ﴿يَصُدُّونَ﴾، والواو صلة، وهذا عن الفراء (٢). والثاني: محذوف والتقدير: معذبون أو نحو ذلك، دل عليه المعنى. وفي قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ على هذا الوجه وجهان، أحدهما: في موضع الحال من الفاعل في ﴿كَفَرُوا﴾. والثاني: عطف على ﴿كَفَرُوا﴾ على المعنى، على أن ﴿كَفَرُوا﴾ بمعنى يكفرون على معنى الدوام، أي: من شأنهم الكفر والصد، وهو المنع، أو يصدون بمعنى صدوا، ووقوع الماضي

стр. 2584

مكان المستقبل والمستقبل مكان الماضي شائع في كلام القوم، وفي الكتاب العزيز كثير شائع وشهرته تغني عن ذكره (١). وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً (٢) الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ الجعل هنا يجوز أن يكون بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين، وأن يكون بمعنى الخلق والبناء فيتعدى إلى مفعول واحد، فالضمير في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ الراجع إلى المسجد هو المفعول الأول على الوجه الأول، وفي الثاني أوجه: أحدها: ﴿لِلنَّاسِ﴾ فيكون مستقرًا، أي: جعلناه ثابتًا بهم [على معنى: أنه جعل لهم منسكًا ومتعبدًا] (٣). وقوله: ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (العاكف) مبتدأ، و (الباد) عطف عليه، و (سواءٌ) خبر مقدم، ومحل الجملة النصب على الحال. إما من المنوي في المستقر والعامل فيها، قال أبو علي: الظرف نفسه. أو من الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ الراجع إلى المسجد والعامل فيها الفعل، على معنى: أنه جعل لهم منسكًا ومتعبدًا، والمعنى: العاكف والبادي فيه سواء ليس أحدهما أحق به من صاحبه، واستواء العاكف فيها والبادي دلالة على أن أرض الحرم لا تملكْ، ولو ملكت لم يستويا فيه، وصار العاكف فيها أولى بها من البادي لحق ملكه، ولكن سبيلها سبيل المساجد التي مَن سبق إليها كان أولى بالمكان لسبقه إليه، فسبيله سبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى به، انتهى كلامه (٤). والثاني: أن يكون ﴿لِلنَّاسِ﴾ ظرفًا أو حالًا والجملة بعده في موضع المفعول الثاني.

стр. 2585

والثالث: أن يكون المفعول الثاني ﴿سَوَاءً﴾ على قراءة من نصب (١)، أي: جعلناه مستويًا العاكف فيه والبادي، فيرتفع العاكف والبادي بـ (سواء) لأن المصدر يعمل عمل اسم الفاعل إذا كان بمعناه، ولذلك أجازت النحاة: مررت برجلٍ سواءٍ درهمه، وبرجل سواءٍ هو والعدم، كما تقول: مستوٍ هو والعدم (٢). ولك أن تنصب ﴿سَوَاءً﴾ على الحال إما من الذكر الذي في ﴿لِلنَّاسِ﴾، أو من الهاء في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، ويكون ﴿لِلنَّاسِ﴾ على هذا مستقرًا، و ﴿الْعَاكِفُ﴾ أيضًا فاعله على الوجه الثاني، وهو أن يكون الجعل بمعنى الخلق، وعليه يكون ﴿لِلنَّاسِ﴾ ظرفًا أو حالًا، وكذا الجملة بعده على قراءة الجماعة في موضع الحال، و ﴿سَوَاءً﴾ على قراءة من نَصَبَ حال من أحد المذكورين ليس إلا، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٣). وقد روي عن بعض القراء: (سواءً العاكفِ فيه والبادي) بجر (العاكف) (٤) على البدل من الناس، (والبادي) معطوف عليه، وكلاهما مجرور على البدل. و ﴿سَوَاءً﴾ على هذه القراءة حال، أو مفعول ثان على ما أوضحت آنفًا. وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يُرِدْ﴾ أو الجواب وهو ﴿نُذِقْهُ﴾. والضمير في ﴿فِيهِ﴾ للمسجد، وهو الحرم.

