← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿عَظِيمٌ﴾ نعت (للعرش) والمعنى: عظيم الخطر، وعليه الوقف، وعن بعض القراء: أن الوقف على ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ ثم يبتدئ ﴿عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا﴾ (١)، على معنى: أمر عظيم أن وجدتها، أي أمر عظيم وجودي إياها وقومها ساجدين لغير خالقهم. و﴿يَسْجُدُونَ﴾: في موضع الحال، لأن ﴿وَجَدْتُ﴾ هنا بمعنى: صادفتُ. ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾: قوله : ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ قرئ بتشديد ﴿أَلَّا﴾ (٢) على أنها (أن) دخلت عليها (لا) فأدغمت فيها، و ﴿يَسْجُدُوا﴾ منصوب بأن، وفي محل أن وجهان: أحدهما: النصب إما مفعول له، على معنى: فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، أو وزين لهم لئلا يسجدوا، فحذف الجار، أو بدل من قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا، ويجوز أن يكون من صلة الابتداء على أن (لا) صلة، أي: فهم لا يهتدون أن يسجدوا. والثاني: الجر على البدل من ﴿السَّبِيلِ﴾ متعلق بالصد، أي: فصدهم عن أن يسجدوا، و (لا) صلة أيضًا.

стр. 2802

وقرئ: بتخفيفها (١)، على أن (أَلَا) تنبيه، ويا حرف نداء ومناداه محذوف كحذفه في قوله: ٤٨٧ - يَا لَعْنَةُ اللهِ والأقوام كلهم ... . . . . . . . . . . . (٢) والتقدير: يا قوم أو يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى للعلم به، وحذفت ألف (يا) لالتقاء الساكنين. ولما حذفت من اللفظ حذفت من الخط، وكذلك ألف (اسجدوا) حذفت لفظًا وخطًا، فبقى ﴿يَسْجُدُوا﴾ كما ترى. قال أبو علي: ووجه دخول حرف التنجيه على الأمر أنه موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المأمور لتأكيد ما يؤمر به، كما أن النداء موضعٌ يحتاج فيه إلى استعطاف المنادى لما ينادى له من إخبار، أو أمر، أو نهي ونحو ذلك مما يخاطب به، انتهى كلامه (٣). فإن قلت: من أين علم عدم السجود حتى أمرهم به؟ قلت: لأنه لما قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ دل ذلك على أنهم لا يسجدون، فأمرهم بالسجود، فقال: (أَلَا يَسجُدُوا). فإن قلت: مَن [الآمر] بذلك؟ قلت: اختلف فيه، فقيل: هو استئناف كلام من الله جل ذكره. وقيل: من سليمان ﵇. وقيل: هو متصل بكلام الهدهد (٤). وقوله: (ويعلمُ ما يخفون وما يعلنون) قرئ: بالياء فيهما النقط من

стр. 2803

تحته (١) ردًا إلى قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ وقرئ: بالتاء فيهما النقط من فوقه (٢) على الخطاب، لأن الكلام قد دخله الخطاب على مذهب من قرأ: (أَلَا يسجدوا) , لأنه منادى والمنادى مخاطب، وأما من قرأ بالتاء النقط من فوقه وهو لا يقرأ إلا مخففًا فعلى الخطاب للفريقين المؤمِنين والكافرين الذين جرى ذكرهم على لفظ الغيبة، أو على الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، وهو كثير شائع في الكتاب العزيز، وفي كلام القوم نظمهم ونثرهم. ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: على التقديم والتأخير، والتقدير: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. ﴿يَرْجِعُونَ﴾، أي: يردون، يعني يجيبون. والثاني: الكلام على أصله ولفظه، والمعنى: ثم أعرض عنهم، أي: تنح عن ذلك الموضع فكن قريبًا منهم بحيث تسمع ما يجيبون به عنه. وقيل: إنما أدبه بأدب الملوك، والمعنى: فألقه إليهم ولا تقف منتظرًا، ولكن تول عنهم ثم ارجع إليهم فانظر ماذا يرجعون (٣). ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾:

стр. 2804

قوله : ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الجمهور على كسرهما على الاستئناف والتبيين لما ألقي إليها، وذلك أنها لما قالت: إني أُلقي إلي كتاب كريم، قيل لها: ممن هو؟ [وما هو]؟ فقالت: إنه، أي: إن الكتاب من سليمان، وإنه، أي: وإن مضمونه كَيْتَ وكَيْتَ. وروي فيهما الفتح (١) ومحلها إما الرفع على البدل من قوله: ﴿كِتَابٌ﴾، كأنه قيل: ألقي إلي أنه وأنه، أو على أنه فاعل بقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾، أو النصب لعدم الجار وهو اللام، أي: لأنه من سليمان ولأنه، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع، كأنها عللت كرمه بكون الكتاب من سليمان وبكون مضمونه كيت وكيت. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ (وإنه) بزيادة العاطف (٢)، عطفًا على (إني) في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ﴾. وقرأ أبي بن كعب ﵁: (أَنْ من سليمان وأَنْ بسم الله) بالفتح فيهما مخففتين (٣)، على أنهما المفسرتان بمعنى (أي). وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾ في (أن) ثلاثة أوجه: أحدها: في موضع رفع على البدل من قوله: ﴿كِتَابٌ﴾، كأنه قيل: ألقي إلي ألا تعلوا. والثاني: في موضع نصب على حذف الجار، أي: ألقي إلي بأن لا تعلوا عليّ، وكلاهما قول أبي إسحاق ﵀ (٤). والثالث: أنها المفسرة بمعنى (أي)، وهو قول صاحب الكتاب وشيخه

стр. 2805

الخليل رحمة الله عليهما (١)، فلا موضع لها على هذا. فإن قلت: ﴿تَعْلُوا﴾ منصوب أو مجزوم. قلت: على الوجهين الأولين: منصوب بأن، وأما على الوجه الثالث: فمجزوم بلا. ومعنى (لا تعلوا): لا تتكبروا علي، أي: لا تترفعوا عن طاعتي. وعن ابن عباس ﵄: (أن لا تغلوا) بالغين المعجمة (٢)، من الغلو، وهو مجاوزة الحد، ومنه: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٣)، والقراءتان متقاربتان وإن اختلف اللفظان. وقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ انتصاب ﴿مُسْلِمِينَ﴾ على الحال من الضمير في ﴿وَأْتُونِي﴾ المرفوع، أي: منقادين. ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾: قوله : ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ناصب ومنصوب وعلامة النصب حذف النون، والأصل: تشهدونني بنونين، الأولى: علم الرفع، والثانية: التي تصحب ياء النفس، فحذفت الأولى للنصب، وبقيت الثانية لأجل الصون، وحذفت الياء اكتفاء بالكسرة عنها مع أنها آخر آية. و ﴿حَتَّى﴾ غاية من صلة ﴿قَاطِعَةً﴾ , أي: ما كنت ممضية أمرًا من الأمور حتى تحضرون فتشيروا علي بما ترونه. ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ

