← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، والإشارة إلى ما ذكر من أفعال الحج، ويجوز أن يكون في موضع جر على أنه نعت للبيت، وقد جوز أن يكون في موضع نصب على تقدير: لتفعلوا ذلك (١). وقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط أو الجواب على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع. والضمير في ﴿فَهُوَ﴾ للتعظيم، دل عليه ﴿يُعَظِّمْ﴾، أي: فالتعظيم خير له في الآخرة. وقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ أي لحومها. وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (ما) مصدرية في موضع نصب على الاستثناء، أي: إلا المتلو عليكم وفيه وجهان: أحدهما: منقطع, لأن بهيمة الأنعام ليس فيها محرّم، وليس المتلو مستثنى من الأنعام، ولكن المعنى: إلا ما يقرأ عليكم في كتاب الله من ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وذلك في سورة المائدة (٢). والثاني: متصل ويصرف إلى ما حَرَّمَ جل ذكره منها بسبب عارض كالموت وغيره. وقيل: أحلت لكم في حال إحرامكم لحوم الأنعام إلا ما يتلى عليكم

стр. 2592

من تحريم الصيد في حال الإحرام، من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١). وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (من) هنا لبيان الجنس، لأن الرجس مبهم يتناول غير شيء، كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان, أي: فابعدوا عن عبادتها وكونوا على جانب منها، والرجس: القذر، وقيل: الرجس العذاب (٢)، والمراد سبب الرجس، أي: فاجتنبوا سبب العذاب من عبادة الأوثان. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ أي: واتركوا قول الكذب. قيل: والزُّور من الزوَرِ والازورارِ وهو الانحراف (٣). وفي الحديث: "إِيَّاكُم والزُّور فَإنَّ اللهَ تعالى جَعَلَهُ عَدِيلًا للشِّرْكِ" (٤). وجمع بينهما في النهي عنهما. ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾: قوله : ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ حال من الضمير في ﴿فَاجْتَنِبُوا﴾. وكذلك ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. والحنيف: المائل عن الباطل إلى الحق، وقد مضى الكلام عليه في سورة البقرة بأشبع من هذا (٥).

стр. 2593

وقوله: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فيه وجهان: أحدهما بمعنى يخر، لأجل عطف قوله: ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ عليه. والثاني هو على بابه والتقدير: فهو تخطفه، فيكون عطف جملة على جملة (١). وقرئ: (فَتِخِطِّفُه) بكسر التاء والخاء مع تشديد الطاء مكسورة (٢)، وقد أوضحت جميع ذلك في أول "البقرة" فأغنى عن الإعادة هنا (٣). والخطف: الاستلاب بسرعة (٤). والسحيق: البعيد. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، أو اتقوا ذلك، فيكون في موضع نصب. وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الجمهور على جر ﴿الْقُلُوبِ﴾ بالإضافة، وروي برفع (القلوبُ) (٥)، على أن يكون مرتفعًا بـ ﴿تَقْوَى﴾ على تقدير التنوين فيه، لأن التقوى مصدر، والمصدر يعمل عمل الفعل. واختلف في الضمير الذي في قوله: ﴿فَإِنَّهَا﴾، فقيل: هو ضمير الشعائر، وفي الكلام حذف مضافات، والتقدير: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى (من) ليرتبط به (٦). والثاني: هو ضمير الفعلة والخصلة (٧)، وحذف المضاف لأجل الراجع على ما ذكر وقدر آنفًا.

стр. 2594

وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ الضمير في ﴿فِيهَا﴾ للهدايا (١) , أي: لكم في الهدايا منافع في دنياكم، وهي ركوبها عند الحاجة، وشرب ألبانها عند الاضطرار، وهذا عند بعضهم (٢)، ومنهم من جعل الانتفاع بها غير مشروط بحاجة (٣). ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قرئ: (منسَكًا) بفتح السين وكسرها (٤)، أما الفتح فهو ظاهر، وهو الوجه في المصدر والمكان، لأن فعله نَسَكَ يَنْسُكُ، والمصدر والمكان كلاهما منه على مَفْعَل بالفتح، نحو: قَتَلَ يَقْتُلُ مَقْتَلًا في المصدر، وهذا مَقْتَلُنا في المكان، وأما الكسر فهو مما شذ من فعل يفعل نحو: المَطْلِعُ والمَسْجِدُ (٥). وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ أي المتواضعين المطمئنين، من الخَبْتِ وهو المطمئن من الأرض (٦).

стр. 2595

﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾: النصب إما على النعت أو على المدح، أو الرفع على: هم الذين. وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ عطف على ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾، وكذا ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾. والجمهور على جر ﴿الصَّلَاةِ﴾ بالإضافة. وعن الحسن وغيره: (والمقيمي الصلاةَ) بالنصب (١) على تقدير النون، تعضده قراءة من قرأ: (والمقيمين الصلاةَ) بالنون على الأصل وهو ابن مسعود ﵁ (٢)، وحذف النون منه تخفيف لا للإضافة، ومنه بيت الكتاب: ٤٥٦ - الحافِظُو عَوْرَةَ العشيرةِ. . . ... . . . . . . . . . . . . (٣) بنصب العورة على ما ذكر آنفًا من إرادة النون. ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾:

стр. 2596

قوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ نصب بإضمار فعل تقديره: وجعلنا البدن جعلناها لكم، وقرئ: بالرفع (١) على الابتداء، والخبر: ﴿جَعَلْنَاهَا﴾، والاختيار النصب وهو قراءة الجمهور، لأجل أن قبله ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ (٢). و﴿لَكُمْ﴾ متعلق بجعلنا، أي: من أجلكم، ﴿مِنْ شَعَائِرِ﴾ المفعول الثاني، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة، وهذا على رأي أبي الحسن، وأما على رأي صاحب الكتاب فالمفعول الثاني محذوف، أي: شيئًا أو بعضًا من شعائر الله. ويجوز أن يكون جعل هنا بمعنى خلق فيتعدى إلى مفعول واحد، و ﴿مِنْ شَعَائِرِ﴾ على هذا في موضع نصب على الحال من الهاء في ﴿جَعَلْنَاهَا﴾، أي: ثابتة أو كائنة من أعلام الشريعة. ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة، كخشبة وخشب، وأصله البُدُن بضم الدال، وبه قرأ بعض القراء (٣)، والإسكان فيه تخفيف. وعن [ابن] أبي إسحاق بالضمتين وتشديد النون (٤) على لفظ الوقف، وأصل الكلمة من الضخامة، يقال: بَدُنَ بَدَانَةً، إذا ضَخُمَ، سميت بذلك لِعِظَمِ بدنها وهي الإبل خاصة، وقيل: الإبل والبقر (٥).

