← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وقرئ: (سحابٌ ظلماتٍ) برفع (سحاب) وتنوينه وجر (ظلمات) (١) على البدل من الظلمات المتقدم ذكرها في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾، أو على وجه التكرير والتأكيد لها. و ﴿بَعْضُهَا﴾ مبتدأ، و ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾ الخبر، والجملة في موضع الصفة لظلمات رُفِعَتْ أو جُرَّتْ. وقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ اختلفت النحاة في تأويل هذه الآية واضطربت أقاويلهم فيها، فمنهم من نفى الرؤية، ومنهم من أثبتها ولم يكشفوا عن حقيقة ذلك، وقد أوضح شيخنا الإمام العالم العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي (٢) ﵀ ورضي عنه معنى الآية إيضاحًا شافيًا، وبينها تبيينًا وافيًا بعد ذكر أقاويلهم فيها، وذكر ما قيل فيها، فقال ﵀: سألني سائل عن أقوال علماء العربية في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ وسأل إثبات أقوالهم، وما المختار منها؟ فقد أشكل علينا ما سمعناه عنهم فيها، وسألني أن أذكر ما عندي فيها مخالفًا كان أو موافقًا، فأجبته مستمدًا من الله سبحانه التوفيق والهداية، وهو بكرمه أكرم هادٍ وموفقٍ. قال أبو العباس ثعلب، وأبو العباس المبرد: لم يرها ولم يكد، وحَكَيا ذلك قولًا للحسن البصري (٣). وقال الفراء في كتابه المعاني: قال بعض المفسرين: لا يراها، وهو المعنى؛ لأن أقل من الظلمات التي وصفها [الله] لا يرى فيها الناظر كفه، وقال بعضهم: إنما هو مثل ضربه، كما تقول: ما كدت أبلغ إليك، وأنت قد بلغت، وهو وجه العربية، انتهى كلامه (٤).

стр. 2697

وقال أبو إسحاق الزجاج في كتابه المعاني: معناه لم يرها ولم يكد. وقال بعضهم: رآها من بعد أن كاد لا يراها من شدة الظلمة، والقول الأول أشبه بهذا المعنى، لأن في دون هذه الظلمة لا ترى الكف، انتهى كلامه (١). وقال علي بن عيسى الرماني في كتابه الجامع في التفسير: يقال: لم قيل: لم يكد يراها وفي دون هذه الظلمة لا يراها؟ الجواب: أنَّ (كاد يراها): قارب أن يراها، و (لم يكد يراها): لم يقارب أن يراها، فهو نفي مقاربة الرؤية على الحقيقة. وقيل: يراها بعد جهد وشدة رؤية وتخيل لصورتها، قال: وقال الحسن البصري: لم يرها ولم يكد، انتهى كلامه. وقال أبو علي الفارسي في كتابه التذكرة: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يقرب من رؤيتها، فإذا لم يقارب رؤيتها فهو من أن يراها أبعد، فهذا جاء على أصل الكلمة، وإن كانت اللغة قد جاء فيها لم أكد أفعل، معناه: فعلته بعد جهد أو تقاعد عنه، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) فهذا المعنى الذي دخل الكلمة لم يُزل عنها الأصل الذي لها، انتهى كلامه. وقال أبو الفتح عثمان بن جني: قال أبو العباس - يعني المبرد -: لم يرها ولم يَكَدْ، اعلم أنك إذا قلت: كاد يراها، فالمعنى قارب رؤيتها ولم يرها، فالمقاربة مثبتة في اللفظ، والرؤية منفية في المعنى. فإن قلت: كاد لا يراها، فالمعنى: قارب ترك رؤيتها وقد رآها، فالمقاربة مثبتة على ما كانت عليه من الإثبات، لأنه لم يلحقها شيء ينفيها، والرؤية التي كانت منفية في المعنى مثبتة، لأنك نفيتها، ونفي النفي يوجبه، انتهى كلامه. هذا نص كلام من ذكرت اسمه من علماء العربية وهم أكابر علمائها. قال السائل: لِمَ أجمع العلماء على مناقضة أقوالهم في هاتين الآيتين

стр. 2698

فقالوا: في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يرها ولم يكد، وقالوا في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أنهم فعلوا، وكلا اللفظين نفي للماضي بلا خلاف بينهم، وذلك أنّ (لم) تنفي الماضي بلفظ الاستقبال، كما تنفيه (ما) بلفظ المضي، وإذا كان النفي بهما واحد، فالواجب أن يكون المعنى فيهما واحد، والمعروف عندهم في لغة العرب أن (كاد) إذا كانت بلفظ الماضي فهي في الإثبات نافية للفعل مقاربة لوقوعه، وهي في النفي مثبتة لوقوع الفعل لا غير، فالإثبات قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (١) فهذا مقاربة للفعل من غير وقوع، والنفي قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فهذا إيقاع للفعل. قلت: الجواب وبالله التوفيق: أن (كاد) من أفعال المقاربة، وهي أشد من (عسى) مطالبة للفعل، وبحسب ذلك لزم أن يليها الفعل حتى كأنها ضرب من الحال، ووجب ألا يدخل على فعلها (أن)، ووجب لـ (عسى) ذلك لما فيها من التراخي، وقد شبهت كل واحدة منهما بالأخرى في الشعر خاصة، وذلك معلوم عند علماء العربية، واختصت (كاد) بحال لا تكون لغيرها في كلام العرب، وذلك أنها ما دامت للإثبات فماضيها ومستقبلها دال على المقاربة المستحقة لها بأصل الوضع، نحو: كاد يفعل، ويكاد يفعل، فإذا دخلها حرف النفي تغير معناها في الماضي وبقي مستقبلها على أصل استحقاقه، تقول: ما كدت أفعل، أي: قد فعلت إما بعد جهد وشدة، وإما بعد تقاعد وإبطاء، هذا حكمها ومعناها في المضي، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. فأما قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فإن العلماء المقتدى بأقوالهم ممن ذكرتُ نظروا إلى ما في الآية من المبالغة في ذكر الظلمات