стр. 2586

والجمهور على ضم الياء في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ من الإرادة، واختلف في مفعول ﴿يُرِدْ﴾: فقيل: محذوف، فعلى هذا يكون ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿يُرِدْ﴾، أي: ومن يرد فيه مرادًا ما عادلًا عن القصد ظالمًا نذقه من عذاب أليم (١). وقيل: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ هو المفعول والباء مزيدة، أي: إلحادًا، و ﴿بِظُلْمٍ﴾ إما حال، أي: ملتبسًا به، أو من صلة الفعل، أي: بسبب الظلم (٢). وقرئ: (يَرِدْ) بفتح الياء (٣) من الورود، وعلى معنى: من يأت فيه بإلحاد ظالمًا أو بسبب الظلم. ولك أن تجعل، ﴿بِظُلْمٍ﴾ بدلًا من قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ بإعادة الجار. والإلحاد: العدول عن القصد، ومنه المُلْحِدُ، سُمِّي بذلك لعدوله عن الحق. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (إذ) منصوب بإضمار فعل، و ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ مفعول به وهو المفعول الأول، والثاني محذوف، والتقدير: واذكر يا محمد حين أو وقت جعلنا لإبراهيم مكان البيت منزلًا يرجع إليه للعمارة والعبادة. وقيل: اللام في ﴿لِإِبْرَاهِيمَ﴾ مزيدة (٤)، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي

стр. 2587

إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (١) وقوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ (٢)، و (إبراهيم) هو المفعول الأول، و ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ هو الثاني. وقيل: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ظرف والمفعول الثاني محذوف، واللام ليست بمزيدة، والمعنى: هيأنا لإبراهيم في مكان البيت بيتًا أو منزلًا (٣). وقيل: التقدير: وصينا إبراهيم إذ بوأنا له مكان البيت، فيكون ﴿إِذْ﴾ على هذا ظرفًا لوصينا، وعلى الوجه الأول مفعول به، وهو الوجه لما في هذا التقدير من تغيير النظم. وقوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ (أن) هنا تحتمل أن تكون هي المفسرة بمعنى (أي) العارية عن المحل، والتقدير: بوأنا له مكان البيت وقلنا له لا تشرك بي شيئًا، فأن مفسرة للقول المقدر. وأن تكون الناصبة للفعل المقدرة مع ما بعدها في تأويل المصدر وصلت بالنهي كما توصل بالأمر، ومحلها النصب لعدم الجار وهو الباء، أو إلى جر على إرادته. وقيل: هي صلة (٤). وقرئ: (ألا يشرك) بالياء النقط من تحته (٥). ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾: قوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ الجمهور على أن هذا عطف على ما قبله، على معنى: أمرناه وقلنا له: لا تشرك وطهر وأذن، أي: ناد فيهم؛ والنداء بالحج أن يقول: حجوا، أو عليكم بالحج. وقيل: هو

стр. 2588

استئناف وخطاب لرسول الله ﷺ أمره أن يفعل ذلك في حجة الوداع (١). وقرئ: (وآذِن) بالمد والتخفيف (٢) على معنى: وأعلم الناس بالحج. وقرئ: (وأَذِنَ) بتخفيف الذال وفتح النون (٣)، وهو فعل ماض معطوف على قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا﴾، وجزم ﴿يَأْتُوكَ﴾ على هذه القراءة على أنه جواب قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (٤)، وهو على قراءة الجمهور جواب قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾. وقوله: ﴿يَأْتُوكَ﴾ أي: يأتوا دعاءك، وقيل: يأتوا الكعبة بدعائك، لأن من أتى الكعبة حاجًا فكأنه قد أتى إبراهيم ﵇، لأنه مجيبٌ دعاءه (٥). وقوله: ﴿رِجَالًا﴾ جمع راجل، كقائم وقيام، وصاحب وصحاب، والراجل: هو الذي يمشي على رجليه. وقرئ: (رُجَالًا) بضم الراء وتخفيف الجيم (٦)، وهو جَمْعٌ عزيزٌ،