стр. 2806

يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: من تمام كلامها. والثاني: من كلام الله تصديقًا لقولها وهو الوجه، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: لأنها هي قد ذكرت أنهم يفسدون، فليس في تكرير هذا منها فائدة (١). وقيل: هو من قول سليمان ﵇ (٢). ومحل الكاف النصب على أنها نعت لمصدر محذوف. ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ أي: فلما جاء رسولها سليمان، وقيل جاء المال سليمان، لأن الهدية مال، والأول هو الوجه، تعضده قراءة من قرأ: (فلما جاؤوا) على الجمع، وهو ابن مسعود ﵁ (٣). وقوله: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ﴾ قرئ بنونين ظاهرين على الأصل، وبالإدغام (٤) كراهة اجتماع المثلين. وبالياء وهو الأصل، وبحذفها (٥) اجتزاء بالكسرة عنها.

стр. 2807

ويجوز في الكلام حذف إحدى النونين (١)، وهي التي تصحب ياء النفْس، وبكسر التي هي عَلَمُ الرفع لكونها وليت ياء النفس، ولا يجوز حذف التي هي علم الرفع إلا بناصب أو جازم، وأما لأجل التخفيف فلا. وقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الضمير في ﴿مِنْهَا﴾ لمدينتهم وهي سبأ، وقيل: للملكة (٢). و ﴿أَذِلَّةً﴾: جمع ذليل، وانتصابها على الحال، وكذا ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي: ذليلين مقهورين مأسورين، وكذا ﴿مُسْلِمِينَ﴾ نصب على الحال، أي: مستسلمين منقادين. ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾: قوله : ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ التاء في ﴿عِفْرِيتٌ﴾ مزيدة لأنه من العفر وهو التراب، قال أبو الفتح: كأَنه يَخْتِلُ قِرْنَهُ فيصرعه إلى العفر (٣). يقال: رجل عفريت، وعِفْرَيَةٌ، وقد قرئ بهما (٤). وجمعه عفاريت وعَفَارٍ كَجَوَارٍ. و﴿آتِيكَ﴾ في الموضعين يحتمل أن يكون اسم فاعل، وأن يكون فعلًا، فإن كان اسم فاعل فوزنه فاعل، والهمزة أصلية، والألف بعدها مزيدة، والكاف في موضع جر بإضافة اسم الفاعل إليها، وإن قدرت أنه فِعْلٌ فوزنه أفعل والهمزة مزيدة، والألف بعدها بدل من همزة ساكنة هي فاء الفعل وهي

стр. 2808

همزة أتى، والكاف في موضع نصب بالفعل المذكور قبله. فإن قلت: فأيهما أجود عندك أن يكون اسمًا أو فعلًا؟ قلت: الأجود أن يكون اسمًا، لأن من القراء من أمال ألفه (١)، وهم لا يميلون الألف المبدلة من همزه ساكنة، وقد أمالوا الألف المزيدة في مواضع في التنزيل فدلت الإمالة على أنه اسم لا فعل. ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ انتصاب قوله: ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ على الحال، لأن (رأى) من رؤية العين، أي: حاصلًا محمولًا إليه، والظرف معمول (رأى) أو ﴿مُسْتَقِرًّا﴾. وقوله: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ من صلة الاستقرار الذي هو خبر ﴿هَذَا﴾. وقوله: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ الجملة في موضع نصب بقوله: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾. وقوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ﴾ الجمهور على جزم ﴿نَنْظُرْ﴾ على الجواب، وقرئ بالرفع (٢) على الاستئناف. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا

стр. 2809

مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾: قوله : ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: من كلام المرأة موصول بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، أي: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان من قبل هذه الحالة، أو من قبل هذه الآية في العرش. والثاني: من كلام سليمان ﵇، أي: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، أي من قبل مجيئها، فحذف المضاف. وقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ﴾ في فاعل الفعل ثلاثة أوجه: أحدها: ﴿مَا﴾ أي: وصدها عن عبادة الله ما كانت تعبد من دون الله وهو الشمس، و ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: وصدها عبادة الشمس عن عبادة الله، لأنها نشأت مع قوم كانوا يعبدون الشمس فلم تر غير ذلك على ما فسر (١)، فكانت عبادة الشمس مانعة لها عن عبادة الله. والثاني: المنوي فيه الراجع إلى الله جل ذكره، أو إلى سليمان ﵇، و ﴿مَا﴾ في موضع نصب لعدم الجار وهو عن، أو جر على إرادته، وصدها الله عن عبادة الشمس، أو سليمان بدعائه إياها إلى الإسلام. والثالث: ما رأت وشاهدت [من أمارات النبوة، أي: وصدها ما رأت وشاهدت] من المعجزة عن عبادة الله. والصد: المنع. ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ بالكسر على الاستئناف وعليه الجمهور، وقرئ: (أنها) بالفتح (٢)، وفيها وجهان:

стр. 2810

أحدهما: في موضع رفع إما على الفاعلية وفعلها الصد، وإما على البدل من (ما) إن جعلتها فاعلة وإلا فلا. والثاني: في موضع نصب بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل، أي: لأنها وقيل: إنّ قوله: ﴿وَصَدَّهَا﴾ متصل بقوله: ﴿أَتَهْتَدِي﴾، والواو للحال و (قد) معها مرادة (١). ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾: قوله : ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ أي: إلى الصرح، أو في الصرح، فلما حذف الجار وصل الفعل. والصرح: القصر وكل بناء عال. وقيل: صحن الدار. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ الضمير للصرح أو للصحن، واللجة هنا: ما يمكن دخوله واجتيازه، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ماء لجة، فحذف المضاف. وقوله: ﴿عَنْ سَاقَيْهَا﴾ قرئ بالهمزة (٢)، إما على إجراء الواحد مجرى الجمع وهو السؤوق، لأنه يهمز على تقدير ضمة السين على الواو لقربها منها، أو على إبدال الألف همزة حملًا على البأز، والخأتم، والعألم، كذا حُكي عن القوم مهموزًا.