стр. 2699

المضاعفة، وأن المراد بها عدم الرؤية في مثل تلك الظلمات، فحملهم ذلك على مخالفة أصل وضعها، فقالوا: ببادئ الرأي ما قالوه من غير إنعام النظر وإعمال الفكر، وادعوا لها في الماضي ما لا تستحقه، وتركوا النظر في (إذا) وما فيها من معنى الشرط والجزاء، ولَمَّا تدبرتُ معنى الآيتين وكيف وجه الجمع بينهما، وجدته واحدًا جاريًا على الأصل، وهو خلاف آرائهم، ووجدت (كاد) في الآيتين على أصلها الخاص بها لم تنتقل عنه، فحمدت الله سبحانه على توفيقي للتنبيه لها، والإبانة عن حقيقتها، وذلك أن (إذا) هذه لا يليها إلا الأفعال المستقبلة؛ لتضمنها معنى الشرط والجزاء كما تضمنته (إن) الشرطية، نحو قول الشاعر: ٤٧٦ - إِذَا تَقُومُ يَضُوعُ المِسْكُ أَصْوِرَةً ... والعَنْبَرُ الوَرْدُ مِنْ أَرْدَانِهَا شَمِلُ (١) وقول الآخر: ٤٧٧ - وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ... وإذا يُحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ (٢)

стр. 2700

وقول الآخر وهو المتنبي: ٤٧٨ - وَوَجْهُ البَحِرْ يُعْرَفُ مِنْ بَعِيدٍ ... إِذَا يَسْجُو فَكَيْفَ إِذَا يَمُوجُ (١) هذا حد الكلام، إلا أنها لما تضمنت مع ذلك معنى التوقيت، لم يجزم بها إلا في الشعر، لنقص إبهامها عن إبهام (إن) الشرطية، من أجل تضمنها معنى الشرط والجزاء، وأن الفعل بعدها لا يكون إلا من حيّز الاستقبال، كما يكون في (إن) جاز وقوع الفعل بعدها بلفظ الماضي والمراد به الاستقبال كما يقع بعد (إن)، فكما تقول: إن قمتَ قمتُ، تريد: إن تقمْ أقمْ. كذلك تقول: إذا قمتَ قمتُ، تريد: إذا تقومُ أقومُ، فإن أردت المخالفة بينهما قلت: إذا قمت لم أقم، تريد: إذا قمت قعدت أو امتنعت من القيام، فقولك: (لم أقم) ماضٍ لا محالة، كما أن (قمت) كذلك. فقوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: إذا أخرج يده بَعُدَ عن مقاربة رؤيتها، وإنما جاز وقوع الماضي بعد (إذا) و (إن) لارتفاع اللبس وحصول العلم بأن الشرط إنما يكون لما يأتي من الزمان لا لما مضى، فالتقدير إذن في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إذا يخرج يده لا يكاد يراها، لما بَيَّنَّا. فكاد ويكاد على هذا التقدير الصحيح الذي لا يجوز غيره باقيتان على الأصل المقدم ذكره فيهما من غير إخلال باستحقاقهما وضعًا واستعمالًا، ولا حاجة بنا إلى أن نعتقد أنها في الآية من حيّز الماضي، ثم ندعي لها من التأويل ما ليس لها، وبهذا يبطل القول بأنها ترى بعد جهد أو تقاعد كما زعموا، والله أعلم، وما علمت أن هذا التأويل في هذه الآية وقع لغيري، وقد ذكرت آنفًا ما قال فيها أماثل علماء العربية وضمنوه كتبهم، ونقلت نصهم فيها، ولم أستقص ذكر كل قائل اكتفاء بهؤلاء الأكابر، وتحاميًا

стр. 2701

للإطالة، والله ولي التوفيق، انتهى كلامه ﵀. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ الرؤية هنا من رؤية القلب. وقوله: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ عطف على ﴿مَنْ﴾، وانتصاب ﴿صَافَّاتٍ﴾ على الحال من (الطَّيْرُ)، أي: وتسبح له الطير باسطات أجنحتهن في الهواء. ويجوز في الكلام نصب (الطير) على جعل الواو بمعنى (مع) (١). وقوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (كل) رفع بالابتداء، وما بعده خبره، والمنوي في ﴿عَلِمَ﴾ لـ ﴿كُلٌّ﴾ أو لله جل ذكره. وكذلك الضمير المجرور في قوله: ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، يجوز أن يكون لـ ﴿كُلٌّ﴾، وأن يكون لله تعالى، أي: علم كل هذه الأشياء المذكورة صلاة نفسه وتسبيحه، أو كلٌّ قد علم الله صلاته، أي: صلاة كُلٍّ وتسبيحه، أو قد علم كُلٌّ صلاة الله وتسبيحه، أي الصلاة التي لله، والتسبيح الذي له. ويجوز في الكلام نصب (كل) بإضمار فعل يفسره ما بعده، ويكون المنوي في ﴿عَلِمَ﴾ لله جل ذكره، أي: علم الله كلًّا علم صلاته وتسبيحه، فإن جعلت المستكن في ﴿عَلِمَ﴾ لـ ﴿كُلٌّ﴾ ضعف نصب (كل) عند صاحب الكتاب ﵀، لأنك إذا نصبته بإضمار فعل عديت فعله إلى نفسه، وذلك شيء يختص به أفعال القلوب، فاعرفه فإنَّ فيه أدنى غموض (٢). ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ

стр. 2702

يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾: قوله : ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ أي: يسوقه، قيل: ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد لا يرضاها (١). وقوله: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي بين قطعه وأجزائه، وبهذا التأويل ساغ دخول (بين) عليه، لأن (بين) لا يدخل على المفرد، لا يقال: زيد المال بينه. والسحاب: جمع سحابة، كنخل في نخلة. وقوله: ﴿يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ (الركام): المتراكم بعضه فوق بعض، يقال: رَكَمْتُ المتاعَ أركُمه رَكْمًا، أي وضعتَ بعضَه على بعض. وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ محل ﴿يَخْرُجُ﴾ النصب على الحال من ﴿الْوَدْقَ﴾، أي: خارجًا، والودق: المطر، وَدَقَ يَدِقُ وَدْقًا، أي قَطَرَ، والخلال: جمع خَلَلٍ، كجبال في جمع جبل، والخلل: الفرجة بين الشيئين. وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (مِن) الأولى لابتداء الغاية، وفي الثانية ثلاثة أوجه: أحدها: بدل من الأولى على إعادة الجار، وهي لابتداء الغاية أيضًا على هذا، أي: وينزل من جبال السماء، أي: من جبال في السماء، وهو بدل البعض. والثاني: للتبعيض، ومفعول (يُنَزِّلُ) محذوف، والتقدير: وينزل من السماء شيئًا من جبال، فحذف الموصوف كقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