стр. 2589

ونظيره مما جاء من الجمع على فُعَال نحو: عُراق في جمع عَرْق، والعَرْق: العظم الذي أُخذ عنه اللحم. ورُخال في جمع رَخِل، والرَّخِلُ بكسر الخاء: الأنثى من أولاد الضأن، وأحرف قليل (١). و(رُجَّالًا) بالضم والتشديد (٢) ككاتب وكُتّاب، وعامل وعُمّال. و(رُجَالَى) كعُجَالَى وسُكَارىَ (٣). وانتصابه على الحال من الضمير المرفوع في ﴿يَأْتُوكَ﴾ على الأوجه كلها، أي: مشاة على أرجلهم. وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ في موضع الحال عطفًا على الحال الأولى، كأنه قيل: يأتوك مشاة وركبانًا، ففي قوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ضمير راجع إلى ذي الحال، كما في قوله: ﴿رِجَالًا﴾ كذلك. و ﴿يَأْتِينَ﴾: صفة لـ ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾، وإنما قال: ﴿يَأْتِينَ﴾، على جمع المؤنث حملًا على معنى ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾، لأنه في معنى الجمع. والمعنى يأتوك مشاة وركبانًا على ضوامر، ويأتين من كل طريق بعيد. والفج: الطريق في الجبل، والعميق: البعيد، والضامر من الإبل والخيل: المهزول الذي أضمره السفر والتعب. وقرئ (يأتون) بالواو مكان الياء (٤)، على أنه صفة للرجال مع الركبان، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به لأجل مخالفة "الإمام" مصحف عثمان ﵁.

стр. 2590

ويجوز في الكلام (يأتي) على لفظ ﴿ضَامِرٍ﴾ (١). ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾: قوله : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ لك أن تجعل هذه اللام من صلة ﴿يَأْتُوكَ﴾ وهو الظاهر، وأن تُجْعَلَ من صلة ﴿وَأَذِّن﴾. وقد جُوّز أن تكون للأمر، فعلى هذا يجوز الابتداء بها (٢). وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا﴾ عطف عليه. وقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ ظرف لشهود المنافع وللذكر جميعًا، هذا على قول من قال: إن المراد بالمنافع منافع الدين والدنيا (٣). وأما من قال: إن المراد بالمنافع منافع الدنيا وهي التجارة (٤)، فهي ظرف للذكر لا غير، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال. وقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: على ذبح ما رزقهم، فحذف المضاف للعلم به وأضاف البهيمة إلى الأنعام، وهي الإبل والبقر، والغنم، لأن البهيمة [قد] تكون من غير الأنعام، لأنها مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فإضافتها إلى الأنعام من باب إضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز، وباب ساج. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ

стр. 2591

لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، والإشارة إلى ما ذكر من أفعال الحج، ويجوز أن يكون في موضع جر على أنه نعت للبيت، وقد جوز أن يكون في موضع نصب على تقدير: لتفعلوا ذلك (١). وقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط أو الجواب على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع. والضمير في ﴿فَهُوَ﴾ للتعظيم، دل عليه ﴿يُعَظِّمْ﴾، أي: فالتعظيم خير له في الآخرة. وقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ أي لحومها. وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (ما) مصدرية في موضع نصب على الاستثناء، أي: إلا المتلو عليكم وفيه وجهان: أحدهما: منقطع, لأن بهيمة الأنعام ليس فيها محرّم، وليس المتلو مستثنى من الأنعام، ولكن المعنى: إلا ما يقرأ عليكم في كتاب الله من ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وذلك في سورة المائدة (٢). والثاني: متصل ويصرف إلى ما حَرَّمَ جل ذكره منها بسبب عارض كالموت وغيره. وقيل: أحلت لكم في حال إحرامكم لحوم الأنعام إلا ما يتلى عليكم

