الزمخشري: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدل من ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأن الصلة لا محل لها. انتهى كلامه (١).
وقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ اللفح: الإحراق، يقال: لفحته النار والسموم، إذا أحرقته، والكلوح: تقلص الشفتين عن الأسنان وتشمرهما عنها كالرؤوس المشوية (٢).
﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾:
قوله : ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قرئ: بكسر الشين من غير ألف، (وشَقاوتنا) بفتحها مع الألف (٣)، وهما لغتان بمعنى، مصدران، فالشقوة كالفطنة، والشقاوة كالسعادة، وهي المَضَرَّةُ اللاحقةُ في العاقبة، كما أن السعادة هي المنفعة اللاحقة في العاقبة، قاله الرماني، والمعنى: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا في اللوح المحفوظ، وهي الضلالة التي هي سبب الشقاء.
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾:
قوله : ﴿قَالَ اخْسَئُوا﴾ الخسوء: الإبعاد، يقال: خسأت
стр. 2662
الكلب، وخسأ الكلب بنفسه.
وقوله: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ﴾ الجمهور على كسر الهمزة على الاستئناف، وقرئ: (أنه) بفتحها (١)، أي: (لأنه).
وقوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قرئ: بضم السين وكسرها (٢) وكلاهما مصدر سَخِرَ كالسُّخْرِ والسِّخْرِ، تقول منه: سخرت منه وبه أسخر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر سُخْرًا وسِخْرًا وسِخْرِيًا وسُخْرِيًا وسخرية، إذا هزئت به، غير أن ياء النسب زيادة قوة في الفعل، كما قيل: الخصوصية في الخصوص، والدليل على أن المراد بهما الهزء قوله جل ذكره: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾، والضحك بالسخر والهزء أشبه، وهذا مذهب صاحب الكتاب وشيخه الخليل رحمهما الله، وهو أنهما لغتان بمعنى (٣).
وقال غيرهما: إن المكسور من الهزء، والمضموم من الإذلال والتسخير، أي: سَخَّروهم واستعبدوهم (٤).
وقال محمد بن يزيد أيضًا: هما لغتان ككُرسي وكِرسي، وبُخْتِي وبِخْتِي، وأُسوة وإِسوة، وإنما تؤخذ التفرقة عن العرب، فأما بالتأويل فلا، هذا معنى كلامه (٥)، وهو مفعول ثان، أعني ﴿سِخْرِيًّا﴾.
стр. 2663
وقوله: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (جزى) فعل [ماض] يتعدى إلى مفعولين، تقول: جزيت فلانًا بما صنع كذا، وكفاك دليلًا ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (١)، فعداه إلى مفعولين كما ترى، فإذا فهم هذا، فقرئ: (إِنهم) بالكسر (٢) على الاستئناف والمفعول الثاني محذوف، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الجنة، ثم ابتدأ مادحًا لهم فقال: (إنهم هم الفائزون) أي: فازوا بها حيث صبروا.
وقرئ: (أَنهم) بالفتح (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما: هو المفعول الثاني، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز، وفاز فلان، إذا نال ما أراد.
والثاني: على تقدير الجار والمفعول الثاني محذوف، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الجنة لأنهم هم الفائزون، أو بأنهم، أي: جزيتهم بالفوز فيكون هو المفعول الثاني، ولا حذف على هذا.
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾:
قوله : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُم﴾ قرئ: (قال كم) و (قال إن لبثتم) بالألف فيهما (٤) على الخبر، والمنوي فيهما لله جل ذكره، والمأمور بسؤالهم من الملائكة، ولفظهما ماض ومعناهما المستقبل، والقول في ذلك كالقول في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٥). وقرئ: (قل). (قل) على لفظ
стр. 2664
الأمر (١)، والمستكن فيهما للمأمور بسؤالهم من الملائكة، أو لبعض رؤساء أهل النار، والتقدير: قل لهم قولوا كم لبثتم.
وموضع ﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾ والمفسر محذوف، أي: كم سنة لبثتم؟ و ﴿عَدَدَ﴾ بدل من ﴿كَمْ﴾، ولك أن تجعل ﴿عَدَدَ﴾ هو المفسر (٢).
وقرئ: (عددًا) بالتنوين (٣)، و ﴿سِنِينَ﴾ على هذه بدل منه.
وقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الجمهور على تشديد الدال وتخفيف الياء من العدّ والحصر، وقرئ: (العادِين) بالتخفيف (٤)، وذلك يحتمل وجهين: أن يكون جمع عاديّ، من قولهم: بئر عاديّة، إذا كانت قديمة، والأصل العاديين فحذفت إحدى ياءي النسب كراهة التضعيف، والأخرى لالتقاء الساكنين، كما فعل بالأشعرين والأعجمين، والمعنى: فاسأل القدماء المعمرين فإنهم يستقصرونها فكيف بمن دونهم؟ وأن يكون جمع عادٍ كقاضٍ، على معنى: فاسأل الظَّلَمةَ فإنهم يقولون كما تقول.
وقرئ أيضًا: (العاديين) بتشديد الياء (٥) على الأصل على ما شرح آنفًا.
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: وقتًا، أو زمنًا، أو لَبْثًا قليلًا.
стр. 2665
وقوله: ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (أَنَّ) في موضع رفع، لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل، أو ما يرتفع بفعل، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لو ثبت أنكم تعلمون مقدار لبثكم من القول، لما أجبتم بهذه المدة. وقيل التقدير: لو أنكم كنتم تعلمون هذا لما اشتغلتم بالمعاصي.
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾:
قوله : ﴿عَبَثًا﴾ مصدر في موضع الحال من الكاف والميم، أي: عابثين، كقوله: ﴿لَاعِبِينَ﴾ (١)، أو مفعول له، والمعنى: ما خلقتكم للعبث، فحذف الجار ونصب. [والعبث]: المزاح وفعل ما لا حقيقة له.
وقوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: عطف على ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، فيكون في موضع نصب. والثاني: عطف على ﴿عَبَثًا﴾ على الوجه الثاني، أي: للعبث ولترككم غير مرجوعين، فيكون في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ﴾ (هو) في موضع رفع على البدل من موضع ﴿لَا إِلَهَ﴾، وقد مضى الكلام على نحو هذا في "البقرة" عند قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ بأشبع من هذا (٢).
والجمهور على جر ﴿الْكَرِيمِ﴾ على أنه نعت للعرش، وقرئ بالرفع (٣) على النعت (للرب).
стр. 2666
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾:
قوله : ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ في موضع النصب على النعت لإله، قيل: وهي صفة لازمة للإله [الذي] يعبد مع الله، لأنه يستحيل أن يكون عليه برهان، فمن حقيقته أنه لا برهان عليه، فهو من الصفات التي لا تنفك عنها، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون اعتراضًا بين الشرط والجزاء، انتهى كلامه (١).
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ جواب الشرط ليس إلا، ومن زعم أن الجواب هو ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾ فهو بمعزل من المعرفة، عارٍ عن العربية، جاهل بكلام العرب، مفتر على الله، لا يحل الأخذ عنه ولا القراءة عليه ما دام مصرًا عليه (٢).
