← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (خلقًا) مفعول ثان، لأن الإنشاء هنا بمعنى الجعل والتصيير بدليل قول الحسن: إنشاؤه خلقًا آخر هو جعله ذكرًا أو أنثى (١). وقول غيره: هو جعله حيوانًا وكان جمادًا (٢). وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الخالقين خلقًا، أو أحسن المقدرين تقديرًا، أو أحسن الصانعين صنعة، فحذف المميز لدلالة الخالقين عليه، والخلق في اللغة: التقدير، يقال: خلقت الأديم، إذا قدرته لتقطعه، والعرب تسمي كل صانع خالقًا، تذهب إلى معنى التقدير، وتبارك في اللغة: تعالى وارتفع (٣). وقوله: ﴿أَحْسَنُ﴾ على البدل من اسم الله جل ذكره أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أحسن الخالقين، لا على أنه نعت لاسم الله كما زعم بعضهم، لأنه نكرة وإن كان مضافًا، لأن المضاف إليه عوض من (مِنْ) والمضاف مقدر به، وكذا جميع باب (أفعل منك)، فإن لم تقدر بمِن أعني أفضل القوم ونحوه ساغ لك فيه الأمران: التعريف والتنكير، وفيه تفصيل لا يليق ذكره هنا (٤). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾:

стр. 2627

قوله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (بعد) معمول ﴿لَمَيِّتُونَ﴾، وجائز أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها، لأن أصلها أن تكون في الابتداء، وإنما دخلت في الخبر لدخول (إِنَّ) على المبتدأ، والإشارة في ذلك إلى تمام الخلق. والجمهور على حذف الألف وتشديد الياء في قوله: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾. وقرئ: (مائتون) بوزن قائلون (١)، والفرق بينهما أن الميت كالحي صفة ثابتة، وأما المائت فيدل على الحدوث، تقول: زيد مائت الآن ومائت غدًا، كما تقول: يموت الآن ويموت غدًا، فاعرف الفرقان بينهما (٢). وقوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ صفة للماء، أي: ماء مقدرًا معلومًا. وقوله: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: جعلناه ثابتًا فيها. وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (على) من صلة قوله: ﴿لَقَادِرُونَ﴾، و ﴿بِهِ﴾ من صلة ﴿ذَهَابٍ﴾. ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿وَشَجَرَةً﴾ الجمهور على نصبها عطفًا على ﴿جَنَّاتٍ﴾ على: وأنشأنا شجرة، وقرئت بالرفع (٣) على الابتداء والخبر محذوف، أي:

стр. 2628

ومما أنشئ لكم شجرة، أو: وثَمَّ شجرة (١). و ﴿تَخْرُجُ﴾ وما بعد صفة لشجرة، ولذلك جاز الابتداء بها. وقوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قيل: الطور: الجبل بالسريانية (٢). وقيل بالعربية (٣)، من قولهم: عدا طوره، أي: جاوز حده، سمي بذلك لارتفاعه. وهو مضاف إلى ﴿سَيْنَاءَ﴾، وهي اسم علم لبقعة (٤)، وعن مجاهد: هي اسم حجارة بعينها أضيف [الجبل] إليها لوجودها عنده (٥). وقد جوز أن يكون (طور سيناء) اسمًا للجبل مركبًا من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس، وكبعلبك فيمن أضافه (٦)، والأول أشهر وعليه الأكثر. وقرئ: (سِيناء) بكسر السين (٧)، والهمزة على هذا أصل، كالتي في نحو: عِلباء، وحِرباء، وهي منقلبة عن الياء وليست للتأنيث، لأنه ليس في كلام القوم فِعْلاء بكسر الفاء ممدودًا والهمزة فيه للتأنيث، وإنما لم ينصرف، لأنه اسم علم لبقعة، ففيه التعريف والتأنيث، أو التعريف والعجمة، وهو قول أبي الحسن، قال: هو اسم عجمي معرفة (٨). وقرئ: بفتح السين (٩)، وهو فعلاء كحمراء ونحوه، ولا ينصرف في

стр. 2629

معرفة ولا نكرة، لأن الهمزة في نحو هذا لا تكون إلا منقلبة عن ألف التأنيث، ولا تكون للإِلحاق، إذ ليس في كلامهم فَعْلال أصلًا إلا في المضاعف، نحو الزلزال، والقلقال. وأما ما حكاه البغداديون من قولهم: نَاقَةٌ بِهَا خَزْعَالُ، أي: ظَلْعٌ (١)، فليس يثبت عند أصحابنا، وإنما يحملونه على فعلل، نحو: (خزعل)، ويجعلون الألف لإشباع الفتحة، وكذلك قهقار - وهو الحجر الصلب - قالوا: إنما هو قَهْقَرَ، وكذلك قسطال - وهو الغبار - ممدود من قسطل فاعرفه. وقيل: وزن سَيناء فَيعال من السناء وهو الرفعة، وهو اسم عربي، والوجه هو الأول، وهو قول الجمهور (٢). وقوله: (تُنْبِتُ بالدهن) قرئ: بضم التاء وكسر الباء (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: أَنَّ أنبت بمعنى نبت، وأنشد لزهير، وبها يُروى: ٤٦٤ - رَأَيْتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهم ... قَطِينًا لَهُمْ حتى إِذا أَنْبَتَ البَقْلُ (٤) أي: نبت. وأنكر الأصمعي أنبت بمعنى نبت (٥). والثاني: أنه متعدٍ، وفي مفعوله وجهان - أحدهما: محذوف، والباء في قوله: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ للحال أي: تنبت ما تنبته وفيه الدهن، كقولك: خرج زيد بسلاحه، أي: ومعه سلاحه. والثاني: هو ﴿بِالدُّهْنِ﴾ والباء صلة كالتي

стр. 2630

في قوله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). وقرئ: ﴿تَنْبُتُ﴾ بفتح التاء وضم الباء (٢)، والباء للحال أو للتعدية، وكذا في قول من جعل أنبت بمعنى نبت. وقرئ: (تُنْبَتُ) بضم التاء وفتح الباء (٣) على ترك تسمية الفاعل، وحكمه حكم (تَنْبُتُ)، أي: تنبت وفيها الدهن، والدهن عصارة الزيتون. وقوله: ﴿وَصِبْغٍ﴾ الجمهور على جره عطفًا على لفظ قوله: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ وقرئ: (وصِبْغًا) بالنصب (٤) عطفًا على محله، والصبغ والصباغ ما يصطبغ به من الأدم، وسمي صبغًا، لأن الخبز يلون به إذا غمس فيه، والمراد به الزيت عن ابن عباس ﵄، وعند غيره: الزيتون (٥). وقد مضى الكلام على ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ في سورة النحل (٦). وقرئ: (تَسْقيكُمْ) بتاء مفتوحة النقط من فوقها (٧)، والمنوي فيه للأنعام. وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ أعيد (على) كراهة أن يعطف على المضمر المخفوض من غير إعادة الجار.