стр. 2811

وقوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ الممرد: المملس، من قولهم: شجرة مرداء، إذا سقط ورقها، ومنه الأمرد. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾: قوله : ﴿إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (صالحًا): بدل من ﴿أَخَاهُمْ﴾. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (هم) مبتدأ و ﴿فَرِيقَانِ﴾ خبره. ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ إما صفة للفريقين، أو حال من المنوي في الفريقين، ولك أن تجعل الفريقين بدلًا من ﴿هُمْ﴾ وخبر ﴿هُمْ﴾: إما (إذا) لأنها مكانية، أي: فبالحضرة هم فريقان، أو ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾. ولك أن تجعل ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ حالًا من الذكر في (إذا) إذا جعلته الخبر، فإن لَمْ تجعل (إذا) الخبر كان من صلة ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾، هذا إذا جعلت ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ الخبر أو حالًا، فأما إذا جعلته صفة، فلا يعمل في (إذا)، لأن ما في حيز الصفة لا يتقدم على الموصوف، كما لا تتقدم الصفة عليه، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾: قوله : ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الرهط: اسم للجماعة دون العشرة من الرجال لا تكون فيهم امرأة، وليس له واحد من لفظه كالنفر، ولهذا جاز

стр. 2812

تمييز التسعة بالرهط حيث كان اسمًا للجماعة، كأنه قيل: تسعة رجال، وقد فُرِّقَ بين الرهط والنفر، فقيل: الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة. والنفر: من الثلاثة إلى التسعة. و ﴿يُفْسِدُونَ﴾ نعت لتسعة أو لرهط، وكان دأبهم الإفساد دون الإصلاح. وقوله: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ (تقاسموا) يحتمل أن يكون ماضيًا، وأن يكون آتيًا بمعنى الأمر، بشهادة قولك: تقاسموا أمس، إذا أردت الخبر، وتقاسموا غدًا، إذا أردت الأمر. فإذا فهم هذا فقرئ: (لَنُبَيِّتَنَّهُ) بالنون والتاء، وكذا (لَنَقُولَنَّ) (١)، فمن قرأ (لنُبَيِّتَنَّه) بالنون والتاء كان ﴿تَقَاسَمُوا﴾، عنده يجوز أن يكون ماضيًا في موضع الحال بإضمار قد، أي: قالوا: وقد تقاسموا، أي: متقاسمين لنُبَيِّتَنَّ صالحًا وأهله، وأن يكون آتيًا، أي: قال بعضهم لبعض: احلفوا فقولوا هذا القول، كما تقول: قوموا بنا نأت الجامع. ومن قرأ: (لتبيتنه) بالتاء، كان ﴿تَقَاسَمُوا﴾ عنده أمرًا، والتاء على هذا للخطاب للمأمورين دون الآمرين معهم، ويجوز أن يكون أيضًا خبرًا كالقراءة الأولى. وعن مجاهد: (لَيُبَيِّتُنَّهُ) بالياء النقط من تحته وضم التاء، ثم (لَيَقُولُنَّ) بالياء أيضًا وضم (اللام) (٢) فـ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على هذه القراءة فعل ماض ليس إلا، ووجه الياء أن ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على لفظ الغيبة، وأما ضم التاء الثانية من (لتبيتُنه) واللام من (لتقولُن) فهي الضمة التي تكون قبل واو الجماعة، وحذفت

стр. 2813

الواو لالتقاء الساكنين هي والنون الأولى المدغمة، واللام منهما لام قسم، والفعل مؤكد بالنون الشديدة مبني معها. وتقدم القول في (مَهْلِكَ) في سورة الكهف (١). ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾: قوله : ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ (كان) هنا تحتمل أن تكون المفتقرة إلى الخبر، وأن تكون المستغنية عنه، فإن قدرت أنها المفتقرة إلى الخبر فـ ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، وفي الخبر وجهان، أحدهما: ﴿كَيْفَ﴾. [والثاني: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ إذا فتحت الهمزة، وإذا كسرت لم يجز، لأنه ليس في الجملة ضمير يعود على ﴿عَاقِبَةُ﴾]. وقرئ: (إنا دمرناهم) بالكسر (٢) على الاستئناف، وهو تفسير للعاقبة، كما أن قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) تفسير للوعد. وقرئ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ بالفتح (٤)، وفيه وجهان: أحدهما: في موضع نصب إما بخبر (كان)، أي: كان عاقبة مكرهم التدمير، و ﴿كَيْفَ﴾ في موضع الحال، وذو الحال اسم كان، والتقدير: على أي حال كان عاقبة أمرهم تدميرهم؟ أي: أحسنًا أم سيئًا؟ والعامل فيها ﴿كَانَ﴾ على قول من جوز ذلك، أو ما دل عليه الكلام من الفعل وهو

стр. 2814

(دمر)، دل عليه التدمير. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (إنا دمرناهم) على قراءة من كسر خبر ﴿كَانَ﴾؟ قلت: لا، لأن المكسورة تقدر بالجملة، وليس في الجملة ما يعود على اسم ﴿كَانَ﴾ أو على معنى لـ ﴿أَنَّا﴾، لأن الجار مع المجرور في موضع نصب. والثاني: في موضع رفع وفيه وجهان، أحدهما: بدل من العاقبة. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هي أنا دمرناهم، أي: هي تدميرهم. فإن قلت: هل يجوز أن يكون بدلًا من ﴿كَيْفَ﴾؟ قلت: أجاز ذلك الفراء (١)، وأباه أصحابنا، لأن قوله: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ ليس معه حرف الاستفهام، والبدل من الاستفهام تلزم فيه إعادة حرفه، نحو: كم مالك أعشرون أم ثلاثون؟ وكيف فلان أصحيح أم سقيم؟ ولو قلت عشرون أو صحيح بغير حرف الاستفهام لم يجز. وإن قدرت أنها المستغنية عنه فـ ﴿عَاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في موضع الحال، وذو الحال العاقبة، والعامل فيها ﴿كَانَ﴾، لأنه فعل بمعنى وقع، والتقدير: أحسنًا وقع عاقبة أمرهم أم سيئًا؟ وقال أبو علي: العامل فيها محذوف، كما أنك إذا قلت: في الدار وقع زيد، تقديره: وقع زيد مستقرًا في هذه الحال، انتهى كلامه (٢). وليس الأمر كما زعم، لأن ﴿كَيْفَ﴾ ليس بظرف، وإنما هو اسم قد اشتمل على الأحوال كلها، ألا ترى أنك إذا قلت: كيف زيد؟ فكأنك قلت: أسقيم زيد أم صحيح؟ إلا أنك أتيت بكيف للعموم، فكما أن (سقيم) غير ظرف، كذلك (كيف) لا يكون ظرفًا، وما ذكره من كونه متعلقًا بمحذوف شيء تختص به الظروف، و (كيف) ليس بظرف، ولهذا تقدر أحسنًا وقع عاقبة أمرهم أم سيئًا؟ ولا مقال أن حسنًا