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ الجمهور على كسر الهمزة على الاستئناف، وقرئ: (أنه) بفتحها (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما: تقديره: حسابه بأنه، فحسابه مبتدأ والظرف خبره، (وبأنه) من صلة الخبر.
والثاني: (أنه) هو الخبر، والأصل: حسابه أنه لا يفلح هو، فوضع ﴿الْكَافِرُونَ﴾ موضع الضمير لأن (مَن يَدعُ) في معنى الجمع، وكذلك (حسابه
стр. 2667
أنه لا يفلح) في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري ﵀ (١). والمعنى: الذي له عند ربه أنه لا يفلح، أي: يجازى بعد الفلاح. والله تعالى أعلم بكتابه [وأحكم] (٢).
هذا آخر إعراب سورة المؤمنين
والحمد لله وحده
стр. 2668
إعراب سُورَةُ النُّورِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾:
قوله : ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ الجمهور على رفع ﴿سُورَةٌ﴾ وفيه وجهان:
أحدهما: خبر مبتدأ محذوف و ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة لسورة، أي: هذه سورة منزلة.
والثاني: مبتدأ والخبر محذوف، وإنما جاز الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة، أي: فيما يتلى عليك أو فيما أوحينا إليك سورة منزلة.
وقرئ: (سورةً) بالنصب (١) على إضمار فعل إما من لفظ هذا الظاهر، أو [من] غير لفظه، فإن كان من لفظه فالتقدير: أنزلنا سورة أنزلناها، كقولك: زيدًا ضربته، ولا محل لـ ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ على هذا، لأنها مفسرة لما لا محل له، فكانت في حكمه. وإن كان من غير لفظه فالتقدير: اتل سورة أو نحوه، ودونك سورة أو نحوه، و ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ على هذا في موضع نصب لكونها صفة لقوله: (سورةً).
стр. 2669
وقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا﴾ عطف على ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، وحكمهما في المحل وعدمه حكمها. وقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قرئ: بالتشديد (١) على إبانة الكثير، لكثرة ما فيها من الفرائض والأحكام، أو للمبالغة في إيجاب ذلك وتوكيده.
وبالتخفيف (٢)، وهو أصل الفعل يصلح للقليل والكثير، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وفرضنا فرائضها وأحكامها التي فيها، لا بد لك من هذا التقدير، لأن السورة عينها لم تفرض، إنما فرض ما فيها من الشرائع والأحكام، وأصل الفرض: الحزّ والقطع، أي: جعلناها واجبة مقطوعًا بها.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾:
قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الجمهور على رفعهما، ورفعهما بالابتداء، وفي الخبر وجهان:
أحدهما: - وهو قول صاحب الكتاب وشيخه الخليل رحمهما الله -: محذوف تقديره: فيما فرض عليكم في هذه السورة، أو بما بين حكمه فيها الزانية والزاني، وقوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ على هذا مستأنف (٣).
والثاني: ﴿فَاجْلِدُوا﴾، وفي الفاء وجهان، أحدهما: صلة، كقولك:
стр. 2670
زيد فاضربه، أي: اضربه. والثاني: ليست بصلة، وإنما دخلت لكون الألف واللام بمعنى (الذي)، والفاء تدخل في خبر (الذي) لتضمينه معنى الشرط، كأنه قيل: التي زنت والذي زنى فاجلدوهما.
وقرئ: (الزَّانيةَ والزاني) بالنصب (١) على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر وهو (فاجلدوا).
قيل: وإنما قدمت الزانية على الزاني، لأن شهوتها أغلب، وحرصها على الفعل أكثر من حرص المذكر، فكانت البداية بذكرها أهمّ، وهو مذهب القوم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أَعْنَى، وله نظائر في كلامهم لا يليق ذكرها هنا، والجَلْدُ: الضرب على الجِلد، يقال: جلده، إذا ضرب جلده، كما تقول: رَأَسَهُ وجَنَبَهُ، إذا ضرب رأْسه وجَنْبه.
وانتصاب قوله: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ على المصدر، لكونها مضافة إليه، ومثلها ﴿ثَمَانِينَ﴾ (٢) لكون المميز مصدرًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ الباء من صلة قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ﴾ لا من صلة ﴿رَأْفَةٌ﴾، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، وكذا ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ من صلته أيضًا.
وقرئ: (رأفة) بسكون الهمزة، وقلبها ألفًا، وفتحها مع إتيان ألف بعدها (٣)، وكُلٌّ عربي بمعنى، وهي الرحمة. نهى جل ذكره عن رحمتهما،
стр. 2671
لأن رحمتهما قد تؤدي إلى تضييع الحد وترك إقامته عليهما.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الرفع بالابتداء، أو النصب على إضمار فعل دل عليه ﴿فَاجْلِدُوا﴾، أي: اجلدوا الذين يرمون المحصنات، وخبر الابتداء على ما ذُكر وقُدر في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (١).
وقوله: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الجمهور على الإضافة، لأن الشهداء وإن كان صفة في الأصل فقد استعمل استعمال الاسم الصريح في الكلام، فجرى مجراه [فأضيف] إليه، وقرئ: (بأربعةٍ شهداءَ) بالتنوين (٢)، على جعل الشهداء صفة لأربعة، لأن أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف إلا على حد إقامة الصفة مقام الموصوف، فكأنه جعله وصفًا لأربعة، لذلك أُوَّل إما على اللفظ وإما على المحل، على تضمين الإتيان معنى الإحضار، كأنه قيل: لم يحضروا أربعة شهداء.
وقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ أي: فاجلدوا كل واحد منهم، ثم حذف للعلم به.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ محل الجملة النصب على الحال من الضمير في ﴿لَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الجر على البدل من الضمير
стр. 2672
المجرور باللام في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾، أو النصب على أصل الباب، كقولك: ما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ، بالجر على البدل من أحد، وإلا زيدًا بالنصب على الاستثناء على أصل الباب، هذا هو الوجه وعليه يُبْنَى مذهبُ مَن قَبِلَ شهادة القاذف بعد التوبة والرجوع عن القذف، وهو مذهب أكثر الفقهاء واختيار الإمام الشافعي رضوان الله عليه (١).
قال أبو إسحاق: فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله: ﴿أَبَدًا﴾؟ فالجواب: أنّ أَبَدَ كُلِّ إنسانٍ مقدار [مدته فيما يتصل بقضيته، فإذا زال عند] ذلك، فقد زال أبده (٢).
فالأبد عند الشافعي ﵁ وموافقية مصروف إلى مدة كونه قاذفًا، وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف، وكفاهم دليلًا قول عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لأبي بكرة: "إن تُبْتَ قبلتُ شهادتك" (٣).
وذهب قوم: إلى أن الاستثناء من الفسق فقط، هو مذهب مَن لم يجوز شهادة القاذف بعد التوبة.
