← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

الإنزال، وجاز ذلك وإن كان المصدر لفعّل، لأن نزّل وأنزل أخوان. وقرئ أيضًا: (ونُزِّلُ الملائكةَ) مثل هذه القراءة غير أنه بنون واحدة وتشديد الزاي (١)، والأصل: وننزل، فحذفت النون الثانية التي هي فاء الفعل كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة، وله نظائر في الكلام. وقرئ أيضًا: (ونُزِلَ الملائكةُ) كقراءة الجمهور غير أنه بتخفيف الزاي (٢). قيل: وهذا غير معروف، لأن نَزَلَ لا يتعدى إلى مفعول به، فيُبنى هنا للملائكة، ومع ذلك وجهها أن يكون لغة كما جاء (زُكِمَ)، ولا يقال: زكمه الله. و (جُنَّ) ولا يقال: جنه الله، وإنما يقال: أزكمه الله وأجنه، فإن سمع فيه ذلك وإلا فالقياس فيه غير سائغ، ولا يتعدى (نزل) إلى مفعول به (٣). قلت: ما ذكر شاذ ومحفوظ، والقياس عليه مردود ومرذول، ووجهه عندي أن يكون حذف أحد الحرفين النوابين (٤) كراهة التضعيف، والذي جَسّره على ذلك عدم اللبس، والقوم إذا أمنوا اللبسر في كلامهم تلاعبوا بألفاظهم، فاعرفه. وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (الملك) مبتدأ و ﴿الْحَقُّ﴾ نعت له، و ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ خبره، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان، وهو من صلة المبتدأ أو من صلة الخبر، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿الْحَقُّ﴾، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه. ولك أن تجعل الخبر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أو ﴿الْحَقُّ﴾، و ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ إما من صلة ﴿الْحَقُّ﴾ أو في موضع الحال، والفائدة منوطة

стр. 2732

بقوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. وأجاز أبو إسحاق نصب ﴿الْحَقُّ﴾ على: أُحِقُّ الحَقَّ، أو أعني الحَقَّ (١)، والخبر على هذا أحد المذكورين. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾: قوله : ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿يَعَضُّ﴾، والألف في ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ بدل من الياء، والأصل: يا وَيْلَتِي، لأن القائل ينادي ويلته وهي هلكته، يقول لها: تعالى فهذا وقتك وزمانك، وبالأصل قرأ بعض القراء (٢)، وإنما قلبت الياء ألفًا طلبًا للخفة، و ﴿فُلَانًا﴾ كناية عن الأعلام، ولا تدخله آلة التعريف، لأنه علم للكناية، وإنما دخلت في أعلام البهائم للفرق. و﴿خَلِيلًا﴾: مفعول ثان، ومثله ﴿مَهْجُورًا﴾، أي: صيروه متروكًا بإعراضهم عنه، مِنْ هَجَرَهُ، إذا تركه، وقيل: هو من هجر، إذا هذى (٣)، أي: جعلوه مهجورًا فيه، فحذف الجار، وهو على وجهين، أحدهما: زعمهم أنه هذيان وباطل وأساطير الأولين. والثاني: أنهم إذا سمعوه هجروا فيه، كقوله: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٤). ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ

стр. 2733

لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: جعلًا مثل ذلك الجعل، والمعنى: كما جعلنا هؤلاء الكفرة أعداءك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوًا، والعدو يكون واحدًا وجمعًا، كقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (١)، أي: أعداء. قوله: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ انتصبا على الحال أو على التمييز، أي: هاديًا لك إلى [طرق] (٢) الرشاد، وناصرًا لك. وقوله: ﴿جُمْلَةً﴾ نصب على الحال من القرآن، أي: مجتمعًا. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أنزلناه إنزالًا مثل ذلك الإنزال، أو فرقناه تفريقًا مثل ذلك التفريق، واللام في ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ من صلة هذا الفعل المقدر آنفًا، و ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ عطف عليه، أعني على هذا الفعل المحذوف. وقيل: ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لقوله: ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ على معنى: كسائر كتب الله، ويوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ على هذا التقدير، ثم يُبتدأ بقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾، على معنى: أنزلناه متفرقًا لنقوي به قلبك، ونزيدك بصيرة فيه. وقوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (وأحسن) عطف على (الحق) غير أنه لا ينصرف، ﴿تَفْسِيرًا﴾: منصوب على التمييز، أي: بالمثل الحق وبما هو أحسن تفسيرًا من مثلهم، ثم حذفت (من) للعلم بها، ألا ترى أنك إذا قلت: رأيت زيدًا وعمرًا، وكان عمرو أحسن وجهًا، علم أنك تريد: مِنْ زيد.

стр. 2734

﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾، والخبر ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، ﴿إِلَى﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿يُحْشَرُونَ﴾ على معنى: يجرون على وجوههم، وأن يكون في موضع الحال على معنى: يحشرون مسحوبين على وجوههم، وماشين على وجوههم، كما يمشي الماشي على قدميه، و ﴿مَكَانًا﴾ و ﴿سَبِيلًا﴾ نَصْبٌ على التمييز. وقوله: ﴿أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ (أخاه) مفعول أول، و ﴿هَارُونَ﴾ عطف بيان له أو بدل منه، و ﴿وَزِيرًا﴾ مفعول ثان. وقوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ عطف على معطوف تقديره: فذهبا إليهم فأنذراهم فكذبوهما فدمرناهم، كقوله: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ (١) أي: فضرب فانفلق. و ﴿تَدْمِيرًا﴾: مصدر مؤكد. والتدمير: الإهلاك. وقيل: الاستئصال. وقرئ: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ (٢) على الأمر لموسى وهارون، وهو معطوف على ﴿اذْهَبَا﴾. مؤكدًا بالنون الثقيلة، كقولك: اضربانِّ زيدًا، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ

стр. 2735

كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾: قوله : ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ نصب بإضمار فعل دل عليه ما بعده، أي: وأغرقنا قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، والأول أحسن تعضده قراءة من قرأ: (فدمرانِّهم) على الأمر، وهو علي بن أبي طالب ﵁ وغيره (١). وقوله: ﴿وَعَادًا﴾ إلى قوله: ﴿وَقُرُونًا﴾ عطف على ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ على معنى: وأهلكناهم. وقال أبو إسحاق: عطف على (هم) في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾، أو على معنى الظالمين، لأن المعنى: ووعدنا الظالمين (٢). وقوله: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ﴾ منصوب بمضمر دل عليه معنى ﴿ضَرَبْنَا﴾، أي: وأنذرنا كُلًّا، أو حذرنا كُلًّا، أو وعظنا كُلًّا، لأن ضَرْبَ الأمثال إنذارٌ وتحذير ووعظ، وأما ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا﴾ منصوب بـ ﴿تَبَّرْنَا﴾ ليس إلا، لأنه فارغ له عارٍ عن ضميره. وقوله: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ انتصاب قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ إما على المصدر على حذف الزوائد، أي: إمطار السوء، أو على أنه مفعول به ثان على تضمين الإِمطار معنى الإِيلاء أو الإِعطاء، كقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٣). ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