стр. 2597

وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (خيرٌ) رفع بالابتداء، و ﴿لَكُمْ﴾ الخبر، والجملة مستأنفة، وقيل: حال (١). وقوله: ﴿صَوَافَّ﴾ يقال: صَفَّتِ الإبلُ قوائمها تَصُفُّ صَفًّا فهي صافَّةٌ وصَوَافٌّ، إذا سَوَّتْها لا يتقدم بعضها على بعض، أي: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وهو معنى قوله مجاهد: (صواف) أي: قائمة على أربع (٢) مصفوفة. والسنة أن تنحر الإبل قائمة مصفوفة بعضها إلى جنب بعض. وقرئ: (صوافن) (٣)، وهو جمع (صافن)، وأصل هذا الوصف في الخيل، يقال: صَفَنَ الفرسُ يَصْفَنُ صُفُونًا، إذا قام على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، والبدنة إذا أريد نحرها تعقل إحدى يديها، فتقوم على ثلاث قوائم. وقرئ: (صوافيَ) بالياء (٤) , أي: خوالص لوجهه لا يذكر معه الأصنام. وانتصابه على الحال من الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾ في الأوجه الثلاثة، غير أنها لا تنون، لأنها لا تنصرف لكونها جمعًا لا نظير له في الآحاد، أي: فاذكروا اسم الله عليها في حال نحرها.

стр. 2598

وواحد ﴿صَوَافَّ﴾: صافة، وواحد صوافن: صافن، وواحد صوافي: صافية. وعن بعضهم (صوافيْ) بإسكان الياء (١)، إما على إجراء الوصل مجرى الوقف، أو كقولهم: "أَعْطِ القوسَ باريْها"، بسكون الياء (٢)، ونحو ذلك مما سكن في موضع النصب من المنقوص وغيره. وقرئ أيضًا: (صوافيًا) بالتنوين (٣) كقوله: (سلاسلًا) و (قواريرًا) في قول من نون، وستراه موضحًا في موطنه إن شاء الله تعالى (٤). وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي: سقطت، من وجب الحائط وجبة، إذا سقط، وسقوط الجَنْبِ عبارة عن الموت. ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: الجمهور على الألف بعد القاف في ﴿الْقَانِعَ﴾، وقرئ: (القَنِع) بغير ألف (٥)، أما (القانع) بالألف عند أهل اللغة: فهو السائل، يقال: قَنَعَ الرجلُ يَقْنَعُ بالفتح فيهما قُنُوعًا، إذا سأل فهو قانع، قال الشماخ (٦):

стр. 2599

٤٥٧ - لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنَ القُنُوعِ (١) أي: أعف من السؤال. وقال عدي بن زيد (٢): ٤٥٨ - وَمَا خُنْتُ ذَا عَهْدٍ وَأُبْتُ بِعَهِدهِ ... وَلَمْ أَحْرِمِ المُضْطَرَّ إذْ جَاءَ قَانِعًا (٣) يعني سائلًا. وأما القَنِعُ بغير ألف عندهم، فهو الراضي بما يُعطَى، يقال: قَنِع يَقْنَعُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر قناعة، إذا رضي، فهو قَنِعٌ وَقَنُوعٌ. وقيل: إن القنوع قد يكون بمعنى الرضا، والقانع بمعنى: الراضي (٤)، وأنشد: ٤٥٩ - وَقَالُوا قَد زُهِيتَ فَقُلْتُ كَلَّا ... وَلَكنِّي أَعَزَّنِيَ القُنُوعُ (٥) وقال لبيد: ٤٦٠ - فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمُ شَقِيٌّ بالمَعِيشَةِ قَانِعُ (٦) وقال أبو الفتح: القنع مقصور من القانع (٧). وقد اختلفت أقوال المفسرين في القانع (٨)، ولا يليق ذكرها هنا، لأن

стр. 2600

كتابي هذا كتاب إعراب وله وضعت، وما ذكرت فيه كفاية، وهو قول أهل اللغة. وأما (المعتر): فهو المعترض لك، طالبًا لمعروفك، سائلًا كان أو ساكتًا، وكذلك المعتري، من اعتراه يعتريه اعتراءً، إذا غشيه، فهو معتر وذاك (معترِي) وبه قرأ بعض القراء (١). قال أبو الفتح: يقال: عَرَاهُ يَعْرُوهُ عَرْوًا، فهو عار والمفعول مَعْرُوٌّ واعتراه يَعْتَريه اعْتَراءً، فهو مُعْتَر، والمفعول مُعْترىً وَعَرَّهُ يَعُرُّهُ عَرًّا، فهو عارٌّ والمفعول مَعْرُور. واعْتَرَّهُ يَعْتَرُّهُ اعْتِرارًا فهو مُعْتَرٌّ، والمفعول مُعْتَرٌّ أيضًا لفظ الفاعل والمفعول فيه سواء، وكله: أتاه وَقَصَدَهُ، انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب علي أنه صفة لمصدر محذوف، أي: سخرناها تسخيرًا مثل ما ذكرنا من نحركم إياها صواف، لأن ذلك تسخير أيضًا، ولولا تسخير الله لم تطلق في جميع الأحوال، وتسخيرها: تذليلها. وقيل تقديره: فاذكروا اسم الله عليها وكلوا منها وأطعموا كذلك، أي: كما أمرناكم، ثم استأنف وقال: سخرناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها. ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾:

