← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾: قوله : ﴿لَا ضَيْرَ﴾ خبره محذوف؛ أي: لا ضير علينا من عقابك، والضَّير والضُّر بمعنى. وقوله: ﴿أَنْ كُنَّا﴾ الجمهور على فتح (أن)، على معنى: لأن كنا في هذا المحفل أول من آمن بالله ورسوله، وقرئ: بكسرها (١) على أنها شرطية قيل: وهذا من الشرط الذي يأتي به المدل بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين (٢). وقوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ مستأنف. وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ محكي بعد قول مضمر، أي: قال فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون. والشرذمة: الطائفة القليلة من الناس، والقطعة من الشيء، ومنه قولهم: ثوب شراذم (٣)، للذي بلي وتقطع قطعًا. وقيل: البقايا (٤). وقيل: السفلة (٥). و﴿قَلِيلُونَ﴾ جمع على المعنى، لأن الشرذمة جماعة، يقال: شيء قليل، وجمعه في القلة: أقلة، وفي الكثرة: قُلُلٌ، كَسَرير وأسِرَة وسُرُرٌ، وقوم قليلون وقليل أيضًا، وفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ (٦).

стр. 2767

وقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قرئ بغير الألف (حذرون)، وبه (١)، كلاهما اسم فاعل، يقال حَذِرَ يَحْذَرُ حَذَرًا، فهو حَذِرٌ وحَاذِرٌ. واختلف في معناهما، فقيل: الحذر الذي يحذر في الحال، والحاذر الذي يحذر في المآل. وقيل: الحذر العالم بالحرب، والحاذر ذو أداة وسلاح، وهو قول أبي إسحاق (٢) وهو الوجه عندي هنا، وذلك أن المفسرين قالوا: إنا لمجتمعون في عدد كثير وأسلحة تامة وعالمون بالحرب، وقوم موسى لا سلاح معهم وليس لهم علم بالحرب (٣). وعن الفراء: الحاذر الذي يحذرك الآن، والحذر الذي خلق كذلك (٤). وقيل: الحاذر المستعد الشاك في السلاح، والحذر الخائف (٥). وقرئ أيضًا (حادرون) بالدال غير معجمة (٦)، والحادر: القوى السمين، يقال: حدر فلان يحدُرُ بالضم فيهما حدرًا وحدورة، إذا قوي جسمه وامتلأ لحمًا وشحمًا، ومنه عين حدرة: مكتنزة صلبة. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف إما النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: أخرجناهم إخراجًا مثل ذلك الإخراج الذي ذكرنا. أو الرفع

стр. 2768

على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، أي كما وصفنا، أو بالعكس، أي: كذلك كان الأمر. وقد جوز أن يكون في موضع جر على أنه نعت لـ (مقامٍ)، أي: مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم (١). ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾: قوله : ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ يقال: شَرَقَتَ الشمس شروقًا إذا طلعت، وأشرقت إشراقًا إذا أضاءت وصفت، وأشرقنا نحن، أي: دخلنا في الشروق، وهو وقت الطلوع، كقولهم: أصبحنا، أي: دخلنا في الصباح. فإذا فهم هذا، فانتصاب ﴿مُشْرِقِينَ﴾ على الحال إما من الفاعلين في ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ أي: داخلين في وقت الشروق، أو من المفعولين، أي: حاصلين في ضوء، على ما ورد في التفسير أن فرعون وجنوده أصابهم ضباب وظلمة تحيروا فيها، وكان بنو إسرائيل في ضياء وضوء. وقوله: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ الجمهور على إسكان الدال، وقرئ: (لمدَّركون) بفتح الدال وتشديدها (٢)، وهما بمعنى، يقال: أَدْركت فلانًا وادَّركته، بمعنى لحقته.

стр. 2769

وقوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أي قربناهم من البحر حتى أغرقناهم فيه، يعني قوم فرعون، ومنه: أَزْلِفْني عند فلان، أي قربني منه. وقيل: أزلفناهم: جمعناهم في البحر حتى غرقوا. وقرئ: (وأزلقنا) بالقاف (١)، أي: أزللنا أقدامهم، من زلقت رجله تزلق زلقًا، وأزلقها غيره إزلاقًا، أو من أزلق رأسه، إذا حلقه، على معنى: أهلكناهم على وجه الاستئصال. وقيل: أهلكناهم، من قولهم: أزلقت الناقة، إذا ألقت ولدها. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ قوله : ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (عاكفين) خبر ظل. وقوله: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ الجمهور على فتح الياء، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم؟ فحذف المضاف وهو الدعاء، دل عليه ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾، لا بد من تقدير حذف هذا المضاف، وذلك أَنَّ (سمعت) بابها أن تتعدى إلى ما كان صوتًا مسموعًا نحو: سمعت كلامك وحديث زيد، فإن وقعت على جوهر تعدت إلى مفعولين، ولا يكون الثاني منهما إلا صوتًا، كقولك:

стр. 2770

سمعت زيدًا يقرأ، ولا يجوز سمعت زيدًا يقوم، لأن القيام ليس مما يسمع، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (١). وقرئ: (هل يُسمِعونكم) بضم الياء وكسر الميم (٢)، وهذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، والثاني محذوف، والتقدير: هل يُسمعونكم وقت دعائكم إياهم جوابًا؟ وهل يقدرون على ذلك؟ يقال: دعاني فلان فأسمعته، أي: فأسمعته جواب دعائه، وجاء مضارعًا مع إيقاعه على ﴿إِذْ﴾ على حكاية الحال الماضية. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: فعلًا مثل ذلك. وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ أي: أعداءٌ لي، والعدو والصديق يقعان على الواحد والجمع، وقد ذكر (٣). وقوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ منصوب على الاستثناء، وفيه وجهان، أحدهما: منقطع بمعنى لكن، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام دون الله. والثاني: متصل، لأن منهم من كان يعبد الله جل ذكره مع الأصنام. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ محل ﴿الَّذِي﴾ إما النصب على النعت لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، أو على إضمار أعني، أو الرفع على إضمار هو، أو على الابتداء. وقوله: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ في موضع الخبر، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الإبهام، وما بعده إلى قوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ عطف عليه، وخبره محذوف دل عليه خبر الأول، تقديره: فهو يهدين، وهذه الأسماء التي عُطف بعضها على بعض بالواو فهي في الحقيقة أوصاف لـ ﴿الَّذِي﴾

