حين سمعت بوقوعه في يد عدو الله طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع والدهش (١).
وقرئ: (فَزِعًا) بالفاء والزاي من غير ألف بينهما (٢)، أي: قلقًا يكاد يخرج من غلافه فينكشف، كقوله: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٣) أي: كشف عنها.
وقرئ أيضًا (قرعًا) بالقاف والراء من غير ألف بينهما والعين مهملة (٤)، أي: خاليًا، من قولهم: أعوذ بالله من صَفَرِ الإناء، وقَرَعِ الفِناءِ (٥). يقال: قَرِعَ الفِناء يقرع قَرَعًا، إذا خلا من الغاشية، ومنه الأقرع، وسمي بذلك لخلو رأسه من الشعر.
وقرئ أيضًا: (فِرْغًا) بكسر الفاء وسكون الراء (٦)، من قولهم: ذهب دمه فَرْغًا وَفِرْغًا، أي: هدرًا لم يطلب به (٧)، والمعنى: بطل قلبها وذهب، وبقيت لا قلب لها من شدة ما ورد عليها.
وقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين (إنْ) النافية وبينها، والتقدير: إن الأمر أو الشأن. والضمير في ﴿بِهِ﴾ لموسى ﵇، أي: بأمره وقصته وأنه ابنها (٨).
стр. 2837
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ (أنْ) وما اتصل بها في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف. وكذلك جواب ﴿لَوْلَا﴾، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها بإلهام الصبر لأبدت به.
﴿لِتَكُونَ﴾: من صلة ﴿رَبَطْنَا﴾، أي: لتكون من المصدقين بوعد الله برد ولدها إليها، فيكون ذلك داعيًا لها إلى الصبر.
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾:
قوله : ﴿قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره، يقال: قَصَّ أثره يقصه قصصًا، إذا تتبعه.
وقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: علمت به، أي بمكانه، يقال بَصرَ بالشيء يَبْصُرُ بالضم فيهما بَصَارَةً، إذا علمه. وقيل: أبصرته، يقال: بصرت بالشيء، أي أبصرته. والمشهور في اللغة ما ذكرت قبلُ (١).
وقوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ في موضع نصب على الحال إما من الضمير في ﴿بِهِ﴾، أي: بعيدًا، وهو مصدر قولك: جَنَبْتُ فلانًا وجانبته، إذا باعدته، وإما من المنوي في ﴿فَبَصُرَتْ﴾، أي: مجانبة، بشهادة ما ورد في التفسير أنها كانت تمشي على الشط فرأت آل فرعون قد التقطوه (٢)، وقراءة من قرأ: (عَنْ جَنْبٍ) بفتح الجيم وإسكان النون، وهو النعمان بن سالم (٣)، وقراءة من قرأ: (عن جانب) وهم قتادة والحسن والأعرج (٤)، والجنب والجانب: الناحية، وأنشد أبو الحسن:
стр. 2838
٤٩٠ - * النَّاسُ جَنْبٌ والأَمِيرُ جَنْبُ (١) *
أو نظرت إليه مزورة مخاتلة، على قول من جعل البصارة بمعنى الإبصار.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الواو للحال.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾:
قوله : ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (المراضع) يحتمل أن يكون مرضعة أو مرضع، وهي المرأة التي ترضع، ففي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: لبن المراضع، والتحريم هنا: المنع. وأن يكون جمع مَرْضَع بفتح الميم والضاد وهو مصدر كالمطلع، [جُمِع لاختلافه] (٢)، أي: حرمنا عليه الرضاع، وقد جوز أن يكون موضع الرضاع، يعني: الأثداء (٣).
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل قصها أثره، أو من قبل رده إلى أمه.
وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ عطف على قوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ أي: تُسَرُّ بِهِ ويزول عنها الحُزْنُ.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ
стр. 2839
فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾:
قوله : ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿دَخَلَ﴾ أي: مختلسًا.
وقوله: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ في موضع النصب على النعت لـ ﴿رَجُلَيْنِ﴾، وكذلك ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ الجملتان في موضع النصب أيضًا على الصفة لهما.