وذهب آخرون: إلى أن الاستثناء من الجملتين المنفي والموجب.
وقيل: لا تعلق لما بعد ﴿إِلَّا﴾ بما قبلها، بل هو متصل بما بعده، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ وخبره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي رحيم لهم، فحذف الراجع منه للعلم به (٤).
стр. 2673
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾:
قوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (شهداءُ) اسم كان و ﴿لَهُمْ﴾ الخبر، و ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ بدل من ﴿شُهَدَاءُ﴾، ويجوز في الكلام نصب ﴿شُهَدَاءُ﴾ على خبر كان و ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ اسمها، ونصب ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ على خبر كان أو على الاستثناء.
وقرئ: (ولم تكن) بالتاء النقط من فوقه (١)، لأن الشهداء جماعة كالأعراب في قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ (٢) أو لأنهم في معنى الأنفس التي هي بدل منهم.
وقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الشهادة مصدر شهد يشهد، وهو مضاف إلى الفاعل، وفي رفعه وجهان، أحدهما: مبتدأ والخبر محذوف، أي: فعليهم شهادة أحدهم. والثاني: خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب شهادة أحدهم، أي: أن يشهد أحدهم أربع مرات.
وانتصاب قوله: (أَرْبَعَ) (٣) على المصدر لكونه في حكم المصدر بإضافته إليه، والعامل فيه المصدر الذي هو ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، و ﴿بِاللَّهِ﴾ من صلة ﴿شَهَادَاتٍ﴾ أو من صلة ﴿فَشَهَادَةُ﴾ على تقدير إعمال الثاني أو الأول على المذهبين، فإن جعل من صلة الثاني - وهو مذهب أهل البصرة للقرب - حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والتقدير: فشهادة أحدهم بالله أربع شهادات بالله.
стр. 2674
قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في موضع نصب مفعول به لشهادات، أو لقوله: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ على المذهبين، ولم يفتح ﴿إِنَّهُ﴾ لأجل اللام التي في الخبر، وجاز ذلك في الشهادة لأنها بمعنى العلم، هذا على قول من نصب (أربع)، وأما من رفعه فعلى أنه خبر المبتدأ الذي هو، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ كقولك: صلاة الظهر أربع ركعات. و ﴿بِاللَّهِ﴾ و ﴿إِنَّهُ﴾ من صلة ﴿شَهَادَاتٍ﴾ ليس إلا، ولم يبق للمصدر الذي هو ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ عمل فيهما؛ لئلا يفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو ﴿أَرْبَعُ﴾ (١).
وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ اتفق القراء على رفع هذه الخامسة، ورفعها من جهتين: إما بالابتداء والخبر ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وإما بالعطف على ﴿أَرْبَعُ﴾ على قول من رفع.
ويجوز نصبها في الكلام، ونصبها من جهتين أيضًا: إما بالعطف على أربع على قراءة من نصب، أو بإضمار فعل يدل عليه ما قبله، أي: ويشهد الخامسة [أن لعنة الله عليه.
وقرئ: (أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ) بتشديد (أنَّ) ونصب ما بعدها] (٢) وهو الأصل، وبتخفيفها ورفع ما بعدها (٣)، على أنها مخففة من الثقيلة واسمها محذوف وهو ضمير الشأن أو الأمر، و ﴿عَلَيْهِ﴾ في موضع رفع على كلتا القرائتين إلا أن العامل مختلف فاعرفه.
﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾:
قوله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
стр. 2675
الْكَاذِبِينَ﴾ محل ﴿أَنْ تَشْهَدَ﴾ الرفع بـ (يدرؤا) على الفاعلية، أي: ويدفع عنها الحد شهادتها أربع مرات، و ﴿بِاللَّهِ﴾ و ﴿إِنَّهُ﴾ معمولا ﴿أَنْ تَشْهَدَ﴾ أو ﴿شَهَادَاتٍ﴾ على ما ذكر قبيل.
وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قرئ: (والخامسةُ) بالرفع، ورفعها بالابتداء وخبره ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾، وبالنصب (١)، ونصبها من جهتين: إما بالعطف على ﴿أَرْبَعَ﴾ في قوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾، أو بإضمار فعل على معنى: وتشهد الشهادة الخامسة بأن غضب الله عليها.
وقرئ: (أنَّ) بالتشديد ونصب ما بعدها، و (أنْ) بالتخفيف، على أنها مخففة من الثقيلة واسمها محذوف وهو ضمير الشأن والأمر على ما شرح وقدر آنفًا، و (غَضِبَ اللهُ) (٢) على أنه فعل ماض ومعناه الدعاء، كقوله: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ﴾ (٣)، ولذلك جاز وقوعه بعد (أن) الخفيفة من غير أن يفصل بينهما بشيء من الأحرف الأربعة المشهورة وهي: قد، والسين، وسوف، وحرف النفي، نحو: علمت أن قد قام زيد، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٤)، ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٥). وقرئ أيضًا: (أَنْ غَضَبُ اللهِ) بتخفيف (أن) ورفع ما بعدها (٦)، ووجهها ظاهر، ولا يجوز أن تكون (أن) على قراءة من قرأ (غَضِبَ) وهو نافع (٧) الناصبة للفعل، لأنها قد وقعت بعد الشهادة، وهي
стр. 2676
- أي الشهادة - بمنزلة العلم، وأَنْ الناصبة لا تقع بعد العلم، ولا يجوز أن تكون المفسرة بمعنى (أي) كالتي في قوله : ﴿أَنِ امْشُوا﴾ (١) لأن تلك إنما تأتي بعد كلام تام، وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ ليس بكلام تام، ولا يجوز أن تكون مزيدة، لأن المعنى: والخامسة أن الشأن أو الأمر كيت وكيت، تعضده قراءة من قرأ: (أَنْ غَضَبُ اللهِ) وهو يعقوب (٢).
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ جواب (لَوْلَا) محذوف، أي: لنال الكاذب منكم عذاب عظيم، ولعجلكم بالعقوبة أو نحو ذلك، وحذفه أبلغ من الإتيان به، والفضل: التفضل. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ عطف على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أي: ولولا فضل الله وكون الله توابًا حكيمًا لكان كيت وكيت.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (عصبة) خبر ﴿إِنَّ﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع الصفة لها، والفائدة منوطة بالصفة، والإفْكُ أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وأصله الانقلاب، ومنه "المؤتفكات" (٣) يقال: أَفِكَ الشيءَ يَأْفِكُهُ أفْكًا، إذا قلبه وصرفه عن وجهه، وسمى الكذب إفكا، لأنه قول مأفوك عن وجهه.
والعصبة من الرجال: ما بين العشرة إلى الأربعين يتعصبون، أي: يتشددون ويجتمعون، واعصوصبوا، أي: اجتمعوا.
стр. 2677
وقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ الضمير الذي هو المفعول الأول ضمير الإفك وما قالوه من السوء.
وقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ (ما) موصولة في موضع رفع بالابتداء، والخبر ما قبلها.