стр. 2771

الأول، ولذلك قال بعض النحاة: إن ما بعد ﴿الَّذِي﴾ من صفاتٍ للذي الأول، لأن الواو لا تمنع ذلك (١)، وأنشد: ٤٨٤ - إلى الملك القَرْمِ وابن الهُمَامِ ... . . . . . . . . . . . . (٢) وهما واحد، والحقيقة والوجه ما ذكرت، فاعرفه. ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾: قوله : ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ الورثة: جمع وارث، كحرسة في حارس، و ﴿مِنْ﴾ من صلة محذوف تقديره: واجعلني وارثًا منهم. وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ﴾ بدل من قوله: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. وفي مفعول قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ وجهان: أحدهما: محذوف، أي لا ينفع ذلك أحدًا، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى﴾ فيه على هذا التقدير وجهان: أحدهما: في موضع نصب إما على البدل من هذا المحذوف، أو على الاستثناء منه، كقولك: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، على الوجهين والاستثناء متصل، أي: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا إلا من أتى الله بقلب سليم من الشك والمعاصي، فإنه ينفعه ماله الذي أنفقه في طاعة الله

стр. 2772

وبنوه الصالحون الذين قدمهم، فإنه ينتفع بهم، أو على الاستثناء المنقطع، أي: لكن من أتى الله، أي حال من أتى الله بقلب سليم نفعه سلامة قلبه، فحذف المضاف وهو الحال. والثاني: في موضع رفع على البدل من ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا إلا مالُ وبنو من أتى الله بقلب سليم فإنهما ينفعانه، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثاني: هو مفعول قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾، أي: لا ينفع ذلك إلا شخصًا أو إنسانًا من صفته كيت وكيت. ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾: قوله : ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (ما) موصول مبتدأ، وخبره ﴿أَيْنَ﴾. وقوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ (إذ) ظرف للاستقرار الذي تعلق به في قوله: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ ويجوز أن يكون الظرف مستقرًا، و ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ حال من المنوي فيه، وأن يكون ملغى من صلة ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: وهم يختصمون فيها. وقوله: ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الصديق فعيل بمعنى مفاعل، وهو الذي يصادقك الود، وكذلك الحميم فعيل بمعنى مفاعل، أي: محام لك، أي: مقارب في النسب، وحم وأحم: إذا قرب.

стр. 2773

وقوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (أن) في موضع رفع بإضمار فعل، أي: لو وقع لنا رجوع، والكرة: الرجعة إلى الدنيا، وفي (لو) هنا وجهان: أحدهما: أنه على بابه، وأصله وجوابه محذوف، وقوله: ﴿فَنَكُونَ﴾ نصب بالعطف على ﴿كَرَّةً﴾، لأنه في التقدير: أن نكر، كأنه قيل: فلو وقع أن لنا أن نكر فنكون من المؤمنين لفعلنا كيت وكيت. والثاني: أن (لو) فيه هنا بمعنى التمني ولا جواب له، ولما تضمن معنى التمني أجيب بالفاء، كأنه قيل: ليت لنا كرة فنكون. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾: قوله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ القوم يُذَكَّر ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان للآدميين يذكر ويؤنث، كرهط ونفر وقوم، وفي التنزيل: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (١) وفيه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، فذكر وأنث كما ترى، فإن صغرت قلت: قويم ورهيط ونفير بغير تاء تأنيث، كما تقول في عصبة: عصيبة، لأنها أسماء مفردة اللفظ مجموعة المعنى، واسم الجمع يصغر على لفظه ولا تدخل فيه التاء إذا كان للآدميين نحو ما ذكر آنفًا، وأما إذا كان لغير الآدميين فبالتاء ليس إلا، كالإبل والغنم، تقول: أبيلة وغنيمة. الزمخشري: القوم مؤنثة وتصغيرها: قويمة (٢). والوجه ما ذكر وهو مذهب الأكابر.

стр. 2774

وقال أبو إسحاق: دخلت التاء و ﴿قَوْمُ﴾ مذكرون، لأن المعنى كذبتْ جماعةٌ قومِ نوحٍ، انتهى كلامه (١). والقوم اسم للرجال دون النساء، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ (٢) وقول زهير: ٤٨٥ - وَمَا أَدْرِي وَسَوفَ إِخَالُ أَدري ... أَقَوْمٌ آلُ حِصنٍ أَمْ نِسَاءُ (٣) ثم تدخل النساء فيه على سبيل التبع، لأن قوم كل مرسل رجال ونساء، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿كَذَّبَتْ﴾، أي: كذبوهم حين قال لهم. ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾ قوله : ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ الواو للحال، وقد معها مرادة. وقرأ يعقوب وغيره: (وأَتْبَاعُكَ) على الجمع (٤)، الواحد تبع، وتبع

стр. 2775

يكون للواحد والجمع، وارتفاع قوله: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ إما على الفاعلية عطفًا على المنوي في قوله: ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ على معنى: أنستوي نحن وهم فنعد في عدادهم؟ وحَسُنَ ذلك من غير تأكيد، لأجل الفصل بقوله: ﴿لَكَ﴾. و ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ صفة لهم. أو على الابتداء، والخبر: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾، ومحل الجملة النصب على الحال، وقد جمع (الأرذل) هنا على التصحيح، وفي "هود" على التكسير في قوله: ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ (١)، وهم أهل الضعة والخساسة، وهم الحاكة وغيرهم من أرباب الصناعات الدنية كالحجامين والأساكفة وغيرهم على ما فسر (٢). وقوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء وخبره: ﴿عِلْمِي﴾، أي: وأي شيء علمي بأعمالهم ومكاسبهم؟ والمراد انتفاء علمه بذلك، وبما في بواطنهم مما لا يطلع عليه إلا رب العالمين. وقوله: ﴿فَتْحًا﴾ فيه وجهان، أحدهما: مصدر مؤكد، والثاني: مفعول به، وهو بمعنى مفتوح، تسمية للمفعول بالمصدر كخلق الله، وضرب الأمير. وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ أي: أغرقنا الباقين بعد إنجائنا نوحًا ومن معه من المؤمنين. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ

стр. 2776

مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾: قوله : ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ (آية) يجوز أن تكون مفعولًا به لتبنون، وأن تكون مفعولًا له، ومفعول (تبنون) محذوف، أي: أتبنون بكل ريع بنيانًا أو قصرًا علامة، أي: لأجل علامة. و﴿تَعْبَثُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في (تبنون)، أي: عابثين. والريع بالكسر: المرتفع من الأرض، وجمعه أرياع وريعة، والريع أيضًا: الطريق، وبه فسره قتادة (١) ومنه قول المسيب بن علس (٢). ٤٨٦ - . . . . . . . . . . . ... رِيعٌ يَلُوحُ كَأَنَّهُ سَحْلُ (٣) قال الجوهري: شبه الطريق بثوب أبيض (٤). وأما الرَّيع بالفتح: فهو النماء والزيادة، وقال الرماني: فيه لغتان: كسر الراء وفتحها بمعنى المكان المرتفع، ووافقه عليه أبو إسحاق وقال: قرئ بكسر الراء وفتحها (٥).