стр. 2601

قوله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا﴾ قرئ: (لن ينال) بالياء على إرادة الجمع، وبالتاء (١) على إرادة الجماعة. وكذلك ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى﴾: قرئ: بالياء (٢) حملًا على المعنى، لأن التقوى والتقى بمعنى، أو للفصل، أو لأن التأنيث غير حقيقي، وبالتاء (٣) على لفظ التقوى. وقد مضى الكلام على نحو: يدفع ويدافع، ودفع ودفاع في سورة البقرة (٤). ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾: قوله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ﴾ قرئ: على لفظ المبني للفاعل (٥) وهو الله عز وعلا لتقدم ذكر اسمه جل ذكره، والمأذون فيه محذوف دل عليه ﴿يُقَاتَلُونَ﴾، والمعنى: أَذِن الله لهم في القتال. ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، أي:

стр. 2602

بسبب كونهم مظلومين، بأنهم منعوا الهجرة، وقيل: بأن أوذوا، وقيل: بأن أخرجوا من ديارهم وأوطانهم (١). و (أُذن) على البناء للمفعول (٢)، وهو راجع إلى القراءة الأولى، لأن الله تعالى هو الآذن في القتال وغيره. وكذلك (يقاتلون) قرئ: على تسمية الفاعل (٣) على معنى: يقاتِلون عدوهم، وعلى ترك تسميته (٤)، أي: يقاتلهم العدو وهم الكفار. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الجر على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ المذكور في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ﴾ أو صفة له، أو الرفع على الابتداء والخبر محذوف، أي: منصورون، [أو فائزون]، أو نحو ذلك، أو بالعكس، أي: هم الذين. أو النصب على إضمار أعني. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا﴾ في محله وجهان، أحدهما: النصب على الاستثناء المنقطع، أي: لكن أن يقولوا. والثاني: الجر على البدل من ﴿حَقٍّ﴾، أي: أخرجوا بلا حق إلا بأن يقولوا، أي: بقولهم ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، أي: لم يخرجوا إلا بسبب توحيدهم الله، كقوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٥). وقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة، وهي موضع عبادة الرهبان، وسميت صومعة لانضمام طرفيها (٦)، من قولهم: خرج السهم مُتَصَمِّعًا، إذا

стр. 2603

ابتلت قُذَذُهُ من الدم وغيره فانضمَّتْ، فصومعة فوعلة من هذه (١). و(بِيَعٌ): جمع بِيعة، وهي موضع عبادة النصارى، قيل: وهي اسم أعجمي، وأصله بِيعة (٢). و﴿صَلَوَاتٌ﴾: وهي كنائس اليهود، وسميت الكنيسة صلاة؛ لأنه يصلى فيها، وقيل: هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية "صلوتا" (٣). وقيل: في الكلام حذف مضاف، أي: ومواضع صلوات (٤). وبعد: فإن الجمهور على فتح صاد ﴿صَلَوَاتٌ﴾، وفتح اللام والواو وألف بعدها مع التاء، وهي جمع صلاة كقنوات في جمع قناة. وقرئ: (وَصُلُوَات) بضم الصاد واللام وفتح الواو وألف بعدها والتاء. (وصُلَوَات) بضم الصاد وفتح اللام وفتح الواو وألف بعدها مع التاء. وقرئ: كذلك غير أن اللام منها ساكنة (٥)، وهن جمع صُلْوَة بضم الصاد وإسكان اللام وفتح الواو، ونظيرهن حُجْرَة وحُجُرات، وحُجَرات، وحُجْرات، غير أن حجرة مستعملة وصُلْوة غير مستعملة. (وَصِلْوات) بكسر الصاد وإسكان اللام وفتح الواو وألف بعدها والتاء، كأنها جمع صِلْوَة كرِشوة ورِشْوات. و(صُلُوْتْ) بضم الصاد واللام وإسكان الواو والتاء. وقرئ كذلك إلا أنه بالثاء المنقوطة ثلاثًا. و(صُلُوثًا) بضم الصاد واللام وإسكان الواو وبالثاء المثلث وألف بعدها.

стр. 2604

(وَصِلْوِيت) بكسر الصاد وإسكان اللام وكسر الواو وياء بعدها وثاء معجمة بثلاث، وكلها الصوامع باللغة السريانية (١). وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أي: في المساجد. وقيل في المواضع المذكورة كلها (٢). ﴿كَثِيرًا﴾، أي: ذكرًا كثيرًا. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ القول فيه كالقول في قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ (٣) وقيل: هو منصوب على البدل مِن ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٤) و ﴿أَقَامُوا﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ جوابه ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ﴾، على [معنى]: فتأسَّ بهم. وقيل: الجواب محذوف، والفاء في ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ﴾ لعطف جملة على جملة، والتقدير: فلا تحزن لتكذيب كفار مكة إياك فقد كذبت، والوجه ما ذكرت.

стр. 2605

وقوله: (فكيف كان نكيري) (١) أي: إنكاري، وهو مصدر بمعنى: الإنكار والتغيير، حيث أبدلهم بالنعمة نقمةً، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا على ما فسر (٢). ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾: قوله : (فكأين من قرية أهلكتُها) (٣) محل (كأين) إما الرفع على الابتداء، والخبر (أَهُلَكُتُها)، أو النصب بفعل مضمر دل عليه (أَهْلَكْتُها). وقوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٤) في محل النصب على الحال من الضمير الراجع إلى القرية، والمراد أهلها. ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: عطف على (أهلكتُها) عطف جملة على جملة. وفي الخاوي وجهان: أحدهما: الساقط، من خَوَى النجمُ يَخْوِي خَيًّا، إذا سقط، على معنى: أنها ساقطة على سقوفها، يعني: أن سقوفها سقطت على الأرض ثم تهدمت جدرانها فسقطت فوق السقوف. والثاني: الخالي، من خَوَتِ المرأةُ وخَوِيَتْ أيضًا خَوىً، إذا خلا جوفُها عند الولادة، فهي خاوية، وخوى المنزل، إذا خلا من أهله، على معنى أنها خالية مع بقاء عروشها وسلامتها. وقوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ من صلة ﴿خَاوِيَةٌ﴾ على الوجهين، وقد جُوّز أن يكون من صلة محذوف على أن يكون خبرًا بعد خبر، على معنى: فهي خاوية وهي على عروشها، أي: قائمة مطلة على عروشها، على معنى: أن