стр. 2736

حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾: قوله : ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ مفعول به ثان ليتخذونك، أي: ما يتخذونك إلا هزوًا، أي: مهزوًا به. وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ هذه الجملة محكية بعد القول المضمر، لأن المقول لا بد له من قائل، ومحل ذلك المضمر النصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾، أي: قائلين أهذا؟ و ﴿رَسُولًا﴾ يجوز أن يكون بمعنى مُرْسَلًا، وهو منصوب على الحال من العائد المحذوف إلى الموصول، أي: بعثه مرسلًا، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا على بابه من معنى بعث، لأنه في معنى أرسل، كأنه قيل: أرسله إرسالًا، وأن يكون في موضع الحال، أي: ذا رسول، أي: رسالة، فاعرفه. وقوله: ﴿إِنْ كَادَ﴾ (إن) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والتقدير: إن الأمر والشأن، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع (١). وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا﴾ أن وما اتصل بها في تأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء، وخبر الابتداء وجواب ﴿لَوْلَا﴾ كلاهما محذوف تقديره: لولا صبرنا ثابت عليها لصرفنا عنها. وقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (من) استفهام، و ﴿سَبِيلًا﴾ نصب على التمييز، وكذا ما بعده.

стр. 2737

وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ كلاهما مفعول ﴿اتَّخَذَ﴾، قيل: والأصل اتخذ الهوى إِلهًا، وإنما قدَّم المفعول الثاني على الأول للعناية، كما تقول: علمت منطلقًا زيدًا، لفضل عنايتك بالمنطلق، والاستفهام بمعنى التعجب، أي: أعجب ممن اتخذ ما يهواه معبوده، وهو ما جاء في التفسير من أن أحدهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى حجرًا أحسن منه أخذه وترك الأول (١). وقرئ: (إلهةً هواه) بتاء مدورة منصوبة منونة (٢)، وهي الشمس، يقال للشمس: إلاهةٌ مصروفة، وإلاهةُ بالضم غير مصروفة، كذا ذكره النقاش، وذكره أبو الفتح (٣). وقال الجوهري: إلاهة اسم للشمس غير مصروف بلا ألف ولام، وربما صرفوه وأدخلوا فيه الألف واللام، انتهى كلامه (٤). والهوى: ميل النفس إلى الشيء. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾: قوله : ﴿بُشْرًا﴾ على الحال من الرياح. وقرئ:

стр. 2738

(بُشْرَى) كحُبْلَى (١)، وهي مصدر في موضع الحال، أي: مبشرة، أو ذات بشرى، وقد ذكر في "الأعراف" بأشبع ما يكون (٢). وقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ اللام من صلة ﴿أَنْزَلْنَا﴾. وإنما قال جل ذكره: ﴿مَيْتًا﴾، لأنه أراد به المكان، أو لأن البلدة في معنى البلد. ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾ (أنعامًا) مفعول ثان لقوله: (نُسْقِيَهُ)، و ﴿مِمَّا﴾ يجوز أن يكون من صلة (نُسْقِيَهُ)، وأن يكون في موضع الحال من الأنعام والأناسي لتقدمه عليهما، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع، و (من) على الوجه الأول لابتداء الغاية، وعلى الثاني للبيان. وقرئ: (ونَسقيه) بفتح النون (٣)، وهما لغتان، أعني: أسقي وسقى. وقيل غير هذا، وقد ذكر (٤). و(أَنَاسيّ) جمع إنْسي، وهو واحد الإنس، أو جمع إنسان، والأصل أناسين، كسراحين في جمع سرحان، فقلبت النون ياء ثم أدغمت الياء في الياء، وقيل: بل ألقيت النون من آخره وعوضت الياء بدلًا منها، والمعنى: ونسقي ذلك الماء أنعامًا وأناسي كثيرًا من جملة ما خلقنا، لأن من الحيوان ما يعيش بغير الماء (٥). [والجمهور على تشديد ياء (أَناسِيَّ) على الأصل] (٦)، وقرئ: (وأَنَاسيَ)

стр. 2739

بالتخفيف (١)، على حذف ياء أفاعيل، كقولهم: أناعم في أناعيم. والهاء في ﴿صَرَّفْنَاهُ﴾ للمطر. وقيل: للقول، أي: ولقد صرفنا هذا القولط بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾: قوله : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: خلطهما. وقيل: خلاهما متجاورين متلاصقين (٢). وقوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ﴾ الجمهور على كسر الميم وإسكان اللام وهو المشهور في اللغة، وقرئ: (مَلِحٌ) بفتح الميم وكسر اللام (٣)، وهو مقصور من مالح، لُغية، كراهة التضعيف، يقال: ماء مالح. قال أبو الفتح: وفيما قرئ على أحمد بن يحيى فاعترف بصحته: سمك مالح، وماء مالح، وإنما يقال: سمك مملوح ومليح، هذا أفصح الكلام، والأول يقال، انتهى كلامه (٤). والتاء في ﴿فُرَاتٌ﴾ أصلٌ، ووزنه فُعال. وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ (جعل) هنا بمعنى عمل وخلق، و ﴿بَيْنَهُمَا﴾

стр. 2740

يحتمل أن يكون ظرفًا له، وأن يكون حالًا من (برزخ) لتقدمه عليه، والبرزخ: الحاجز، من قدرته يحجز بينهما [فيمنعهما] من الاختلاط والامتزاج. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ أي: من النطفة إنسانًا. وقيل: البشر آدم ﵇، لأنه خُلق من الأرض المخلوقة من الماء (١). وقوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أي: فجعل البشر نسبًا، أي: ذوي نسب، أي: ذكورًا ينسب إليهم، فيقال: فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، ﴿وَصِهْرًا﴾ أي: ذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهن. وقيل: النسب سبعة أصناف، وهو ما ذكر من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ (٢). والصهر خمسة أصناف، وهو ما ذكر من قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (٣). وقيل: النسب الذي ليس بصهر، من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. والصهر: من يحل له التزويج، وقيل: النسب الذي لا يحل نكاحه، والصهر النسب الذي يحل نكاحه، كبنات العم والخال ونحوهما من القرابة. وقيل غير ذلك. قيل: واشتقاق [الصهر من قولهم: صهرت الشيء، أي: خلطته، فكل واحد من الصهرين قد خالط صاحبه. واختلف أهل اللغة فيه وفي الخَتَن، فقال ابن الأعرابي: الأَخْتَانُ أبو المرأة وأخوها وعمها. والصهر: زوج ابنة الرجل وأخوه وعمه. وقال الأصمعي: الأَختان كل شيء من قِبَلِ المرأةِ، والأصهار يجمع الجميع (٤).