стр. 2631

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)﴾: قوله : ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي: أَفَلَا تتقون عقابه. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ولو شاء الله أن يرسل رسلًا. وقوله: ﴿بِهَذَا﴾، الإشارة إلى المدعو إليه، وقيل: إلى نوح ﵇ (١). وقوله: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ الجملة في موضع الصفة لرجل، والجنة: الجنون، أي: ما هو إلا رجل به حالة جنون. وقيل: الجِنُّ، أي: به جِنٌّ يخبلونه (٢). وقوله: ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ (ما) مصدرية، أي: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي. ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ في محل النصب على الحال من المنوي في قوله: ﴿اصْنَعِ﴾ أي: ملتبسًا بحفظنا، أي: بحفظٍ منا إياك. أو من الفلك، أي: محفوظة.

стр. 2632

وقوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ (سلك) يتعدى ولا يتعدى، يقال: سلك فيه، دخله، وسلك غيره وأسلكه أيضًا، و ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (١). وهذا متعد، أي: أدخلْ في السفينة اثنين من كل نوعين من الحيوان ذكر وأنثى. وقرئ: (من كلٍّ) بالتنوين (٢)، أي: من كل شيء زوجين ذكرًا أو أنثى، فـ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ في هذه القراءة مفعول به، كما كان ﴿اثْنَيْنِ﴾ على قراءة الجمهور، و ﴿اثْنَيْنِ﴾ تأكيد وزيادة بيان، أعني على قراءة من نون، وذُكِرا في "هود" (٣). (أهلَكَ): عطف على ﴿اثْنَيْنِ﴾ أو على ﴿زَوْجَيْنِ﴾ على قدر القراءتين (٤). وقوله: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ (مَنْ) في موضع نصب على الاستثناء، أي: إلا من سبق عليه القول من الله بأنه هالك، وهو ابنه وإحدى زوجيه على ما فسر (٥)، والمعنى: أدخل في السفينة اثنين من كل نوعين إلا من قال الله إنه هالك أو لا يؤمن، فلا تدخله فيها. وقال بعض أهل العلم: قوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ فعل ماض من الإهلاك، والمعنى: وأهلك الله جميع القوم إلا من سبق القول بأنه ناج (٦). والوجه هو الأول وعليه الجمهور لسلامته من الدخل، وخلوه من التعسف.

стр. 2633

﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾: قوله : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ قرئ: (مُنْزَلًا) بضم الميم وفتح الزاي (١)، وهو إما مصدر بمعنى: إنزالًا، أو موضع إنزال، فيكون مفعولًا به ثانيًا لأنزلني، وقد استوفى مفعوليه، وعلى الوجه الأول أحد مفعوليه محذوف وهو دار أو مكان أو نحو ذلك. وقرئ: (مَنزِلًا) بفتح الميم وكسر الزاي (٢)، وهو يحتمل أيضًا أن يكون مصدر نزل، دل عليه ﴿أَنْزِلْنِي﴾، وأن يكون موضع نزول. وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (إن) هي المخففة من الثقيلة عند أهل البصرة، واللام هي الفارقة بين النافية وبينها، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن والأمر، أي: وإن الشأن كنا مبتلين، وعند أهل الكوفة: هي النافية بمعنى (ما)، واللام بمعنى (إلا)، أي: ما كنا إلا مبتلين (٣)، أي: مختبرين بهذه الآيات عبادنا من بعد قوم نوح لننظر من يعتبر ويَذّكّر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٤). وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَنِ﴾ مصدرية في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته، أي: أرسلناه بعبادة الله والتوحيد. وأن تكون مفسرة لأرسلنا [بمعنى] (٥)، أي: عارية عن المحل،

стр. 2634

أي: قلنا لهم على لسان الرسول: اعبدوا الله. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام جواب قسم محذوف، وإن شرطية. ﴿إِنَّكُمْ﴾ جواب القسم، وقد سد جواب الشرط (١)، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٢). وقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ الهمزة للاستفهام ومعناه الإنكار، ومحل (أنَّ) الأولى النصب بيعد لعدم الجار وهو الباء، أو الجر على إرادته، على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع، أي: أيعدكم هذا المدعي للنبوة بأنكم، وفي الكلام حذف مضاف، أي: بأن إخراجكم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. و﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ هو الخبر أعني خبر (أَنَّ)، لأنه ظرف زمان، وظروف الزمان تكون أخبارًا للأحداث، نحو: القتال يوم الجمعة. ولا بد من تقدير حذف المضاف الذي هو الإخراج ليصح أن يكون ﴿إِذًا﴾ خبرًا وإلا فلا، ولك ألا تقدر حذف المضاف وتضمر الخبر، يدل عليه خبر (أَنَّ) الثانية، و ﴿إِذَا﴾ معمول ذلك الخبر المحذوف، أي: أيعدكم أنكم مخرجون من قبوركم أحياء إذا متم وصرتم عظامًا بالية؟ ومحل (أَنَّ) الثانية أيضًا النصب وهي بدل من الأولى، لأنها قد تمت باسمها وخبرها أعني الأولى على التقديرين المذكورين آنفًا، هذا مذهب

стр. 2635

صاحب الكتاب ﵀ (١)، وهو كون الثانية بدلًا من الأولى، وإذا كان كذلك، فمعنى قوله وكل قول من رد عليه، وقال: إن البدل لا يصح، لأن البدل من (أن) لا يكون إلا بعد تمام صلتها، وقد خفى عليه ما ذكر من التقديرين. أبو علي (٢): ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ بمعنى الإخراج، وهو مبتدأ و ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ خبره، لأنه ظرف زمان فيصح أن يكون خبرًا للمصدر، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم إذا متم، أي: وقت موتكم وكونكم ترابًا وعظامًا، كما تقول: أتعدني أنك خروجك يوم الجمعة، فيكون ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ الذي هو المبتدأ، وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ الذي هو الخبر جميعًا خبر ﴿أَنَّكُمْ﴾. أبو الحسن (٣): محل (أنَّ) الثانية الرفع على الفاعلية بفعل مضمر دل عليه (إذا) وهو جزاؤه، والتقدير: أيعدكم أنكم إذا متم يقع إخراجكم، كقولك: اليوم الخروج، فأن الثانية وما عملت فيه فاعل هذا الفعل المقدر الذي هو جزاء الشرط، ثم الجملة كلها خبر أن الأولى. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون خبر (أنَّ) الأولى ﴿مُخْرَجُونَ﴾ الظاهر و (أنَّ) الثانية مكررة وحدها من غير خبر توكيدًا، وحسن ذلك لفصل ما بين الأولى والثانية بالظرف، والتقدير: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فيكون ﴿مُخْرَجُونَ﴾ خبر ﴿أَنَّكُمْ﴾ الواقعة بعد قوله: (أيعد) و ﴿إِذَا﴾ معمول ﴿مُخْرَجُونَ﴾ بأنه ظرف له. وقرأت على شيخنا أبي الجود (٤) ﵀ بالقاهرة المحروسة لعاصم من