وقوله: ﴿فَوَكَزَهُ﴾ قال أبو عبيدة: الوكز الدفع بأطراف الأصابع (١). وقيل: بجمع كفه (٢).
وقوله: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: فقتله، وكل شيء فرغت منه فقد قضيت عليه، وفي فاعل الفعل وجهان، أحدهما: الوكز. والثاني: الله جل ذكره، أي: أماته، والقضاء: الموت. وقيل التقدير: قضى الله عليه الموت، فحذف المفعول به.
وقوله: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ في الباء وجهان:
أحدهما: للقسم وجوابه محذوف، وقوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ دال عليه وتفسير له، والمعنى: أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبن.
والثاني: للسببية، أي: بسبب إنعامك عليّ لا أكون عونًا للمجرمين.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ
стр. 2840
لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾:
قوله : ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ في خبر (أصبح) وجهان، أحدهما: ﴿خَائِفًا﴾، والظرف من صلته. والثاني: الخبر الظرف، و ﴿خَائِفًا﴾ حال من المنوي فيه.
و﴿يَتَرَقَّبُ﴾: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا بعد حال، وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿خَائِفًا﴾.
وقوله ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ (الذي) مبتدأ، وفي خبره وجهان:
أحدهما: (إذا) وهي مكانية، و ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ حال من المستكن في الخبر.
والثاني: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾. والاستصراخ: الاستغاثة، مشتق من الصراخ وهو الصوت.
وقوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: فعيل بمعنى فاعل، أي: إنك لَغَاوٍ وغير رشيد في قتالك ما لا تطيقه.
والثاني: بمعنى مُفْعِل، كأليم بمعنى مؤلم، أي: إنك مُغْوٍ بَيِّنُ الإغواء، إذ قتلتُ أمس بسببك رجلًا وتدعو اليوم إلى آخر.
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾:
стр. 2841
قوله : ﴿يَسْعَى﴾ في يجوز أن يكون في موضع رفع على النعت لرجل، أي: ساع، وأن يكون في موضع نصب على الحال منه, لأنه قد تخصص بالوصف بقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، أو من المنوي في الصفة، أي: ساعيًا. ولك أن تجعل ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ متعلقًا بـ ﴿جَاءَ﴾، فـ ﴿يَسْعَى﴾ على هذا في موضع الرفع على الصفة ليس إلا.
وقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (خائفًا) حال من المنوي في ﴿جَاءَ﴾، وكذا ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ في موضع الحال منه أو من المستكن في ﴿خَائِفًا﴾.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾:
قوله : ﴿يَسْقُونَ﴾: في موضع نصب إما على الوصف لـ ﴿أُمَّةً﴾، أو على الحال منهم, لأنهم قد تخصصوا بالوصف بقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾.
وقوله: ﴿تَذُودَانِ﴾ أي: تمنعان مواشيهما عن الماء، والذود في اللغة: الكف والدفع.
وقوله: (حتى يَصدُر الرعاء) قرئ: بفتح الياء وضم الدال (١) من صدرت، أي: رجعتْ، أي: حتى يرجعوا من سقيهم. وقرئ: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ﴾ بضم الياء وكسر الدال (٢)، من أصدرت فلانًا، وفي الكلام حذف مفعول، أي: حتى يصدر الرعاء مواشيهم من وِرْدِهم.
стр. 2842
والجمهور على كسر الراء ﴿الرِّعَاءُ﴾ وهو جمع راع، كقيام في جمع قائم، وقرئ: بضمها (١)، وهو اسم للجمع.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾:
قوله : ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (تمشي) في موضع الحال من ﴿إِحْدَاهُمَا﴾، أي: ماشية، وكذا ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ في موضع الحال، إما من المنوي في ﴿تَمْشِي﴾، أو من المستتر في ﴿قَالَتِ﴾، أي: مستحيية، فيوقف على هذا على ﴿تَمْشِي﴾.
وقوله: ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (ما) مصدرية، أي: أجر سقيك، و ﴿هَاتَيْنِ﴾ منعت لـ ﴿ابْنَتَيَّ﴾.
وقوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ في موضع نصب على الحال من المفعول في ﴿أُنْكِحَكَ﴾ , أي: مشروطًا أو واجبًا عليك، أو من الفاعل، أي: شارطًا أو موجبًا عليك هذا القدر. و ﴿تَأْجُرَنِي﴾ من أجرت فلانًا، إذا صرت له أجيرًا، و ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ظرف له، أي: في ثماني حجج، وحجج: جمع حجة، والحجة: السنة.
وقوله: ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: فذاك، أي:
стр. 2843
فالتمام من عندك لا من عندي، بمعنى: لا ألزمك إياه، ولا أوجبه عليك، ولكنك إذا فعلته فهو منك تفضل وتبرع.
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ (ذلك): مبتدأ، وما بعده الخبر، والمعنى: ذلك بيننا، والإشارة إلى ما عاهده عليه شعيب ﵇.
وقوله: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ (أي): شرطية منصوبة بقوله: ﴿قَضَيْتُ﴾ و (ما) صلة مؤكدة، و ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ جر بالإضافة، والتقدير والمعنى: أي المدتين من الثماني أو العشر قضيت، أي: وفيتك إياه وفرغت منه، و ﴿قَضَيْتُ﴾ في موضع الجزم بقوله: ﴿أَيَّمَا﴾.
وقوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ الفاء مع ما بعده في موضع الجزم على جواب الشرط، والجملة في موضع النصب بقوله: ﴿قَالَ﴾.
وعن ابن كيسان: أن (ما) اسم نكرة أضيف إليه (أي) و ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ بدل من (ما) (١).
وعن الحسن: (أيْما الأجلين) بسكون الياء (٢) استثقالًا للتضعيف مع أن المضعف ياء، وهي على انفرادها ثقيل فكيف بها إذا ضُعِّفَتْ؟ وأنشد أبو علي للفرزدق:
٤٩١ - تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسَّمَاكَيْنِ أَيُّهُمَا ... عَلَيَّ مَعَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُهْ (٣)
стр. 2844
وبعد، فإن (أَيًّا) عند أصحابنا مما عينه واوٌ ولامه ياءٌ، وهو من باب (أويت)، وإنما حكموا عليها بذلك نظرًا إلى كثرة طويت، ولويت، وشويت، وإلى قلة باب عييت وحييت، فأصل (أَيّ) على هذا (أَوْيٌ) فاجتمعت الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون فقلبت ياء وأدغمت في الياء فصارت (أَيّ) كما ترى، فإذا حذفت إحدى الياءين تخفيفًا وهي الثانية, لأنها لام، فكان القياس أن تعود الأولى إلى أصلها وهو الواو، فيقول: أو ما الأجلين، وإنما لم يرد إلى أصلها وأقر العين مقلوبة دلالة على إرادة الياء التي هي لام، وإشادة بها، كما صحت الواو الثانية في قوله:
٤٩٢ - * وَكَحِّلِ العَيْنَيْنِ بالعَوَاوِرِ (١) *
دلالة على إرادة الياء في عواوير، وإنما حذفت استحسانًا وتخفيفًا لا وجوبًا وتصميمًا، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (٢).
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾:
قوله : ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ قرئ بكسر الجيم وفتحها وضمها (٣)
стр. 2845
وهي لغات بمعنى، وهي القطعة الغليظة من الحطب في طرفها نار، عن ابن عباس ﵄ (١).
وقوله: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ (مِنْ) الأولى من صلة ﴿نُودِيَ﴾، وكذا في ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ﴾، لأنها كانت ثابتة على شاطئ الوادي على ما ورد، وهو بدل الاشتمال و ﴿مِنْ﴾ في الموضعين لابتداء الغاية.
والبقعة: القطعة من الأرض، والجمهور على ضم بائها، وجَمْعُهَا بُقَعٌ، كغرف في غرفة، وبقاع كعلبة وعلاب، وقرئ: بفتحها (٢) وهما لغتان، غير أن الضم أشيع، وجمعها بقاع، كجفنة وجفان، وقصعة وقصاع.