стр. 2741

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾: قوله : ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ (ظهيرًا) خبر كان، و ﴿عَلَى﴾ من صلته، أي: ظهيرًا على معصية ربه، فحذف المضاف، وهو فعيل بمعنى مفاعل. قيل] (١): الظهير والمظاهر كالعوين والمعاون، وفعيل بمعنى مفاعل غير عزيز، والمعنى: أن الكافر يظاهر الشيطالن على ربه بالعداوة والشرك (٢)، أي: يعاونه على ذلك حيث يطيعه في معصية الله. وقوله: ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ انتصابهما على الحال من الكاف في ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ (مَن) نصب على الاستثناء، وفيه وجهان: أحدهما: منقطع، أي: ولكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا بالطاعة فليفعل، فلا ثقل ولا مؤنة عليه من جهتي، فإني لا أسأله شيئًا. والثاني: متصل، وفي الكلام حذف مضاف، أي: إلا إيمان أو طاعة من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا بالإيمان أو بالطاعة، فإن إيمان المؤمن وطاعته من أَجْري، لأن الله تعالى يأجرني عليه. وقوله: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ الباء للحال، أي: حامدًا له. وقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (خبيرًا) تمييز أو حال،

стр. 2742

و ﴿بِذُنُوبِ﴾ من صلته، أي: كفاك هو خبيرًا بأحوالهم، أي: عالمًا بهم وبما يصدر منهم، فالمفعول محذوف والباء مزيدة. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾: قوله : ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ محل ﴿الَّذِي﴾ إما الجر على البدل من قوله: ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ أو النصب على إضمار أعني، أو الرفع على إضمار (هو)، أو على الابتداء خبره ﴿الرَّحْمَنُ﴾، فإن جعلت محل ﴿الَّذِي﴾ الجر أو النصب كان رفع قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ على أحد أربعة أوجه: إما على الابتداء والخبر ﴿فَاسْأَلْ﴾، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الرحمن، أو على أنه فاعل ﴿اسْتَوَى﴾، أو بدل من المنوي في ﴿اسْتَوَى﴾، ويجوز في الكلام نصبه على المدح وجره على البدل من ﴿الْحَيِّ﴾، أو على النعت له. وحكي أنه بالجر قرأ بعض القراء (١). وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فيما يتعلق به الباء من ﴿بِهِ﴾ وجهان - أحدهما: متعلق بقوله: ﴿فَاسْأَلْ﴾ وهو بمعنى (عن)، أي: فاسأل عنه، أي: عن الذي خلق السماوات خبيرًا، أي: عالمًا وهو الله أو غيره، أي: فاسأل عنه رجلًا عارفًا يخبرك برحمته. والثاني: متعلق بقوله ﴿خَبِيرًا﴾ على معنى: فاسأل به إنسانًا خبيرًا به جل ذكره وبرحمته، أي: اسأل من يعلمه. و ﴿خَبِيرًا﴾، مفعول به لقوله: ﴿فَاسْأَلْ﴾ لا حال من المنوي فيه كما زعم بعضهم، لأن السائل لا يكون عارفًا، إذ لو كان عارفًا لم يسأل، ولا من الهاء في ﴿بِهِ﴾ كما زعم الزمخشري (٢)، على معنى: فاسأل عنه عالمًا بكل شيء، لأن المسؤول عنه - وهو الرحمن جل ذكره -

стр. 2743

(خبيرًا) أبدًا. والحال في الأمر العام تتغير وتنتقل اللهم إلا على وجه التأكيد، كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١)، فحينئذ يجوز أن يكون حالًا من أحد المذكورين، فاعرفه. وقيل: الضمير في ﴿بِهِ﴾ للمصدر، أي: فاسأل بسؤالك إياه خبيرًا. وقيل التقدير: فاسأله خبيرًا به، أي: بخلق السموات أو بالاستواء أو بذات الرحمن، وينصب قائل هذا القول ﴿خَبِيرًا﴾ على الحال على جهة التأكيد. وقيل: هذا من السؤال الذي معناه الطلب، والهاء ضمير الله، و ﴿خَبِيرًا﴾ منصوب على الحال، أي: فاسأل ما تسأله من الله خبيرًا، أي: عالمًا بكل شيء، فاعرفه فإنه موضع (٢). ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾: قوله : ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ (ما) هنا يحتمل أن تكون موصولة، وإذا كانت موصولة تحتاج إلى عائد، والتقدير: أنسجد للذي تأمرناه، بمعنى: تأمرنا بسجوده، ثم تأمرنا لسجوده، كقولك: ٤٨٠ - أَمَرْتُكَ الخَيْرَ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . (٣) ثم تحذف المضاف الذي هو السجود، ثم الضمير العائد فبقي (﴿تَأْمُرُنَا﴾ كما ترى، والمعنى: أنسجد لهذا اللفظ من غير أن نعرف معناه، ولهذا الاسم من غير أن نعرف مسماه؟ والاستفهام بمعنى الإنكار، أي: لا نسجد.

стр. 2744

وأن تكون مصدرية، [وإذا كانت مصدرية] (١) لم تحتج إلى عائد، أي: أنسجد لأمرك يا محمد إيانا بالسجود من غير معرفة منا به؟ وأن تكون موصوفة، وحكمها في التقدير لأجل العائد حكم الموصولة على ما ذكر وقدر آنفًا. وقرئ: (تأمرنا) بالتاء النقط من فوقه (٢)، على الخطاب منهم لرسول الله ﷺ وبالياء النقط من تحتها (٣)، على الإخبار عنه ﷺ على وجه الإنكار منهم (٤) أن يسجدوا لما يأمرهم به محمد ﷺ ، قال أبو علي: ولا يجوز الإخبار عن الرحمن، على معنى: لما يأمرنا الرحمن، لأنهم أنكروا الرحمن بقولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٥)؟ قلت: قد جوز ذلك على معنى: يأمرنا بذلك ولا نعرف ما هو. وقوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ المنوي في (زاد) لذكر الرحمن والسجود له، لأنه هو المراد والمقول. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ الضمير في ﴿فِيهَا﴾ للسماء, وقيل: للبروج (٦).