стр. 2777

وقوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ واحد ﴿مَصَانِعَ﴾: مصنَعة ومصنُعة بفتح النون وضمها. والمصانع: الحصون، والمصانع: الحياض تجمع فيها الماء، وبهما فُسِّرَ هُنا (١). والجمهور على فتح تاء ﴿تَخْلُدُونَ﴾ وضم لامه على البناء للفاعل، وقرئ: (تُخلَدون) بضم التاء مخففًا ومشددًا على البناء للمفعول (٢)، وماضيه أخلَد وخَلَدَ. وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (إذا) منصوب بـ ﴿بَطَشْتُمْ﴾ الثاني، وانتصاب ﴿جَبَّارِينَ﴾ على الحال، أي: قهارين، وقيل: قتالين. وقيل: متكبرين. وقيل: مبادرين (٣). وقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ هذه الجملة عارية عن المحل؛ لكونها مفسرة لما قبلها، وأنعام: جمع نَعَمٍ، وهي الإبل، والبقر، والغنم. وقوله: (إنْ هذا إلَّا خَلْقُ الأَولين) قرئ بفتح الخاء وإسكان اللام (٤)، وهو مصدر خلق يخلق خلقًا، إذا اختلق وافترى، على معنى: أن ما جئت به مما تدعونا إليه اختلاق الأولين وافتراؤهم، أو ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نموت كما ماتوا. فإن قلت: قوله: (خَلْقُ الأولين) مبني للفاعل أو للمفعول؟ قلت: أما على الوجه الأول: فمبنى للفاعل ليس إلا مضاف إليه، وأما على الثاني:

стр. 2778

فمبني للمفعول مضاف إليه، على معنى: خُلِقْنا كما خُلِقُوا، نموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب. وقرئ: بضمهما (١)، على معنى: ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا عادة الأولين ومذهبهم ودينهم وأخلاقهم وما جرى عليه أمرهم، ونحن بهم مقتدون، أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادتهم لم يزل عليها الناس في قديم الدهر، ونحن نستن بسنتهم. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾: قوله : ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ (ما) موصولة، و ﴿هَاهُنَا﴾ صلتها، وهو ظرف مكان، والعامل فيه الاستقرار، أي: في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، و ﴿آمِنِينَ﴾: حال من الضمير في (تتركون) و ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ وما عطف عليها بدلًا من ﴿مَا﴾ بإعادة الجار.

стр. 2779

والهضيم في اللغة: اللطيف الضامر الداخل بعضه في بعض، من قولهم: كَشْحٌ هَضِيم (١). وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قرئ: (فارهين وفرهين) بالألف وتركها (٢)، ومعناهما واحد، يقال: فَرُه بالشيء يَفْرُه بالضم فيهما فراهةً، فهو فاره به وفره به، أي: حاذق به. وقيل: الفره: الأشر، والفاره: الحاذق. وقيل غير هذا (٣)، وكلاهما منصوب على الحال من الضمير في ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾، وكذا ﴿نَادِمِينَ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿فَأَصْبَحُوا﴾. وقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ ارتفاع قوله: ﴿شِرْبٌ﴾ بالظرف على المذهبين، لجريه وصفا على منكور، أي: ناقة ثابت أو مستقر لها شرب، والشرب: الحظ والنصيب من الماء. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾:

стр. 2780

قوله : ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ خبر (إن) محذوف، و ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾ صلة ذلك الخبر، و ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ صفته، والتقدير: إني لَقالٍ لِعملكم كائن من القالين. وقوله: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ساء هنا بمعنى بئس، والمخصوص بالذم محذوف، [واللام] في ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للجنس، إذ لم يرد قومًا بأعيانهم، أي: بئس مطر الذين أنذروا بالعذاب مطرهم. ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾: قوله : ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قرئ: (لَيْكَةَ) بلام مفتوحة من غير همزة وبفتح التاء غير مصروفة (١)، على أنها اسم علم لتلك المدينة أو البقعة، ولامها من نفس الكلمة ليست للتعريف، والمانع لها من الصرف العلمية والتأنيث.

стр. 2781

وقرئ: (أصحاب الأيكة) بالألف واللام وبالجر على الإضافة (١)، على أنها اسم نكرة لموضع فيه شجر، والألف واللام فيهما للتعريف، يقال: أَيْكَةٌ وأَيْكٌ، كَأَجَمَةٌ وأَجَمٌ، ثم عرفت بآلة التعريف، ومثله في "ص" (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، (مُفْسِدِين) حال من الضمير في ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ أي: مريدين الفساد قاصدين له. وقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (إِنْ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، أي: وإنا. واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الضمير في (إِنَّهُ) للقرآن أو للكتاب، والتنزيل بمعنى المنزل، تسمية للمفعول بالمصدر. و﴿نَزَلَ بِهِ﴾ قرئ: (نَزَلَ) بالتخفيف، ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ بالرفع (٣)، و (نَزَّلَ) بالتشديد، (الروحَ الأمينَ) بالنصب (٤)، وكلاهما ظاهر. ﴿بِهِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿نَزَلَ﴾، وأن يكون في موضع الحال. وقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾: خبر كان محذوف، و ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ في موضع الصفة له، أي: لتكون منذرًا كائنًا من المنذرين. وقوله: ﴿بِلِسَانٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من صلة ﴿نَزَلَ﴾، أي: نزله باللسان العربي. والثاني: من صلة، ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾، أي: لتكون منذرًا قومًا كائنًا من الذين