стр. 2703

مَرَدُوا﴾ (١) أي: قوم مردوا، وهذا رأي صاحب الكتاب. والثالث: صلة، أي: وينزل من السماء جبالًا، وهو رأي أبي الحسن (٢). وفي الثالثة ثلاثة أوجه أيضًا: أحدها: للبيان، لأنها موضحة للجبال من أي شيء [هي]. والثاني: للتبعيض، أي: فيها شيء من برد. والثالث: صلة، أي: وينزل بردًا من السماء من جبال فيها، أو ينزل من السماء من جبال فيها برد، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: فيصيب بضرر البرد من يشاء، فيهلكه ويهلك زرعه ومواشيه، ويصرف ضرره عمن يشاء، فحذف المضاف. وقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ الجمهور على قصر السنا وهو الضوء، وسنا كل شيء ضوؤه، يقال: سنت الأبصار تسنو، إذا أضاءت، وقرئ: (سناء برقه) بالمد (٣)، على إرادة المبالغة في قوة ضوئه وصفائه، فأطلق عليه اسم الشرف، لأن المد إنما يستعمل في الشرف، والمراد به هنا: العلو والارتفاع، والقصر في الضوء. [وعلى فتح ياء (يَذهب) وهو الوجه، وقرئ: (يُذْهَبُ) بضمها (٤)، على

стр. 2704

تضمين يذهب معنى يلوي، وعلى جعل الباء صلة كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾: قوله : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ إِنما قال جل ذكره: [﴿وَمِنْهُمْ﴾] (٢) تغليبًا لمن يعقل، لأن أول الكلام وهو قوله: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ يشمل العقلاء وغيرهم، فغلّب جانب من يعقل تفضيلًا لهم. وقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (إذا) هنا للمفاجأة، وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب نظيرها (٣). ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الجمهور على نصب قوله:

стр. 2705

﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقرئ: "قولُ المؤمنين" بالرفع (١)، وأقوى القراءتين إعرابًا ما عليه الجمهور، لأن أَولى الاسمين بكونه اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾ أوغلهما في التعريف، و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أوغل، لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف (قول المؤمنين)، وذلك لشبه (أَنْ) وصلتها بالمضمر، من حيث لا يجوز وصفها كما لا يجوز وصف المضمر، والمضمر أعرف من ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فلذلك اختار الجمهور أن تكون (أن) وصلتها اسم كان و ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٢). وقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. قيل: وفائدة إدخال ﴿كَانَ﴾ ها هنا الإعلام بأن هذا هكذا لم يزل مذ بعث الله الأنبياء أن يكون من آمن بنبي إذا دعي إليه قال: سمعنا قولك وأطعنا أمرك. والجمهور على فتح ياء قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ على البناء للفاعل وهو الرسول ﵊، وقرئ: بضمها (٣) على البناء للمفعول والقائم مقام الفاعل المصدر، أي: ليحكم الحكم بينهم. قوله: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ قرئ: بكسر القاف والهاء مع الوصل وبغير وصل، وإسكان الهاء، وبإسكان القاف وكسر الهاء من غير صلة (٤)، وقد ذكر وجه

стр. 2706

جميع ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾: قوله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قد مضى الكلام على نصب قوله: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ في سورة المائدة (١). وقوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: أَمْرُنا، أو بالعكس، أي: طاعةٌ معروفةٌ أولى بكم، أو خير لكم من هذه الأَيمان الكاذبة، ويجوز في الكلام نصبه على المصدر (٢)، أي: أطيعوا طاعةً، والأصل: إطاعةً. وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: فإن تتولوا، فحذفت إحدى التاءين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾:

стр. 2707

قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ تعدَّى ﴿وَعَدَ﴾ هنا إلى مفعول واحد وهو ﴿الَّذِينَ﴾، وأصله أن يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما (١). وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ قيل: عام، و (مِن) للتبيين. وقيل: خاص للمهاجرين، و (مِن) للتبعيض (٢). وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ تفسير للوعد، واللام جواب قسم محذوف تقديره: وعد الله وأقسم ليجعلنهم خلفاء لمن قبلهم من الملوك والأمراء. وقوله: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية، أي: استخلافًا مثل استخلاف الذين من قبلهم. وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ محل الفعلين إما النصب على الحال من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: عابدين إياي موحدين، أي: وعدهم ذلك في حال عبادتهم وتوحيدهم، وإما الرفع على القطع والاستئناف، أي: هم يعبدونني. وقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ قرئ: (لا تحسبن) بالتاء النقط من فوقه (٣)، وفاعل الفعل للمخاطب، ومفعولاه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و ﴿مُعْجِزِينَ﴾. وقرئ: بالياء النقط من تحته (٤)، وفي فاعل الفعل وجهان:

стр. 2708

أحدهما: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمفعول الأول محذوف، والتقدير: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين في الأرض، وجاز حذف المفعول الأول، لأنه في الأصل مبتدأ، وحذف المبتدأ كثير جائز في كلام القوم. والثاني: ضمير الرسول ﵊، لجري ذكره في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ومفعولاه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و ﴿مُعْجِزِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾: قوله : ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ مرة: في الأصل مصدر، وهي هنا ظرف لوقوعها موقع الأوقات، كأنه قيل: ثلاثة أوقات، وانتصاب ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ على الظرف، وهي ظرف زمان، والدليل على أنه ظرف وأن انتصابه عليه لا على المصدر كما زعم بعضهم (١)، كونه فُسِّر بزمان وهو قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ. . .﴾ الآية، ومِن شرط المفسِّر بأن يكون مِن جنس المفسَّر. ومحل قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ والنصب على البدل من ﴿ثَلَاثَ﴾ وهو الوجه، أو الجر على البدل من ﴿مَرَّاتٍ﴾. ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ﴾: عطف على موضع ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ أي: حين وضع الثياب من وقت الظهيرة، وكذا ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾، أي: من بعد وقت صلاة العشاء.