стр. 2745

وقرئ: ﴿سِرَاجًا﴾ على الإفراد (١)، والمراد به الشمس، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٢). وقرئ: (سُرُجًا) على الجمع (٣)، والمراد به الشمس والقمر والكواكب معهما، بشهادة قوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (٤). والمصابيح: السُرُج. وقيل: بل المراد به الشمس، وإنما جَمَعَ من جَمَعَ لأنه جعل شمس كل يوم سراجًا له. وقوله: ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أي: مضيئًا في الليل مزيلًا لظلمته، وسُمِّيَ القمرُ قمرًا لبياضه، والأَقْمَر: الأبيضُ، يقال: حمار أَقْمَرُ، وسحاب أقمر، وليلة قمراء، أي: مضيئة، وأقمرت ليلتنا، أي: أضاءت (٥). وقوله: ﴿خِلْفَةً﴾ الخلفة مصدر بمعنى الاختلاف، يقال: خلف هذا [هذا] يخلفه خلفة، إذا جاء بعده وقام مقامه، وهو إما مفعول ثان، أي: ذوي خلفة أي (٦): ذوي اختلاف، يعني: مختلفين في الوقت، يأتي أحدهما في غير وقت الآخر. وقيل: مختلفين في اللون، أحدهما أسود، والآخر أبيض (٧). أو في موضع الحال، أي: مختلفين، و ﴿جَعَلَ﴾ على هذا بمعنى خلق. وقيل: ﴿خِلْفَةً﴾ أي: يخلف أحدهما صاحبه (٨)، وفيه توسعة على العباد.

стр. 2746

قال قتادة: المؤمن قد ينسى بالنهار ويذكر بالليل، وينسى بالليل ويذكر بالنهار (١). وعن الحسن: جعل أحدهما خلفًا عن الآخر، فإن فات رجلًا شيء في النهار أدركه في الليل، وإن فاته شيء في الليل أدركه في النهار (٢). وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ الشكور هنا مصدر كالقعود والرقود، وكذا الشكر، والمعنى: لمن أراد أن يتعظ، أو أراد شكر النعم، لأن هذا من جلائل النعم التي أنعم بها على عباده (٣). ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾: قوله : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ هذه إضافة تفضيل وتخصيص وتكريم، و ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه: أحدها: في آخر السورة، وهو: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ (٤) وما بينهما صفاتهم، والتقدير: وعباد الرحمن الماشون على الأرض هونًا والقائلون سلامًا عند مخاطبة الجهال إياهم، مع ما بقي من الأوصاف الأخرى، أولئك يجزون الغرفة بصبرهم على دينهم، وعلى أذى المشركين وغيرهما. والثاني: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ هو الخبر.

стр. 2747

والثالث - وهو قول أبي الحسن -: أنه مبتدأ بلا خبر، يزعم أنه محذوف (١) و﴿هَوْنًا﴾: مصدر في موضع الحال، بمعنى: يمشون على الأرض هينين، أي: متواضعين غير مختالين، والهَوْنُ: السكينة والوقار، ولك أن تجعله صفة للمشي، أي: مشيًا هينًا. وقوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ السلام إما مصدر، أو واقع موقع المصدر على الخلاف المشهور بين أهل هذه الصناعة كالكلام، واختلف في معناه، فقيل: قالوا قولًا ذا سداد، يعني قولًا يسلمون فيه من الإثم، فالسلام على هذا التأويل بمعنى السلامة، أي: قولًا ذا سلامة، على معنى: إذا كلمهم السفهاء بما يكرهون صانوا أنفسهم عن مسافهتهم ومشاتمتهم. وقيل: قالوا سلامًا، أي: سلموا عليهم سلامًا، أي: تسليمًا. وقيل: قالوا سلامًا، أي: براءة منكم، أي: لا خير بيننا ولا شر، فالسلام على هذا واقع موقع التسلم. وقوله: ﴿سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ انتصابهما على الحال، أي: ساجدين ساعةً من الليل وقائمين أخرى، و ﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد، و (قِيَامًا) جمع قائم. وقوله: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾: أي: مُلِحًّا دائمًا لازمًا لا يفارق، ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه. وقيل: ﴿غَرَامًا﴾ هلاكًا ولزامًا لهم، ومنه رجل مغرم بالحب، حب النساء. ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾: قوله : ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ساءت بمعنى: بئست،

стр. 2748

والمنوي فيها يعود إلى اسم (إنَّ)، والمخصوص بالذم محذوف، أي: (هي)، وانتصاب قوله: ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ على التمييز، والمميز فاعل الفعل. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ قرئ: (يَقتِرُوا) بفتح الياء وكسر التاء وضمها (١)، و (يُقتِروا) بضم الياء وتخفيف التاء وتشديدها (٢). والقَتْر والإقتار والتقتير ثلاث بمعنى، وهو التضييق على النفس والعيال والوجوه المندوب إليها، وهو نقيض الإسراف، والإسراف: مجاوزة الحد في التوسع والإنفاق. وقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ في (كَانَ) ضمير يعود إلى الإنفاق (٣) وهو اسم كان، و ﴿قَوَامًا﴾ خبرها، ﴿بَيْنَ﴾ لغو عار عن الذكر معمول الخبر، أي: وكان الإنفاق بين الإسراف والإقتار قوامًا، أي: اعتدالًا بينهما، ويجوز أن يكون مستقرًا فيكون فيه ذكر، و ﴿قَوَامًا﴾ إما خبر بعد خبر، أو حال مؤكدة، ولو اقتصر في الكلام على قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لكان حسنًا كافيًا، لأنه إذا كان بينهما كان اعتدالًا. وأجاز الفراء (٤) أن يكون ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ اسم كان، على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن، وأُنكر عليه ذلك (٥)، وقيل: هذا وإن كان متينًا من جهة الإعراب، لكن ضعيف من جهة المعنى، لأن ما بين الإسراف والإقتار

стр. 2749

قوام لا محالة، وإذا كان كذلك فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدةِ فائدة (١). والجمهور على فتح قاف قوله: ﴿قَوَامًا﴾، وهو الاعتدال في الأمر، ومنه قولهم: جارية حسنة القَوام، إذا كانت معتدلة الطول والخلق، وقرئ: (قِوامًا) بكسرها (٢)، وهو ملاك الأمر ونظامه وعماده، يقال: فلان قوام أهل بيته، وهو الذي يقيم شأنهم، والمعنى: وكان إنفاقهم بينهما ملاكًا لأمرهم ونظامًا له. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (يلق) جواب الشرط، والأثام جزاء الإثم، والإثم: الذنب، وقد أثم الرجل بالكسر يأثم إثمًا، إذا وقع في الإثم. وقيل: الأثام الإثم، وهو على حذف مضاف، أي: يلق جزاء أثام (٣). وقوله: ﴿يُضَاعَفْ﴾ قرئ: بالجزم (٤)، على البدل من ﴿يَلْقَ﴾، لأنهما في معنى واحد، وذلك أن تضعيفَ العذاب لَقْيُ الأثام، والفعل يُبْدَلُ من الفعل، كما أن الاسم يبدل من الاسم.