стр. 2606

السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان مائلة وهي مشرفة على السقوف الساقطة (١). وقوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ عطف على ﴿قَرْيَةٍ﴾، أي: وكم من قرية ومن بئر ومن قصر مشيد. وقد جوز أن يكون عطفًا على ﴿عُرُوشِهَا﴾ (٢)، والمعطلة: المتروكة على حالها، والمعنى: أنها عامرة، فيها الماء، ومعها آلات الاستسقاء، إلا أنها عطلت لا يستسقي منها أهلها، أي: تركت، والتعطيل: الترك من العمل. وقرئ: (مُعْطَلَة) بإسكان العين وتخفيف الطاء (٣)، من أعَطَلَه بمعنى عَطَّلَهُ فهو مُعْطَل، منقول من عَطَل أو عَطِلَ، يقال: عَطِل فلان من الماء وغيره عَطَلًا فهو عُطْلٌ وعُطُلٌ. والمشيد: المرفوع، شاد البناء، إذا رفعه، وقيل: مبني بالشِّيد، وهو الجص (٤)، وهو مفعل بمعنى مفعول. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾: قوله : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الاستفهام هنا بمعنى التقرير، أي: قد ساروا ورأوا، وقيل: بمعنى التوبيخ (٥). ﴿فَتَكُونَ﴾: منصوب على الجواب (٦).

стр. 2607

وقوله: ﴿فَإِنَّهَا﴾ الضمير للقصة، وعن ابن مسعود ﵁: (فإنه) (١) على أنه ضمير الشأن، والجملة بعده مفسرة له. وقوله: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ من التوكيد الذي يزيد القومُ في الكلام، كقوله: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٤)، ونحو ذلك. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾: قوله : ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته (٥)، لقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾. وبالتاء النقط من فوقه على الخطاب (٦)، وهو أعم لدخول الفريقين فيه المؤمنين والمستعجلين. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾، قيل: وإنما كانت الأولى معطوفة بالفاء، وهي قوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٧) وهذه بالواو، لأن الأولى وقعت بدلًا عن قوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ (٨)، وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو وهما: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾.

стр. 2608

﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾: قوله : (والذين سَعَوا في آيتنا مُعَجِّزِينَ) (١) انتصاب (مُعَجِّزِينَ) على الحال من الضمير في ﴿سَعَوْا﴾ أي: مثبطين الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ ، أو ناسبين تابعيهِ إلى العجز، كقولهم: فَسَّقْتُهُ، وجَهَّلْتُهُ، أي نسبته إلى الفسق والجهل. وقرئ: (معاجزين) (٢)، أي: ظانين مقدرين أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنوا أنه لا بعث ولا نشور. وقيل: معاجزين رسول الله ﷺ ، يعني: طامعين في إعجازه (٣). والمعنى: سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها حيث سموها سحرًا، وشعرًا، وأساطير. والسعي: الإسراع في المشي، هذا أصله، ومنه ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤)، ثم استعمل في غيره فقيل: سعيت في أمره، إذا أفسده أو أصلحه بسعيه. وقوله: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ قيل: هو استثناء منقطع. وقيل: في موضع الصفة لـ ﴿نَبِيٍّ﴾ (٥). ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

стр. 2609

أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾: قوله : ﴿لِيَجْعَلَ﴾ هذه متعلقة بمحذوف، أي: فعل الله ذلك أو قدّر ذلك ليجعل ما يلقي الشيطان محنة وابتلاء للذين في قلوبهم شك. وقيل: متعلقة بـ ﴿أَلْقَى﴾ وقيل: بـ ﴿يُحْكِمُ﴾، وكلاهما ليس بشيء (١). وقوله: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ عطف على (الذين)، والألف واللام بمعنى الذي، والضمير الذي في قوله: ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ يعود إلى الألف واللام، و ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ رفع بالقاسية على الفاعلية، كأنه قيل: والذين قست قلوبهم، فأنث اسم الفاعل كما يؤنث الفعل. وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: وإن المنافقين، وهم الذين في قلوبهم مرض، والكافرين، وهم الذين قست قلوبهم. والأصل والقياس: وإنهم، وإنما وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم (٢). وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾. ﴿أَنَّهُ﴾: أنّ تمكين الشيطان من الإلقاء، أو: أنَّ نَسْخَ ما يلقيه الشيطان، وإحكام آي القرآن (٣). وقوله: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ عطف على قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾، وكذا قوله: ﴿فَتُخْبِتَ﴾، والضمير في ﴿بِهِ﴾ لأحد المذكورين آنفًا، وهو تمكين الشيطان من الإلقاء، أو نسخ ما نسخه وما أحكمه، وقيل: لله (٤). والإخبات: الخضوع، من الخبت وهو المطمئن من الأرض.

стр. 2610

وقوله: ﴿لَهَادِ الَّذِينَ﴾ الجمهور على الإضافة، وقرئ: (لَهَادٍ الذِينَ) بالتنوين (١) وهو الأصل، وحذفه تخفيف. والوقف على ﴿لَهَادِ﴾ بغير ياء لأجل الرسم. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾: قوله : ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ في موضع نصب بخبر (يزال) والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للقرآن، أو للرسول، أو لما ألقى الشيطان في تلاوة رسول الله ﷺ (٢). وقوله: ﴿بَغْتَةً﴾ مصدر في موضع الحال من الساعة. وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (يومئذٍ) من صلة الخبر وهو ﴿لِلَّهِ﴾. وقوله: ﴿يَحْكُمُ﴾ في موضع الحال من اسم الله، والعامل فيها الاستقرار، ويجوز أن يكون مستأنفًا. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ مبتدأ ونهاية صلته ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ والخبر ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ واللام لام القسم. ﴿وَرِزْقًا﴾ مفعول ثان. وقيل: مصدر مؤكد (٣).