стр. 2709

وقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ قرئ بالنصب (١)، ونصبها إما على البدل من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ على تقدير: أوقات ثلاث عورات، فحذف المضاف، وإنما احتيج إلى هذا التقدير لتكون هي هي، لأن ثلاث مرات ظرف زمان، وثلاث عورات ليست ظرف زمان، أو على إضمار أعني. وقرئ: بالرفع (٢) على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه ثلاث عورات لكم، وتقدير حذف المضاف لا بد منه لما ذكر آنفًا. والجمهور على إسكان واو ﴿عَوْرَاتٍ﴾، وأصلها أن تحرك بالفتح، لأن حكم ما كان على (فعلة) من الأسماء أن تحرك العين منه في الجمع، لكنها أسكنت في هذا الضرب، وعليه جل العرب خوف الانقلاب، ما عدا هذيلًا فإنهم يحركونها بالفتح على الأصل وبه قرأ الأعمش هنا على لغتهم (٣). وقوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: هم طوافون عليكم، أي مماليككم يطوفون عليكم بالخدمة لكم. ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: ابتداء وخبر، على معنى: بعضكم طائف على بعض، ولك أن ترفعه بفعل مضمر دل عليه ﴿طَوَّافُونَ﴾، أي: يطوف ﴿بَعْضُكُمْ﴾ وهم المماليك، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ وهم الموالي، والمعنى: أنهم خدمكم فلا حرج في دخولهم منازلكم. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾:

стр. 2710

قوله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي﴾ (القواعد) مبتدأ و (من النساء) في موضع نصب على الحال من المنوي في القواعد، و ﴿اللَّاتِي﴾ صفة للقواعد، وليس وما اتصل بها في موضع خبر المبتدأ الذي هو (القَواعِدُ)، ودخلت الفاء في الخبر لما في المبتدأ من معنى الشرط، لأن الألف واللام بمعنى (الذي). والقواعد من النساء: العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحبل لكبرهن. وقيل: قعدن عن التزوج (١)، واحدتهن قاعد بغير هاء على النسب، أي: ذات قعود، أو على تأويل شخص أو إنسان. وقيل: بل حذفت الهاء منها للفرق بين القاعد التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها، وبين القاعدة التي بمعنى الجالسة (٢). والنون في ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ ضمير المؤنث كالتي في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ أي: غير مظهرات محاسنهن. وقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ ابتداء وخبر، أي: والاستعفاف خير لهن. ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ

стр. 2711

مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾: قوله : ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي: من بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحدًا وجمعًا، وهو من يصدقك في مودته، وقيل: هو من وافقك في ظاهره وباطنه (١). وقوله: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ انتصابهما على الحال من الضمير في ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ أي: مجتمعين أو متفرقين، الواحد: شَتّ. وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ انتصاب ﴿تَحِيَّةً﴾ على المصدر، لأنها في معنى: تسليمًا، كقولك: قعدت جلوسًا، وحبسته منعًا. و ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: في موضع الصفة لها. ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾:

стр. 2712

قوله : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ المصدر يجوز أن يكون مضافًا إلى المفعول، على معنى: ولا تقولوا له عند دعائكم إياه يا محمد، ويا ابن عبد الله، ولكن قولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، في لين وتواضع وخفض صوت. وأن يكون مضافًا إلى الفاعل، على معنى: لا تمهلوا دعاءه إياكم، فإذا دعاكم فعجلوا الإجابة، ولا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء غيره، تعظيمًا له ﷺ ، أو: لا تجعلوا دعاءه ربه مثل دعاء بعضكم بعضًا في حاجة، فربما أجابه وربما رده، ودعاء الرسول مسموع مستجاب، أو: لا تجعلوا دعاءه عليكم مثل دعاء بعضكم على بعض، على ما فسر (١). وقوله: ﴿لِوَاذًا﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾، أي: ينسلون ملاوذين، أي: مستترين، والتسلل: الخروج في خفية، واللواذ: أن يستتر الشخص بشيء مخافة أن يُرى، يقال: لَاوَذَ يُلَاوِذُ مُلَاوَذَةً ولِوَاذًا بمعنى، وصحت الواو فيها مع انكسار ما قبلها لصحتها في الفعل الذي هو لاوذ، ولو كان مصدر (لاذ) لكان لياذًا، لأن المصدر يُعَلّ بإعلال الفعل. ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾، لأنه في معنى: تسللًا، كقولك: قعدت جلوسًا، وحبسته منعًا. وقوله: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (عن) هنا على بابه، وإنما عدي (خالف) بعن لتضمنه معنى الاعتراض والميل (٢). وقيل: (عن) هنا بمعنى: بَعْد (٣) كقوله: وأطعمهم عن جوع، أي بعد جوع، والضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ لله أو للرسول (٤). وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ أن وما اتصلت بها مفعول قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾.

стр. 2713

وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ﴾ عطف على (ما) في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. مفعول به، أي: ويعلم يوم رجوع الخلق إليه، لا ظرف كما زعم بعضهم (١)، لأن الله تعالى عالم في كل حين وأوان، ولا يُوصف بالعلم في وقت دون وقت. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة النور والحمد لله وحده (٢)

стр. 2714

الكِتَابُ الفَرِيدُ في إعرَابِ القُرْآنِ المَجِيدِ (إعْرَابٌ, مَعَانٍ, قِرَاءَات) تأليف العَلّامَة الحَافِظِ المُقْرئ المنتَجَب الهَمَذانيّ (المتوفّى سنة ٦٤٣ هـ) "وقد انتدب الناس لتأليف إعراب القرآن، ومن أوضحها كتاب الحوفي، ومن أحسنها كتاب المشكل، وكتاب أبي البقاء العكبري، وكتاب المنتجب الهمذاني. . ." (الإمام الزركشي) حَقّقَ نصُوصَه وخرَّجه وَعَلَّق عَلَيْه: محَمَّد نِظَامُ الدّين الفَتيّح الجزء الخامِسُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الفُرْقَانِ إِلى آخِرِ سُورَةِ ق مكتبة دار الزمَان للنشر والتوزيع

стр. 2715

ح مكتبة دار الزمان للنشر والتوزيع، ١٤٢٧ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الهمذاني، المنتجب الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد/ المنتجب الهمذاني، محمد نظام الدين الفتيح - المدينة المنورة، ١٤٢٧ هـ ٦ مج ٦٧٤ ص، ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٠ - ٠ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٣ - ٤ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (ج ٤) ١ - القرآن - إعراب أ. الفتيح، محمد نظام الدين (محقق) ب. العنوان ديوي ٢٢٤,٢ ٨٨٤/ ١٤٢٧ رقم الإيداع: ٨٨٤/ ١٤٢٧ ردمك: ٠ - ٠ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٣ - ٤ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (ج ٤) جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م مكتبة دار الزمان للنشر والتوزيع DAR AL-ZAMAN LIBRARY FOR PUBLISHING & DISTRIBUTION المملكة العربية السعودية - المدينة المنورة - ص. ب: ١٥٥٦ شارع الستين - هاتف: ٨٣٦٦٦٦٦ - فاكس ٨٣٨٣٢٢٦ شارع الضيافة - إمتداد شارع أبا ذر هاتف: ٨٣٦٢٩٩٣ - هاتف وفاكس: ٨٣٤٤٩٤٦ موقعنا على الإنترنت: www. daraIzaman.com البريد الإلكتروني: zaman@daraIzaman.com Saudi Arabia - Medina Monawara - P.O.Box: ١٥٥٦ AI-Sittin Str. - Tel: ٨٣٦٦٦٦٦ - Fax: ٨٣٨٣٢٢٦ AI-Diafa Str. - Aba zar Str. Tel. ٨٣٦٢٩٩٣ Telefax: ٨٣٤٤٩٤٦ Website: www.daraIzaman.com email: zaman@daraIzaman.com