وقوله: ﴿كِبْرَهُ﴾ قرئ: بكسر الكاف وضمها (١)، لغتان بمعنى، أي: عُظْمهُ (٢).
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾:
قوله : ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: هلَّا إذ سمعتموه، ومثله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا﴾. و ﴿إِذْ﴾ ظرف للظن.
وقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ (إذ) معمول ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أو ﴿أَفَضْتُمْ﴾. والجمهور على فتح التاء واللام، والقاف مشددة، من تَلَقَّى القول، إذا أخذه عن غيره، أي: يأخذه بعض عن بعض. وقرئ: (تَلِقُونَهُ) بفتح التاء وكسر اللام
стр. 2678
وضم القاف مع التخفيف (١)، من الوَلِق وهو الاستمرار في السير والكذب مع الإسراع، يقال: وَلَقَ يِلِقُ وَلْقًا، إذا أسرع في أمر، قال:
٤٧٢ - * جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقْ (٢) *
أي: تسرع، والمعنى: تسرعون فيه، وتَخِفُّون إليه، والأصل: تَلقون فيه، أو إليه، فلما حذف الجار وصل الفعل إلى المفعول.
وقرئ أيضًا: (تُلْقُونَهُ) بضم التاء وإسكان اللام وضم القاف (٣)، من ألقيت الشيء، إذا طرحته، على معنى: تلقونه من أفوهكم، يقال: أَلْقِهِ من يدك، وألق به من يدك، بمعنى.
وقرئ أيضًا: (تَقَفَّوْنَهُ) بفتح التاء والقاف مع فاء مشددة مفتوحة (٤)، من تقفى الشيء واقتفاه، إذا اتبعه، وأصله: تتقفونه أي: تتبعونه، فحذفت إحدى التاءين كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة.
وقوله: ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ﴾ اسم يكون، والخبر ﴿لَنَا﴾.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ
стр. 2679
آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا﴾ مفعول له، أي: كراهة أن تعودوا، أو لئلا تعودوا. وقيل: التقدير: عن أن تعودوا، على تضمين ﴿يَعِظُكُمُ﴾ معنى يزجركم، أي: يزجركم عن العود (١).
وقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ (يأتل) مجزوم بلا، وعلامة الجزم حذف حرف الياء، وهو يفتعل من آلَى يُؤْلِي إيلاءً، وأَلِيَّةً، إذا حلف، يقال: ائتلى يَأْتِلى ائْتِلَاءً، وَتأَلَّى يتألى تَأليًا بمعنى، والمعنى: لا يحلف أولو الفضل منكم والسعة أن لا يؤتوا.
وقيل: معنى ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾: ولا يقصر، من قولهم: ما ألوت في كذا، أي: ما قصرت، أي: ولا يقصر المذكورون عن أن يؤتوا. والأول هو الوجه (٢)، تعضده قراءة من قرأ: (ولا يَتَأَلَّ) من الأَلِيَّةِ ليس إلا، وهو ابن القعقاع (٣).
стр. 2680
و ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، أي: والذين هاجروا في سبيل دينه.
وقرئ: (أن تؤتوا) بالتاء النقط من فوقه (١) على الالتفات، وشاهده: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ (يوم) ظرف لما تعلق به ﴿لَهُمْ﴾ وهو الاستقرار، لا لقوله: ﴿عَذَابٌ﴾ كما زعم بعضهم، لكونه قد وصف، أي: استقر لهم عذاب عظيم في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة، ولك أن تنصبه على إضمار اذكر. وقرئ: (يشهد) بالياء والتاء (٢) ووجه كلتيهما ظاهر مع ذكري نظائرهما فيما سلف من الكتاب في غير موطن.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (يومئذٍ) يجوز أن يكون بدلًا من ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾، وأن يكون معمول ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾. والجمهور على نصب قوله: ﴿الْحَقَّ﴾ وهو صفة للدِّين وهو الجزاء، وقرئ: بالرفع (٣) على أنه صفة ﴿اللَّهُ﴾ جل ذكره، والتقدير: (يوفيهم اللهُ الحقُّ دينهم)، قيل: وهكذا هو في مصحف أُبي ﵁ (٤).
زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (ما) موصولة في موضع نصب على الاستثناء، والمعنى: ما يظهره الناس في العادة الجارية كالوجه والكفين والقدمين.
وقوله: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ قرئ: بجر (غيرِ) (١) على أنه نعت لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾، وجاز وصفهم بـ ﴿غَيْرِ﴾، لأنهم غير مقصودين بأعيانهم فأشبهوا النكرة. وقيل: ﴿غَيْرِ﴾ هنا معرفة إذ التابعون ضربان: ذو إربة، وغير ذي إربة، وليس ثالث، فاختص لذلك فصار معرفةً. أو بدلٌ منهم (٢).
وقرئ: بالنصب (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما: منصوب على الاستثناء، على معنى: ومبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم، فإنهن لا يبدينها له.
والثاني: على الحال من المنوي في ﴿التَّابِعِينَ﴾، كأنه قيل: أو الذين يتبعونهم عاجزين عنهن، أو غير مريدين إياهن على ما فسر. والإربة: الحاجة.
وقوله: ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ في موضع الحال، أي: كائنين منهم.
وقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ المراد بالطفل هنا الجمع، بشهادة قوله: ﴿الَّذِينَ﴾، وإنما وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، وقد ذكر في "الحج" بأشبع من هذا (٤).
стр. 2683
وقوله: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: لم يقووا، من ظهر على الشيء، إذا قوي عليه، ومنه: ظهر فلان على القرآن، إذا علاه بالأخذ وأطاقه.
والثاني: لم يعرفوا، من ظهر على الشيء، إذا اطلع عليه، يعني: لم يعرفوا العورة من غيرها. و ﴿مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ في موضع الحال، أي: يخفينه كائنًا منها، ويجوز أن يكون من صلة ﴿يُخْفِينَ﴾. و ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير في ﴿وَتُوبُوا﴾.
وقوله: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرئ: بفتح الهاء في الوصل لوقوعها قبل الألف في التقدير، وإنما سقطت في الوصل من اللفظ لالتقاء الساكنين، وعليه بني الرسم، وقرئ: بضمها (١) إتباعًا للضمة التي قبلها، لأن الألف لما سقطت لالتقاء الساكنين، اتبعت حركة الهاء حركة ما قبلها، ومثلها: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ (٢) و ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ (٣).
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾:
стр. 2684
قوله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (الأيامى) أصلها (أيائم) لأن واحدها أَيِّمٌ، فقلبت فصارت أيامِي، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألفًا فصارت (أيامَى)، ومثلها (يتامى) وأصلها (يتائم)، لأن واحدها يتيم، فَفُعِل بها ما فُعِل بأيامى. وقيل: فَيْعِل شُبِّهَ بفعيل فجمع على فَعَالَى كأسير وأُسارَى، ويتيم ويتامى (١).