стр. 2782

أَنْذَروا بهذا اللسان. قيل: وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد عليهم الصلاة والسلام (١). ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾: قوله : ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ﴾ قرئ: (يكن) بالياء النقط من تحته و (آيةً) بالنصب (٢)، على أنها خبر ﴿يَكُنْ﴾، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ اسمها، والتقدير: أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل آيةً، والضمير في ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ للقرآن. وقيل: لرسول الله ﷺ (٣). وقرئ: (تكن) بالتاء النقط من فوقه، (آيةٌ) بالرفع (٤)، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: اسم تكن، وخبرها ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾، وجاز أن يكون الخبر معرفة والاسم نكرة، لأنه قد تخصص بالظرف وهو ﴿لَهُمْ﴾، لأنه كان وصفًا له، فلما قدم عليه صار حالًا، وتقديمه عليه لا يخرجه عن أن يكون مخصصًا، وأيضًا فإن الاسم فيه شياع ما، لأنَّ عِلْمَ علماء بني إسرائيل لم يقصد به واحد معين.

стр. 2783

والثاني: أن التأنيث في (تكن) للقصة، و (آية أن يعلمه) جملة واقعة موقع الخبر، والتقدير: أو لم تكن القصة علم علماء بني إسرائيل آية لهم، وقد يجوز أن يكون ﴿لَهُمْ﴾ هي جملة الشأن، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدلًا عن (آية). والثالث: أنّ (تكن) هنا تامة، و (آيةٌ) فاعلها، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدل منها، على معنى: أو لم تحصل لهم آية. وقد جوز أيضًا تأنيث (تكن) مع نصب (آية)، لأن قوله: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في المعنى آية، كما أن قوله: (أن قالوا) في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (١) في المعنى فتنة، فاعرفه. وقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ (الأعجمين) جمع أعجمي منسوب إلى العجم، والأصل: الأعجميين، ثم حذفت منه ياء النسب كما فعل بالأشعرين، وجعل جمعه بالواو والنون دليلًا عليها وأمارة لإرادتها، لا جمع أعجم كما زعم أبو إسحاق وموافقوه (٢)، لأن أعجم كأحمر، وما كان من الصفات على أفعل وأنثاه فعلاء لا يجمع بالواو والنون ولا مؤنثه بالألف والتاء، فلم يقل أحد في أحمر: أحمرون، ولا في حمراء: حمراوات، فلما لم يقل أحد هذا، وقد قالوا الأعجمون مع أن مؤنثه عجماء، دل على أن المراد ما ذكرت، وأن الأصل الأعجميِّين، تعضده قراءة من قرأ كذلك على الأصل وهو الحسن (٣)، وإنما حَذَفَ مَن حذفها تخفيفًا ولعدم اللَّبْسِ. وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع الحال، أي: أدخلناه في قلوبهم غير مؤمنين به، والضمير في

стр. 2784

﴿سَلَكْنَاهُ﴾ للقرآن، وقيل: للشرك (١). وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ عطف على ﴿يَرَوُا﴾. والجمهور على التذكير في ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾، والمنوي فيه للعذاب، وقرئ: بالتأنيث (٢) والمنوي فيه للساعة، و ﴿بَغْتَةً﴾ مصدر في موضع الحال، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الواو للحال، ﴿فَيَقُولُوا﴾ عطف أيضًا على المذكور آنفًا. ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾: قوله : ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ في (ما) الأولى وجهان، أحدهما: استفهامية في موضع نصب بأغنى. والثاني: نافية، ومفعول ﴿أَغْنَى﴾ على هذا محذوف، أي: ما أغنى عنهم شيئًا، وأما الثانية ففي موضع رفع بأغنى. وهي مصدرية، أي: تمتيعهم، أو موصولة وعائدها محذوف، أي: ما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعون فيه. وقوله: ﴿ذِكْرَى﴾ فيه وجهان، أحدهما: في موضع رفع على إضمار

стр. 2785

مبتدأ، أي: إنذارنا، أو ذلك ذكرى. والثاني: في موضع نصب، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: مصدر مؤكد لقوله: ﴿مُنْذِرُونَ﴾ حملًا على المعنى، لأن معنى هل نحن منذرون، هل نحن مذكورون ذكرى؟ [أي: تذكرة]، ولم تنصرف لأن فيها ألف التأنيث. والثاني: في موضع الحال من الضمير في ﴿مُنْذِرُونَ﴾، أي: ينذرونهم مذكرين أو ذوي تذكرة. والثالث: مفعول له، أي: ينذرونهم لأجل الموعظة والتذكرة، والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية، إلا بعد الإنذار والتذكير. وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ روي عن الحسن البصري: (الشياطون) (١)، قال الفراء: غلط الشيخ في قراءته: (الشياطون) ظن أنها النون التي على هجاءين، وأنكره أيضًا أبو إسحاق، وأبو الفتح (٢)، ولعمري صدقوا فيما قالوا وزعموا، ولا يجوز القراءة به لمخالفته الإمام مصحف عثمان ﵁، مع عدم وجهه من جهة العربية عند جمهور النحاة. ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾:

стр. 2786

قوله : ﴿يُلْقُونَ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿تَنَزَّلُ﴾ الراجع إلى الشياطين، أي: تنزلوا ملقين السمع، و ﴿السَّمْعَ﴾ يجوز أن يكون بمعنى الاستماع، يقال: ألقى سمعه، إذا استمع، بشهادة قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١)، أي: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولاهٍ. وأَن يكون بمعنى المسموع، أي: ملقين المسموع إلى الكهنه على ما فسر (٢). وقد جوز أن يكون في موضع جر على النعت لـ ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ لأنه في معنى الجمع، وهم الكهنة، عن مجاهد (٣)، على معنى: يلقي الكهنة السمع، أي: يسمعونه ويلقونه. وقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ الجمهور على رفع (الشعراء) على الابتداء والخبر، وقرئ: بالنصب (٤) على إضمار فعل يفسره الظاهر. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ محل ﴿يَهِيمُونَ﴾ إما الرفع بخبر أَنّ والظرف من صلته، أو النصب على الحال من المنوي في الظرف، والظرف على هذا مستقر، وعلى الوجه الأولى ملغى. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء من القائلين، أي: إلا الذين آمنوا منهم بالله ورسوله. ﴿كَثِيرًا﴾ أي: ذكرًا كثيرًا. وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ المنقلب هنا مصدر بمعنى الانقلاب، وانتصاب قوله ﴿أَيَّ﴾ على المصدر، لأن ما أضيف إلى المصدر مما هو في المعنى صفة له، كان حكمه في الإعراب حكمه،