стр. 2716

هديَة المحَقق الكِتَابُ الفَرِيدُ في إعرَابِ القُرْآنِ المَجِيدِ (إعرَابٌ, مَعَانٍ, قِراءَات)

стр. 2717

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2718

إعراب سُورَةُ الفُرْقَانِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾: قوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى﴾ (تبارك): تفاعل، وأصل الكلمة إما من دوام الشيء وثباته، أي: تزايد خيره وتكاثر مع الدوام والثبات، ومنه البِرْكة، لدوام الماء فيها وثباته، وبرك البعير. وإما من التعالي والنماء، أي: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله. ولا تستعمل هذه اللفظة إلا لله وحده جل ذكره، ولا يستعمل إلا لفظ الماضي فقط (١). وقد مضى الكلام على ﴿الْفُرْقَانَ﴾ في سورة البقرة (٢). وقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ الجمهور على توحيد ﴿عَبْدِهِ﴾، إذ المراد به رسول

стр. 2719

الله ﷺ ، وقرئ: (علَى عِباده) على الجمع (١)، وهم رسول الله ﷺ وأمته، وجاز ذلك وإن كان إنزاله عليه ﵇ وحده؛ لأنه مخاطِبٌ لهم به، وموصل له إليهم، فصار لذلك كأنه منزل عليهم، وكفاك دليلًا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ (٢). ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (٣). قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ المنوي فيه: إما للعبد ﵇، أو للفرقان، أو لله جل ذكره، هذا على قراءة الجمهور، وأما من قرأ: (على عباده) على الجمع فالمستكن فيه إما للفرقان، أو لله تعالى، كقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (٤). ﴿نَذِيرًا﴾ أي: منذرًا، والمنذر هو المخبر بوقوع المكروه. وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ﴾ محل ﴿الَّذِي﴾ إما الرفع على البدل من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾، أو على إضمار (هو)، وإما النصب على المدح، ونهاية صلته ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا﴾: (ظلمًا) يجوز أن يكون مفعولًا به على معنى: فعلوا ظلمًا، وأتوا ظلمًا، وذلك أنَّ جاء وأتى يستعملان في معنى فَعَلَ فيعديان تعديته. وأن يكون مصدرًا في موضع الحال، على معنى: وردوا ظالمين أو ذوي ظلم. وأن يكون على حذف الجار الباء وإيصال الفعل. ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾:

стр. 2720

قوله : ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ أي: قالوا هذه أساطير الأولين، وقد مضى الكلام على الأساطير في "الأنعام" (١). والجمهور على فتح التاءين في (اكتتبها) على البناء للفاعل وهو رسول الله ﷺ ، بمعنى استكتبها، لأنه ﵊ كان أميًا لا يكتب بيده، بشهادة قوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٢). وقيل: (اكتتبها): جَمَعَها، والكتب: الجمع. وقرئ: (اُكْتُتِبَهَا) بضم التاء الأولى وكسر الثانية على البناء للمفعول (٣)، على معنى: أكتتبت له، والأصل: اكتتبها كاتب له، ثم حذفت اللام فوصل الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب، ثم بني الفعل للمفعول الذي هو إياه، فانقلب مرفوعًا مستترًا بعد أن كان بارزًا منصوبًا؛ لقيامه مقام الفاعل، وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار (اكتتبها) كما ترى. وقوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ظرفان لقوله: ﴿تُمْلَى﴾ أي: غدوة وعشيًا, وقيل: عبارة عن طول النهار، أي: دائمًا (٤). وقوله: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، والخبر (لهذا)، وهذه اللام مفصولة عن (هذا) في الإمام مصحف عثمان ﵁، وخط الإمام سنة متبعة. و ﴿يَأْكُلُ﴾ في موضع الحال من المنوي في الظرف، والعامل فيها الاستقرار الحاصل من الظرف. وقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿فَيَكُونَ﴾، لأنه جواب ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى (هلَّا)، وحكم

стр. 2721

التحضيض في ذلك حكم الاستفهام. وقرئ: بالرفع (١) عطفًا على ﴿أُنْزِلَ﴾، لأنه بمعنى ينزل، بشهادة عطف ﴿أَوْ يُلْقَى﴾ ﴿أَوْ تَكُونُ﴾ (٢) وهما مرفوعان ومضارعان كما ترى، ولا يجوز النصب فيهما، لأنهما في حكم الواقع بعد ﴿لَوْلَا﴾، وليسا بجواب له، والواقع بعد (لولا) لا يكون إلا مرفوعًا إذا كان مضارعًا، وحكم الماضي إذا لم يقع حكمه، فاعرفه. ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾: قوله : ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قرى: بالنون وبالياء (٣) ووجه كلتيهما ظاهر. وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ (جنات) بدل من قوله: ﴿خَيْرًا﴾. وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ﴾ قرئ: بالجزم عطفًا على موضع ﴿جَعَلَ﴾، وموضعه جزم لأنه جواب الشرط، وقرئ: (ويجعلُ) بالرفع (٤)، إما على الاستئناف والقطع مما قبله، أو على العطف على ﴿جَعَلَ﴾، لأن الشرط إذا وقع ماضيًا جاز في جوابه الجزم والرفع، وقد مضى الكلام على هذا في "آل

стр. 2722

عمران" عند قوله جل ذكره: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾ بأشبع ما يكون (١) فتكون القراءتان على هذا بمعنى. ويجوز على قول من أدغم أن تكون اللام أسكنت للإدغام لا للجزم، فتكون القراءتان أيضًا بمعنى، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال، ويعضده قول بعض أهل العلم: إِنَّ ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بمعنى قد شاء، وهذا حسن لما فيه من الحتم وليس بموقوف على المشيئة. وقرئ أيضًا: (ويجعلَ لك) (٢) على أنه جواب الجزاء بالواو، كقولك: إنْ تأتني آتك وأُحسنَ إليك. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾: قوله : ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أصله: أعددنا، فقلبت الدال الأولى تاء كراهة اجتماع المثلين مع قرب التاء من الدال في المخرج، والسعير: النار المسعورة، فقيل: بمعنى مفعول. وقيل: اسم من أسماء جهنم (٣). وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ. . .﴾ الآية، محل الجملة النصب على الصفة لقوله: ﴿سَعِيرًا﴾، أي: سعيرًا من صفتها كيت وكيت. وقوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿أُلْقُوا﴾،