стр. 2636

طريق الأعشى: (وعظامًا إنكم) بكسر الهمزة (١) على الاستئناف، وخبر أنّ الأولى على ما ذكر وأوضح، أو على تقدير: أيعدكم كيت وكيت ويقول: إنكم مخرجون. ويجوز في الكلام كسر (أنَّ) الأولى على تضمين (يعد) معنى (يقول) (٢). وأما العامل في ﴿إِذَا﴾ فقد أوضحت إما بالتقدير أو بنصي عليه، ولا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿مِتُّمْ﴾ كما زعم أبو إسحاق (٣)، لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، وليس (إذا) بشرط محض، إنما فيه معنى الشرط، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٤). ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾: قوله : ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ جمهور القراء على فتح تاء ﴿هَيْهَاتَ﴾ فيهما من غير تنوين، وهو اسم سمي به الفعل، وهو خبر واقع موقع بَعُدَ، كما أن شتان اسم واقع موقع افترق. وبَعُدَ فعل ماض والفعل لا بد له من الفاعل في الأمر العام، وفي فاعله هنا وجهان: أحدهما: وهو الجيد: أنه مضمر تقديره: بَعُدَ إخراجكم لما توعدون أو التصديق لما توعدون أو نحوه مما يدل عليه ﴿مُخْرَجُونَ﴾، واللام للبيان كالتي في (لك) في قوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٥). والثاني: (ما توعدون) لأنه هو المستبعد، وإذا كان كذلك فحقه أن يرتفع به كما ارتفع العقيق به في قوله:

стр. 2637

٤٦٥ - فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وَأَهْلُهُ ... . . . . . . . . . . . . (١) واللام على هذا مزيدة، أي: بَعُدَ ما توعدون من البعث. وأنكر أبو الفتح ذلك وقال: لا يجوز أن يكون قوله: ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ هو الفاعل، لأن حرف الجر لا يكون فاعلًا، ولا يحسن اعتقاد زيادة اللام هنا [حتى] كأنه قال: بَعُدَ ما توعدون، لأنه لم تُؤْلَفْ زيادة اللام في نحو هذا، انتهى كلامه (٢). فإن قلت: (ما توعدون) بأي الفعلين مرفوع؟ قلت: بالثاني، وأما الأول فقد أضمر له على شريطة التفسير، فكأنه قال: هيهات ما توعدون هيهات ما توعدون، وثَنّى للتوكيد. وقال أبو إسحاق في تفسيره: البُعْدُ لما توعدون (٣). فيكون محله على قوله: الرفع بالابتداء، والخبر ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾، وأُنكر عليه ذلك، وقيل: لو كان بمعنى البُعْد لم يجب بناؤه، لأن (البعد) معرب، و (هيهات) مبني، وإنما بُني لوقوعه موقع (بَعُدَ) كشتان ونحوه (٤). وفي ﴿هَيْهَاتَ﴾ لغات: (هيهاتَ هيهاتَ) بالفتح من غير تنوين،

стр. 2638

وبتنوين، وبالكسر من غير تنوين، وبتنوين، وبالضم من غير تنوين، وبتنوين، وقد قرئ بهن جميعًا (١). وبإسكان التاء في الوصل والوقف (٢). أما من فتح التاء: فهو مفرد، وهو اسم ينوب عن بَعُدَ أو عن البُعْدِ على ما ذُكر وشُرح، أو عن بُعْدٍ على قول من نون، إذ المراد به التنكير، وتاؤه للتأنيث كالتي في نحو: غرفة وظلمة، ولذلك تقلب في الوقف هاء، وألفه عن ياء، لأن أصله هَيْهَيَة: فعللة من المضاعف كزلزلة. وأما من كسر التاء: فهو جمع مفتوحته، وأصله هيهيات، فحذف اللام الذي هو الياء لالتقاء الساكنين هو والألف التي مع التاء، وحذفت تاؤه كما حذفت من نحو: مسلمة. والوقوف عليه بالتاء كمسلمات وهندات. ووزنه فعلات على تقدير فعللات. قيل: وإنما لم يجعلوا (هيهات) على هيهة، لأن باب سلس قليل، فلا تحمل عليه موجود الواحد مضاعفًا رباعيًا، وإن قيل: إن (هيهات) تركيب آخر وهو جمع هيهة كان جائزًا، لأجل أنه خلص من حذف اللام في الرباعي، لأن ذلك قليل، ألا ترى أن الشيخ أبا علي ﵀ جعل الفيف في الفيفاء في باب سلس، ولم يقل: إن الأصل فيفاي على أن يكون الياء الأخيرة لامًا ثم حذف، وهو ضعيف في القياس أيضًا، وذلك أن التضعيف تكرير، والتكرير لا يليق به الحذف، لأن حظه يكون في اللفظ فقط، فإذا حذفته من اللفظ كنت كأنك عملت شيئًا ولم تعمل، وإذا كان من

стр. 2639

نيتك الحذف فمن سبيلك ألا تزيده ولا تكرره، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا. وأما من ضم التاء: فيحتمل أن يجعله اسمًا معربًا فيه معنى البعد، ولم يجعله اسمًا للفعل يبنيه، فكأنه قال: البعد لوعدكم. وأن يكون بناه على الضم تشبيهًا بقبل وبعد. قال أبو الفتح: ويدل على استعمالهم له اسمًا معربًا قول رؤبة: ٤٦٦ - * هَيْهَاتَ مِنْ مُنْخَرِقٍ هَيْهَاؤه (١) * فكأنه قال بَعُدَ بُعْدُهُ، وهو كقولهم: جُنَّ جُنُونُهُ، وَضَلَّ ضَلالُه، انتهى كلامه (٢). ومن ترك التنوين في ذلك كله: فعلى إرادة التعريف، ومن نون: فعلى إرادة التنكير إذ التنوين في نحو هذا عَلَمٌ له، نحو صَهٍ وإيهٍ. وأما من سَكّن في الحالين: فعلى إجراء الوصل مجرى الوقف. وفيها لغات أخر لم يُقرأ بها، فأضربت عنها لذلك. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾: قوله : ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ اختلف في هذا الضمير. فقيل: هذا ضمير لا يُعلم ما يُعنَى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع ﴿هِيَ﴾ موضع الحياة؛ لأن الخبر يدل