وقوله: ﴿أَنْ يَامُوسَى﴾ في ﴿أَنْ﴾ وجهان، أحدهما: مخففة من الثقيلة، أي: بأنه. والثاني: مفسِّرة بمعنى (أي)، لأن النداء قول. و ﴿أَنْ أَلْقِ﴾ عطف على ﴿أَنْ﴾ الأولى.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا﴾ قد مضى الكلام على ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا﴾ في سورة النمل (٣)، وكذا ﴿مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (٤) وكذا ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (٥).
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾:
стр. 2846
قوله : ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أبو علي: الضم في قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ ليس المراد به الضم المزيل للفرجة والخصاصة بين الشيئين، وإنما المراد به تجلده وضبطه نفسه، وتشدده عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب، وكذلك قول الشاعر:
٤٩٣ - اُشْدُدْ حَيَازِيمَكَ للموتِ ... فَإِنَّ الموتَ لَاقِيكَا (١)
ليس يريد به الشد الذي هو الربط والضم، وإنما يريد: تَأَهَّبْ له، واستعدَّ للقائه، حتى لا تهاب ولا تجزع لوقوعه، فيكون بحسب (٢) الاستعداد له كمن قيل فيه: حبيب جاء على فاقة (٣).
أبو عبيدة: جناحا الرجل يداه (٤)، لأن يدي الشخص بمنزلة جناحي الطائر.
وقرئ: (من الرَّهَب) بفتحتين، وبفتح وسكون، وضم وسكون، وهذه قراءات الجمهور (٥).
وقرئ: أيضًا بضمتين (٦) وهي لغات بمعنى، وهو الخوف.
стр. 2847
و ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾: من صلة (اضْمُمْ) قيل: والمعنى: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك، جُعل الرهبُ الذي كان يصيبه سببًا وعلة فيما أُمِر به من ضم جناحيه إليه.
وقيل: من صلة قوله: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
وقيل: من صلة قوله: ﴿وَلَّى﴾.
وقيل: من صلة قوله: ﴿مُدْبِرًا﴾.
وقيل: تقدير الكلام: إنك من الآمِنين من الرهب. والوجه هو الأول لسلامة لفظ النظم (١).
وقوله: ﴿فَذَانِكَ﴾: قرئ مخففًا ومشددًا (٢). و (فذانيك) مخففًا مع زيادة ياء بين النون والكاف (٣)، أما المخفف فَمُثَنَّى (ذاك)، وأما المشدد فمثنى (ذلك) فلما ثني وقعت اللام بعد نون التثنية، ثم أدغمت اللام في النون على حكم إدغام الثاني في الأول، ومنع من إدغام الأول في الثاني الذي هو الأصل لتغيّر لفظ التثنية.
وأما المخفف مع الياء ففيه وجهان:
أحدهما: أن الياء بدل من إحدى النونين، وهي الثانية كراهة التضعيف، ونظيره ما حَكَى أحمد بن يحيى: لا وَرَبِيكَ ما أفعل، يريد: لا وربِّك (٤).
стр. 2848
والثاني: أنها نشأت من الإشباع. وهو رَفْعٌ بالابتداء و ﴿بُرْهَانَانِ﴾ خبره، وحذفت ألف (ذا) لأجل دخول ألف التثنية.
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿بُرْهَانَانِ﴾.
وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ من صلة محذوف، وذلك المحذوف حال من المخاطب، أي: مرسلًا بهما إلى فرعون، وقيل: التقدير: اذهب بهما إلى فرعون. وقيل: أرسلناك بهما إلى فرعون.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ (هارون) عطف بيان، و ﴿لِسَانًا﴾ تمييز.
وقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ منصوب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿فَأَرْسِلْهُ﴾ , أي: معينًا. يقال: أردأه بشيء، إذا أعانه، ويقال أيضًا: رَدَأَه يَرْدَؤه بالفتح فيهما رِدْءًا، وتَرْكُ الهمز فيه تخفيفٌ وقد قرئ به (١).