стр. 2723

والتقرين (١): جمع شيء [إلى شيء] في قَرَنٍ وهو الحبل، هذا أصله عند أهل اللغة (٢). و ﴿مَكَانًا﴾ ظرف لـ ﴿أُلْقُوا﴾، و ﴿مِنْهَا﴾ يجوز أن يكون حالًا منه لتقدمه، وأن يكون من صلة ﴿أُلْقُوا﴾. وقوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (ثبورًا) يحتمل أن يكون مفعولًا به، أي: نادوا في ذلك [المكان, أو في ذلك] الزمان: واثبوراه، أي: واهلاكاه، والثبور: الهلاك، ومعنى دعائهم له كقولهم: يا عجبًا، ويا حسرة، أي: أَقْبِلْ وتعالَ يا ثبورُ فهذا حينك ووقتك، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا على معنى: قالوا هنالك ثبورًا، أي: ثبرنا ثبورًا، لأن الدعاء نوع من القول، ثم حذف الفعل لدلالة المصدر عليه. ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)﴾: قوله : ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ اختلف في الإشارة في ﴿أَذَلِكَ﴾ فقيل: إلى ما ذكروه من الكنز والجنة في الدنيا، وقيل: إلى السعير التي أعدت للكافرين (٣)، ولا خير في السعير ولكن هذا وشبهه كقولك لمن ترك فسادًا وأقبل على الصلاح: أليس هذا خيرًا مما كنت فيه؟ على وجه الإبانة للتفاوت بينهما، لا لأن في الفساد خيرًا، ولا تقول مبتدئًا: الفساد خير أم الصلاح؟ (٤) والراجع إلى الموصول محذوف

стр. 2724

تقديره: وعد المتقون دخولها، أو وعدوها، أو وعدوا إياها. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾ (ما) موصول، وعائده محذوف، أي: ما يشاؤونه، و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال إما من الضمير في ﴿يَشَاءُونَ﴾، أو من الضمير المجرور في ﴿لَهُمْ﴾. وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ في (كان) ضمير يعود إلى المذكور وهو ﴿مَا﴾، أو إلى الخلود دل عليه ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: كان ذلك، وخبر ﴿كَانَ﴾: ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾، و ﴿وَعْدًا﴾: مصدر مؤكد لما قبله، ولك أن تجعل ﴿وَعْدًا﴾ خبر كان، و ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾ ملغى من صلة محذوف دل عليه ﴿وَعْدًا﴾، ولا يكون من صلة ﴿وَعْدًا﴾ الظاهر، لأنه مصدر ومعمول المصدر لا يتقدم عليه. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي: واذكر يوم نجمعهم للبعث، و ﴿مَا﴾ عطف على (هم)، أي: ونحشر ما يعبدونه من دون الله، ولا يجوز أن تكون الواو بمعنى مع كما زعم بعضهم (١) لأن الحشر متعد، وقد شرطت النحاة في باب المفعول معه أن يكون الفعل لازمًا كراهة اللبس. و (ما) موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم، قاله الزمخشري (٢). والجمهور على ضم الشين في ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، وقرئ: (نَحْشِرُهُم) بالكسر (٣)، وهي لغية. وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ (هؤلاء) نعت لـ ﴿عِبَادِي﴾ أو بدل منه. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾:

стр. 2725

قوله : ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (كان) هنا مزيدة، وأن وما اتصل بها في تأويل المصدر، وموضعه رفع فاعل ﴿يَنْبَغِي﴾. والجمهور على فتح النون وكسر الخاء على البناء للفاعل، وقرئ: (أنْ نُتَّخَذَ) بضم النون وفتح الخاء (١) على البناء للمفعول (٢). وبعد، فإن اتخذ فعل يتعدى إلى مفعول واحد، كقولك: اتخذ وليًا. وإلى مفعولين كقولك: اتخذ فلانًا وليًا، وفي التنزيل: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣) فعداه إلى مفعول واحد كما ترى، و (من الأرض) صفة لـ (آلهة). وفيه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٤) فعداه إلى مفعولين كما ترى. فإذا فهم هذا، فاتخذ على قراءة الجمهور متعد إلى مفعول واحد وهو ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، و ﴿مِنْ دُونِكَ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ لتقدمه عليه، والأصل: أن نتخذ أولياء كائنين من دون الله على الصفة، فلما قدمت عليه انتصب على الحال، كقوله: ٤٧٩ - لِعزةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَديمُ ... . . . . . . . . . . . (٥) وزيدت ﴿مِنْ﴾ في ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ لتأكيد معنى النفي، كقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٦). وعلى القراءة الأخرى متعد إلى مفعولين، فالأول ما بني له الفعل،

стр. 2726

والثاني: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، والأصل: أن يتخذنا الناسُ من أولياء، ثم بني الفعل للضمير الذي هو (نا) فانقلب مرفوعًا مستترًا بعد أن كان بارزًا منصوبًا بالقيامة مقام الفاعل، وبقي الثاني وهو ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ على حاله، و (مِن) في ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ على هذه القراءة تكون للتبعيض، ولا يجوز أن تكون لتأكيد معنى النفي كما في قراءة الجمهور، لأن (مِن) لا تزاد في المفعول الثاني عند جمهور النحاة بل في الأول. قال أبو إسحاق: تقول: ما اتخذ فلان مِن أحد وليًا، ولا يجوز: ما اتخذ [فلان] أحدًا من ولي، لأن (مِن) إنما دخلت لأنها تنفي واحدًا في معنى جميع، ثم قال: ولو جاز هذا لجاز في ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١) أي: فما منكم أحد عنه بحاجزين وهذا خطأ لا وجه له، انتهى كلامه (٢). فإن قلت: هل يجوز أن يكون اتخذ على هذه القراءة يتعدى إلى مفعول واحد وهو القائم مقام الفاعل؟ قلت: لا تمنع ذلك. فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت وجوزت فما تصنع بقوله: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾؟ قلت. أجعله حالًا منه، وأجعل ﴿مِنْ دُونِكَ﴾ من صلة الفعل، أي: ما كان ينبغي لنا أن يتخذ من دونك أولياء، ودخل (مِن) لكونه في سياق النفي، فاعرفه فإنه موضع لطيف. وقوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ (بورًا) جمع بائر كحائل وحول، وهو الهالك، بارَ فلان، إذا هلك، وحكى الأخفش (٣) عن بعضهم: أنه لغة وليس بجمع لبائر، كما يقال: أنت بشر وأنتم بشر. فعلى هذا يوصف به الواحد والجمع، يقال: رجل بور، وقوم بور، وامرأة بور أيضًا، حكاه أبو عبيدة (٤).