стр. 2815

ليس بظرف، وإذا كان ليس بظرف يكون (كيف) ظرفًا. قيل: فإن قلت: فإنه بمعنى قولك: على أي حال وقع؟ فالجواب: أن هذا يستفاد من قولك: أحسنًا وقع عاقبة أمرهم سيئًا؟ ألا ترى أنك تقول: على أي هاتين الحالتين وقع عاقبة أمرهم؟ فإن كان ذلك يوجب أن يكون (كيف) ظرفًا حتى يقال: أنه متعلق بمحذوف، كما أنك إذا قلت: في الدار حدث الأمر، فجعلته في موضع الحال كان كذلك، فينبغي أن يجب مثله في قولك: أحسنًا وقع عاقبة أمرهم أم سيئًا، وذلك لا يقوله ذو لب وعقل، فاعرفه فإنه موضع لطيف. و﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ في بالفتح على ما ذكر آنفًا ما عدا أن يكون في موضع نصب لكونه خبرًا. ويجوز في الكلام إذا جعلت ﴿كَانَ﴾ المفتقرة إلى الخبر أن تنصب العاقبة وتجعل خبرها، و ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ اسمها، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به لأن القراءة سنة متبعة. وقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ ابتداء وخبر، (خَاويَةً) نصب على الحال من البيوت، والعامل فيها ما في (تلك) من معنى الفعل، وعن عيسى بن عمر (١) (خاويةٌ) بالرفع (٢)، وفيه أوجه ذكرتهن في "هود" عند قوله جل ذكره: (وهذا بعلي شيخ) في قول من رفعه (٣). ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)

стр. 2816

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾: قوله : ﴿وَلُوطًا﴾ أي: وأنجينا لوطًا، بشهادة قوله: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) أو وأرسلنا لوطًا، بدلالة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٢) وقيل: هو على إضمار اذكر، لأنه قد جرت أقاصيص رسل، فدخل معنى إضمار اذكر، أي واذكر لوطًا إذ قال (٣). و ﴿إِذْ﴾ ظرف على الوجه الأول والثاني، ومفعول على الثالث على أنه بدل من (لوطًا). وقد جوز أن يكون في موضع الحال. و﴿شَهْوَةً﴾: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال، وقد ذكر في "الأعراف" (٤). ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: الواو للحال، و ﴿تُبْصِرُونَ﴾ من البصيرة التي هي العلم. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (تجهلون) صفة لقوم، وجاز ذلك وإن كان القوم اسمًا موضوعًا للغيبة على وجه التغليب، أعني تغليب الخطاب على الغيبة حين اجتمعا، كما يُغَلّب المذكّر على المؤنث، ومن يعقل على ما لا يعقل. وقوله: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ المقصود بالذم محذوف، والتقدير فبئس مطر المنذرين مطرهم، فحذف المقصود بالذم للعلم به. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾: قوله : ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ﴾ الجملة محكية، وكذا

стр. 2817

قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ أي: قل ذلك كله. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أم متصلة هنا، لأن المعنى: أيهما خير، و ﴿ما﴾ موصولة، أي: الله خير أم الآلهة التي تشركونها به وتعبدونها من دونه. وقيل: (ما) مصدرية، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: عبادة الله خير أم الشرك. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾: قوله : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ (أم) هنا يجوز أن تكون منقطعة، و (مَن) موصولة في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف، وذلك أنه لما قال: الله خير أم الآلهة التي تعبدونها من دونه، قال: بل أمن خلق السموات والأرض خيرٌ، تقريرًا لهم بأن من قَدِرَ على خلق المذكورين خير من جماد لا يقدر على شيء، ثم حذف الخبر الذي هو (خير) لدلالة ما قبله عليه. وأن تكون متصلة، و (مَن) استفهامية على معنى: المعبود الذي لا يضر ولا ينفع أحق بالعبادة أمن خلق السموات والأرض؟ أي: أيهما أحق؟ وقرئ: (أَمَنْ) بالتخفيف (١)، وهو خبر بمنزلة (الذي) لا غير، وفيه وجهان: أحدهما: بدل من اسم الله جل ذكره، كأنه قيل: أمن خلق السماوات والأرض خير أم ما يشركون؟ والثاني: مبتدأ والخبر محذوف، كأنه قيل: الذي صنع كَيْتَ وكَيْتَ

стр. 2818

خير أم ما يشركون؟ ثم حذف الخبر الذي هو (خير) لدلالة ما قبله عليه على ما ذكر آنفًا في قراءة الجمهور إذا جعل (من) موصولًا. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾: قوله : ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ القول في ﴿أَمَّنْ جَعَلَ﴾ كالقول في ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، و ﴿قَرَارًا﴾ مفعول ثان، أي: موضع قرار، فحذف المضاف، وقيل: مستقرة لا تميد بمن عليها، والتقدير على هذا: ذات قرار. وقوله: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ (خلالها) ظرف كـ (بين) في قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ أي: وسطها أنهارًا. وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الجمهور على الرفع، وروي: (أإلهًا) بالنصب (١)، على تقدير: أتدعون، أو أتشركون إلهًا معه؟ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾: قوله : ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [(ما) صلة، و ﴿قَلِيلًا﴾ نعت

стр. 2819

لمصدر محذوف، أي: تذكرون] تذكرًا قليلًا، فحذف الموصوف للعلم به، والمراد بالقلة هنا الانتفاء، والقلة في كلام القوم تستعمل في معنى النفي (١). وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (من) موصول في موضع رفع بـ ﴿يَعْلَمُ﴾ على الفاعلية، و ﴿الْغَيْبَ﴾ مفعول به، و ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بدل مِنْ ﴿مَنْ﴾، أي: لا يعلم أحد الغيب إلا الله. ويجوز في الكلام نصبه على الاستثناء كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد على البدل، وإلا زيدًا على الاستثناء، والمعنى: لا يعلم من في السماوات من الملائكة ومن في الأرض من الخلائق الغَيْبَ - وهو ما استأثر الله سبحانه بعلمه مما هو غائب - إلا الله. وقد ذكر ﴿أَيَّانَ﴾ فيما سلف من الكتاب (٢). ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾: قوله : ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ فيه قراءاتٌ: أحدها: (بَلْ أَدْرَكَ) بسكون اللام وقطع الهمزة وإسكان الدال من غير ألف بعدها مثل (أَفْعَلَ) (٣)، على معنى بلغ ولحق، كقولهم: أَدْرَكَ علمي هذا، أي: بلغه، وفلان أَدْرَكَ القوم، أي: لحقهم، والمعنى: أنهم لم يدركوا علم الآخرة، أي: لَمْ يعلموا حدوثها وكونها، قاله أبو علي (٤). ودل على ذلك ما بعده من الإضراب. وقوله جل ذكره: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ يعني: في الدنيا، ﴿بَلْ هُمْ. . . مِنْهَا﴾، أي: من علمها يقينا