стр. 2787

والعامل فيه ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ دون ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، فالفعل الذي قبله معلق عنه، والتعليق عند النحاة في هذا ونظائره مما له صدر الكلام لا يعمل فيه ما قبله لفظًا ويعمل فيه معنى، والتقدير: ينقلبون أيَّ انقلابٍ. هذا آخر إعراب سورة الشعراء والحمد لله وحده

стр. 2788

إعراب سُورَةُ النَّمْلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾: قوله : ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ ابتداء وخبر، ويجوز فيه غير هذا، وقد أوضح فيما سلف من الكتاب في أوائل السور، ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة, ﴿وَكِتَابٍ﴾ عطف على القرآن، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وآيات كتاب، تعضده قراءة من قرأ: (وكتابٌ مبينٌ) بالرفع على حذف المضاف المذكور وإقامة المضاف [إليه] مقامه، وهو ابن أبي عبلة (١)، ولك أن ترفعه على تقدير: وذلك كتابٌ مبين. واختلف في الكتاب، فقيل: هو القرآن، وجيء بالعاطف بينهما لاختلاف لفظيهما. وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: هو السورة (٢). وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في محلهما وجهان: أحدهما: النصب على الحال، وفي ذي الحال وجهان، أحدهما: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ أي: هادية ومبشرة، والعامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. والثاني: المنوي في ﴿مُبِينٍ﴾، أي: هاديًا ومبشرًا، ولا يجوز أن

стр. 2789

يكون (١) القرآن ولا الكتاب كما زعم بعضهم (٢) لعدم العامل إلا على قراءة [ابن] أبي عبلة، فإنه يجوز أن يكون الكتاب [هو] ذا الحال. والثاني: الرفع، وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: على إضمار هي. والثاني: على البدل من الآيات. والثالث: على أنه خبر بعد خبر لـ ﴿تِلْكَ﴾، كقولك: هذا حلو حامضٌ، أي: جمعت أنها آيات وأنها هدى وبشرى. فإن قلت: هل يجوز أن يكونا في محل الجر أو الرفع على النعت لـ (كِتابٍ) على قدر القراءتين فيه؟ قلت: لا يمتنع ذلك. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بالمؤمنين، وأن يكون على إضمار (هم)، أو على إضمار (أعني)، ونهاية صلة الموصول ﴿الزَّكَاةَ﴾، أو ﴿يُوقِنُونَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾: قوله : ﴿إِذْ قَالَ﴾ أي: اذكر إذ قال، أو: ﴿عَلِيمٍ﴾ إذ قال موسى لأهله في مسيره. وقوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ قرئ: بالتنوين (٣)، على جعل ﴿قَبَسٍ﴾

стр. 2790

بدلًا من شهاب، أو صفة له لما فيه من معنى القبس، وأما القَبَس بالتحريك: فهو الشيء المقبوس، يقال: قَبَسْتُ منه نارًا أَقْبَسُ قَبْسًا فأقبسني، أي: فأعطاني منه قبسًا. وبتركه (١)، على جعل الشهاب مضافًا إلى القَبَسِ، لأنه يكون قَبَسًا وغير قَبَسٍ، فأوضح بالإضافة، وهو من باب إضافة النوع إلى الجنس، كسوار ذهب، وثوب خزّ. والشهاب: الشعلة. والقَبَسُ: النار المقبوسة، كأنه قال: شعلة نار، ويجمع الشهاب على شهب. وقوله: ﴿تَصْطَلُونَ﴾ الطاء فيه بدل من تاء افتعل من أجل الصاد، والأصل يصتليون يفتعلون، فأُعِلّ بحذف لامه، لسكونها وسكون الواو بعدها، بعد إزالة حركتها إما بالنقل بعد حذف حركة ما قبلها، لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى، أو بالحذف، يقال: صَلَى النار واصطلاها، إذا دنا منها مستدفئًا بها. ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾: قوله : ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ اختلف في القائم مقام الفاعل: فقيل: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾، أي: نودي بهذا القول، وهو بورك من في النار (٢).

стр. 2791

وقيل: المنوي في ﴿نُودِيَ﴾ الراجع إلى موسى ﵇، وفي ﴿أَنْ﴾ على هذا أوجه: أحدها: هي المفسرة بمعنى (أي) لأن النداء فيه معنى القول (١). والثاني: مصدرية، و ﴿نُودِيَ﴾ صلتها، ومحلها النصب لعدم الجار، أو الجر على إرادته، أي: نودي لأن بورك أو بأن بورك، أي: لبركة أو ببركة مَن في طلب النار (٢). والثالث: مخففة من الثقيلة، والتقدير: نودي بأنه، والضمير ضمير الشأن، ولم يأت هنا بعوض كما أتى في قوله جل ذكره: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ (٣) وقوله: ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ (٤) لأن قوله: ﴿بُورِكَ﴾ دعاء، والدعاء يجوز فيه ما لا يجوز في غيره (٥). وقيل: المصدر مضمر، وهو القائم مقام الفاعل، كأنه قيل: نودي النداء (٦)، ثم فسر بما بعده كقوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ (٧). و(مَن) في قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موصولة، ومحلها الرفع على الفاعلية، وفعلها ﴿بُورِكَ﴾. وبورك من في النار، وعلى من في النار واحد، والعرب تقول: باركك الله، وبارك عليك، عن الكسائي وغيره (٨).

стр. 2792

وقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ وجهان: أحدهما: ضمير الشأن وما بعده مفسر له وهو ﴿أَنَا اللَّهُ﴾، و ﴿أَنَا﴾ مبتدأ، واسم الله خبره، و ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان للخبر. والثاني: ضمير المنادي وهو الله ، أي: إن الذي ناداك (أنا)، فـ ﴿أَنَا﴾ على هذا يجوز أن يكون فصلًا، وأن يكون تأكيدًا لاسم (إن)، وأن يكون خبر (إن) و ﴿اللَّهُ﴾ موضح لـ ﴿أَنَا﴾، أو بدل منه، و ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان للموضح. ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾: قوله : ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطف على ﴿بُورِكَ﴾ عطف جملة، وهو من جملة ما نودي، أي: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك، بشهادة قوله في "القصص" بعد قوله: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ. . . وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ (١) على تكرير (أن) كما ترى. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ محل ﴿تَهْتَزُّ﴾ النصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿رَآهَا﴾، لأن (رأى) من رؤية العين، وكذا الكاف في ﴿كَأَنَّهَا﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿تَهْتَزُّ﴾، أي: مهتزة مشبهة جانًّا، وهي الحية الخفيفة السريعة، وجمعها جِنَّانٌ. وقوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (مدبرًا) حال من المنوي في ﴿وَلَّى﴾. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ عطف على ﴿وَلَّى﴾، ولا يجوز أن يكون في موضع الحال، أي: غير راجع، لأنه ماض في المعنى.