стр. 2727

﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾: قوله : ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ قرئ: (تقولون) بالتاء النقط من فوقه (١) على معنى: فقد كذبكم مَن كنتم تعبدونه أيها المشركون، أي: فقد كذبكم المعبودون بقولكم أو في قولكم إنهم آلهة، يقال: كذبته بكذا وفي كذا، بمعنى، وذلك في قولهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ (٢). وقرئ: بالياء النقط من تحته (٣) بمعنى: فقد كذبكم ما كنتم تعبدون بقولهم، وقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. وقولهم: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ (٤). وقوله: (فما يستطيعون) قرئ: بالياء النقط من تحته (٥)، وفيه وجهان: أحدهما: فما يستطيع العابدون للآلهة صرفًا للعذاب عنهم، ولا نصرًا لأنفسهم يمنعها من العذاب. والثاني: فما يستطيع المعبودون صرفًا للعذاب عن العابدين، ولا نصرًا

стр. 2728

لهم، واختار هذا الوجه أبو علي قال: وليس بالحسن أن تجعل (يستطيعون) للمتخذين الشركاء على الانصراف من الخطاب إلى الغيبة، لأن قبله خطابًا وبعده خطابًا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ﴾ (١). وقرئ: بالتاء النقط من فوقه (٢)، والخطاب للعابدين، أي: فما تستطيعون أن تصرفوا عن أنفسكم العذاب ولا تنصروها، وسياق الكلام يشهد لها. وقوله: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ﴾ كسرت (إنَّ) لأجل دخول اللام في خبرها، قال أبو جعفر: ولو لم تدخل اللام لكانت مكسورة أيضًا لأنها مستأنفة (٣). وقيل: بل لكون الجملة في موضع الحال، إذ المعنى: إلا وهم يأكلون (٤). فإن قلت: أين ذو الحال؟ قلت: محذوف تقديره: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين، ثم حذف الموصوف اكتفاء بالصفة وهي من المرسلين. فإن قلت: قد شرطت النحاة أن يكون ذو الحال معرفة، وما ذكرتَه نكرة، قلت: هو قريب من المعرفة لكونه قد خُصَّ بالصفة. ولك أن تجعل الجملة صفة لأحدٍ المقدر المذكور، أي: إلا آكلين وماشين. وعن محمد بن يزيد: أنه جوز فتحها مع اللام (٥)، قال بعض أهل العلم: وأحسبه وهمًا (٦). ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)

стр. 2729

وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ (يوم) يجوز أن يكون مفعولًا به على معنى: اذكر يوم، وأن يكون ظرفًا لما دل عليه ﴿لَا بُشْرَى﴾، أي: يمنعون البشرى في ذلك اليوم، أو يُحْرَمونها، أو يعذبون، دل عليه معنى الكلام، ولا يجوز أن يكون معمول ﴿لَا بُشْرَى﴾، لأن ما كان في حيز النفي لا يتقدم عليه، وأيضًا فإن ﴿بُشْرَى﴾ مصدر، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه، ولا معمول ﴿يَرَوْنَ﴾ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف. قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (بشرى) يجوز أن يكون مبنيًا مع ﴿لَا﴾ في موضع رفع بالابتداء بمنزلة: لا رجل، وفي خبره وجهان: أحدهما: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ لأن الظروف تكون أخبارًا عن الأحداث، و ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون صفة لاسم ﴿لَا﴾، وأن يكون تبيينًا له، وهو إما ظاهر في موضع ضمير، أي: لا بشرى يومئذ لهم، وإما عام فقد تناولهم بعمومه. والثاني: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ هو الخبر، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إما معمول الخبر، وإما تكرير لليوم الأول. وألا يكون مبنيًا مع ﴿لَا﴾ بل نقدر فيه التنوين، وإنما سقط منه التنوين لكونه لا ينصرف. ويجوز أن يكون منصوبًا كقولك: لا سرورًا بزيد. وأن يكون مرفوعًا مبتدأ، و ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الخبر، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ على هذا إما معمول لـ ﴿بُشْرَى﴾ أو معمول الخبر، ولا يجوز أن يكون معمول ﴿بُشْرَى﴾ إذا بنيتها مع ﴿لَا﴾، فاعرفه فإنه موضع. وقوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (حجرًا) يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا على

стр. 2730

تقدير: حجرنا حجرًا. قال صاحب الكتاب ﵀: يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجرًا (١)، من حَجَرَهُ، إذا منعه، والحجر: الحرام، وإنما قيل له: حجر لأنه حجر عليه بالتحريم. وأن يكون مفعولًا به على إضمار فعل تقديره: جعل الله البشرى عليهم حجرًا محجورًا، أي: حرامًا محرمًا. وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ ﴿مَقِيلًا﴾ منصوبان على التمييز، والمستقر يجوز أن يكون موضع القرار الذي يكونون فيه، أي: أفضل منزلًا في الجنة وموضع قرار، وأن يكون مصدرًا، أي: أحسن قرارًا، وكذا المقيل يجوز أن يكون موضع القيلولة، وأن يكون مصدرًا، أي: أحسن قيلولة، والقيلولة: الاستراحة وقت انتصاف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، والدليل على ذلك أن الجنة لا نوم فيها. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ عطف عى قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، والباء في موضع الحال، أي: وعليها الغمام، كما تقول: خرج بثيابه، أي: وعليه ثيابه. وقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هذه قراءة الجمهور، ووجهها ظاهر، لأن لفظ الفعل موافق للفظ المصدر، لكونه على فعّل. تفعيلًا، وقرئ: (ونُنْزِل الملائكةَ تنزيلًا) بنونين وتخفيف الزاي ونصب الملائكة (٢)، على أنه تفعل من