стр. 2750

وقرئ: بالرفع (١) على القطع والاستئناف، أو على الحال. وكذا ﴿وَيَخْلُدْ﴾ قرئ: مجزومًا ومرفوعًا (٢)، والجمهور على فتح يائه على البناء للفاعل، وقرئ أيضًا: (ويُخْلَد) بضم الياء على البناء للمفعول مخففًا ومثقلًا (٣) من الإخلاد والتخليد. وقرئ: (تخلد) بالتاء النقط من فوقه (٤)، على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، وهو شائع في كلام القوم. ﴿مُهَانًا﴾: منصوب على الحال من المنوي فيه، وهو اسم المفعول من (أهين) فهو مهان. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾: (من) في موضع نصب على الاستثناء، وهو من الجنس، و ﴿مَتَابًا﴾ مصدر مؤكد. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾: قوله : ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ (كرامًا) جمع كريم، يقال: رجل كريم، وقوم كرام وكرماء، وانتصابه على الحال، أي: مروا معرضين عنه.

стр. 2751

وقوله: ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ انتصابهما على الحال، و ﴿صُمًّا﴾: جمع أصم ﴿وَعُمْيَانًا﴾: جمع أعمى. وقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ ليس بنفي للخرور، إنما هو إثبات له ونفي للصم والعمى، كقولك: لم يلقني فلان ضاحكًا، هو نفي للضحك لا للقاء، والمعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركوها حتى يكونوا بمثابة من لا يسمع ولا يبصر. وقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿هَبْ﴾ و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية على معنى: هب لنا من جهتهم، وأن يكون حالًا من ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ و ﴿مِنْ﴾ للبيان، و ﴿قُرَّةَ﴾ مصدر قولك: قررت به عينًا، وقررت أيضًا قرة وقرورًا فيهما، ولهذا لم يجمع، وقرئ: (قرات أعين) على الجمع (١)، لاختلاف أجناسه، وهو من القُرِّ، وهو البرد. وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مصدر في الأصل، فيقال أَمه يؤمه أمًا وإمامًا، كصام يصوم صومًا وصيامًا، فوحَّد لذلك. والثاني: أنه أراد أَئمة، فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس، كقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٢). والثالث: أنه جَمْعُ إمامة، كقلادة وقلاد. والرابع: أنه جمع آمّ، فاعل أَمَّهُ يَؤُمُّه فهو آمّ، كحالّ وحِلال، أو جمع آمٍ كراع ورعاء، على إبدال إحدى الميمين ياء كراهة التضعيف.

стр. 2752

والخامس: أنه أراد: واجعل كل واحد منا إمامًا، كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١). والسادس: أنه أراد: واجعلنا واحدًا لاتحادنا واتفاق كلمتنا، والمعنى: واجعلنا أئمة يقتدي بها المتقون، أي: اجعلنا من أهل الصلاح، والعلم بدينك، والقيام به، والذي عنه، بحيث يقتدي بنا المتقون من عبادك. وعن بعض أهل العلم: في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها (٢). ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾: قوله : ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ قرئ: بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف على البناء للمفعول (٣)، من لَقَّيْتُ فلانا الشيءَ، إذا قابلته به، أي: وتتلقاهم الملائكة فيها بالتحية والسلام. ﴿تَحِيَّةً﴾ مفعول ثان، وذلك أن لقي فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بتضعيف العين يتعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٤). (ويُلْقَوْنَ) بفتح الياء وإسكان اللام وتخفيف القاف على البناء للفاعل (٥)،

стр. 2753

كقوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١)، ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٢)، من لقي الشيء، إذا صادفه، أي: يصادفون فيها تحية وسلامًا. و ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الضمير فيه. وقوله: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ المنوي في ﴿حَسُنَتْ﴾ للغرفة، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: هي. والمستقر: موضع القرار، والمقام موضع الإقامة، ويجوز أن يكونا مصدرين، وهما منصوبان على التمييز. ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾: قوله : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ﴾ (ما) هنا تحتمل أن تكون استفهامية [بمعنى الاستغناء، ومحلها النصب] (٣) والمصدر مضاف إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل، بمعنى: أي شيء يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإيمان؟ أو إلى الفاعل على معنى: لولا توحيدكم إياه، أو لولا دعاؤكم إياه عند الشدة، أو لولا دعاؤكم معه آلهة أُخَر، بشهادة قوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ (٤). وأن تكون ﴿مَا﴾ نافية، أي: ما يبالي بكم وما يريدكم، يقال: ما عبأت بفلان، أي: ما باليت به. و ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ مبتدأ، وخبره وجواب ﴿لَوْلَا﴾ كلاهما محذوف تقديره: لولا دعاؤكم موجود أو كائن لهلكتم. وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ يعني الرسول وما جاء به. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ اللزام: مصدر قولك: لازمت فلانًا

стр. 2754

ملازمة ولزامًا، بمعنى، واللزام: الملازم أيضًا، على إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل، أي: فسوف يكون العذاب ذا لزام، أو ملازمًا لكم يوم القيامة بسبب تكذيبكم الرسول وما جاء به. وقال أبو إسحاق: فسوف يكون تكذيبكم لزامًا يلزمكم، فلا تتركونه ولا تتوبون منه (١). وقرئ: ﴿لِزَامًا﴾ بفتح اللام (٢)، وهو مصدر لَزِمَ كاللزوم، عن أبي إسحاق وغيره. هذا آخر إعراب سورة الفرقان والحمد لله وحده

стр. 2755

إعراب سُورَةُ الشُّعَرَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾: قوله : ﴿طسم﴾ قيل: هو من أسماء الله جل ذكره. وقيل: اسم من أسماء القرآن. وقيل: اسم للسورة (١). وقرئ: بتفخيم الألف وهو الأصل، لأن الطاء مستعلية مطبقة تمنع الإمالة، وإمالتها (٢)، لتدل على أنها اسم. وإظهار النون، لأن حرف الهجاء في تقدير الانفصال، وإدغامها (٣)، لما بينها من المؤاخاة، وقد أوضحت جميع ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة.