والأيم للرجل والمرأة، يقال: رجل أَيِّم، إذا لم تكن له زوج، وامرأة أيم، إذا لم يكن لها زوج، وآم الرجل، وآمت المرأة، وتَأَيَّمَ الرجل، وتأيمت المرأة، إذا لم يتزوجا: بِكرين كانا أو ثَيِّبَيْنِ (٢).
وقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: أسبابه، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الرفع بالابتداء وخبره ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، أو محذوف، أي: فيما يتلى عليكم الذين يبتغون الكتاب. أو النصب بفعل مضمر يفسره ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، أي: كاتبوا الذين يبتغون الكتاب، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط.
و﴿الْكِتَابَ﴾ مصدر كاتب فلان عَبْدَهُ وأَمَتَهُ كتابًا ومكاتبة، كعاتبه عتابًا ومعاتبة، فهو مكاتِب، والعبد مكاتَب، وسُمِّيَتْ مكاتبةً لاجتماع النجوم فيها، وأصل الكَتْبِ: الجمعُ، ومنه: كتبتُ البغلةَ، إذا جمعتَ بين شفريها بحلقة أو سَيرٍ، وتَكَتَّبَتِ الخيلُ: تجمعت.
وقوله: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ﴾ يجوز أن تكون (مِن) للتبعيض، وأن تكون للتبيين، وكذا (ما)، يجوز أن تكون مصدرية، أي: مِن ملك أيمانكم، وأن تكون موصولة، أي: مِن الذين ملكته أيمانكم.
وقوله: ﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾ جمع فتاة.
стр. 2685
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [غفور رحيم] كلاهما خبر (إنَّ)، ولك أن تجعل ﴿رَحِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿غَفُورٌ﴾، و (مِنْ) على الوجه الأول من صلة ﴿غَفُورٌ﴾، وإن شئت من صلة ﴿رَحِيمٌ﴾، وأما على الوجه الثاني فمن صلة ﴿غَفُورٌ﴾ ليس إلا، ولا يجوز أن تكون من صلة ﴿رَحِيمٌ﴾ لأن الصفة لا تتقدم على موصوفها، وقد ذكرتُ فيما سلف من الكتاب في أول سورة البقرة أن المعمول لا يقع إلا حيث يصح وقوع العامل، لأجل أن المعمول تابعٌ للعامل فلا يكون له تصرف لا يكون لعامله، وأوضحت ثَمَّ (١)، وأنت إذا جعلت ﴿رَحِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿غَفُورٌ﴾ لم يجز أن تقدمه عليه، لامتناع جواز تقديم الصفة على موصوفها إذا كانت حالَّة منه محل آخر أجزاء الكلمة من أولها، وفي الكلام حذف تقديره: لهن غفور رحيم، وكذا هي في قراءة ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير (٢)، وحكم هذه اللام فيما يتعلق به حكم (مِنْ) وقد أوضحت ذلك، فاعرفه.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: منورهما، أو ذو نورهما، وإنما احتيج إلى هذا التقدير، لأن النور مصدر.
وقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ ابتداء وخبر. والمشكاة عند أهل اللغة: الكوة في الجدار غير النافذة. و ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: في موضع الصفة لمشكاة،
стр. 2686
والمصباح: السراج. والزجاجة: القنديل.
﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾: الجمهور على ضم الزاي في ﴿زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾، وقرئ بفتح الزاي فيهما (١)، قال أبو الفتح: فيها ثلاث لغات: ضم الزاي، وفتحها، وكسرها، وكذا جَمْعُها زَجَاج وزُجَاج وزِجَاج بالضم والفتح والكسر (٢).
وقرئ: (دُرِّيّ) بضم الدال وتشديد الياء من غير همزةَ (٣)، وفيه وجهان: أحدهما منسوب إلى الدر، شُبِّهَ به لصفائه وفرط ضيائه. والثاني: أصله الهمزة، ففعل به ما فعل بالنسيء [والنبيء]، والكلام على معناه يأتي إن شاء الله تعالى.
وقرئ: بكسر الدال والهمز (٤) وهو فِعّيل من الدَّرْءِ، وهو الدفع، سمي بذلك لكونه يدفع الشياطين عن استراق السمع، والكوكب إذا رجم به الشياطين كان في تلك الحالة أكثر ضوءًا، أو لكونه يدفع الظلام بضوئه، ونظيره في الوزن: سِكِّيت وصِدِّيق.
وقرئ (دُرِّيء) بضم الدال والهمز (٥)، وهو فُعّيل من الدرء أيضًا، قال أبو علي: وقد حكَى سيبويه عن أبي الخطاب: كوكب دُرِّيءٌ في الصفات، ومن الأسماء: المُرِّيْقُ للعُصْفُر، ثم قال: ومما يمكن أن يكون على هذا البناء قولهم: العُلِّيّةُ، لأنه من علا يعلو، فهو فُعِّيل منه، انتهى كلامه (٦).
стр. 2687
وقرئ أيضًا: (دَرِّيءٌ) بفتح الدال وتشديد الراء مع الهمز (١)، قال أبو الفتح: هذا بناء عزيز، إنما حُكي منه السَّكِّينة بفتح السين وتشديد الكاف، حكاها أبو زيد، انتهى كلامه (٢).
وقوله: (تَوَقَّدَ) قرئ بفتح التاء والدال (٣)، وهو فعل ماض على تَفَعَّل.
وقرئ: (يُوقَدُ) بالياء مضمومة ورفع الدال (٤)، وهو مضارع أَوْقَدَ والمنوي فيها للمصباح.
وقرئ: (تُوقَدُ) بالتاء مضمومة ورفع الدال (٥)، وهو مضارع أوقدت، والفعل للزجاجة في اللفظ، وهو في الحقيقة للمصباح، والتقدير: مصباح الزجاجة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويحتمل أن يراد بالزجاجة القنديل، فأنث على لفظ (الزجاجة) والمراد القنديل، وعكسه ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ (٦) لأنه ذُكِّرَ على لفظ (مَنْ) والمراد التأنيث.
وقرئ أيضًا: (تَوَقَّدُ) بتاء مفتوحة وفتح الواو وتشديد [القاف وضم]
стр. 2688
الدال (١)، والأصل تتوقد، فحذف إحدى التاءين كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة.
وقرئ أيضًا كذلك إلا أنه بالياء النقط من تحته (٢)، وأصله يتوقد، فحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين في أول الفعل على تشبيه الياء بالتاء في تتوقد إذ كانا حرفي مضارعة، كما شبهت التاء والنون والهمزة في تعد، ونعد، وأعد، بالياء في يعد حيث حذفت الواو معهن كما حذفت معها، وهو مع ذلك غريب، لأن العرف في نحو هذا أن تحذف التاء إذا كان قبلها مثلها، نحو: تَذَكَّرون، وتَساءلون، وأما إذا اختلفا فلا، نحو: يتذكرون (٣). والمنوي فيه على الوجه الأول للزجاجة على ما أُوضح آنفًا، وعلى الثاني للمصباح وقد ذكر.