стр. 2793

وقوله: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ في الاستثناء وجهان: أحدهما: منقطع و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (لكن)، والمعنى: لكن من ظلم نفسه بالمعصية. ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي: توبة بعد سوء عمله. والثاني: متصل، والمعنى: إلا من ظلم من المرسلين، أي: إلا من أذنب منهم ذنبًا من صغائر الذنوب، لأن الصغائر لا يَسْلَمُ منها أحد، فالظلم على هذا يراد به شيء من الصغائر، وذلك لا يسلم منه بشر إلا من عصمه الله منه، وقليل ما هم. وقيل: في الكلام حذف تقديره: لا يخاف لدي المرسلون إنما يخاف غيرهم ممن ظلم، ثم استثنى من الظالمين فقال: إلا من ظلم ثم تاب (١). فإن قلت: ما محل (مَن) على الأوجه؟ قلت: أما على الوجه الأول: فالنصب على مذهب الجمهور من العرب، وأما على الثاني: فجائز فيه الأمران الرفع والنصب، وأما على الثالث: فالنصب ليس إلا، لكونه مستثنى من الموجب فاعرفه. وقرئ: (أَلَا مَنْ ظَلَمَ) بحرف التنبيه (٢)، فـ (من) على هذه مرفوعة بالابتداء، والخبر: (ظَلَمَ) (٣). ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)﴾:

стр. 2794

قوله : ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [انتصاب ﴿بَيْضَاءَ﴾ على الحال من المستتر في، ﴿تَخْرُجْ﴾، وكذا ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾] حال منه أيضًا، أو من المنوي في ﴿بَيْضَاءَ﴾، أي: سالمة من العيب. وقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ حال أخرى، و ﴿فِي﴾ بمعنى (مع)، أي: مصاحبة معها، أو على بابها، أي: كائنة في جملة تسع آيات. [وقيل: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾] كلام مستأنف، والمعنى: اذهب في جملة تسع آيات. وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ من صلة محذوف، أي: مبعوثًا أو مرسلًا إلى فرعون وقومه، فحذف لدلالة الكلام عليه، وذلك المحذوف حال من المنوي في ﴿وَأَدْخِلْ﴾، أو واصلة إليهم، فتكون صفة لـ ﴿تِسْعِ آيَاتٍ﴾، وعلى كلا التقديرين فيه ذكر مرتفع به. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [مبصرة] نصب على الحال، أي: واضحة بينة، جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها، والمعنى: مبصرًا بها. وقيل: مبصرة: مضيئة، يقال: أبصر النهار، إذا أضاء. وقيل: مبصرة لهم، أي: تجعلهم بصراء (١). وقرئ: (مَبْصرَةً) بفتح الميم والصاد (٢)، وهو مصدر، وانتصابه إما

стр. 2795

على الحال، أي: ذات مَبْصَرَة، أي: تبصرة، أو على أنه مفعول له فيه دلالة على الشياع والكثرة من جهة المصدرية، قال أبو الفتح: وقد كثرت المفعلة بمعنى الشياع والكثرة في الجواهر والأحداث جميعًا، ولذلك قولهم: أرض مَضَبَّة، أي: كثيرة الضباب، ومَحْياة ومَفْعَاةٌ، أي: كثيرة الحَيَّاتِ والأفَاعِي. فهذا في الجواهر، ونحو قولهم: الحق مَجْدَرَةٌ بِكَ، ومَخْلَقَةٌ، وشبهها في الأحداث (١). وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ الباء في ﴿بِهَا﴾ صلة (٢)، أي: وجحدوها. وقيل: للسبب (٣)، والمفعول محذوف، أي: وجحدوا الحق بسببها. ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ الواو واو الحال و (قد) معها مرادةٌ. وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ مصدران في موضع الحال من الضمير في (جَحدُوا)، أي: ظالمين وعالين، أو جحدوا للظلم والعلو (٤). وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (عاقبة) اسم كان و ﴿كَيْفَ﴾ خبره. ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾: قوله : ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ يجوز أن يكون من صلة (حُشِرَ)، وأن يكون في موضع الحال من ﴿جُنُودُهُ﴾، أي: كائنين منهم. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُكَفُّونَ ويُحْبَسُونَ. يقال: وَزَعَهُ عن كذا، إذا كفه عنه ومنعه منه، والوَازِعُ: الذي يكون في الجيش فيحبس أولهم على آخرهم لئلا يتفرقوا.

стр. 2796

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾: قوله : ﴿أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ في تعدية ﴿أَتَوْا﴾ بعلىَ وجهان: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فعدي بعلى لذلك. والثاني: أن نزولهم كان عند آخر الوادي، فعدي بعلى لذلك، كقولهم: أتى على الشيء، إذا أنفذه وبلغ آخره. وقوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ الجمهور على فتح النون وإسكان الميم فيهما، وقرئ: (نَمُلَةٌ) و (النَّمُلُ) بفتح النون وضم الميم فيهما (١)، فالضم هو الأصل، والإسكان تخفيف، ويجوز أن يكونا لغتين. وروي أيضًا فيهما ضم النون والميم (٢) وهي لغية، قال أبو الفتح: ونظير نُمُلَة ونُمُل: بُسُرَة وبُسُر بضم السين (٣). وقوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ لما وُصفتْ بالقول وهو من صفة العقلاء جُمعت جمعهم. وقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: نهي مستأنف مؤكد بالنون الثقيلة. والثاني: جواب للأمر، وهو في الحقيقة جواب شرط محذوف، والأول أمتن لأن النون لا تدخل في الجزاء في حال السعة والاختيار. والجمهور على فتح الياء وإسكان الحاء وتخفيف الطاء وتشديد النون،