стр. 2756

وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ مبتدأ وخبره، واختلف في الإشارة، فقيل: إلى ﴿طسم﴾، والمراد بها جميع حروف التهجي، أي: تلك الحروف حروف آيات الكتاب، لا تخرج عنها، و ﴿الْكِتَابِ﴾: القرآن. وقيل: إلى ما في الكتب المتقدمة في ذكر القرآن. وقيل غير هذا، ولا يليق ذكره هنا (١). وقيل: ﴿تِلْكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه تلك، و ﴿آيَاتُ﴾: بدل من هذه، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٢). وقوله: ﴿أَلَّا يَكُونُوا﴾ مفعول له، أي: قاتِلٌ نفسَكَ لتركهم الإيمان، أو مخالفة أَلَّا أَو لِئَلَّا، والبَخْعُ: القتل والهلاك، ولعل: للإشفاق، والمعنى: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إيمان قومك، والقتل قد يستعمل في شدة الحرص، يقال: فلان يقتل نفسه على كذا. ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾: قوله : ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (فظلت) عطف على جواب الشرط الذي هو ﴿نُنَزِّلْ﴾، لأنه لو قيل: أنزلنا، لكان جائزًا، فموضع الفاء وما بعده جزم بالعطف على ما ذكر آنفًا لا الرفع كما زعم بعضهم (٣)، لأن الفائدة منوطة بها. أبو إسحاق: معنى ﴿فَظَلَّتْ﴾ فتظل، لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل (٤).

стр. 2757

أبو علي: الفعل بعد الفاء منقطع عن عامل الجزم، وإذا انقطع عنه لم يجز أن يقع الماضي موضع المستقبل على حد ما كان يقع قبل أن يقطع، فالماضي لم يقع موقع المستقبل هنا من حيث ذَكَرَ الزجّاجُ، لكن كما يقع في غير هذا، انتهى. و﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ اسم ظلت، و ﴿خَاضِعِينَ﴾ خبرها، و ﴿لَهَا﴾ من صلة الخبر، والضمير للآية، وفي إتيان ﴿خَاضِعِينَ﴾ بالياء والنون أوجه: أحدها: أن المراد بالأعناق هنا الكبراء والرؤساء شُبِّهُوا بالأعناق، كما قيل: هم الرؤوس والنواصي والصدور. والثاني: أن الخضوع من صفة العقلاء، فلما وصفت بالخضوع الذي هو لهم أجريت مجراهم في الجمع، كقوله: ﴿لِي سَاجِدِينَ﴾ (١) و ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢). والثالث: أن الأعناق: الجماعات، يقال: أتاني عنق من الناس، أي جماعة منهم. والرابع: أن الأعناق أضيفت إلى العقلاء وأعطيت حكمهم. والخامس: أن التقدير: أصحاب أعناقهم، فحذف المضاف، فالإخبار في الحقيقة عن المضاف المحذوف. والسادس: أن الأصل والتقدير: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، لأنها إذا ذلت فقد ذلوا هم، وترك الكلام على أصله، كقولهم: ذهبت أهل اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. والسابع: أن خاضعين وخاضعة هنا بمعنىً، ومعنى ذلك: أن القوم إذا

стр. 2758

ذلت أعناقهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها. والثامن - وهو قول الفراء وغيره من أهل الكوفة -: الإخبار عن الهاء والميم لا عن الأعناق، ورُدّ ذلك بأن قيل: لو كان الأمر كما زعموا لوجب أن تكون خاضعين هم، لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له وجب إبراز الضمير فيه، نحو: هند زيد ضاربته هي، وكذا ﴿خَاضِعِينَ﴾ لو كان جاريًا على غير فاعل الفعل الذي هو (ظلت) لافتقر إلى إبراز الضمير للفاعل على ما ذكر وقدر آنفًا (١). ويجوز في الكلام (خاضعة) (٢)، ولا ينبغي أن يقرأ به، لأن القراءة سنة متبعة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾: قوله : ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ (كم) في موضع نصب بـ ﴿أَنْبَتْنَا﴾ و ﴿مِنْ كُلِّ﴾: تمييز، و ﴿كَمْ﴾ للتكثير، و ﴿كُلِّ﴾ للإحاطة. وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى﴾ أي: واذكر إذ نادى. ﴿أَنِ ائْتِ﴾، (أن) يجوز أن تكون مصدرية، أي: بأن ائت، وأن تكون مفسرة بمعنى: أي. وقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أو عطف بيان لهم.

стр. 2759

وقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ مستأنف، أي: أَلَا يتقون الله فقد حان لهم أن يتقوا، وهذه كلمة استبطاء وحث وإغراء، أي: ليتقوا، وقد جوز أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿الظَّالِمِينَ﴾ أي: يظلمون غير متقين عقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال (١). والجمهور على الياء لأن القوم غيب، وقرئ: (ألا تتقون) بالتاء النقط من فوقه (٢)، على الخطاب على طريقة الالتفات إليهم على إضمار قل، أي: قل لهم ألا تتقون الله. وعلى فتح النون على ما أوضحت وقدرت مرتين، وقرئ: (أَلَا يتقونِ) بكسرها (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: أن الأصل والمعنى: ألا يتقونني، فحذفت إحدى النونين كراهة اجتماع المثلين، والياء اجتزاء بالكسرة عنها، ويجوز إدغامها في الكلام، ولا يجوز لأحد أن يقرأ به، لأن القراء سنة متبعة. والثاني: أن الأصل والمعنى: ألا يا ناس اتقون، كقوله: (أَلَا يَسْجُدُوا) (٤) على قراءة الكسائي (٥)، لأنه أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا، ومن أبيات الكتاب: ٤٨١ - يَا لَعْنَةُ اللهِ والأَقْوَامِ كُلِّهِمُ ... . . . . . . . . . . . . . . (٦)

стр. 2760

أي: يا قوم. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾: قوله : ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ الأصل: يكذبونني بنونين: الأولى علم الرفع، والثانية تصحب ياء النفْس، فحذفت التي هي علم الرفع، وبقيت التي تصحب ياء النفس اكتفاء بالكسرة عنها. والجمهور على رفع الفعلين، وهما ﴿يَضِيقُ﴾ و ﴿يَنْطَلِقُ﴾ عطفًا على خبر (إنَّ) وهو ﴿أَخَافُ﴾، أي: وإني يضيق صدري وإني لا ينطلق لساني بتكذيبهم إذا كذبوني. وبالنصب (١) عطفًا على صلة (أَنْ)، على تعلق الخوف بالأمور الثلاثة وهن: التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، وأما الرفع: فعلى تعليق الخوف بالتكذيب، فاعرف الفرق بينهما. وقوله: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ المرسَلُ هنا جبريل ﵇ على معنى: فأرسل جبريل إليه واجعله رسولًا ليأتي معي معينًا، أو موسى ﵇ على معنى: فأرسلني مع هارون. ولك أن تبقي ﴿إِلَى﴾ على بابه، على معنى: فأرسلني مضمومًا إلى هارون، فيكون ﴿إِلَى﴾، في موضع الحال من موسى ﵇ متعلقًا بهذا المقدر المنصوب على الحال، [وفيه ذكر مرتفع به على هذا الوجه] فاعرفه فإنه موضع.