стр. 2640

عليها ويبينها، والمعنى: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، أي: لا حياة بعد الموت (١). وقيل: الضمير للأحوال، أي: ما الأحوال إلا حياتنا الدنيا. وقيل: للنهاية، أي: ما نهايتنا إلا حياتنا الدنيا، يعني: نهاية بقائنا هذه الحياة، فإذا انقضت فلا حياة بعدها، والأول أظهر. وقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ فيما يتعلق به (عن) وجهان: أحدهما: متعلق بقوله: ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾، ولم تمنع لام القسم ذلك لأنها للتوكيد بخلاف لام الابتداء، وقد أجاز بعضهم: والله زيدًا لأضربنَّ (٢). والثاني: متعلق بمضمر يفسره ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾، لأن اللام تمنع ذلك كلام الابتداء، وقائل هذا الوجه لم يجز: والله زيدًا لأضربن (٣). ومنهم من قال: إن هذه اللام تمنع تقديم المفعول به ولا تمنع الظرف، لأنه يجوز في الظروف ما لا يجوز في غيرها، فعلى هذا يكون من صلة قوله: ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ (٤). ولا يجوز أن يكون متعلقًا بـ ﴿قَالَ﴾ كما زعم بعضهم، إذ لا معنى له. وفي (ما) وجهان: أحدهما: صلة جيء بها لتوكيد معنى قلة المدة وقصرها، و ﴿قَلِيلٍ﴾ نعت للزمان، كقديم وحديث في قولك: ما رأيته قديمًا ولا حديثًا، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، أي: عن زمان أو وقت قليل.

стр. 2641

والثاني: بمعنى شيء، وهو الموصوف ويراد به وقت أو زمان، و ﴿قَلِيلٍ﴾ صفة له لا بدل منه كما زعم بعضهم، لأن قليلًا لا يكون إلا تابعًا لشيء قبله من وقت أو زمان في الأمر العام. والأصل في ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ يصبحون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين هي ونون التأكيد، وبقيت ضمة الحاء تدل على الواو المحذوفة. و ﴿نَادِمِينَ﴾ خبر للإصباح، لأنه بمعنى الصيرورة، أي: يصيرون نادمين. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦)﴾: قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ أي: هَلْكَى مثل الغثاء، وهو بالجملة السيل مما قد بَلِي واسودّ من الورق والحشيش وغيرهما. وقال أبو الحسن: هو ما احتمله الماء من الزّبد والقذى (١). وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ انتصابه على المصدر، وهو من المصادر التي نُصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها (٢)، وهو هنا يحتمل أن يكون من البُعْدِ الذي هو ضد القرب، أي: أبعدهم الله من الخير فبعدوا منه بُعْدًا، فحذف الفعل والفاعل، ثم بين باللام في قوله: ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لما حذف الفاعل ليعلم أن البعد لهم. وأن يكون من البعد الذي هو الهلاك، أي:

стр. 2642

بعدوا بعدًا، أي: هلكوا، يقال: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، إذا هلك، وقد مضى الكلام عليه في سورة هود بأشبع من هذا (١). يقال في الدعاء عليه: بعدًا له، أي: هلاكًا له. واللام لبيان من دُعِيَ عليه بالبعد، وهذه كلمة يُدعَى بها على من يراد به السوء، وقيل: هو خبرٌ لا دعاء، والمعنى: أبعدهم الله من الرحمة (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (تترى) فَعْلَى من المواترة، وهي المتابعة، قال الأصمعي: يقال: واترت الخبر، أي: أتبعت بعضه بعضًا وبين الخبرين هنيهة (٣). وأصله: وَتْرَى، التاء بدل من الواو كما في تراث، وتخمة، وتَيْقُور (٤). وقرئ: بالتنوين (٥)، وفي ألفه وجهان، أحدهما: للإلحاق كالتي في أَرْطَى، ومِعْزَى. والثاني: بدل من التنوين كالتي في نحو: حمدًا، وشكرًا. وبتركه (٦)، وألفه للتأنيث كالتي في الدعوى والتقوى. قيل: والتنوين وتركه لغتان فصيحتان، فالتنوين لغة قريش وبني كنانة، وترك التنوين لغة أسد وتميم ونجد (٧).

стр. 2643

ومحله النصب على الحال من الرسل، أي: أرسلناهم متواترين، أي: متتابعين واحدًا بعد واحد، من الوتر وهو الفرد، وحقيقته أنه مصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا على بابه، كضربت زيدًا ضربًا، حملًا على المعنى، لأن ﴿أَرْسَلْنَا﴾ بمعنى واترنا، كأنه قيل: [واترنا] رسلنا وترًا، أو تترىً، وقد جُوِّز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: إرسالًا متواترًا (١). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به الناس تعجبًا، قال أبو الحسن: إنما يقال هذا في الشر، تقول في الشر: صار فلان أحدوثة، وفي الخير: صار فلان حديثًا (٢). وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ بدل من ﴿أَخَاهُ﴾ أو عطف بيان له. ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾: قوله : ﴿لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ البشر يكون واحدًا بشهادة قوله: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٣)، وجمعًا بدليل قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ (٤). و (مثل) كلمة تسوية، يوصف بها الاثنان والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد لكونها في حكم المصدر، وقد يثنى ويجمع فيقال: هما مثلاه، وهم أمثاله، وفي التنزيل: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (٥). ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٦).