وقد جوز أن يكون ترك الهمز من الزيادة، يقال: رديت على الخمسين وأرديت، أي: زدت. على معنى: أرسله معي زيادة (٢).
أبو علي: وحكى الحسن (رَدًّا)، وحمله على أنه فَعْلٌ من رددت، أي: يَرُدُّ عني (٣).
وقوله: (يُصَدِّقْني) قرئ: بالجزم (٤)، على معنى الجزاء، أي: إن
стр. 2849
أرسلته معي صدقني. وقيل: بل أسكن القاف تخفيفًا لكثرة الحركات (١)، والوجه هو الأول. وبالرفع (٢)، على أنه صفة لقوله: ﴿رِدْءًا﴾، أي: ردءًا مصدقًا لي، ووجه تصديق هارون لموسى ﵇ إظهاره البرهان الدال على صدق موسى، أو على أنه حال من المنوي في، ﴿رِدْءًا﴾، أو من الضمير المنصوب في ﴿فَأَرْسِلْهُ﴾، فيكون حالًا بعد حال.
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ الجمهور على فتح العين وضم الضاد، وقرئ: (عُضْدك) بضم العين وإسكان الضاد (٣). وقال أبو الفتح: فيها خمس لغات: عَضُدْ، وعَضْد، وعُضُد، وعُضْد، وعَضِدْ، وأفصحها وأعلاها عَضُد بوزن رَجُل، وعَضْد مسكن من عَضُد، وعُضْد منقول الضمة من الضاد إلى العين، وعُضُد بالضمتين جميعًا كأنه تثقيل عُضْد، انتهى كلامه (٤).
وقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ فيما يتعلق به ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أوجه:
أحدها: من صلة قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾ أي: فلا يصلون إليكما بسبب آياتنا، أي: تمتنعان منهم بآياتنا.
والثاني: من صلة (سلطان) على معنى: غلبتُكما وتسلطُكما بآياتنا.
والثالث: من صلة قوله: ﴿وَنَجْعَلُ﴾، أي: ونجعل لكما بآياتنا
стр. 2850
سلطانًا، أي: غلبة وتسلطًا، أو حجة واضحة. و ﴿أَنْتُمَا﴾ مبتدأ، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ عطف عليه، والخبر: ﴿الْغَالِبُونَ﴾.
والرابع: من صلة محذوف، وفيه تقديرات ثلاث، أحدها: أنتما غالبان بآياتنا على أعدائنا، دل عليه ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿الْغَالِبُونَ﴾ كما زعم أبو الحسن والطبري وموافقوهما (١)؛ لما فيه من تقدم الصلة على الموصول، فقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ بيان لـ ﴿الْغَالِبُونَ﴾ لا صلة له لما ذكرنا آنفًا، اللهم إلا أن يجعلوا الألف واللام للتعريف لا بمعنى الذي. والثاني: اذهبا بآياتنا. والثالث: فلا يصلون إليكما ملتبسين بآياتنا متأزرين بها، أو فلا يصلون إليكما ومعكما آياتنا، فالباء على هذا للحال كقولك: خرج فلان بسلاحه، أي: ملتبسًا بسلاحه، أو ومعه سلاحه.
والخامس: الباء للقسم وجوابه: ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾ مقدمًا عليه، فاعرفه فإنه قل أن يوجد في كتاب.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ
стр. 2851
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ نصب على الحال من الآيات.
وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير ضمير الشأن والحديث.
وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (كيف) في موضع نصب بخبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ في نصب (يَوْمَ) وجهان:
أحدهما: مفعول به على السعة، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة، ولعنة يوم القيامة، فحذف المضاف. ولك أن تعطفه على محل الجار والمجرور وهو ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾، أي: وفي يوم القيامة، كقوله:
٤٩٤ - . . . . . . . . . . ... إِذَا مَا تَلَاقَيْنَا مِنَ اليَوْمِ أَوْ غَدَا (١)
والثاني: ظرف لمضمر يدل عليه ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾، أي: وقبحوا يوم، لا للمقبوحين كما زعم أبو علي، لامتناع تقدم الصلة على الموصول، إلا أن تجعل اللام للتعريف لا بمعنى الذي، وقد ذكر قبيل (٢).