стр. 2761

وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ في الكلام حذف [مضاف] تقديره: ولهم علي دعوى ذنب، أو تبعة ذنب بأن قتلت منهم قتيلًا - وهو القبطي الذي وكزه موسى ﵇ المذكور في سورة القصص (١) - فأخاف أن يقتلوني به، فحذف المضاف. ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾: قوله : ﴿فَاذْهَبَا﴾ عطف على محذوف دل عليه حرف الردع، أي: ارتدعْ يا موسى عما تظن من قتلهم إياك، فاذهب أنت وأخوك فقد أرسلته رسولًا معك. وقوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ في خبر (إن) وجهان: أحدهما: هو ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، و ﴿مَعَكُمْ﴾ إِما من صلة الخبر أو مستقر أيضًا، والخطاب لموسى وهارون وفرعون وقومه، أي: سامعون لما تقولونه، واستفعل قد يأتي بمعنى فعل وأفعل، وإنما عدل عن الظاهر، لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز في حق الباري جل ذكره. والثاني: ﴿مَعَكُمْ﴾ وفي الكلام حذف، أي: معكم بالنصرة والمعونة، والخطاب لموسى وهارون ﵉، وجُمع لأن التثنية جمع، ثم قال: ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ لما يقال لكما، لا يَخفى علينا شيء. وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في إفراد قوله ﴿رَسُولُ﴾ بعد قوله: ﴿فَقُولَا﴾ أوجه: أحدها: أن الرسول هنا مصدر كالرسالة، يقال: أرسلت فلانًا إرسالًا ورسالة ورسولًا، بمعنىً، وأنشد:

стр. 2762

٤٨٢ - لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهُم ... بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برَسُولِ (١) أي: برسالة. وفي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: صاحبا، أو ذوا رسالة، فحذف المضاف، أو إنا رسالة، على جعلهما نفس الرسالة وعينها مبالغة، كقولك: رجل صَوْم وزَوْر على الوجهين. والثاني: أن الرسول كالعدو يكون للواحد والاثنين والجماعة بلفظ واحد، يقال: هو رسولي، وهما رسولي، وهم رسولي. وأنشد: ٤٨٣ - أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُول ... أَعْلَمُهُمْ بنَواحِي الخَبَرْ (٢) فأوقعه على الجمع كما ترى. والثالث: أن التقدير: أن كل واحد منا رسول رب العالمين، كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣) أي كل واحد منهم. والرابع: أن موسى ﵇ لما كان هو الأصل في ذلك وهارون تبعًا وُحِّدَ تنبيهًا على ذلك، وأما قوله في "طه": ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ (٤) فثني، فإن الرسول قد يكون بمعنى المرسَل، كما يكون بمعنى الرسالة، فَجُعِلَ ثَمَّ بمعنى المرسل فثني لذلك، وفي الكلام حَذْفٌ دل عليه الرسول تقديره: إنا رسول رب العالمين أرسلنا إليك بأن ترسل [معنا] بني إسرائيل. ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ

стр. 2763

فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾: الاستفهام للتقرير، وانتصاب قوله: ﴿وَلِيدًا﴾ على الحال، أي: في حال كونك وليدًا، أي: طفلًا لم تبلغ مبلغ الرجال، وسمى الطفل وليدًا لقرب عهدٍ من الولادة، و ﴿مِنْ عُمُرِكَ﴾: [في موضع نصب على الحال من ﴿سِنِينَ﴾ لتقدمه عليها]. وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ الجمهور على فتح فاء ﴿فَعْلَتَكَ﴾ وهي المرة من الفعل، وقرئ: (فِعلتك) بكسرها (١)، وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان، كالجلسة والركبة، والوجه قراءة الجمهور إذ كانت وكزة واحدة. وقوله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يجوز أن يكون الواو للحال إن أراد حدوث كفران النعمة، وإن أراد أن دأبه كذلك فلا، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. وقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾: في موضع الصفة لنعمة، أي: بها. وقوله: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ محلها إما الرفع على البدل من المبتدأ وهو ﴿تِلْكَ﴾، أو من الخبر وهو ﴿نِعْمَةٌ﴾، أو عطف بيان لأحدهما، على معنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أن عَبَّدَت. وإما النصب على حذف الجار وعدمه وهو اللام أو الباء، أي: لِأَنْ عبَّدت، أو بأنْ عبَّدت، أو الجر على إرادته على

стр. 2764

الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (١). واختلف في معنى الكلام، فقيل: معناه الاستفهام، على تقدير أو تلك على سبيل الإنكار. وقيل: هو خبر جواب لفرعون حين قال له ما قال (٢). ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾: قوله : ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ابتداء وخبر، و (ما) استفهام، أي: أي شيء هو؟ على معنى: من أي جنس هو؟ لأن (ما) سؤال عن الجنس، ظن عدو الله أنه من أحد أجناس الأجسام، فسأله بـ (ما) لذلك، والله تعالى متنزه عن الجنس والنوع. وقوله: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ (حوله) ظرف مكان ومحله النصب على الحال من الملأ، أي: كائنين أو مستقرين حوله، لا معمول [قال] كما زعم بعضهم، وقد مضى الكلام على أوجهه في "الأعراف" (٣). ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ

стр. 2765

وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾: قوله : ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: مدائن إما مفاعل من دان يدين والهمز فيه مسموع، وإما فعال من مَدَنَ بالمكان، إذا أقام به، ومنه سمي المدينة، وهي فعيلة، وهو الجيد لأجل الهمزة، أعني فعائل، وتجمع أيضًا على مُدْن ومُدُن بالإسكان والتحريك. وقوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ انتصاب ﴿سَاجِدِينَ﴾ على الحال من السحرة، أي: ساجدين لله مخلصين الإيمان له، والإلقاء مبالغة في وصف مبادرتهم إلى السجود، كأن ملقيًا ألقاهم، وقيل: ألقاهم الله بما خولهم من التوفيق وما عاينوا من المعجزة الباهرة. وقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ عطف بيان لرب العالمين، لأن عدو الله كان يدعي الربوبية، فبينوا بذلك أنهم لم يريدوا فرعون. ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)