стр. 2611

وقوله: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ﴾ مستأنف، أو بدل من قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾. ﴿مُدْخَلًا﴾: بضم الميم يجوز أن يكون مصدرًا بمعنى الإدخال، وأن يكون موضعَه، وكذا (مَدْخَلًا) بفتح الميم حكمه حكم المُدْخَل، يجوز أن يكون بمعنى الدخول، وأن يكون مكانَه، وقد مضى الكلام عليها في "النساء" بأشبع من هذا (١). ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، والإشارة إلى ما وعدوا به، ثم ابتدأ جل ذكره فقال: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ﴾ (مَنْ) موصولة في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلتها: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾، والخبر ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾. ويجوز أن تكون شرطية، وقد سد جواب القسم جواب الشرط. قيل: وسَمَّى الأولَ عقوبة لازدواج الكلام، كما سَمَّى الثاني باسم الأول في نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢). والباء فيهما بمعنى السبب لا بمعنى الآلة (٣).

стр. 2612

وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ الخبر، والإشارة إلى النصر، أي ذلك النصر ثابت بسبب أنه سبحانه قادر على ما يشاء، ومِن جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ البالغة أنه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ. . .﴾ الآية. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ (أنَّ) في موضع جر بالعطف على الأولى، وكذا ما بعدها من لفظ أن. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ قيل: أي: ذلك الوصف بخلق الليل والنهار، والإحاطة بما يجري فيهما، وإدراك كل قول وفعل بسبب أنه الحق (١)، أي: ذو الحق. و ﴿هُوَ﴾: هنا يجوز أن يكون توكيدًا لاسم أنّ، وأن يكون فصلًا، وأن يكون مبتدأ. وقرئ: (يَدْعُون) بالياء النقط من تحته على الإخبار، وبالتاء على الخطاب (٢)، أي: قل لهم ذلك. وقرئ: (يُدْعَوْنَ) بلفظ المبنى للمفعول (٣)، والواو راجعة إلى ﴿مَا﴾، لأنه في معنى الآلهة. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ

стр. 2613

الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ الرؤيا هنا يجوز أن تكون من رؤية القلب، أي: ألم تعلم؟ والاستفهام بمعنى التقرير، أي: علمت، وأن تكون من رؤية العين، أي: رأيت، ولفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر، أي: قد علمت أو رأيت، فلهذا رفع الفعل بعده، وهو ﴿فَتُصْبِحُ﴾، ولم ينصب على الجواب لما ذكر آنفًا. قال صاحب الكتاب ﵀، السائل والمسؤول (١): وسألته - يعني شيخه الخليل - عن ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فقال: هذا واجب وهو تنبيه، كأنك قلت: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا، انتهى كلامه (٢). وأيضًا فإن ما بعد الفاء إنما ينتصب إذا كان المستفهم عنه سببًا له وعلمه، أو رؤيته لإنزال الماء لا يوجب الاخضرار، وإنما ذلك بسبب نزول الماء، وأيضًا فإن الرفع يدل على إثبات الاخضرار وهو الغرض، ولو نُصِبَ لانقلب إلى نفي الاخضرار، ألا ترى أن القائل إذا قال: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إنْ رفع كان مثبتًا للشكر، وإن نصب كان نافيًا له، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٣). وقوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ يجوز أن يكون بمعنى ينزل، فيكون ﴿فَتُصْبِحُ﴾ عطفًا عليه، وأن يكون على بابه.

стр. 2614

وقوله: ﴿فَتُصْبِحُ﴾ بمعنى أصبحت، وهي عطف عليه، قيل: وإنما صُرف إلى لفظ المضارع لنكتة فيه، وهي: إفادة بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان، كما تقول: أنعم عليّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرًا له، ولو قلت: فرحت وغدوت، لم يقع ذلك الموقع (١). ويجوز أن يكون على بابه وأن يكون ارتفاعه على إضمار مبتدأ تقديره: فهي تصبح، وهي ضمير القصة، فيكون عطف جملة على جملة، وكل واحد منهما على بابه، أعني: ﴿أَنْزَلَ﴾ و ﴿فَتُصْبِحُ﴾. والجمهور على ضم الميم وتشديد الراء في قوله: ﴿مُخْضَرَّةً﴾ وهي اسم فاعل وفعله: اخضرت، وانتصابه على خبر (تصبح)، وقيل: على الحال (٢)، وليس بشيء؛ لأن المراد من الاخضرار الدوام. وقرئ: (مَخضرَة) بفتح الميم وتخفيف الراء (٣)، أي ذاتُ خُضْرٍ، كمَبقلة ومَسبعة، أي: ذات بقل وذات سباع. وقال أبو إسحاق: ولا يجوز (مَخضرّة) بفتح الميم وتشديد الراء، لأن مفْعَلَّة ليس في الكلام ولا معنى له (٤). ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾:

стр. 2615

قوله : ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي﴾ الجمهور على نصب (الفلك) إما عطفًا على ﴿مَا﴾، أي: وسخر لكم الفلك، أو على اسم ﴿أَنَّ﴾. ومحل ﴿تَجْرِي﴾: على الوجه الأول النصب على الحال من (الفُلكَ)، أي: جارية، وعلى الوجه الثاني: الرفع بالخبر. وقرئ: (والفُلْكُ) بالرفع (١) على الابتداء، والخبر ﴿تَجْرِي﴾، والفلك: يكون واحدًا وجمعًا وهو هنا جمع. وقوله: ﴿أَنْ تَقَعَ﴾ مفعول له، أي: كراهة أن تقع، أو لئلا تقع. وقيل: (يُمسِكُ) بمعنى يحبس و ﴿أَنْ﴾ في موضع جر، أي: يحبسها عن أو من أن تقع. وقيل: في موضع نصب على البدل من السماء وهو بدل الاشتمال، أي: ويمسك السماء وقوعها، أي: يمنع وقوعها (٢). ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾: قوله : ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ نَهْيٌ مؤكد بالنون الشديدة، والمعنى: لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك، فلفظ النهي لهم في الظاهر والمراد به نهيه ﵇ عن تمكينهم من المنازعة، ونظيره: لا أرينك ها هنا، والمعنى: لا تكن هنا فأراك، فالنهي في اللفظ لنفسه، ومحصول معناه للمخاطب، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب. وقال أبو إسحاق: هو نهي له ﷺ عن منازعتهم، والمعنى لا تنازعهم أنت، كما تقول: لا يخاصمنك فلان، أي: لا تخاصمه، ثم قال: وهذا