стр. 2820

﴿عَمُونَ﴾، و ﴿فِي﴾ بمعنى الباء، أي: لم يدرك علمهم بحدوث الآخرة بل هم في شك من حدوثها. وقيل: في أمر الآخرة، فحذف المضاف. والثانية: (بَلِ ادَّارَكَ) بوصل الألف وتشديد الدال وفتحها وألف بعدها (١)، والأصل تدارك، فأوثر إدغام التاء في الدال لكونهما من مخرج واحد بعد قلبها إلى لفظها وإسكانها، واحتيج إلى ألف الوصل لسكون الدال بعدها، كما احتيج في نحو: ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: ٤٧]، و ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] وشبههما لذلك، وهاتان كلاهما قراءة الجمهور. والثالثة: (بَلَ ادْرَكَ) بفتح اللام من غير همزة ولا ألف بعد الدال (٢)، على تخفيف الهمزة بحذفها بعد إلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها. والرابعة: كذلك غير أن الدال مفتوحة مشددة (٣)، وأصله: اتدرك، وهو بمعنى (ادَّارك) وقد يجيء افتعل وتفاعل بمعنى، ولذلك صححوا ازَّوَّجوا لما كان بمعنى تزاوجوا، وكان قياسه (بَلِ ادَّرَكَ) بكسر اللام، لسكونها وسكون الدال بعدها، غير أنه أوثرت الفتحة لخفتها، كقول بعضهم: (قمَ الليلَ) (٤)، وَبعَ الثَّوْبَ بفتح الميم والعين لما ذكر آنفًا (٥). والخامسة: كذلك غير أن اللام مكسورة (٦) على أصل التقاء الساكنين وهو القياس.

стр. 2821

والسادسة: (بل تَدَارك) بفتح التاء والدال مع ألف بعدها (١)، وهو أصل قراءة من قرأ: (بل ادّارك) وقد ذكر (٢). والسابعة: (بل آدْرَكَ) بزيادة ألف الاستفهام قبل همزة أفعل (٣)، على أنَّ (بل) استئناف وما بعدها استفهام، كقولك: أزيد عندك بل أجعفر عندك؟ تَرْكًا للأول إلى غيره لا تراجعًا عنه، قاله أبو الفتح (٤). والثامنة: كذلك غير أن بين الهمزتين فاصلًا ومكان (بل) (بلى) (٥)، على أنه جواب، وذلك أنه لما قال جل ذكره: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فكأن قائلًا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: (بلى)، ثم استؤنف فقيل: آأدرك علمهم في الآخرة؟ قاله أبو الفتح أيضًا ﵀ (٦). فهذه ثماني قراءات فاعرفهن (٧). و﴿مِنْهَا﴾ صلة ﴿عَمُونَ﴾ , وهو جمع (عَمٍ)، يقال: رجل عَمٍ، إذا كان ذاهِب البصيرة، وهو من عمى القلب. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾:

стр. 2822

قوله : ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ (وآباؤنا) عطف على المضمر في ﴿كُنَّا﴾، وجاز ذلك من غير تأكيد للفصل بينه وبين المعطوف. وقد جوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، أي: وآباؤنا كذلك، وهو من التعسف. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾: قوله : ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (ما) مصدرية، أي: من مكرهم، ولك أن تجعلها موصولة. وقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ (أن يكون) في موضوع رفع بـ ﴿عَسَى﴾، وفى (كان) إضمار الشأن والحديث، و ﴿بَعْضُ﴾ مرفوع ب ﴿رَدِفَ﴾، وفي اللام في ﴿لَكُمْ﴾ وجهان: أحدهما: صلة كالباء في ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ (١). وفي ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٢). والثاني للتعدية، على تضمين ﴿رَدِفَ﴾ معنى دنا، وأزف. والجمهور على كسر دال ﴿رَدِفَ﴾ بوزن تَبِعَ، وقرئ: بفتحها بوزن ذَهَبَ (٣)، وهما لغتان بمعنى. قال أبو الفتح: والكسر أفصح، وهو أكثر اللغة (٤). ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 2823

أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾: قوله : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ الجمهور على ضم التاء وكسر الكاف في (تُكِنُّ)، من أكْنَنْت الشَّيْء، إِذَا أَخْفَيْتَه في نفسك إكنانًا، وهو المشهور عند أهل اللغة، يعضده: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (١)، وقرئ: (تَكُنُّ) بفتح التاء وضم الكاف (٢) من كَنَنْتُ الشيء، إذا سَتَرْتَهُ بشيء، فَأَكْنَنْتُ كَأَضْمَرْتُ، وَكَنَنْتُ كَسَتَرْتُ. وقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾ التاء في ﴿غَائِبَةٍ﴾ يجوز أن تكون للتأنيث على معنى: وما من خصلة أو حالة غائبة عن علم العباد. وأن تكون للمبالغة على معنى: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء، وهو ما أخفاه جل ذكره عن خلقه وغيبه عنهم. وقيل: ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض (٣). وقوله: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حال مؤكدة. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ قرئ بالإضافة (٤)، واسم الفاعل للحال أو الاستقبال، وحذف التنوين منه للتخفيف، لأن الإضافة في نية الانفصال.

стр. 2824

وقرئ: (بَهادٍ العُمْيَ) بالتنوين والنصب (١)، على إعمال اسم الفاعل وهو الأصل إذ ليس لما مضى. وقرئ: (تَهْدِي العُمْيَ) (٢)، ووجهها ظاهر. و﴿عَنْ﴾ من صلة (هادي)، أو (تهدي) على معنى: تصرفهم عنها، وقد جوز أن يكون من صلة ﴿الْعُمْيِ﴾، على معنى: أن العمى صدر عن ضلالتهم. ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾: قوله : ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ الجمهور على ضم التاء وفتح الكاف وتشديد اللام، وهو من الكلام الذي هو نطق، أي: تحدثهم وتخبرهم بكيت وكيت، تعضده قراءة من قرأ: (تنبئهم) وهو أبي بن كعب ﵁ (٣)، وما روي عن قتادة أن في بعض الحروف (تحدثهم) (٤). وقرئ: (تَكْلِمُهُمْ) بفتح التاء وسكون الكاف وتخفيف اللام (٥)، من الكَلِم وهو الجُرح، يقال: كَلَمَهُ يَكْلِمُهُ كَلْمًا، إذا جرحه، وفيه وجهان: أحدهما: المراد به الوسم، على معنى: تسمهم في وجوههم، فتسم