وقوله: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ أي: من زيت شجرة، بشهادة قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾، و ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل من ﴿شَجَرَةٍ﴾، لأن المراد بالشجرة المباركة: شجرة الزيتون، أو عطف بيان لها، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ صفة لـ ﴿شَجَرَةٍ﴾.
وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ محل الجملة الجر على أنها نعت لـ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾.
وقوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ الجمهور على التاء في قوله: ﴿تَمْسَسْهُ﴾، لأن النار مؤنثة، وقرئ بالياء (٤) إما لأن التأنيث غير حقيقي، أو للفصل.
стр. 2689
وقوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك أو هو نور. و ﴿عَلَى نُورٍ﴾: صفة لـ ﴿نُورٌ﴾، والمراد تضاعيف الأنوار وكثرتها، كقولهم: فلان يضع درهمًا على درهم، أي يجمع الدراهم.
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ فيما يتصل به ﴿فِي﴾ وجهان:
أحدهما: [متصل بما قبله، وفيما يتعلق به وجهان - أحدهما: ] (١) متعلق بـ (توقد) أي: توقد في مساجد أذن الله أن ترفع، أي: أمره بأن تبنى، كقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ (٢) أي: يبنيها. وقيل: غير ذلك. والثاني: متعلق بمحذوف على أنه نعت لمشكاة، أو لمصباح، أو لزجاجة، أي ثابتة، أو ثابت في بيوت من صفتها كيت وكيت.
والثاني: متصل بما بعده، وفيما يتعلق به وجهان - أحدهما: متعلق بقوله: ﴿يُسَبِّحُ﴾، أي: يسبح له رجال في بيوت، وفيها تكرير كرر للتأكيد، كقولك: في الدار زيد جالس فيها، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٣)، ويُسْتَوْفَى الكلام على هذا عند قوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ بأشبع ما يكون إن شاء الله (٤)، ولا يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿وَيُذْكَرَ﴾. لكونه معطوفًا على ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ داخلًا في صلة ﴿أَنْ﴾، وما
стр. 2690
كان في صلة (أن) لا يعمل فيما قبله. والثاني: متعلق بمحذوف، وفيه تقديران - أحدهما: صلوا وسبحوا في بيوت من صفتها كيت وكيت. والثاني: ثابتون أو مستقرون في بيوت، على أنه خبر مبتدأ، أو المبتدأ ﴿رِجَالٌ﴾، يعني على قراءة من فتح الباء (١) وهذا فيه ضعف لا بل ليس بشيء لما فيه من فك النظم وتغيير اللفظ مع ما فيه من مخالفة الجمهور.
وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ قرئ: بكسر الباء على البناء للفاعل وهو ﴿رِجَالٌ﴾، وبفتحها على البناء للمفعول (٢) والقائم مقام الفاعل أحد الظروف الثلاثة وهو له، أو فيها، أو بالغدو. واختلف في ارتفاع ﴿رِجَالٌ﴾ على هذه القراءة، فقيل: بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، كأنه قيل: من يسبح؟ فقيل: يسبح له رجال، ومثله بيت الكتاب:
٤٧٣ - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... . . . . . . . . . . . . (٣)
كأنه قيل: من يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع. وقيل: ﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ والخبر ﴿فِي بُيُوتٍ﴾، وقد ذكر. وقيل: ارتفاعهم بالظرف على مذهب أبي الحسن، أي: في بيوت، أو فيها رجال. وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: المسبحون رجال، والمختار الوجه الأول وعليه المحققون من أهل هذه الصناعة (٤).
وقرئ أيضًا: (تُسَبِّحُ) بالتاء النقط من فوقه وكسر الباء (٥) على تأنيث الجماعة كـ ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ (٦).
стр. 2691
وبالتاء وفتح الباء (١)، قيل: ووجها أن يسند إلى أوقات الغد والآصال على زيادة الباء، جعلت الأوقات مسبحة، والمراد ربها، كصِيْدَ عليه يومان، والمراد: وحشهما، ولهما نظائر في كلام القوم (٢).
والجمهور على فتح همزة (الآصَالِ)، وهو جمع أصيل، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٣)، وقرئ: (والإيصال) بكسرها (٤)، وهو الدخول في الأصل، أي: ووقت الإيصال، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المصدر مضاف إلى المفعول، أي: عن ذكرهم الله، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٥) أي: من دعائه الخير ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ أي: وعن إقامة الصلاة، فحذفت التاء، لأن المضاف إليه ينوب عنها، وقد ذكر في "الأنبياء" بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإعادة ها هنا (٦)، ومثله: وعدت عِدَةً، فالتاء عوض عن الواو المحذوفة من وعد، فإن أضفت أقمت المضاف إليه مقام حرف التعويض، كقوله:
٤٧٤ - إِنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا ... وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمْرِ الذِي وَعَدُوا (٧)
أراد عدة الأمر، فأسقط التاء.
стр. 2692
وقوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ أي: عقابه أو جزاءه، فحذف المضاف. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ﴾: في موضع الصفة لقوله: ﴿يَوْمًا﴾.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ يحتمل أن تكوم من صلة ﴿يُسَبِّحُ﴾، أي: يسبحونه ليجزيهم، وأن تكون من صلة ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾، وأن تكون من صلة ﴿يَخَافُونَ﴾. وقد جوز أن تكون من صلة ﴿تَتَقَلَّبُ﴾، وليس بشيء.
وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ (ما) مصدرية، أي: أحسن جزاء أعمالهم، أو موصولة، أي: أحسن جزاء الذي عملوه.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ و ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ مبتدأ ثان و ﴿كَسَرَابٍ﴾ خبره، والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
وقوله: ﴿بِقِيعَةٍ﴾ في موضع الصفة لسراب، أي: كسراب كائن أو مستقر بِقيعة، ويجوز أن تكون من صلة الاستقرار الذي يتعلق به الكاف الذي هو الخبر، هذا إذا جعلته حرفًا، وأما إذا جعلته اسمًا على معنى: أعمالهم مثل سراب، فلا.
والسراب: ما تراه نصف النهار حين يشتد الحر، كأنه ماء يجري. والقيعة والقاع في قول أبي عبيدة سواء (١)، وهو ما انبسط من الأرض ولم يكن فيه نبت. وقال الفراء: القيعة جمع قاع كجيرة وجار (٢)، ونيرة ونار.
والياء في (قيعة) بدل من واو لسكونها وانكسار ما قبلها، بشهادة قولهم: أَقْوُعٌ وأَقْوَاعٌ، في جمع قاع.
стр. 2693
وقرئ: (بقيعاة) بألف بعد العين وتاء مدورة (١)، وفيها وجهان، أحدهما: أن الألف ناشئة من فتحة العين حين أشبعت. والثاني: أنها مثل قولهم: رجل عِزْهٌ وعِزْهَاةُ، للذي لا يقرب النساء واللهو، فهذا فِعْل وفِعْلَاة بمعنى، وتلك فِعْلَةٌ وفِعْلاة بمعنى، ولا فرق بينهما غير تاء مدورة، وذه مما لا يُعبأ به.