стр. 2616

جائز فيما يكون بين اثنين، ولا يجوز لا يضربنك فلان، وأنت تريد لا تضربْه، وذلك لأن المفاعلة لا تكون إلا بين اثنين، فإذا ترك أحدهما ترك الآخر (١). وقرئ: (فَلَا يَنْزِعُنَّكَ) بفتح الياء وإسكان النون وكسر الزاء (٢). قال أبو الفتح: ظاهر هذا فلَا يستخفنك عن دينك إلى أديانهم، فيكون بصورة المنزوع عن شيء إلى غيره (٣). وأصل النزع: القلع، يقال: نزعت الشيء من مكانه أنزعه نزعًا، أي: قلعته، ومنه قولهم: فلان في النزع، أي: في قلع الحياة، والمعنى: اثبت في دينك ثباتًا لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ الاستفهام بمعنى التقرير، والمعنى: علمت ذلك. وقوله: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ حال من الآيات، أي: واضحات في الشرائع والأحكام.

стр. 2617

وقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ أي: تعرف في وجوههم أثر الإنكار من الكراهة والعبوس. وقوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون في موضع الحال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و ﴿يَسْطُونَ﴾ في موضع نصب بخبر (كاد)، والسطو: الوثب والبطش (١). وقوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ الجمهور على رفع ﴿النَّارُ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلًا قال: ما هو؟ فقيل: النار، أي: هو النار أي الشر. والثاني: مبتدأ والخبر ﴿وَعَدَهَا﴾. وقرئ: بالنصب (٢) إما على إضمار أعني، أو بوَعَدَ محذوف دل عليه ﴿وَعَدَهَا﴾. وبالجر (٣) على البدل من (شر). وقوله: ﴿وَعَدَهَا﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، أعني: على الوجه الأول، وأن يكون مستأنفًا. وأن يكون في موضع الحال من ﴿النَّارُ﴾ وقد معه مرادة على قراءة من نصب (النارَ) أو جرها. وأما على قراءة الجمهور فلا، لعدم العامل في الحال، إذ التقدير: هو النار، وليس في قولك: هو النار ما يعمل في الحال، فاعرفه فإنه موضع لطيف.

стр. 2618

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ قرئ بالتاء النقط من فوقه (١) لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وبالياء (٢) لقوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قيل: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿لَنْ يَخْلُقُوا﴾ على معنى: مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطًا عليهم اجتماعهم جميعًا لخلقه وتعاونهم عليه (٤). وجواب ﴿لَوِ﴾ محذوف تقديره: لعجزوا عنه، ونحو ذلك. وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ (شيئًا) مفعول ثان، لأن السلب يتعدى إلى مفعولين. وقوله: ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ جواب الشرط، والاستنقاذ: التخليص، والضمير المفعول للشيء، وفي ﴿مِنْهُ﴾ للذباب. وقوله: ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ منصوب على المصدر، أي: ما عظموه حق عظمته. وقيل: ما عرفوه حق معرفته (٥).

стр. 2619

وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: ومن الناس رسلًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾: قوله : ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ منصوب على المصدر. وقيل: صفة لمصدر محذوف، أي: جهادًا حق جهاده (١). وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ في نصبه أوجه: أحدها: على إضمار فعل، أي: اتبعوا أو الزموا ملة أبيكم، لأن قبله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (٢). والثاني: في الكلام حذف مضاف تقديره: وجاهدوا في دين الله، و ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ بدل من محل المضاف (٣). والثالث: على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم، كقولك: الحمد لله الحميد (٤). والرابع: منصوب بمضمون ما تقدمه، كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، لأن قوله: ﴿وَمَا

стр. 2620

جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ويدل على التوسعة (١). وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ (هو) كناية عن اسم الله جل ذكره عند جمهور المفسرين (٢) تعضدهم قراءة من قرأ: (الله سماكم) وهو أبي بن كعب ﵁ (٣). وقط ل الحسن: ﴿هُوَ﴾ كناية عن إبراهيم ﵇، يعضده: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ. . .﴾ الآية (٤). قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل القرآن، يعني في التوراة والإنجيل وسائر كتبه. ﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: وفي القرآن. وقيل: وفي هذا الزمان (٥). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ على قول الحسن: من قبل هذا الزمان، أو من قبل مجيء رسول الله ﷺ ، يعني في زمان إبراهيم ﵇. وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾، من صلة ﴿سَمَّاكُمُ﴾. وقوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أي: فنعم المولى هو لمن تولاه، ونعم الناصر هو لمن استنصره. هذا آخر إعراب سورة الحج والحمد لله وحده

стр. 2621

إعراب سُورَةُ المُؤمنُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾: قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (قد) حرف توقع، وهي نقيضة (لَمَّا) وذلك أنها تثبت المتوقع و (لمّا) تنفيه، وتقرب الماضي من الحال، ومعنى التوقع فيها: أنها تؤذن السامع بوقوع ما كان يتوقعه، ولا شبهة أن المؤمنين كانوا متوقِعين ومنتظرين لمثل هذه البشارة، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، وأن فلاحهم قد حصل وهم عليه الآن وإن كان اللفظ على الماضي، وكل هذا مستفاد من (قد) فاعرفه. والفلاح: البقاء، قال: ٤٦١ - . . . . . . . . . . . ... وَلَكِنْ لَيْسَ للدُّنْيَا فَلَاحُ (١) أي: بقاء، والفلاح: الفوز، والفلاح: النجاة، والفلاح: الظفر بالأمنية، والفلاح: النجاح، والفلاح: الرشاد، والفلاح يستعمل لهذه المعاني كلها، ولذلك قال بعض أهل اللغة: كل من أصاب خيرًا فهو مفلح (٢).