стр. 2644

﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: علامة تدل على قدرتنا، واختُلف في سبب توحيد ﴿آيَةً﴾: فقيل: لأن الأعجوبة فيهما واحدة، وهي ولادة الولد من غير فحل. وقيل تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، فحذفت الأولى اكتفاء بالثانية. وقيل: في الكلام حذف مضاف تقديره: وجعلنا قصة ابن مريم وأمه آية (١). وقد مضى الكلام على ﴿رَبْوَةٍ﴾ وما فيها من القراءات في سورة البقرة (٢). وقوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو مفعول، من عانه يعينه، إذا أدركه بعينه، كركبه، إذا ضربه بركبته، وأصله: معيون. والثاني: هو فعيل من المعن وهو الشيء اليسير، ومنه قيل للزكاة: الماعون، فاعول من المعن، سميت بذلك لأنها شيء قليل من المال (٣). ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾: قوله : ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قرئ: بفتح الهمزة

стр. 2645

وتشديد النون (١)، وفيه أوجه: أحدها: عطف على موضع (ما) والتقدير: إني عليم بما تعملون وبأن هذه. والثاني: على تقدير اللام، أي: ولأن هذه، وهي من صلة ﴿فَاتَّقُونِ﴾، أي: فاتقون لهذا، وموضع، (أَنَّ) نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على ما ذكر في غير موضع. والثالث: على إضمار فعل، أي: واعلموا أَنَّ هذه. وقرئ: بتخفيف النون مع فتح الهمزة (٢)، وهي مخففة من الثقيلة، و ﴿هَذِهِ﴾ اسمها، و ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ خبرها. قال أبو علي: والتخفيف حسن في هذا لأنه لا فعل بعدها ولا شيء مما يلي (أن)، ولو كان بعدها فعل لم يحسن حتى تعوض السين أو سوف أولًا، وإذا لم يكن بعدها ساغ التخفيف من غير تعويض كقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) انتهى كلامه (٤). وقرئ: (وإنَّ) بالكسر (٥) على الاستئناف، وقد جوز أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٦) فيكون فيه تنبيه على الاعتداد بالنعمة، كقول من فتح (أنَّ)، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٧). و﴿أُمَّةً﴾: نصب على الحال، وقد مضى الكلام عليها في سورة الأنبياء بأشبع ما يكون (٨).

стр. 2646

وقوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ قد مضى الكلام أيضًا على قوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ في الأنبياء (١). والجمهور على ضم الزاي والباء في قوله: ﴿زُبُرًا﴾ وهي جمع زَبور، كرُسُل في جمع رسول، وهو الكتاب، أي: كتبًا مختلفة، على معنى: تفرقوا فيها، أعني في الكتب، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل، وكالنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالقرآن. وقيل: زُبُرًا: فِرَقًا، على معنى: تفرقوا في أمرهم فرقًا (٢). وقرئ: (زُبْرًا) بإسكان الباء (٣) تخفيفًا كرسْل في رُسُل. وقرئ: (زُبَرًا) بضم الزاي وفتح الباء (٤)، وهي جمع زُبْرَةٌ، وهي القطعة من الحديد، أي: قِطَعًا، استعيرت من زبر الحديد والفضة، والمعنى: تفرقوا في أمر دينهم فرقًا. فإذا فهم هذا، فانتصابه على الوجه الأول على حذف الجار، أو على الحال من ﴿أَمْرَهُمْ﴾، أي: مشبهًا أو مماثلًا كتبًا مختلفة، وعلى الثاني والثالث على الحال من الواو في ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ أمرهم بينهم مختلفين. وقيل: هو مفعول ثان بتقطعوا، على معنى: جعلوا دينهم أديانًا (٥). ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾:

стр. 2647

قوله : ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (ما) موصولة ونهاية صلتها: ﴿وَبَنِينَ﴾، وهي اسم (أن)، وفي خبرها وجهان: أحدهما: ﴿نُسَارِعُ﴾، والعائد من الخبر إلى الاسم محذوف تقديره: نسارع لهم به في الخيرات، فحذفت (به) للعلم بها مع استطالة الكلام، كما حذف الضمير في قولهم: السمن منوان بدرهم، أي: منوان منه بدرهم (١)، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢) أي: ذلك منه، لذلك قال أبو الفتح: فكأن (به) المتقدمة في الصلة من قوله تعالى: ﴿نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ صارت عوضًا من اللفظ بها ثانية، انتهى كلامه (٣). والثاني: محذوف، أي: مجازاة أو خيرًا ونحو ذلك مما يدل عليه معنى ﴿نُسَارِعُ. . .﴾ الآية. وفيه وجه ثالث: وهو قول هشام (٤): إن (ما) في قوله: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ هي الخيرات بعينها، وليس في الكلام حذف، لأن معنى ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾: فيه، فوضع الظاهر موضع المضمر، كقولك: إن زيدًا تكلم عمرو في زيد، أي: فيه، وصاحب الكتاب ﵀ لا يجيز هذا في حال السعة والاختيار، بل في النظم كقوله: ٤٦٧ - لَا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ... نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرا (٥)

стр. 2648

فوضع الظاهر موضع المضمر كما ترى، ونحو هذا بابه النظم اللهم إلا أن يكون الموضع موضع تفخيم كقوله جل ذكره: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ (١) ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٢). فاعرفه. والجمهور على النون والألف في قوله: ﴿نُسَارِعُ﴾ وماضيه (سارع)، والمسارعة إلى الشيء: المبادرة إليه، وقرئ: (نُسْرِعُ) بالنون مع حذف الألف (٣)، وهو مقصور من (نسارع)، ويجوز أن يكون ماضيه أسرع، والأول أمتن، لأن الإسراع حقيقته في السير. وقرئ أيضًا: (يُسَارِعُ) و (يسرع) بالياء النقط من تحته فيهما مع إثبات الألف وحذفها مبنيين للفاعل (٤). والمنوي فيها لله جل ذكره. أو للممد به، فإن جعلته للممد به فلا يحتاج إلى تقدير حذف الراجع من خبر (أن) إلى اسمها، لأن في الفعل ضميرًا يعود عليه. وقرئ أيضًا: (يُسَارَعُ) مبنيًا للمفعول (٥)، والقائم مقام الفاعل ضمير الممد به، أو لهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

стр. 2649

(٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾ وما عطف عليه إلى قوله: ﴿رَاجِعُونَ﴾، وخبرها ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. وقرئ: (يُسْرِعُونَ) (١) قال أبو الفتح: يقال سرع إلى الشيء وأسرع إليه، فقوله: (يسرعون في الخيرات)، أي: يكونون سراعًا إليها وفي عملها. وأما يسارعون فيسابقون، فمفعوله إذن محذوف، أي: يسارعون من يسارعهم إليها، كقولك: يسابقون إليها [وفيها، أي: يسابقون] من يسابقهم إليها، انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ الجمهور على ضم ياء ﴿يُؤْتُونَ﴾ ومد ﴿آتَوْا﴾ من الإيتاء وهو الإعطاء، و ﴿مَا﴾ موصولة في موضع نصب بـ ﴿يُؤْتُونَ﴾ وراجعها محذوف، ومفعولا الإيتاء الأولان فيهما، والتقدير والمعنى: والذين يعطون الفقراء الذين أعطوهم إياه من الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة أَلَّا يقبل منهم على ما فسر. وقرئ: (والذين يَأتون) بفتح الياء (ما أَتَوا) بالقصر (٣)، من الإِتيان، أي: يفعلون ما فعلوا من البِر. وقيل: من الذنوب (٤).