وقرئ أيضًا: (بقيعات) بتاء ممدودة (٢)، وهي جمع قيعة كديمات وقيمات، في ديمة وقيمة.
وقوله: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ محل الجملة جر على أنها صفة لسراب، أي: يخال العطشان ذلك السراب ماء، وخص الظمآن [بالذكر] لشدة حاجته إلى الماء.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الضمير المستكن في ﴿جَاءَهُ﴾ للمضروب به المثل ﴿الظَّمْآنُ﴾، وفي البارز وجهان، أحدهما: لما حسب أنه ماء. والثاني: [المكان الذي] فيه السراب. فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿شَيْئًا﴾ على الوجه الأول: مفعول ثانٍ لقوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾، أي حتى إذا جاء إلى ما حسب أنه ماء لم يجده شيئًا مما حسبه. وعلى الثاني: منصوب على المصدر، أي حتى إذا جاء المكان الذي فيه السراب، لم يجد ذلك المكان الموصوف وجودًا، فـ ﴿شَيْئًا﴾ هنا واقع موقع وجودًا ووجدانًا، وكلاهما مصدر وَجَدَ الضالةَ وجودًا ووجدانًا، إذا أصابها، ونحوه قوله:
٤٧٥ - فعاديت شيئًا. . . . ... . . . . . . . . . . (٣)
стр. 2694
أي: تعاديت تعاديًا (١)، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢).
وقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: ووجد جزاء الله عنده، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أي: آتاه جزاء عمله وافيًا تامًا، وهذا تمام المِثْل. ثم مَثَّلَهُ بشيء آخر فقال جل ذكره:
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾: محل الكاف الرفع لكونها عطفًا على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، وقد ذكرت قبيل أن ﴿كَسَرَابٍ﴾ خبر المبتدأ الذي هو ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾، أو هي ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، فيحسن الوقف على هذا على ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، و ﴿أَوْ﴾ للتخيير، أو للإباحة على ما أوضحت في سورة البقرة عند قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ (٣).
واختُلِف في حذف المضاف، فقال قوم: في الكلام حذف مضاف تقديره: أو كأعمال ذي ظلمات، بشهادة قوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، لأنه لا بد لهذا الضمير الذي أضيفت إليه ﴿يَدَهُ﴾ من شيء يعود إليه، وليس هنا شيء يعود إليه سواه، فلهذا قدر حذف (ذي). وأما تقدير (أعمالهم) فَلِيَصِحّ تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمات، ومعنى صاحب ظلمات: أنه في ظلمات.
وقال آخرون: لا حذف فيه، وإنما شبه سبحانه أعمالهم بالظلمة؛
стр. 2695
لكونها تحول بين القلب وبين ما ينتفع به صاحبه، وأجابوا عن الضمير المذكور بأنه يعود إلى مضمر، أُضمر لدلالة المعنى عليه، والتقدير: إذا أخرج مَن فيها يده (١).
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ صفة للمضاف المحذوف على الوجه الأول، وللظلمات في الثاني. و ﴿لُجِّيٍّ﴾ صفة لـ ﴿بَحْرٍ﴾. واللجي: العميق الكثير الماء، منسوب إلى اللج، وهو معظم ماء البحر، يقال لُجُّ الماء ولُجَّتُهُ، أي: معظمه. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ صفة أخرى لبحر، والضمير لصاحب الظلمات أو للبحر، أي: يغطيه.
وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ صفة لموج، وارتفاع قوله: ﴿مَوْجٌ﴾ بالظرف على المذهبين؛ لكونه جرى وصفًا على الموصوف وهو موج الأول، يعني: فوق ذلك الموج موج آخر، وقيل: الموج الثاني: الريح.
وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ صفة لموج الثاني، و ﴿سَحَابٌ﴾ مرتفع بالظرف أيضًا على المذهبين لما ذكر آنفًا، أي: من فوق الموج الثاني سحاب قد غطى النجوم التي يُهتدى بها.
وقوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه أو هي ظلمات. وقرئ: (سحابُ ظلماتٍ) بالإضافة والجر (٢)، على وجه الكشف والبيان، كما تقول: سحاب رحمةٍ وسحاب مطرٍ، إذا ارتفع في وقت الرحمة والمطر.
стр. 2696
وقرئ: (سحابٌ ظلماتٍ) برفع (سحاب) وتنوينه وجر (ظلمات) (١) على البدل من الظلمات المتقدم ذكرها في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾، أو على وجه التكرير والتأكيد لها. و ﴿بَعْضُهَا﴾ مبتدأ، و ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾ الخبر، والجملة في موضع الصفة لظلمات رُفِعَتْ أو جُرَّتْ.
وقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ اختلفت النحاة في تأويل هذه الآية واضطربت أقاويلهم فيها، فمنهم من نفى الرؤية، ومنهم من أثبتها ولم يكشفوا عن حقيقة ذلك، وقد أوضح شيخنا الإمام العالم العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي (٢) ﵀ ورضي عنه معنى الآية إيضاحًا شافيًا، وبينها تبيينًا وافيًا بعد ذكر أقاويلهم فيها، وذكر ما قيل فيها، فقال ﵀: سألني سائل عن أقوال علماء العربية في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ وسأل إثبات أقوالهم، وما المختار منها؟ فقد أشكل علينا ما سمعناه عنهم فيها، وسألني أن أذكر ما عندي فيها مخالفًا كان أو موافقًا، فأجبته مستمدًا من الله سبحانه التوفيق والهداية، وهو بكرمه أكرم هادٍ وموفقٍ.
قال أبو العباس ثعلب، وأبو العباس المبرد: لم يرها ولم يكد، وحَكَيا ذلك قولًا للحسن البصري (٣).
وقال الفراء في كتابه المعاني: قال بعض المفسرين: لا يراها، وهو المعنى؛ لأن أقل من الظلمات التي وصفها [الله] لا يرى فيها الناظر كفه، وقال بعضهم: إنما هو مثل ضربه، كما تقول: ما كدت أبلغ إليك، وأنت قد بلغت، وهو وجه العربية، انتهى كلامه (٤).
стр. 2697
وقال أبو إسحاق الزجاج في كتابه المعاني: معناه لم يرها ولم يكد. وقال بعضهم: رآها من بعد أن كاد لا يراها من شدة الظلمة، والقول الأول أشبه بهذا المعنى، لأن في دون هذه الظلمة لا ترى الكف، انتهى كلامه (١).
وقال علي بن عيسى الرماني في كتابه الجامع في التفسير: يقال: لم قيل: لم يكد يراها وفي دون هذه الظلمة لا يراها؟ الجواب: أنَّ (كاد يراها): قارب أن يراها، و (لم يكد يراها): لم يقارب أن يراها، فهو نفي مقاربة الرؤية على الحقيقة. وقيل: يراها بعد جهد وشدة رؤية وتخيل لصورتها، قال: وقال الحسن البصري: لم يرها ولم يكد، انتهى كلامه.