стр. 2825

وجه المؤمن بالبياض، وتسم وجه الكافر بالسواد. والثاني: تجرحهم بأكلها إياهم. وقد جوز أبو الفتح وغيره أن تكون (تكلمهم) من الكلم أيضًا على معنى التكثير، بمعنى تجرحهم إما بالوسم أو بأكلها إياهم على ما فسر وذكر آنفًا. فأما قول من قال: إن قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ على قراءة الجمهور من التَّكْلِيم مستدلًا بقراءة ابن مسعود ﵁ (تكلمهم بأن الناس) بزيادة الباء (١)، فليس بمتين، لأن ذلك يحتمل التَّكْلِيم والكلم، على معنى: تفعل ذلك بهم بسبب كفرهم وعنادهم وزوال علمهم ويقينهم. وقرئ: (إن الناس) بكسر الهمزة (٢)، إما على الاستئناف، أو على إضمار القول، أي: تكلمهم وتقول لهم ذلك، أو لأن الكلام بمنزلة القول، فكأن القول قد ظهر، أو هي حكاية لقول الدابة أو لقوله الله جل ذكره. وقرئ: بفتحها (٣)، على معنى تكلمهم بأن الناس أو لأنَّ الناس. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ﴾ أي: واذكر ذلك اليوم، ومثله ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ﴾. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ (مِنْ) يجوز أن يكون للتبعيض، وأن يكون

стр. 2826

لابتداء الغاية. ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ للتبيين، ومحله النصب على الصفة لفوج. وقوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ محل الجملة النصب على الحال، كأنه قيل: أكذبتم بها جاهلين؟ ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ على معنى: أكذبتم بآياتي، أو لم تحيطوا بها، ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: أكذبتهم وقد أحطتم بها علمًا؟ لأن هذه الهمزة إذا دخلت على النفي نقلته إلى الإيجاب، ولو لَمْ تقدر الألف في ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ لكان ذلك عذرًا لهم أنهم إنما كذبوا لما لم يحيطوا بعلمها، و ﴿عِلْمًا﴾ منصوب على المصدر حملًا على المعنى، لأن الإحاطة بمعنى العلم، كأنه قيل: ولم تعلموها علما، وأما إتيان الباء في ﴿بِهَا﴾ فعلى اللفظ دون المعنى. ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾: قوله : ﴿فَفَزِعَ﴾ لفظه ماض ومعناه الآتي. قيل: وإنما عدل عنه إعلامًا بتحقيق الفزع وثبوته، وأنه كائن لا محالة واقع على أهل السموات والأرض، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعًا به (١). وقوله: (وَكُلٌّ آتُوْهُ دَاخِريِنَ) قرئ بالمد وضم التاء (٢)، على أنه اسم الفاعل من الإتيان، أي: فاعلوه، وأصله: آتيوه، استثقلت الضمة على الياء فأزيلت بأن حذفت حذفًا، أو نقلت إلى التاء بعد أن حذفت حركتها، لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخري، فاجتمع ساكنان الياء والواو، فحذف الياء لالتقاء الساكنين، وضمت التاء لتصح الواو التي للجمع، إذ ليس في كلام القوم واو ساكنة قبلها كسرة، أو بقيت حركتها تدل عليها، هذا إن قلنا: نقلت حركتها إلى التاء وحذفت النون للإضافة.

стр. 2827

وقرئ: (أَتَوْهُ) بالقصر وفتح التاء (١)، على أنه فعل ماض، والمعنى فيهما واحد، والماضي هنا بمعنى الآتي، أي: يأتونه. والضمير لله جل ذكره، ومحله على الأولى: الجر، وعلى الثانية: النصب. وقرئ: (أتاه) مقصورًا (٢)، فالجمع على معنى كل، والتوحيد على لفظه. قال أبو الفتح ﵀: واعلم أن مفاد الاستعمال في (كل) أنها إذا كانت مفردة أخبر عنها بالجمع، نحو قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣). و ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٤). ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ في قراءة الكافة. فإن كانت مضافة إلى الجماعة أتى الخبر عنها مفردًا كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (٥) وذلك أن أحد عَلَمَي الجمع كاف عندهم من صاحبه فَابْنِ على ذلك، انتهى كلامه (٦). وانتصاب ﴿دَاخِرِينَ﴾ على الحال، أي: صاغرين منقادين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (آتوه) على قراءة من مد فعلًا آتيًا كـ ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ (٧)؟ قلت: قيل: لا، لأن الهمزة في أفعل أبدًا إنما تكون للآتي إذا كان الفعل للمخبر عن نفسه، وقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ليس هو للمخبر

стр. 2828

عن نفسه، إنما هو خبر عن غائب، فلا يحسن أن تكون الهمزة للاستقبال، وأما قوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ فإنما جاز أن تكون الهمزة للاستقبال، وأن تكون فعلًا مستقبلًا, لأنه فعل للمخبر عن نفسه، فاعرف الفرقان بينهما. ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾: قوله : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا﴾ الرؤية هنا من رؤية العين، ومحل ﴿تَحْسَبُهَا﴾ النصب على الحال، إما من المنوي في (تَرَى)، أي: وتراها ظانًا إياها، أو من الجبال. وقوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ﴾ الواو للحال، وذو الحال الضمير المنصوب في ﴿تَحْسَبُهَا﴾، ولا يكون المنوي في ﴿جَامِدَةً﴾ لفساد المعني، لأن الشيء لا يكون واقفًا مارًا، و ﴿مَرَّ السَّحَابِ﴾ مصدر، والتقدير: مارًا مثل مر السحاب. وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لما قبله كـ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (١) و ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ (٢)، لأن ما قبله وهو قوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يدل على أن الله تعالى صنعهُ، كأنه قيل: صَنَعَ ذلك صنعًا، [ثم حذف ذلك فقيل: صُنْعَ اللَّهِ، فجيء بفاعل الفعل مظهرًا حيث لم يذكر قبل] (٣). وقيل: منصوب على الإغراء. ويجوز في الكلام رفعه على تقدير: ذلك صُنْعُ اللَّهِ (٤). وقوله: ﴿خبير بما يفعلون﴾ قرئ بالياء النقط من تحته (٥)، لجري ذكر

стр. 2829

الغيب في قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ (١) وبالتاء (٢)، على الخطاب العام. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾: قوله : ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (منها) يجوز أن يكون من صلة ﴿خَيْرٌ﴾ ويكون بمعنى أخير، وأن يكون في موضع الصفة لـ ﴿خَيْرٌ﴾ فيكون على بابه، أي: فله خير حاصل من جهتها، أو لأجلها، أو من سببها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قرئ: (يَوْمِئِذٍ) مجرورًا مع الإضافة (٣)، على الاتساع في الظروف، والمراد بالفزع: فزع يوم مخصوص، وهو يوم القيامة، فكأنه قيل: وهم من فزع يوم القيامة آمنون. ومفتوحًا معها (٤) , لأنه أضيف إلى غير متمكن فبني لذلك. ومنصوبًا مع تنوين (فزعٍ) (٥)، إذ المراد به النكرة والشياع، وذلك أنه لما أتى الفزع الأكبر دل ذلك عَلى ضروب منه، فَنُوِّنَ ليعم جميع الفزع الأكبر والأوسط والأدون، لأن النكرة تعم. وفي ناصب (يوم) على قول من نون ما قبله أوجه: أحدها: المصدر الذي هو ﴿فَزَعٍ﴾، كأنه قيل: وهم من أن يفزعوا يومئذ آمنون، [و ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، خبره ﴿آمِنُونَ﴾] و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [هذا هو] معمول المصدر.