стр. 2650

ومحل الجملة التي هي ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ النصب على الحال من الضمير في ﴿يُؤْتُونَ﴾، أو (يأتون) على القراءتين، و ﴿أَنَّهُمْ﴾ من صلة الوجل، أي: قلوبهم وجلة من رجوعهم إلى ربهم. وقيل: من صلة مضمر، ومفعول الوجل محذوف، والتقدير: وقلوبهم وجلة ألا يقبل منهم لعلمهم أنهم إلى ربهم راجعون. فقوله: (ألا يقبل) هو مفعول الوجل، ﴿أَنَّهُمْ﴾ مفعول لعلمهم، و ﴿إِلَى﴾ من صلة ﴿رَاجِعُونَ﴾. وقوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ اللام هنا بمعنى (إلى) كقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (١) أي: إليها، أي: وهم سابقون أمثالهم من أهل البر إليها. وقيل المعنى: وهم لأجل الخيرات سابقون إلى الجنات، أي: لأجل عملهم لها سابقون الناس إلى الجنة. ومحل الجملة إما النصب على الحال من الضمير في ﴿يُسَارِعُونَ﴾ في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أو الرفع على أنها خبر بعد خبر لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. ويجوز أن تكون مستأنفة عارية عن المحل. ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾: قوله : ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي: بل قلوب الكفرة في غفلة. وقيل: في غطاء (٢). ﴿مِنْ هَذَا﴾ أي: من القرآن، عن مجاهد (٣). وقيل: مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين، قال قتادة:

стр. 2651

وَصَفَ أهلَ البِرِّ، ثم وَصَف على أثرهم أهلَ الكفر (١). وقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ ولهم أعمال خبيثة من دون أعمال المؤمنين، وقيل: من دون الحق (٢). وقيل: من دون ما هم عليه لا بد أن يعملوها (٣). وقيل: الضمير في ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ للمؤمنين، وقوله: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي: هي مغمورة بالإشفاق مع هذه الأفعال الحسنة ولهم وللمؤمنين أعمال من دون ذلك، أي: أعمال صالحة وهي النوافل دون الفرائض، ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ ثابتون عليها مقيمون (٤). ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾: وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ (حتى) هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية. وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ (إذا) هذه هي المكانية، وقد ذكر حكمها في غير موضع (٥)، والعامل في ﴿إِذَا﴾ الأولى معنى قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾، كأنه قيل: جاءروا، والجؤار: رفع الصوت، يقال: جأر يجأر جؤارًا، إذا رفع صوته كجؤار الثور.

стр. 2652

وقوله: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [على أعقابكم] في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَنْكِصُونَ﴾، أي: ترجعون عن الإيمان بها معرضين ومدبرين عنها. والنكوص: رجوع القهقرى. وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ انتصاب قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ على الحال إما من الضمير في ﴿تَنْكِصُونَ﴾، أو من الضمير في ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، و ﴿بِهِ﴾ من صلته، أي: ترجعون عن الإيمان بها مدبرين عنها مستكبرين به، [أي متكبرين به] (١)، أي: متكبرين على الناس به، أي: بالحرم، أو بالبيت العتيق، أو ببلد مكة، وهو كناية عن غير مذكور لحصول العلم به. قيل: والذي سوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت، وأنه لم تكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله فلا يظهر علينا أحد، فكانوا يتكبرون على الناس بذلك (٢). وقيل: الضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن (٣). وقيل: لآياتي، إلا أنه ذكّر، لأنها في معنى كتابي (٤): ومعنى استكبارهم بالقرآن: أن تكذيبهم به استكبارًا، ضمّن (مستكبرين) معنى مكذبين، فعدي تعديته. وقيل: الضمير في ﴿بِهِ﴾ لرسول الله ﷺ (٥) على هذا التأويل المذكور آنفًا، أو على تأويل: أنهم يتكبرون عن الإيمان به، فحذف لدلالة ﴿بِهِ﴾ عليه. وقيل: ﴿بِهِ﴾ من صلة ﴿سَامِرًا﴾ (٦)، أي: تسمرون بذكر القرآن

стр. 2653

وبالطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرًا وشعرًا، أو سبّ رسول الله ﷺ ، وقيل: من صلة ﴿تَهْجُرُونَ﴾ (١). و﴿سَامِرًا﴾ أيضًا حال من المنوي في ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾، أو من أحد المذكورين، وهو يكون واحدًا وجمعًا، وهو هنا جمع في المعنى كالجامل: وهو القطيع من الإبل مع رعاته وأربابه، والباقر: وهو جماعة البقر مع رعاتها (٢). وقيل: إنما وحد، لأنه في موضع المصدر، كما يقال: قوموا قائمًا، أي: قيامًا (٣). وقيل: إنما وحد، لأنه وضع موضع الوقت، والمعنى: تهجرون ليلًا، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك، عن الطبري (٤). وقيل: هو صفة لقوم، أي: قومًا سامرًا، والوجه هو الأول، وهو قول الشيخ أبي علي. ٤٦٨ - إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... فَإنَّ القَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ (٥) أي: متحدثين بالليل، وكانوا يسمرون بالليل في مجالسهم حول البيت، وقد ذكر آنفًا. قيل: وسمي المتحدثون ليلًا سمارًا، لأنه مشتق من السمر، وهو ظل القمر، فسمي المتحدثون في السمر: سامرًا وسمارًا، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل متحدث ليلًا: سامرًا، وإن لم يكن في السمر، ومنه السمرة في اللون (٦).

стр. 2654

والسمر في قول المبرد: مأخوذ من قولهم: لا أكلمه السّمر والقمر، أي: الليل والنهار (١). والسمير: الدهر، وابناه: الليل والنهار (٢). وقرئ: (سُمَّرًا) و (سُمّارًا) (٣)، وكل واحد منهما جمع سامر، وقد ذكرت آنفًا أن (سامرًا) يكون واحد وجمعًا. و﴿تَهْجُرُونَ﴾: في موضع الحال أيضًا إما من المنوي في ﴿سَامِرًا﴾، أو من ﴿بِهِ﴾ المذكورَين. وعند بعضهم: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿تَهْجُرُونَ﴾. وعند آخرين: ﴿سَامِرًا﴾ من صلة ﴿تَهْجُرُونَ﴾، أي: تهجرون به في السمر بالليل. وذَكَرْتُ هذه الأقوال ونبهت عليها لأجل الوقف ومعرفته على ﴿تَنْكِصُونَ﴾، أو ﴿بِهِ﴾، والوقف عندي على ﴿تَهْجُرُونَ﴾، وهو وقف كاف عند الجميع. وقرئ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بفتح التاء وضم الجيم (٤)، وفيه وجهان: أحدهما: من الهجر وهو الهذيان، يقال: هَجَرَ فلان يَهْجُر هَجْرًا، إذا هذى، أي: تهذون وتقولون ما لا تعلمون في المُنْزَل والمُنْزَل عليه، ﵊. والثاني: من الهجران وهو الترك، يقال: هجر فلانٌ فلانًا يهجره هجرًا، إذا تركه مُعْرِضًا عنه، أي: تتركون الحق معرضين عنه.