وقال أبو علي الفارسي في كتابه التذكرة: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يقرب من رؤيتها، فإذا لم يقارب رؤيتها فهو من أن يراها أبعد، فهذا جاء على أصل الكلمة، وإن كانت اللغة قد جاء فيها لم أكد أفعل، معناه: فعلته بعد جهد أو تقاعد عنه، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) فهذا المعنى الذي دخل الكلمة لم يُزل عنها الأصل الذي لها، انتهى كلامه.
وقال أبو الفتح عثمان بن جني: قال أبو العباس - يعني المبرد -: لم يرها ولم يَكَدْ، اعلم أنك إذا قلت: كاد يراها، فالمعنى قارب رؤيتها ولم يرها، فالمقاربة مثبتة في اللفظ، والرؤية منفية في المعنى. فإن قلت: كاد لا يراها، فالمعنى: قارب ترك رؤيتها وقد رآها، فالمقاربة مثبتة على ما كانت عليه من الإثبات، لأنه لم يلحقها شيء ينفيها، والرؤية التي كانت منفية في المعنى مثبتة، لأنك نفيتها، ونفي النفي يوجبه، انتهى كلامه.
هذا نص كلام من ذكرت اسمه من علماء العربية وهم أكابر علمائها.
قال السائل: لِمَ أجمع العلماء على مناقضة أقوالهم في هاتين الآيتين
стр. 2698
فقالوا: في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يرها ولم يكد، وقالوا في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أنهم فعلوا، وكلا اللفظين نفي للماضي بلا خلاف بينهم، وذلك أنّ (لم) تنفي الماضي بلفظ الاستقبال، كما تنفيه (ما) بلفظ المضي، وإذا كان النفي بهما واحد، فالواجب أن يكون المعنى فيهما واحد، والمعروف عندهم في لغة العرب أن (كاد) إذا كانت بلفظ الماضي فهي في الإثبات نافية للفعل مقاربة لوقوعه، وهي في النفي مثبتة لوقوع الفعل لا غير، فالإثبات قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (١) فهذا مقاربة للفعل من غير وقوع، والنفي قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فهذا إيقاع للفعل.
قلت: الجواب وبالله التوفيق: أن (كاد) من أفعال المقاربة، وهي أشد من (عسى) مطالبة للفعل، وبحسب ذلك لزم أن يليها الفعل حتى كأنها ضرب من الحال، ووجب ألا يدخل على فعلها (أن)، ووجب لـ (عسى) ذلك لما فيها من التراخي، وقد شبهت كل واحدة منهما بالأخرى في الشعر خاصة، وذلك معلوم عند علماء العربية، واختصت (كاد) بحال لا تكون لغيرها في كلام العرب، وذلك أنها ما دامت للإثبات فماضيها ومستقبلها دال على المقاربة المستحقة لها بأصل الوضع، نحو: كاد يفعل، ويكاد يفعل، فإذا دخلها حرف النفي تغير معناها في الماضي وبقي مستقبلها على أصل استحقاقه، تقول: ما كدت أفعل، أي: قد فعلت إما بعد جهد وشدة، وإما بعد تقاعد وإبطاء، هذا حكمها ومعناها في المضي، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
فأما قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فإن العلماء المقتدى بأقوالهم ممن ذكرتُ نظروا إلى ما في الآية من المبالغة في ذكر الظلمات
стр. 2699
المضاعفة، وأن المراد بها عدم الرؤية في مثل تلك الظلمات، فحملهم ذلك على مخالفة أصل وضعها، فقالوا: ببادئ الرأي ما قالوه من غير إنعام النظر وإعمال الفكر، وادعوا لها في الماضي ما لا تستحقه، وتركوا النظر في (إذا) وما فيها من معنى الشرط والجزاء، ولَمَّا تدبرتُ معنى الآيتين وكيف وجه الجمع بينهما، وجدته واحدًا جاريًا على الأصل، وهو خلاف آرائهم، ووجدت (كاد) في الآيتين على أصلها الخاص بها لم تنتقل عنه، فحمدت الله سبحانه على توفيقي للتنبيه لها، والإبانة عن حقيقتها، وذلك أن (إذا) هذه لا يليها إلا الأفعال المستقبلة؛ لتضمنها معنى الشرط والجزاء كما تضمنته (إن) الشرطية، نحو قول الشاعر:
٤٧٦ - إِذَا تَقُومُ يَضُوعُ المِسْكُ أَصْوِرَةً ... والعَنْبَرُ الوَرْدُ مِنْ أَرْدَانِهَا شَمِلُ (١)
وقول الآخر:
٤٧٧ - وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ... وإذا يُحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ (٢)
стр. 2700
وقول الآخر وهو المتنبي:
٤٧٨ - وَوَجْهُ البَحِرْ يُعْرَفُ مِنْ بَعِيدٍ ... إِذَا يَسْجُو فَكَيْفَ إِذَا يَمُوجُ (١)
هذا حد الكلام، إلا أنها لما تضمنت مع ذلك معنى التوقيت، لم يجزم بها إلا في الشعر، لنقص إبهامها عن إبهام (إن) الشرطية، من أجل تضمنها معنى الشرط والجزاء، وأن الفعل بعدها لا يكون إلا من حيّز الاستقبال، كما يكون في (إن) جاز وقوع الفعل بعدها بلفظ الماضي والمراد به الاستقبال كما يقع بعد (إن)، فكما تقول: إن قمتَ قمتُ، تريد: إن تقمْ أقمْ. كذلك تقول: إذا قمتَ قمتُ، تريد: إذا تقومُ أقومُ، فإن أردت المخالفة بينهما قلت: إذا قمت لم أقم، تريد: إذا قمت قعدت أو امتنعت من القيام، فقولك: (لم أقم) ماضٍ لا محالة، كما أن (قمت) كذلك.
فقوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: إذا أخرج يده بَعُدَ عن مقاربة رؤيتها، وإنما جاز وقوع الماضي بعد (إذا) و (إن) لارتفاع اللبس وحصول العلم بأن الشرط إنما يكون لما يأتي من الزمان لا لما مضى، فالتقدير إذن في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إذا يخرج يده لا يكاد يراها، لما بَيَّنَّا. فكاد ويكاد على هذا التقدير الصحيح الذي لا يجوز غيره باقيتان على الأصل المقدم ذكره فيهما من غير إخلال باستحقاقهما وضعًا واستعمالًا، ولا حاجة بنا إلى أن نعتقد أنها في الآية من حيّز الماضي، ثم ندعي لها من التأويل ما ليس لها، وبهذا يبطل القول بأنها ترى بعد جهد أو تقاعد كما زعموا، والله أعلم، وما علمت أن هذا التأويل في هذه الآية وقع لغيري، وقد ذكرت آنفًا ما قال فيها أماثل علماء العربية وضمنوه كتبهم، ونقلت نصهم فيها، ولم أستقص ذكر كل قائل اكتفاء بهؤلاء الأكابر، وتحاميًا