стр. 2622

والمؤمن عند أهل اللغة: المصدِّق. وقوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (على) متعلق بـ ﴿حَافِظُونَ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: بمعنى (مِنْ) على معنى: يحفظون فروجهم من كل محل للوطء إلا من أزواجهم (١). والثاني: على بابه، وإنما دخل ﴿عَلَى﴾ هنا حملًا على المعنى، لأن قوله: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ معناه: يمتنعون عن الوطء، فكأنه قال: يمتنعون إلا على أزواجهم (٢). ولك أن تعلق بمحذوف دل عليه ﴿مَلُومِينَ﴾ أي: يلامون على كل شيء مباشر إلا على ما أبيح لهم، فإنهم غير ملومين عليه (٣). ولا يجوز تعلقه بـ ﴿مَلُومِينَ﴾، لأن ما بعد (إنَّ) لا يعمل فيما قبلها، وأيضًا فإن المضاف إليه لا يعمل فيما قبله (٤). وقيل: في موضع الحال، أي: إلا والين على أزواجهم، أو قوامين عليهن، والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كل الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تَسَرِّيهم (٥). وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ محل (ما) جر بالعطف على ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ وهي موصولة، أو مصدرية. وقيل: هي بمعنى (مَن) (٦).

стр. 2623

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾: قوله : ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ قرئ: بالإفراد (١)، لأن الأمانة مصدر، والمصدر جنس يقع على القليل والكثير. وبالجمع (٢) لاختلاف ضروبها، والمصدر إذا اختلفت أنواعه جاز تثنيته وجمعه. ونظيره قوله: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ و ﴿صَلَوَاتِهِمْ﴾ الكلام فيهما واحد (٣). وقوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الرفع على الوصف لقوله: ﴿الْوَارِثُونَ﴾، أو على: هم، أو النصب على الاختصاص والمدح. وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أنث الفردوس على تأويل البقعة أو الجنة. قيل: والفردوس أصله رومي أعرب (٤)، وهو البستان الواسع الجامع لأنواع الثمر، كذا ورد في التفسير (٥)، ومحل الجملة النصب على الحال إما من الفاعل أو من المفعول، لأن فيها ضميرهما، فلذلك جاز لك أن تجعل حالًا من أيهما شئت، وقد مضى الكلام على نحو هذا في "البقرة" عند قوله جل

стр. 2624

ذكره: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ بأشبع من هذا فأغنى عن الإعادة هنا (١). ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (مِن) الأولى من صلة ﴿خَلَقْنَا﴾ وهي لابتداء الغاية، والثانية إما من صلة محذوف على أنها صفة لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾، أو من صلة ﴿سُلَالَةٍ﴾ بمعنى: مسلولة منه، وهي لبيان الجنس. وتجمع ﴿سُلَالَةٍ﴾ على: سلالات، وعلى: سلائل (٢). قيل: والسلالة: الخلاصة، لأنها تسل من بين الكدر، وسلالة الشيء: ما استل منه، أي: استخرج ونزع، وفعالة بناء للقلة كالقلامة ونحوها (٣). والإنسان ها هنا آدم ﵇ عند قوم، وولده عند آخرين (٤)، وهو على هذا اسم جنس. وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ﴾ في الكلام حذف مضاف، أي: ثم جعلنا نسله نطفة، أي: من نطفة، هذا على قول من جعل الإنسان آدم ﵇، وأما من قال: هو ولده، فلا حذف، والقرار: الموضع الذي يستقر فيه الشيء، وأصله المصدر، يقال: قَرَّ يَقِرُّ قَرَارًا، ثم سمي الموضع الذي يَقِرُّ فيه الشيءُ قرارًا، والمراد به هنا: الرحم على ما فسر (٥).

стр. 2625

وقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ (خلقنا) هنا بمعنى صيرنا، ولذلك تعدى إلى مفعولين، وخلق يأتي بمعنى جعل وصير فيتعدى إلى مفعولين، كما أن جعل يأتي بمعنى خلق وأحدث فيتعدى إلى مفعول واحد. وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (لحمًا) مفعول ثان. وقرئ: (عظمًا. فكسونا العَظْمَ) (١). و (عظَامًا. فكسونا العِظَامَ) (٢). و (عَظْمًا. فكسونا العظام) (٣) و (عظامًا. فكسونا العظم) (٤): مفردًا معًا، ومجموعًا معًا، ومفردًا ومجموعًا، ومجموعًا ومفردًا على ما ترى. مَن أفردَ: وضع الواحد مكان الجمع لزوال اللبس، لأن الإنسان ذو عظام كثيرة، وقد شاع عنهم وضع الواحد مكان الجمع نحو قوله: ٤٦٢ - كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... . . . . . . . . . . . (٥) وقوله: ٤٦٣ - * في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينَا (٦) * ومَن جمع: فعلى الأصل، ومن أفرد الأول ثم جمع الثاني: فإنه شاكَلَ بالإفراد لفظ الإفراد الذي هو إنسان وسلالة ونطفة وعلقة ومضغة، إذ التشاكل في كلام القوم مطلوب ثم جمع على الأصل، ومن عكس: بادر إلى الأصل أولًا، لأنه هو الغرض المقصود، ثم أفرد تنبيهًا على الجواز واستعمال القوم له مع عدم اللبس، وكلٌّ حَسَنٌ جائزٌ.