стр. 2655

وقرئ: (تُهْجِرون) بضم التاء وكسر الجيم (١)، من الإهجار وهو الإفحاش في المنطق، يقال: أهجر في منطقه، إذا أفحش وأتى بالهُجْر، وهو الفحش، وفي الحديث في زيارة القبور: "زوروها ولا تقولوا هُجْرًا" (٢) أي: فحشًا وما لا خير فيه من الكلام. وقرئ: (تُهَجِّرُونَ) بضم التاء وكسر الجيم مشددة (٣)، مِن يُهَجِّر الذي هو مبالغة في هجر، أي: تكثرون من ذلك، وهو الهذيان والإعراض على ما شرح آنفًا، لأن فَعَّل بالتشديد موضوع في كلام القوم للتكثير. ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾: قوله : ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ الأصل: أفلم يتدبروا، فأدغمت التاء في الدال بعد قلبها دالًا. والتدبر: التأمل، والمراد بالقول عند الجمهور: القرآن، وسُمّي قولًا؛ لأنهم خوطبوا به. وقيل: ﴿الْقَوْلَ﴾ كلام رسول الله ﷺ .

стр. 2656

وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ﴾ قرئ: (خَرَاجًا فَخَرَاجُ) بالألف فيهما، و (خَرْجًا فَخَرْجُ) بغير الألف فيهما، و (خَرْجًا فَخَرَاج) بغير الألف في الأول وبالألف في الثاني (١). واختلف فيهما، فقيل: هما بمعنىً، وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك، وإلى كل عامل من أجرته وجَعْله. وقيل: الخرج: الأجرة، والخراج: ما يضرب على الأرضين. وقيل: الخرج أخص من الخراج، تقول: أدِّ خرج رأسك وخراج مدينتك، وزيادة اللفظ لزيادة المعنى عند قوم (٢). ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾: قوله : ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ الاستكانة: الذلة والخضوع، وفيه وجهان: أحدهما: هو استفعل من الكون، أي: انتقل من كون إلى كون، قيل: استحال، إذا انتقل من حال إلى حال، وأصله: استكونوا، ثم أعل.

стр. 2657

والثاني: هو افتعل من السكون، وأصله: استكنوا، وأشبعت فتحة عينه التي هي الكاف فتولدت منها الألف، وله نظائر في كلام القوم، نحو: ٤٦٩ - . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . بمنتزاح (١) وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (ما) صلة. و ﴿قَلِيلًا﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: تشكرون شكرًا قليلًا. ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾: قوله : ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾. ﴿لِلَّهِ﴾. ﴿لِلَّهِ﴾. قرئ الأول باللام ليس إلا وهو الوجه والقياس، لأنه جواب ما فيه اللام وهو قوله: ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ﴾ كقولك: لمن الدار؟ فالجواب: لزيد، ليكون مطابقًا للفظ والمعنى، وأما الآخران فقرئا بغير اللام حملًا على اللفظ، وباللام على المعنى (٢)، لأن قولك: مَن رب هذا الغلام؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، والجواب على اللفظ والمعنى أو على اللفظ وهو الجيد، ولو قرئ الأول بغير اللام لكان جائزًا حملًا على المعنى، ولكن القراءة سنة متبعة نقلها الخلف عن السلف لا يجوز فيها القياس. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا

стр. 2658

كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾: قوله : ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرئ: بالجر (١) على الوصف لاسم الله جل ذكره، وبالرفع (٢) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عالم الغيب. وقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ (إنْ) شرطية دخلت عليها (ما) المؤكدة فدخلت نون التأكيد في الفعل وهو ﴿تُرِيَنِّي﴾، فما والنون مؤكدتان، وقد مضى الكلام عليهما فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٣). ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ (ما) موصولة وهي مفعول ثان لـ ﴿تُرِيَنِّي﴾. ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ جواب الشرط وما بينهما اعتراض، و ﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿لَقَادِرُونَ﴾ ولا تمنع اللام من ذلك وقد ذكر (٤). ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾:

стр. 2659

قوله : ﴿مِنْ هَمَزَاتِ﴾ الهمزات: النزغات والنخسات، واحدها هَمْزة، وإنما حركت الميم في الجمع فرقًا بين الاسم والصفة. وقوله: ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ أي: من أن يحضرون. وقوله: ﴿ارْجِعُونِ﴾ خاطب ربه بلفظ الجمع على مذهب القوم، لأن الواحد العظيم منهم يخاطَب بخطاب الجمع تعظيمًا له (١). وعن ابن جريج (٢): أنه استغاث أولًا بالله ثم رجع إلى مسألة الملائكة أن يردوه إلى الدنيا (٣). وعلى [قياس] قول المازني: في قوله جل ذكره: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ (٤) أن معناه ألق ألق على تكرير اللفظ، يكون معنى ﴿ارْجِعُونِ﴾: أرجعنِ أرجعنِ (٥)، والمختار الوجه الأول لسلامته من الحذف والتقدير، وهو شائع في كلام القوم نظمهم ونثرهم، قال: ٤٧٠ - فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النَّسَاءَ سِوَاكُمُ ... . . . . . . . . . . (٦) وقال:

стр. 2660

٤٧١ - أَلا فَارْحَمُونِي يَا إله مُحَمَّدِ ... . . . . . . . . . . (١) وكفاك دليلًا: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢). ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ (٣). ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ (٤). وقوله: ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر عن طلب الرجعة. ﴿إِنَّهَا﴾ أي: إن مسألة الرجعة إلى الدنيا كلمة هو قائلها يقولها ولا فائدة له، لأنه لا يرجع إليها. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾: قوله : ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ العامل في الظرفين الاستقرار. وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ابتداء وخبر. وقوله: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يحتمل أوجهًا: أن يكون خبرًا بعد خبر لـ ﴿أُولَئِكَ﴾، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم في جهنم خالدون، وأن يكون خبرًا لـ ﴿أُولَئِكَ﴾ على أن تجعل ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ صفة لـ ﴿أُولَئِكَ﴾، و ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ من صلة ﴿خَالِدُونَ﴾ على الأوجه.