стр. 2830

والثاني: محذوف على أن ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ صفة لفزع، لأن المصادر توصف بأسماء الزمان كما يخبر عنها بها، والتقدير: وهم من فزع يحدث أو وقع يومئذ آمنون. والثالث: أنه اسم الفاعل الذي هو ﴿آمِنُونَ﴾، أي: وهم آمنون يومئذ من فزع (١). وقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ أي: يقال: لهم ذلك [اليوم] (٢). ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ (الذي) في موضع نصب على النعت لـ ﴿رَبَّ﴾، وقرئ: (التي) (٣) على أنها نعت للبلدة، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ بهذه القراءة لأجل أنها مخالفة للإمام مصحف عثمان ﵁. وقوله: (يَعلمون) قرئ بالياء النقط من تحته على الغيبة، وهو وعيد للكفرة وهم غيب، وبالتاء النقط من فوقه على الخطاب (٤)، على معنى: قل لهم ذلك. هذا آخر إعراب سورة النمل والحمد لله وحده

стр. 2831

إعراب سُورَةُ القَصَصِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾: قوله : ﴿طسم﴾ قد مضى الكلام على الحروف الواقعة في أوائل السورة فيما سلف من الكتاب. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ (تلك) في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي: هذه تلك، أو خبر ﴿طسم﴾ على قول من جعلها اسمًا للسورة (١)، و ﴿آيَاتُ﴾ بدل منها، أو ﴿طسم﴾ مبتدأ، و ﴿تِلْكَ﴾ بدل منه، و ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ خبره. ولك أن تجعل ﴿طسم﴾ مقسمًا بها، و ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ابتداء وخبرًا، أي: أقسم بطسم هذه آيات الكتاب، أو تلك التي مضت من الآياتِ التي أنزلت آيات الكتاب المبين. وقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ في مفعوله وجهان: أحدهما: محذوف، و ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ صفته، أي: نتلو

стр. 2832

عليك شيئًا من خبرهما. والثاني: ﴿مِنْ نَبَإِ﴾ هو مفعوله، أي: نتلو عليك خبرهما، و ﴿مِنْ﴾ صلة، وهذا على رأي أبي الحسن لأنه أجاز زيادة (مِن) في الواجب (١). وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ في موضع نصب على الحال، إما من المنوي في ﴿نَتْلُو﴾ أو من النبأ. وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ جملة مستأنفة، ولذلك كسرت ﴿إِنَّ﴾، و ﴿عَلَا﴾ فعل ماض، أي: طغا فيها، أو جاوز الحد في الظلم. و ﴿شِيَعًا﴾ مفعول ثان، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير، [وهو جمع شيعة، وهي الفرقة يشيع بعضها بعضًا في الفعل] (٢). وقوله: ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ في موضع نصب إما على الحال من المنوي في ﴿جَعَلَ﴾، أي: مستضعفًا، أو على الصفة لقوله: ﴿شِيَعًا﴾، ويجوز أن يكون مستأنفًا، و ﴿يُذَبِّحُ﴾ بدل من ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾، ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾ عطف عليه، وحكمه في الإعراب حكمه، ومعنى: ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ يترك بناتهم أحياء للخدمة. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾: قوله : ﴿وَنُرِيدُ﴾ فيه وجهان، أحدهما: حكاية حال ماضية والواو للعطف، وهي عطف جملة على جملة. والثاني: الواو للحال على معنى: يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم.

стр. 2833

وقوله: ﴿وَنُرِيَ﴾ عطف على ﴿نَمُنَّ﴾، وقرئ: (وَيَرى) بالياء مفتوحة وفتح الراء ممالة (١)، مسندًا إلى فرعون وحزبه. و ﴿مِنْهُمْ﴾ من صلة ﴿نُرِيَ﴾ أو (يَرى)، لا من صلة ﴿يَحْذَرُونَ﴾ لأن ﴿مَا﴾ موصولة، وما كان في صلة الموصول لا يتقدم عليه. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾: قوله : ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (أنْ) هنا يجوز أن تكون مصدرية، أي: أوحينا إليها بإرضاعه، وأن تكون مفسرة بمعنى (أي). والجمهور على إثبات همزة ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ وهو الوجه. وقرئ: (أنِ ارضعيه) بكسر النون من غير همزة بعدها (٢) على أنها حذفت حذفًا كما حذفت من نحو: (إنَّها لَحْدَى الكُبَرِ) (٣): ٤٨٨ - * إِنْ لَمْ أَقَاتِلْ فَلْبِسُوني بُرْقَعًا (٤) * فلما حذفت التقى ساكنان النون والراء، فكسرت النون لالتقاء الساكنين، فاعرفه.

стр. 2834

قوله سبحانه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ الالتقاط الوجدان من غير طلب، واللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العاقبة والصيرورة (١)، أي: ليصير الأمر إلى ذلك، لا لام الغرض والتعليل كقولك: جئتك لتكرمني، [وإنما] هي كقولهم: ٤٨٩ - لِدُوا للموت وابنوا للخرابِ ... . . . . . . . . . . . (٢) لأنهم ما التقطوه للعداوة. والحُزْنُ والحَزَنُ لغتان بمعنىً، كالبُخْل والبَخَل، وقد قرئ بهما (٣). ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾: قوله : ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ في ارتفاعه وجهان: أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا الصبي قرة عين لي ولك، أي: ونرى منه ما تقر به أعيننا. والثاني: مبتدأ والخبر ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، و ﴿لِي وَلَكَ﴾ من صلة محذوف لكونهما صفتين لـ ﴿قُرَّتُ﴾، ولذلك جاز أن يكون مبتدأ. واستبعد أبو إسحاق هذا الوجه وهو أن تجعله مبتدأ و ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ خبرًا, لأنه يصير المعنى: أنه معروف بأنه قرة عين له، ووجه جوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرة عين لي