стр. 2797

وقرئ كذلك إلا أنه بتخفيف النون (١). وقرئ: (لا يَحَطَّمَنَّكُمْ) بفتح الياء والحاء وتشديد الطاء. وروي كذلك إلا أنه بكسر الحاء (٢). وقرئ أيضًا: (يُحَطِّمَنَّكم) بضم الياء وفتح الحاء (٣)، يقال: حَطَمَ الشيء يَحْطِمُه حَطْمًا، وَحَطَّمَهُ يُحَطِّمُهُ تَحْطِيمًا، واحْتَطَمَهُ يَحْتَطِمُهُ احْتِطَامًا، فإذا فهم هذا، فالقول فيه كالقول في ﴿يَخْطَفُ﴾ وما فيه من القراءات والتصرف، وقد ذكر (٤). ويجوز في العربية كسر الياء أيضًا إتباعًا لكسرة الحاء، فاعرفه (٥). قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الواو للحال، وفي ذي الحال وجهان: أحدهما: سليمان وجنوده، والعامل فيها ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾، أي: لا يكسرنكم المذكورون غير عالمين بمكانكم، وهو من تمام كلام النملة. والثاني: النملة، والعامل ﴿قَالَتْ﴾، كأنها قالت ذلك في حال غفلة الجنود، كقولك: خرجت والناس غافلون. ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾:

стр. 2798

قوله : ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ انتصاب قوله: ﴿ضَاحِكًا﴾ على الحال من المنوى في ﴿فَتَبَسَّمَ﴾، وفي الحال وجهان: أحدهما: مقدرة، أي: فَتَبَسَّمَ مقدرًا الضحك، وشارعًا فيه، لأنَّ التبسم تحريك الشفتين لابتداء الضحك وليس بالضحك. والثاني: مؤكدة، لأن معنى تبسم: ضحك، وهو قول أبي إسحاق وموافقيه (١). والوجه هو الأول لما ذكر آنفًا من أن التبسم هو ابتداء، يعضده قول المازني: إنما جاء الحال ليعلم أنه تَبَسُّمُ ضَحِكٍ لَا تَبَسُّمُ غضب، فاعرفه فإنه موضع لطيف. وقرئ: (ضَحِكًا) من غير ألف (٢)، وهو مصدر ضحك. قال أبو الفتح: هو منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل عليه تَبَسَّم، كأنه قال: ضحِكَ ضحِكًا، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀، انتهى كلامه (٣). وقال غيره: هو منصوب بنفس (تبسم)، كأنه في معنى ضحك (٤). قلت: ويجوز أن يكون في موضع الحال إما على حذف المضاف، أي: ذا ضحك، وجُعل نفس الضحك وعينه مبالغة. فإن قلت: هل يجوز أن يكون اسم فاعل كحذر وشبهه، لأن ماضيه ضَحِكَ؟ . قلت: قد جوز ذلك (٥).

стр. 2799

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾: قوله : ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ أي: ما لي لا أراه حاضرًا، فحذف، ثم لاح له أنه غائب. وأضرب عن ذلك وأخذ بقول: أهو غائب؟ فـ (أَمْ) في قوله: ﴿أَمْ كَانَ﴾ هي المنقطعة، كالتي في قولهم: إنها لإِبلٌ أم شاةٌ. وقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ جواب لقسم محذوف و ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾: عطف عليه لفظًا وحُكْمًا، وهو داخل في جواب القسم، وأما ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ فليس بداخل في جواب القسم، لأنه لم يقسم على أن يأتيه بسلطان، وإنما الإقسام على التعذيب والذبح، والمعنى: والله لأعذبنه تعذيبًا شديدًا، أو لأذبحنه إلا أن يأتيني بحجة يظهر فيها عذره في غيبته عني، وإنما جرى على ما قبله على باب المجازاة، على معنى: إن أتى بحجة لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يأت بها كان أحدهما، لا لأنه مثله وداخل في حكمه، فاعرفه فإنه موضع لطيف، ومن قال غير هذا فهو غالط مخلط في كلامه. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾: قوله : ﴿فَمَكَثَ﴾ قرئ: بضم الكاف وفتحها (١)، وهما لغتان بمعنىً. واختلف في فاعل الفعل. فقيل: الهدهد (٢)، أي: فلبث الهدهد بعد تفقد سليمان إياه غير بعيد،

стр. 2800

أي غير زمان طويل، و ﴿غَيْرَ﴾ منصوب على الظرف وهو ظرف الزمان. وقيل: سليمان (١)، أي: فلبث سليمان ﵇ بعد تفقد الهدهد غير بعيد حتى عاد الهدهد. وقيل: مكث الهدهد بعد عوده، أي وقف مكانًا غير بعيد من سليمان، والتقدير على هذا: فمكث في مكان غير بعيد، فحذف الجار فانتصب (مكان) ثم حذف وأقيمت الصفة وهي ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ مقامه، ولك أن تجعله نعتًا لمصدر محذوف، أي: مكثًا غير بعيد. وقوله: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ قرئ: بالصرف على أنه اسم بلد، أو أب أو حي، وَمَنْعِهِ (٢)، على أنه اسم مدينة أو بقعة أو قبيلة على ما فسر (٣). وقرئ: بسكون الهمزة (٤)، على إجراء الوصل مجرى الوقف. وقرئ أيضًا: بالألف بعد الباء من غير همز (٥)، على قلب الهمز ألفًا بعد إسكانه. وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في موضع الحال من المنوي في ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾، و (قد) معها مرادة. والثاني: عطف على ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾، لأنه بمعنى مَلَكَتْهُمْ، والمعنى: وأعطيت من كل شيء تحتاج إليه شيئًا.

стр. 2801

وقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿عَظِيمٌ﴾ نعت (للعرش) والمعنى: عظيم الخطر، وعليه الوقف، وعن بعض القراء: أن الوقف على ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ ثم يبتدئ ﴿عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا﴾ (١)، على معنى: أمر عظيم أن وجدتها، أي أمر عظيم وجودي إياها وقومها ساجدين لغير خالقهم. و﴿يَسْجُدُونَ﴾: في موضع الحال، لأن ﴿وَجَدْتُ﴾ هنا بمعنى: صادفتُ. ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾: قوله : ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ قرئ بتشديد ﴿أَلَّا﴾ (٢) على أنها (أن) دخلت عليها (لا) فأدغمت فيها، و ﴿يَسْجُدُوا﴾ منصوب بأن، وفي محل أن وجهان: أحدهما: النصب إما مفعول له، على معنى: فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، أو وزين لهم لئلا يسجدوا، فحذف الجار، أو بدل من قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا، ويجوز أن يكون من صلة الابتداء على أن (لا) صلة، أي: فهم لا يهتدون أن يسجدوا. والثاني: الجر على البدل من ﴿السَّبِيلِ﴾ متعلق بالصد، أي: فصدهم عن أن يسجدوا، و (لا) صلة أيضًا.