стр. 2661

الزمخشري: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدل من ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأن الصلة لا محل لها. انتهى كلامه (١). وقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ اللفح: الإحراق، يقال: لفحته النار والسموم، إذا أحرقته، والكلوح: تقلص الشفتين عن الأسنان وتشمرهما عنها كالرؤوس المشوية (٢). ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾: قوله : ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قرئ: بكسر الشين من غير ألف، (وشَقاوتنا) بفتحها مع الألف (٣)، وهما لغتان بمعنى، مصدران، فالشقوة كالفطنة، والشقاوة كالسعادة، وهي المَضَرَّةُ اللاحقةُ في العاقبة، كما أن السعادة هي المنفعة اللاحقة في العاقبة، قاله الرماني، والمعنى: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا في اللوح المحفوظ، وهي الضلالة التي هي سبب الشقاء. ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾: قوله : ﴿قَالَ اخْسَئُوا﴾ الخسوء: الإبعاد، يقال: خسأت

стр. 2662

الكلب، وخسأ الكلب بنفسه. وقوله: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ﴾ الجمهور على كسر الهمزة على الاستئناف، وقرئ: (أنه) بفتحها (١)، أي: (لأنه). وقوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قرئ: بضم السين وكسرها (٢) وكلاهما مصدر سَخِرَ كالسُّخْرِ والسِّخْرِ، تقول منه: سخرت منه وبه أسخر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر سُخْرًا وسِخْرًا وسِخْرِيًا وسُخْرِيًا وسخرية، إذا هزئت به، غير أن ياء النسب زيادة قوة في الفعل، كما قيل: الخصوصية في الخصوص، والدليل على أن المراد بهما الهزء قوله جل ذكره: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾، والضحك بالسخر والهزء أشبه، وهذا مذهب صاحب الكتاب وشيخه الخليل رحمهما الله، وهو أنهما لغتان بمعنى (٣). وقال غيرهما: إن المكسور من الهزء، والمضموم من الإذلال والتسخير، أي: سَخَّروهم واستعبدوهم (٤). وقال محمد بن يزيد أيضًا: هما لغتان ككُرسي وكِرسي، وبُخْتِي وبِخْتِي، وأُسوة وإِسوة، وإنما تؤخذ التفرقة عن العرب، فأما بالتأويل فلا، هذا معنى كلامه (٥)، وهو مفعول ثان، أعني ﴿سِخْرِيًّا﴾.

стр. 2663

وقوله: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (جزى) فعل [ماض] يتعدى إلى مفعولين، تقول: جزيت فلانًا بما صنع كذا، وكفاك دليلًا ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (١)، فعداه إلى مفعولين كما ترى، فإذا فهم هذا، فقرئ: (إِنهم) بالكسر (٢) على الاستئناف والمفعول الثاني محذوف، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الجنة، ثم ابتدأ مادحًا لهم فقال: (إنهم هم الفائزون) أي: فازوا بها حيث صبروا. وقرئ: (أَنهم) بالفتح (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: هو المفعول الثاني، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز، وفاز فلان، إذا نال ما أراد. والثاني: على تقدير الجار والمفعول الثاني محذوف، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الجنة لأنهم هم الفائزون، أو بأنهم، أي: جزيتهم بالفوز فيكون هو المفعول الثاني، ولا حذف على هذا. ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾: قوله : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُم﴾ قرئ: (قال كم) و (قال إن لبثتم) بالألف فيهما (٤) على الخبر، والمنوي فيهما لله جل ذكره، والمأمور بسؤالهم من الملائكة، ولفظهما ماض ومعناهما المستقبل، والقول في ذلك كالقول في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٥). وقرئ: (قل). (قل) على لفظ

стр. 2664

الأمر (١)، والمستكن فيهما للمأمور بسؤالهم من الملائكة، أو لبعض رؤساء أهل النار، والتقدير: قل لهم قولوا كم لبثتم. وموضع ﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾ والمفسر محذوف، أي: كم سنة لبثتم؟ و ﴿عَدَدَ﴾ بدل من ﴿كَمْ﴾، ولك أن تجعل ﴿عَدَدَ﴾ هو المفسر (٢). وقرئ: (عددًا) بالتنوين (٣)، و ﴿سِنِينَ﴾ على هذه بدل منه. وقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الجمهور على تشديد الدال وتخفيف الياء من العدّ والحصر، وقرئ: (العادِين) بالتخفيف (٤)، وذلك يحتمل وجهين: أن يكون جمع عاديّ، من قولهم: بئر عاديّة، إذا كانت قديمة، والأصل العاديين فحذفت إحدى ياءي النسب كراهة التضعيف، والأخرى لالتقاء الساكنين، كما فعل بالأشعرين والأعجمين، والمعنى: فاسأل القدماء المعمرين فإنهم يستقصرونها فكيف بمن دونهم؟ وأن يكون جمع عادٍ كقاضٍ، على معنى: فاسأل الظَّلَمةَ فإنهم يقولون كما تقول. وقرئ أيضًا: (العاديين) بتشديد الياء (٥) على الأصل على ما شرح آنفًا. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: وقتًا، أو زمنًا، أو لَبْثًا قليلًا.

стр. 2665

وقوله: ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (أَنَّ) في موضع رفع، لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل، أو ما يرتفع بفعل، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لو ثبت أنكم تعلمون مقدار لبثكم من القول، لما أجبتم بهذه المدة. وقيل التقدير: لو أنكم كنتم تعلمون هذا لما اشتغلتم بالمعاصي. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾: قوله : ﴿عَبَثًا﴾ مصدر في موضع الحال من الكاف والميم، أي: عابثين، كقوله: ﴿لَاعِبِينَ﴾ (١)، أو مفعول له، والمعنى: ما خلقتكم للعبث، فحذف الجار ونصب. [والعبث]: المزاح وفعل ما لا حقيقة له. وقوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: عطف على ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، فيكون في موضع نصب. والثاني: عطف على ﴿عَبَثًا﴾ على الوجه الثاني، أي: للعبث ولترككم غير مرجوعين، فيكون في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ﴾ (هو) في موضع رفع على البدل من موضع ﴿لَا إِلَهَ﴾، وقد مضى الكلام على نحو هذا في "البقرة" عند قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ بأشبع من هذا (٢). والجمهور على جر ﴿الْكَرِيمِ﴾ على أنه نعت للعرش، وقرئ بالرفع (٣) على النعت (للرب).
следующие страницы →