стр. 2835

ولك فلا تقتلوه، وفيه ما فيه لمن تأمل (١). ويجوز في الكلام نصبه بإضمار فعل يفسره ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، أي: اتركوا قرة عين لا تقتلوه، وليس قول من قال: إن الوقف على (لا) بمستقيم، لأجل جزم ﴿تَقْتُلُوهُ﴾ اللهم إلا أن يعيد (لا). وفي قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ وجهان، أحدهما: أنها خاطبت فرعون بلفظ الجمع كما يخاطب الملوك والكبراء. والثاني: التقدير: قل للشُرَطِ لا تقتلوه. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ محل الجملة النصب على الحال من (آل فرعون)، أي: فالتقطوه وهم لا يعلمون (٢) أن هلاكهم على يده، أو أنه من بني إسرائيل. ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (فارغًا) خبر ﴿وَأَصْبَحَ﴾، أي: صار فؤادها خاليًا من الحزن، لعلمها أنه لا (٣) يغرق، عن أبي عبيدة وغيره (٤). وعن ابن عباس ﵄: خاليًا من كل شيء إلا من ذكر موسى (٥). وقيل: هو ذهاب العقل، أي: صفرًا من العقل، على معنى: أنها

стр. 2836

حين سمعت بوقوعه في يد عدو الله طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع والدهش (١). وقرئ: (فَزِعًا) بالفاء والزاي من غير ألف بينهما (٢)، أي: قلقًا يكاد يخرج من غلافه فينكشف، كقوله: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٣) أي: كشف عنها. وقرئ أيضًا (قرعًا) بالقاف والراء من غير ألف بينهما والعين مهملة (٤)، أي: خاليًا، من قولهم: أعوذ بالله من صَفَرِ الإناء، وقَرَعِ الفِناءِ (٥). يقال: قَرِعَ الفِناء يقرع قَرَعًا، إذا خلا من الغاشية، ومنه الأقرع، وسمي بذلك لخلو رأسه من الشعر. وقرئ أيضًا: (فِرْغًا) بكسر الفاء وسكون الراء (٦)، من قولهم: ذهب دمه فَرْغًا وَفِرْغًا، أي: هدرًا لم يطلب به (٧)، والمعنى: بطل قلبها وذهب، وبقيت لا قلب لها من شدة ما ورد عليها. وقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين (إنْ) النافية وبينها، والتقدير: إن الأمر أو الشأن. والضمير في ﴿بِهِ﴾ لموسى ﵇، أي: بأمره وقصته وأنه ابنها (٨).

стр. 2837

وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ (أنْ) وما اتصل بها في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف. وكذلك جواب ﴿لَوْلَا﴾، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها بإلهام الصبر لأبدت به. ﴿لِتَكُونَ﴾: من صلة ﴿رَبَطْنَا﴾، أي: لتكون من المصدقين بوعد الله برد ولدها إليها، فيكون ذلك داعيًا لها إلى الصبر. ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾: قوله : ﴿قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره، يقال: قَصَّ أثره يقصه قصصًا، إذا تتبعه. وقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: علمت به، أي بمكانه، يقال بَصرَ بالشيء يَبْصُرُ بالضم فيهما بَصَارَةً، إذا علمه. وقيل: أبصرته، يقال: بصرت بالشيء، أي أبصرته. والمشهور في اللغة ما ذكرت قبلُ (١). وقوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ في موضع نصب على الحال إما من الضمير في ﴿بِهِ﴾، أي: بعيدًا، وهو مصدر قولك: جَنَبْتُ فلانًا وجانبته، إذا باعدته، وإما من المنوي في ﴿فَبَصُرَتْ﴾، أي: مجانبة، بشهادة ما ورد في التفسير أنها كانت تمشي على الشط فرأت آل فرعون قد التقطوه (٢)، وقراءة من قرأ: (عَنْ جَنْبٍ) بفتح الجيم وإسكان النون، وهو النعمان بن سالم (٣)، وقراءة من قرأ: (عن جانب) وهم قتادة والحسن والأعرج (٤)، والجنب والجانب: الناحية، وأنشد أبو الحسن:

стр. 2838

٤٩٠ - * النَّاسُ جَنْبٌ والأَمِيرُ جَنْبُ (١) * أو نظرت إليه مزورة مخاتلة، على قول من جعل البصارة بمعنى الإبصار. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الواو للحال. ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾: قوله : ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (المراضع) يحتمل أن يكون مرضعة أو مرضع، وهي المرأة التي ترضع، ففي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: لبن المراضع، والتحريم هنا: المنع. وأن يكون جمع مَرْضَع بفتح الميم والضاد وهو مصدر كالمطلع، [جُمِع لاختلافه] (٢)، أي: حرمنا عليه الرضاع، وقد جوز أن يكون موضع الرضاع، يعني: الأثداء (٣). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل قصها أثره، أو من قبل رده إلى أمه. وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ عطف على قوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ أي: تُسَرُّ بِهِ ويزول عنها الحُزْنُ. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ

стр. 2839

فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾: قوله : ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿دَخَلَ﴾ أي: مختلسًا. وقوله: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ في موضع النصب على النعت لـ ﴿رَجُلَيْنِ﴾، وكذلك ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ الجملتان في موضع النصب أيضًا على الصفة لهما. وقوله: ﴿فَوَكَزَهُ﴾ قال أبو عبيدة: الوكز الدفع بأطراف الأصابع (١). وقيل: بجمع كفه (٢). وقوله: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: فقتله، وكل شيء فرغت منه فقد قضيت عليه، وفي فاعل الفعل وجهان، أحدهما: الوكز. والثاني: الله جل ذكره، أي: أماته، والقضاء: الموت. وقيل التقدير: قضى الله عليه الموت، فحذف المفعول به. وقوله: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ في الباء وجهان: أحدهما: للقسم وجوابه محذوف، وقوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ دال عليه وتفسير له، والمعنى: أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبن. والثاني: للسببية، أي: بسبب إنعامك عليّ لا أكون عونًا للمجرمين. ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ

стр. 2840

لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾: قوله : ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ في خبر (أصبح) وجهان، أحدهما: ﴿خَائِفًا﴾، والظرف من صلته. والثاني: الخبر الظرف، و ﴿خَائِفًا﴾ حال من المنوي فيه. و﴿يَتَرَقَّبُ﴾: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا بعد حال، وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿خَائِفًا﴾. وقوله ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ (الذي) مبتدأ، وفي خبره وجهان: أحدهما: (إذا) وهي مكانية، و ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ حال من المستكن في الخبر. والثاني: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾. والاستصراخ: الاستغاثة، مشتق من الصراخ وهو الصوت. وقوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فعيل بمعنى فاعل، أي: إنك لَغَاوٍ وغير رشيد في قتالك ما لا تطيقه. والثاني: بمعنى مُفْعِل، كأليم بمعنى مؤلم، أي: إنك مُغْوٍ بَيِّنُ الإغواء، إذ قتلتُ أمس بسببك رجلًا وتدعو اليوم إلى آخر. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾:
следующие страницы →