стр. 2731

الإنزال، وجاز ذلك وإن كان المصدر لفعّل، لأن نزّل وأنزل أخوان. وقرئ أيضًا: (ونُزِّلُ الملائكةَ) مثل هذه القراءة غير أنه بنون واحدة وتشديد الزاي (١)، والأصل: وننزل، فحذفت النون الثانية التي هي فاء الفعل كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة، وله نظائر في الكلام. وقرئ أيضًا: (ونُزِلَ الملائكةُ) كقراءة الجمهور غير أنه بتخفيف الزاي (٢). قيل: وهذا غير معروف، لأن نَزَلَ لا يتعدى إلى مفعول به، فيُبنى هنا للملائكة، ومع ذلك وجهها أن يكون لغة كما جاء (زُكِمَ)، ولا يقال: زكمه الله. و (جُنَّ) ولا يقال: جنه الله، وإنما يقال: أزكمه الله وأجنه، فإن سمع فيه ذلك وإلا فالقياس فيه غير سائغ، ولا يتعدى (نزل) إلى مفعول به (٣). قلت: ما ذكر شاذ ومحفوظ، والقياس عليه مردود ومرذول، ووجهه عندي أن يكون حذف أحد الحرفين النوابين (٤) كراهة التضعيف، والذي جَسّره على ذلك عدم اللبس، والقوم إذا أمنوا اللبسر في كلامهم تلاعبوا بألفاظهم، فاعرفه. وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (الملك) مبتدأ و ﴿الْحَقُّ﴾ نعت له، و ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ خبره، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان، وهو من صلة المبتدأ أو من صلة الخبر، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿الْحَقُّ﴾، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه. ولك أن تجعل الخبر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أو ﴿الْحَقُّ﴾، و ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ إما من صلة ﴿الْحَقُّ﴾ أو في موضع الحال، والفائدة منوطة

стр. 2732

بقوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. وأجاز أبو إسحاق نصب ﴿الْحَقُّ﴾ على: أُحِقُّ الحَقَّ، أو أعني الحَقَّ (١)، والخبر على هذا أحد المذكورين. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾: قوله : ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿يَعَضُّ﴾، والألف في ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ بدل من الياء، والأصل: يا وَيْلَتِي، لأن القائل ينادي ويلته وهي هلكته، يقول لها: تعالى فهذا وقتك وزمانك، وبالأصل قرأ بعض القراء (٢)، وإنما قلبت الياء ألفًا طلبًا للخفة، و ﴿فُلَانًا﴾ كناية عن الأعلام، ولا تدخله آلة التعريف، لأنه علم للكناية، وإنما دخلت في أعلام البهائم للفرق. و﴿خَلِيلًا﴾: مفعول ثان، ومثله ﴿مَهْجُورًا﴾، أي: صيروه متروكًا بإعراضهم عنه، مِنْ هَجَرَهُ، إذا تركه، وقيل: هو من هجر، إذا هذى (٣)، أي: جعلوه مهجورًا فيه، فحذف الجار، وهو على وجهين، أحدهما: زعمهم أنه هذيان وباطل وأساطير الأولين. والثاني: أنهم إذا سمعوه هجروا فيه، كقوله: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٤). ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ

стр. 2733

لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: جعلًا مثل ذلك الجعل، والمعنى: كما جعلنا هؤلاء الكفرة أعداءك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوًا، والعدو يكون واحدًا وجمعًا، كقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (١)، أي: أعداء. قوله: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ انتصبا على الحال أو على التمييز، أي: هاديًا لك إلى [طرق] (٢) الرشاد، وناصرًا لك. وقوله: ﴿جُمْلَةً﴾ نصب على الحال من القرآن، أي: مجتمعًا. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أنزلناه إنزالًا مثل ذلك الإنزال، أو فرقناه تفريقًا مثل ذلك التفريق، واللام في ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ من صلة هذا الفعل المقدر آنفًا، و ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ عطف عليه، أعني على هذا الفعل المحذوف. وقيل: ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لقوله: ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ على معنى: كسائر كتب الله، ويوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ على هذا التقدير، ثم يُبتدأ بقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾، على معنى: أنزلناه متفرقًا لنقوي به قلبك، ونزيدك بصيرة فيه. وقوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (وأحسن) عطف على (الحق) غير أنه لا ينصرف، ﴿تَفْسِيرًا﴾: منصوب على التمييز، أي: بالمثل الحق وبما هو أحسن تفسيرًا من مثلهم، ثم حذفت (من) للعلم بها، ألا ترى أنك إذا قلت: رأيت زيدًا وعمرًا، وكان عمرو أحسن وجهًا، علم أنك تريد: مِنْ زيد.

стр. 2734

﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾، والخبر ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، ﴿إِلَى﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿يُحْشَرُونَ﴾ على معنى: يجرون على وجوههم، وأن يكون في موضع الحال على معنى: يحشرون مسحوبين على وجوههم، وماشين على وجوههم، كما يمشي الماشي على قدميه، و ﴿مَكَانًا﴾ و ﴿سَبِيلًا﴾ نَصْبٌ على التمييز. وقوله: ﴿أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ (أخاه) مفعول أول، و ﴿هَارُونَ﴾ عطف بيان له أو بدل منه، و ﴿وَزِيرًا﴾ مفعول ثان. وقوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ عطف على معطوف تقديره: فذهبا إليهم فأنذراهم فكذبوهما فدمرناهم، كقوله: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ (١) أي: فضرب فانفلق. و ﴿تَدْمِيرًا﴾: مصدر مؤكد. والتدمير: الإهلاك. وقيل: الاستئصال. وقرئ: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ (٢) على الأمر لموسى وهارون، وهو معطوف على ﴿اذْهَبَا﴾. مؤكدًا بالنون الثقيلة، كقولك: اضربانِّ زيدًا، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ

стр. 2735

كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾: قوله : ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ نصب بإضمار فعل دل عليه ما بعده، أي: وأغرقنا قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، والأول أحسن تعضده قراءة من قرأ: (فدمرانِّهم) على الأمر، وهو علي بن أبي طالب ﵁ وغيره (١). وقوله: ﴿وَعَادًا﴾ إلى قوله: ﴿وَقُرُونًا﴾ عطف على ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ على معنى: وأهلكناهم. وقال أبو إسحاق: عطف على (هم) في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾، أو على معنى الظالمين، لأن المعنى: ووعدنا الظالمين (٢). وقوله: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ﴾ منصوب بمضمر دل عليه معنى ﴿ضَرَبْنَا﴾، أي: وأنذرنا كُلًّا، أو حذرنا كُلًّا، أو وعظنا كُلًّا، لأن ضَرْبَ الأمثال إنذارٌ وتحذير ووعظ، وأما ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا﴾ منصوب بـ ﴿تَبَّرْنَا﴾ ليس إلا، لأنه فارغ له عارٍ عن ضميره. وقوله: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ انتصاب قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ إما على المصدر على حذف الزوائد، أي: إمطار السوء، أو على أنه مفعول به ثان على تضمين الإِمطار معنى الإِيلاء أو الإِعطاء، كقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٣). ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
следующие страницы →