стр. 2626

وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (خلقًا) مفعول ثان، لأن الإنشاء هنا بمعنى الجعل والتصيير بدليل قول الحسن: إنشاؤه خلقًا آخر هو جعله ذكرًا أو أنثى (١). وقول غيره: هو جعله حيوانًا وكان جمادًا (٢). وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الخالقين خلقًا، أو أحسن المقدرين تقديرًا، أو أحسن الصانعين صنعة، فحذف المميز لدلالة الخالقين عليه، والخلق في اللغة: التقدير، يقال: خلقت الأديم، إذا قدرته لتقطعه، والعرب تسمي كل صانع خالقًا، تذهب إلى معنى التقدير، وتبارك في اللغة: تعالى وارتفع (٣). وقوله: ﴿أَحْسَنُ﴾ على البدل من اسم الله جل ذكره أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أحسن الخالقين، لا على أنه نعت لاسم الله كما زعم بعضهم، لأنه نكرة وإن كان مضافًا، لأن المضاف إليه عوض من (مِنْ) والمضاف مقدر به، وكذا جميع باب (أفعل منك)، فإن لم تقدر بمِن أعني أفضل القوم ونحوه ساغ لك فيه الأمران: التعريف والتنكير، وفيه تفصيل لا يليق ذكره هنا (٤). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾:

стр. 2627

قوله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (بعد) معمول ﴿لَمَيِّتُونَ﴾، وجائز أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها، لأن أصلها أن تكون في الابتداء، وإنما دخلت في الخبر لدخول (إِنَّ) على المبتدأ، والإشارة في ذلك إلى تمام الخلق. والجمهور على حذف الألف وتشديد الياء في قوله: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾. وقرئ: (مائتون) بوزن قائلون (١)، والفرق بينهما أن الميت كالحي صفة ثابتة، وأما المائت فيدل على الحدوث، تقول: زيد مائت الآن ومائت غدًا، كما تقول: يموت الآن ويموت غدًا، فاعرف الفرقان بينهما (٢). وقوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ صفة للماء، أي: ماء مقدرًا معلومًا. وقوله: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: جعلناه ثابتًا فيها. وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (على) من صلة قوله: ﴿لَقَادِرُونَ﴾، و ﴿بِهِ﴾ من صلة ﴿ذَهَابٍ﴾. ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿وَشَجَرَةً﴾ الجمهور على نصبها عطفًا على ﴿جَنَّاتٍ﴾ على: وأنشأنا شجرة، وقرئت بالرفع (٣) على الابتداء والخبر محذوف، أي:

стр. 2628

ومما أنشئ لكم شجرة، أو: وثَمَّ شجرة (١). و ﴿تَخْرُجُ﴾ وما بعد صفة لشجرة، ولذلك جاز الابتداء بها. وقوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قيل: الطور: الجبل بالسريانية (٢). وقيل بالعربية (٣)، من قولهم: عدا طوره، أي: جاوز حده، سمي بذلك لارتفاعه. وهو مضاف إلى ﴿سَيْنَاءَ﴾، وهي اسم علم لبقعة (٤)، وعن مجاهد: هي اسم حجارة بعينها أضيف [الجبل] إليها لوجودها عنده (٥). وقد جوز أن يكون (طور سيناء) اسمًا للجبل مركبًا من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس، وكبعلبك فيمن أضافه (٦)، والأول أشهر وعليه الأكثر. وقرئ: (سِيناء) بكسر السين (٧)، والهمزة على هذا أصل، كالتي في نحو: عِلباء، وحِرباء، وهي منقلبة عن الياء وليست للتأنيث، لأنه ليس في كلام القوم فِعْلاء بكسر الفاء ممدودًا والهمزة فيه للتأنيث، وإنما لم ينصرف، لأنه اسم علم لبقعة، ففيه التعريف والتأنيث، أو التعريف والعجمة، وهو قول أبي الحسن، قال: هو اسم عجمي معرفة (٨). وقرئ: بفتح السين (٩)، وهو فعلاء كحمراء ونحوه، ولا ينصرف في

стр. 2629

معرفة ولا نكرة، لأن الهمزة في نحو هذا لا تكون إلا منقلبة عن ألف التأنيث، ولا تكون للإِلحاق، إذ ليس في كلامهم فَعْلال أصلًا إلا في المضاعف، نحو الزلزال، والقلقال. وأما ما حكاه البغداديون من قولهم: نَاقَةٌ بِهَا خَزْعَالُ، أي: ظَلْعٌ (١)، فليس يثبت عند أصحابنا، وإنما يحملونه على فعلل، نحو: (خزعل)، ويجعلون الألف لإشباع الفتحة، وكذلك قهقار - وهو الحجر الصلب - قالوا: إنما هو قَهْقَرَ، وكذلك قسطال - وهو الغبار - ممدود من قسطل فاعرفه. وقيل: وزن سَيناء فَيعال من السناء وهو الرفعة، وهو اسم عربي، والوجه هو الأول، وهو قول الجمهور (٢). وقوله: (تُنْبِتُ بالدهن) قرئ: بضم التاء وكسر الباء (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: أَنَّ أنبت بمعنى نبت، وأنشد لزهير، وبها يُروى: ٤٦٤ - رَأَيْتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهم ... قَطِينًا لَهُمْ حتى إِذا أَنْبَتَ البَقْلُ (٤) أي: نبت. وأنكر الأصمعي أنبت بمعنى نبت (٥). والثاني: أنه متعدٍ، وفي مفعوله وجهان - أحدهما: محذوف، والباء في قوله: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ للحال أي: تنبت ما تنبته وفيه الدهن، كقولك: خرج زيد بسلاحه، أي: ومعه سلاحه. والثاني: هو ﴿بِالدُّهْنِ﴾ والباء صلة كالتي

стр. 2630

في قوله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). وقرئ: ﴿تَنْبُتُ﴾ بفتح التاء وضم الباء (٢)، والباء للحال أو للتعدية، وكذا في قول من جعل أنبت بمعنى نبت. وقرئ: (تُنْبَتُ) بضم التاء وفتح الباء (٣) على ترك تسمية الفاعل، وحكمه حكم (تَنْبُتُ)، أي: تنبت وفيها الدهن، والدهن عصارة الزيتون. وقوله: ﴿وَصِبْغٍ﴾ الجمهور على جره عطفًا على لفظ قوله: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ وقرئ: (وصِبْغًا) بالنصب (٤) عطفًا على محله، والصبغ والصباغ ما يصطبغ به من الأدم، وسمي صبغًا، لأن الخبز يلون به إذا غمس فيه، والمراد به الزيت عن ابن عباس ﵄، وعند غيره: الزيتون (٥). وقد مضى الكلام على ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ في سورة النحل (٦). وقرئ: (تَسْقيكُمْ) بتاء مفتوحة النقط من فوقها (٧)، والمنوي فيه للأنعام. وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ أعيد (على) كراهة أن يعطف على المضمر المخفوض من غير إعادة الجار.
следующие страницы →