стр. 2766

وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾: قوله : ﴿لَا ضَيْرَ﴾ خبره محذوف؛ أي: لا ضير علينا من عقابك، والضَّير والضُّر بمعنى. وقوله: ﴿أَنْ كُنَّا﴾ الجمهور على فتح (أن)، على معنى: لأن كنا في هذا المحفل أول من آمن بالله ورسوله، وقرئ: بكسرها (١) على أنها شرطية قيل: وهذا من الشرط الذي يأتي به المدل بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين (٢). وقوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ مستأنف. وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ محكي بعد قول مضمر، أي: قال فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون. والشرذمة: الطائفة القليلة من الناس، والقطعة من الشيء، ومنه قولهم: ثوب شراذم (٣)، للذي بلي وتقطع قطعًا. وقيل: البقايا (٤). وقيل: السفلة (٥). و﴿قَلِيلُونَ﴾ جمع على المعنى، لأن الشرذمة جماعة، يقال: شيء قليل، وجمعه في القلة: أقلة، وفي الكثرة: قُلُلٌ، كَسَرير وأسِرَة وسُرُرٌ، وقوم قليلون وقليل أيضًا، وفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ (٦).

стр. 2767

وقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قرئ بغير الألف (حذرون)، وبه (١)، كلاهما اسم فاعل، يقال حَذِرَ يَحْذَرُ حَذَرًا، فهو حَذِرٌ وحَاذِرٌ. واختلف في معناهما، فقيل: الحذر الذي يحذر في الحال، والحاذر الذي يحذر في المآل. وقيل: الحذر العالم بالحرب، والحاذر ذو أداة وسلاح، وهو قول أبي إسحاق (٢) وهو الوجه عندي هنا، وذلك أن المفسرين قالوا: إنا لمجتمعون في عدد كثير وأسلحة تامة وعالمون بالحرب، وقوم موسى لا سلاح معهم وليس لهم علم بالحرب (٣). وعن الفراء: الحاذر الذي يحذرك الآن، والحذر الذي خلق كذلك (٤). وقيل: الحاذر المستعد الشاك في السلاح، والحذر الخائف (٥). وقرئ أيضًا (حادرون) بالدال غير معجمة (٦)، والحادر: القوى السمين، يقال: حدر فلان يحدُرُ بالضم فيهما حدرًا وحدورة، إذا قوي جسمه وامتلأ لحمًا وشحمًا، ومنه عين حدرة: مكتنزة صلبة. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف إما النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: أخرجناهم إخراجًا مثل ذلك الإخراج الذي ذكرنا. أو الرفع

стр. 2768

على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، أي كما وصفنا، أو بالعكس، أي: كذلك كان الأمر. وقد جوز أن يكون في موضع جر على أنه نعت لـ (مقامٍ)، أي: مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم (١). ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾: قوله : ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ يقال: شَرَقَتَ الشمس شروقًا إذا طلعت، وأشرقت إشراقًا إذا أضاءت وصفت، وأشرقنا نحن، أي: دخلنا في الشروق، وهو وقت الطلوع، كقولهم: أصبحنا، أي: دخلنا في الصباح. فإذا فهم هذا، فانتصاب ﴿مُشْرِقِينَ﴾ على الحال إما من الفاعلين في ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ أي: داخلين في وقت الشروق، أو من المفعولين، أي: حاصلين في ضوء، على ما ورد في التفسير أن فرعون وجنوده أصابهم ضباب وظلمة تحيروا فيها، وكان بنو إسرائيل في ضياء وضوء. وقوله: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ الجمهور على إسكان الدال، وقرئ: (لمدَّركون) بفتح الدال وتشديدها (٢)، وهما بمعنى، يقال: أَدْركت فلانًا وادَّركته، بمعنى لحقته.

стр. 2769

وقوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أي قربناهم من البحر حتى أغرقناهم فيه، يعني قوم فرعون، ومنه: أَزْلِفْني عند فلان، أي قربني منه. وقيل: أزلفناهم: جمعناهم في البحر حتى غرقوا. وقرئ: (وأزلقنا) بالقاف (١)، أي: أزللنا أقدامهم، من زلقت رجله تزلق زلقًا، وأزلقها غيره إزلاقًا، أو من أزلق رأسه، إذا حلقه، على معنى: أهلكناهم على وجه الاستئصال. وقيل: أهلكناهم، من قولهم: أزلقت الناقة، إذا ألقت ولدها. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ قوله : ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (عاكفين) خبر ظل. وقوله: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ الجمهور على فتح الياء، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم؟ فحذف المضاف وهو الدعاء، دل عليه ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾، لا بد من تقدير حذف هذا المضاف، وذلك أَنَّ (سمعت) بابها أن تتعدى إلى ما كان صوتًا مسموعًا نحو: سمعت كلامك وحديث زيد، فإن وقعت على جوهر تعدت إلى مفعولين، ولا يكون الثاني منهما إلا صوتًا، كقولك:

стр. 2770

سمعت زيدًا يقرأ، ولا يجوز سمعت زيدًا يقوم، لأن القيام ليس مما يسمع، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (١). وقرئ: (هل يُسمِعونكم) بضم الياء وكسر الميم (٢)، وهذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، والثاني محذوف، والتقدير: هل يُسمعونكم وقت دعائكم إياهم جوابًا؟ وهل يقدرون على ذلك؟ يقال: دعاني فلان فأسمعته، أي: فأسمعته جواب دعائه، وجاء مضارعًا مع إيقاعه على ﴿إِذْ﴾ على حكاية الحال الماضية. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: فعلًا مثل ذلك. وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ أي: أعداءٌ لي، والعدو والصديق يقعان على الواحد والجمع، وقد ذكر (٣). وقوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ منصوب على الاستثناء، وفيه وجهان، أحدهما: منقطع بمعنى لكن، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام دون الله. والثاني: متصل، لأن منهم من كان يعبد الله جل ذكره مع الأصنام. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ محل ﴿الَّذِي﴾ إما النصب على النعت لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، أو على إضمار أعني، أو الرفع على إضمار هو، أو على الابتداء. وقوله: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ في موضع الخبر، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الإبهام، وما بعده إلى قوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ عطف عليه، وخبره محذوف دل عليه خبر الأول، تقديره: فهو يهدين، وهذه الأسماء التي عُطف بعضها على بعض بالواو فهي في الحقيقة أوصاف لـ ﴿الَّذِي﴾
следующие страницы →