стр. 2592

من تحريم الصيد في حال الإحرام، من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١). وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (من) هنا لبيان الجنس، لأن الرجس مبهم يتناول غير شيء، كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان, أي: فابعدوا عن عبادتها وكونوا على جانب منها، والرجس: القذر، وقيل: الرجس العذاب (٢)، والمراد سبب الرجس، أي: فاجتنبوا سبب العذاب من عبادة الأوثان. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ أي: واتركوا قول الكذب. قيل: والزُّور من الزوَرِ والازورارِ وهو الانحراف (٣). وفي الحديث: "إِيَّاكُم والزُّور فَإنَّ اللهَ تعالى جَعَلَهُ عَدِيلًا للشِّرْكِ" (٤). وجمع بينهما في النهي عنهما. ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾: قوله : ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ حال من الضمير في ﴿فَاجْتَنِبُوا﴾. وكذلك ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. والحنيف: المائل عن الباطل إلى الحق، وقد مضى الكلام عليه في سورة البقرة بأشبع من هذا (٥).

стр. 2593

وقوله: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فيه وجهان: أحدهما بمعنى يخر، لأجل عطف قوله: ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ عليه. والثاني هو على بابه والتقدير: فهو تخطفه، فيكون عطف جملة على جملة (١). وقرئ: (فَتِخِطِّفُه) بكسر التاء والخاء مع تشديد الطاء مكسورة (٢)، وقد أوضحت جميع ذلك في أول "البقرة" فأغنى عن الإعادة هنا (٣). والخطف: الاستلاب بسرعة (٤). والسحيق: البعيد. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، أو اتقوا ذلك، فيكون في موضع نصب. وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الجمهور على جر ﴿الْقُلُوبِ﴾ بالإضافة، وروي برفع (القلوبُ) (٥)، على أن يكون مرتفعًا بـ ﴿تَقْوَى﴾ على تقدير التنوين فيه، لأن التقوى مصدر، والمصدر يعمل عمل الفعل. واختلف في الضمير الذي في قوله: ﴿فَإِنَّهَا﴾، فقيل: هو ضمير الشعائر، وفي الكلام حذف مضافات، والتقدير: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى (من) ليرتبط به (٦). والثاني: هو ضمير الفعلة والخصلة (٧)، وحذف المضاف لأجل الراجع على ما ذكر وقدر آنفًا.

стр. 2594

وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ الضمير في ﴿فِيهَا﴾ للهدايا (١) , أي: لكم في الهدايا منافع في دنياكم، وهي ركوبها عند الحاجة، وشرب ألبانها عند الاضطرار، وهذا عند بعضهم (٢)، ومنهم من جعل الانتفاع بها غير مشروط بحاجة (٣). ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قرئ: (منسَكًا) بفتح السين وكسرها (٤)، أما الفتح فهو ظاهر، وهو الوجه في المصدر والمكان، لأن فعله نَسَكَ يَنْسُكُ، والمصدر والمكان كلاهما منه على مَفْعَل بالفتح، نحو: قَتَلَ يَقْتُلُ مَقْتَلًا في المصدر، وهذا مَقْتَلُنا في المكان، وأما الكسر فهو مما شذ من فعل يفعل نحو: المَطْلِعُ والمَسْجِدُ (٥). وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ أي المتواضعين المطمئنين، من الخَبْتِ وهو المطمئن من الأرض (٦).

стр. 2595

﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾: النصب إما على النعت أو على المدح، أو الرفع على: هم الذين. وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ عطف على ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾، وكذا ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾. والجمهور على جر ﴿الصَّلَاةِ﴾ بالإضافة. وعن الحسن وغيره: (والمقيمي الصلاةَ) بالنصب (١) على تقدير النون، تعضده قراءة من قرأ: (والمقيمين الصلاةَ) بالنون على الأصل وهو ابن مسعود ﵁ (٢)، وحذف النون منه تخفيف لا للإضافة، ومنه بيت الكتاب: ٤٥٦ - الحافِظُو عَوْرَةَ العشيرةِ. . . ... . . . . . . . . . . . . (٣) بنصب العورة على ما ذكر آنفًا من إرادة النون. ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾:
следующие страницы →