стр. 2802

وقرئ: بتخفيفها (١)، على أن (أَلَا) تنبيه، ويا حرف نداء ومناداه محذوف كحذفه في قوله: ٤٨٧ - يَا لَعْنَةُ اللهِ والأقوام كلهم ... . . . . . . . . . . . (٢) والتقدير: يا قوم أو يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى للعلم به، وحذفت ألف (يا) لالتقاء الساكنين. ولما حذفت من اللفظ حذفت من الخط، وكذلك ألف (اسجدوا) حذفت لفظًا وخطًا، فبقى ﴿يَسْجُدُوا﴾ كما ترى. قال أبو علي: ووجه دخول حرف التنجيه على الأمر أنه موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المأمور لتأكيد ما يؤمر به، كما أن النداء موضعٌ يحتاج فيه إلى استعطاف المنادى لما ينادى له من إخبار، أو أمر، أو نهي ونحو ذلك مما يخاطب به، انتهى كلامه (٣). فإن قلت: من أين علم عدم السجود حتى أمرهم به؟ قلت: لأنه لما قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ دل ذلك على أنهم لا يسجدون، فأمرهم بالسجود، فقال: (أَلَا يَسجُدُوا). فإن قلت: مَن [الآمر] بذلك؟ قلت: اختلف فيه، فقيل: هو استئناف كلام من الله جل ذكره. وقيل: من سليمان ﵇. وقيل: هو متصل بكلام الهدهد (٤). وقوله: (ويعلمُ ما يخفون وما يعلنون) قرئ: بالياء فيهما النقط من

стр. 2803

تحته (١) ردًا إلى قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ وقرئ: بالتاء فيهما النقط من فوقه (٢) على الخطاب، لأن الكلام قد دخله الخطاب على مذهب من قرأ: (أَلَا يسجدوا) , لأنه منادى والمنادى مخاطب، وأما من قرأ بالتاء النقط من فوقه وهو لا يقرأ إلا مخففًا فعلى الخطاب للفريقين المؤمِنين والكافرين الذين جرى ذكرهم على لفظ الغيبة، أو على الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، وهو كثير شائع في الكتاب العزيز، وفي كلام القوم نظمهم ونثرهم. ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: على التقديم والتأخير، والتقدير: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. ﴿يَرْجِعُونَ﴾، أي: يردون، يعني يجيبون. والثاني: الكلام على أصله ولفظه، والمعنى: ثم أعرض عنهم، أي: تنح عن ذلك الموضع فكن قريبًا منهم بحيث تسمع ما يجيبون به عنه. وقيل: إنما أدبه بأدب الملوك، والمعنى: فألقه إليهم ولا تقف منتظرًا، ولكن تول عنهم ثم ارجع إليهم فانظر ماذا يرجعون (٣). ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾:

стр. 2804

قوله : ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الجمهور على كسرهما على الاستئناف والتبيين لما ألقي إليها، وذلك أنها لما قالت: إني أُلقي إلي كتاب كريم، قيل لها: ممن هو؟ [وما هو]؟ فقالت: إنه، أي: إن الكتاب من سليمان، وإنه، أي: وإن مضمونه كَيْتَ وكَيْتَ. وروي فيهما الفتح (١) ومحلها إما الرفع على البدل من قوله: ﴿كِتَابٌ﴾، كأنه قيل: ألقي إلي أنه وأنه، أو على أنه فاعل بقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾، أو النصب لعدم الجار وهو اللام، أي: لأنه من سليمان ولأنه، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع، كأنها عللت كرمه بكون الكتاب من سليمان وبكون مضمونه كيت وكيت. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ (وإنه) بزيادة العاطف (٢)، عطفًا على (إني) في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ﴾. وقرأ أبي بن كعب ﵁: (أَنْ من سليمان وأَنْ بسم الله) بالفتح فيهما مخففتين (٣)، على أنهما المفسرتان بمعنى (أي). وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾ في (أن) ثلاثة أوجه: أحدها: في موضع رفع على البدل من قوله: ﴿كِتَابٌ﴾، كأنه قيل: ألقي إلي ألا تعلوا. والثاني: في موضع نصب على حذف الجار، أي: ألقي إلي بأن لا تعلوا عليّ، وكلاهما قول أبي إسحاق ﵀ (٤). والثالث: أنها المفسرة بمعنى (أي)، وهو قول صاحب الكتاب وشيخه

стр. 2805

الخليل رحمة الله عليهما (١)، فلا موضع لها على هذا. فإن قلت: ﴿تَعْلُوا﴾ منصوب أو مجزوم. قلت: على الوجهين الأولين: منصوب بأن، وأما على الوجه الثالث: فمجزوم بلا. ومعنى (لا تعلوا): لا تتكبروا علي، أي: لا تترفعوا عن طاعتي. وعن ابن عباس ﵄: (أن لا تغلوا) بالغين المعجمة (٢)، من الغلو، وهو مجاوزة الحد، ومنه: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٣)، والقراءتان متقاربتان وإن اختلف اللفظان. وقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ انتصاب ﴿مُسْلِمِينَ﴾ على الحال من الضمير في ﴿وَأْتُونِي﴾ المرفوع، أي: منقادين. ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾: قوله : ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ناصب ومنصوب وعلامة النصب حذف النون، والأصل: تشهدونني بنونين، الأولى: علم الرفع، والثانية: التي تصحب ياء النفس، فحذفت الأولى للنصب، وبقيت الثانية لأجل الصون، وحذفت الياء اكتفاء بالكسرة عنها مع أنها آخر آية. و ﴿حَتَّى﴾ غاية من صلة ﴿قَاطِعَةً﴾ , أي: ما كنت ممضية أمرًا من الأمور حتى تحضرون فتشيروا علي بما ترونه. ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ
следующие страницы →