стр. 2852
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿بَصَائِرَ﴾ على الحال من الكتاب، أو مفعول له، و ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ معطوفان عليه، وحكمهما في الإعراب حكمه.
وقوله: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ في الكلام حذف موصوف تقديره: بجانب الجبل، أو المكان الواقع في جانب الغرب، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى ﵇ من الطور على ما فسر (١)، ثم حذف للعلم به، إذ قد عرف وأثبت في الصدور أن الموصوف لا يضاف إلى الصفة، لأجل أنها هي الموصوف في المعنى.
وقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ (إذ) معمول للاستقرار.
وقوله: ﴿تَتْلُو﴾ في موضع نصب، إما على أنه خبر بعد خبر، أي: وما كنت ﴿ثَاوِيًا﴾، أي: مقيمًا في أهل مدين وهم شعيب ﵇ والمؤمنون به تاليًا عليهم آياتنا، أو حال من المنوي في ﴿ثَاوِيًا﴾.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً﴾ في انتصاب رحمة وجهان، أحدهما: نصب على المصدر، على تقدير: ولكن رحمناك رحمة. والثاني: مفعول له، أي: ولكن علمناك ذلك رحمة، أي: للرحمة. وعن الكسائي: هي خبر
стр. 2853
كان مضمرة؛ أي: ولكن كان ذلك رحمة (١).
وقرئ: (رحمةٌ) بالرفع (٢)، على: هي رحمةٌ.
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾، أي: علمناك ذلك، أو أرسلناك لتنذر.
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ لولا هذه امتناعية، وأنْ وما اتصل بها في موضع رفع بالابتداء، وخبره وجوابها كلاهما محذوف، وهو ترك إرسال الرسول ﵊، أعني الجواب.
وقوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ عطف على ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ﴾ هذه تحضيضية، أي: هلَّا أرسلت.
وقوله: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ منصوب على جواب التحضيض، وهو بمعنى الأمر. أعني: التحضيض، أي: أرسل إلينا رسولًا فنتبع، والأصل: إن ترسلْ نتبعْ، والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بسبب مأ قدموه من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا [رسولًا] محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم رسولًا، أو لما احتجنا إلى إرسال الرسل، كقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣).
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ
стр. 2854
كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾:
قوله : (ساحران) خبر مبتدأ محذوف، أي: هذان ساحران، أو هما ساحران، يريدون موسى ومحمد ﵉ عن ابن عباس ﵄، وقيل: موسى وهارون، عن مجاهد وغيره (١)، وقرئ: (سِحْران) (٢)، على معنى: ذوا سحر، أو جعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر. وقيل: المراد بهما الكتابان، وهما التوراة والقرآن، أو الإنجيل والقرآن، أو التوراة والإنجيل على ما فسر وأُوِّلَ (٣). يعضد الأولى: ﴿تَظَاهَرَا﴾ , لأجل أن التعاون في الحقيقة إنما يكون للساحرين لا للسحرين، وينصر الثانية: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ يعني من الكتابين اللذين قالوا فيما سحران.
ومن قرأ: (ساحران) فالمعنى عنده هو أهدى من كتابيهما، فحذف المضاف.
وقرئ: (اظَّاهرا) (٤) وأصله: تظاهرا كقراءة الجمهور، فأدغمت التاء في الظاء بعد قلبها ظاء، ثم جيء بألف الوصل لسكون الظاء بعدها.
وقوله: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ﴾ أي: بكل واحد من المذكورين.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ
(ثُمُرات) بضمهما (١)، على أنها جمع ثُمُر، والثُّمُر جمع ثَمَرَة، كخَشَبَةٍ وخُشُبٍ، ثم ضمت الميم إتباعًا.
وقوله: ﴿رِزْقًا﴾ في نصبه ثلاثة أوجه:
أحدها: على المصدر من معنى: ﴿يُجْبَى﴾، كأنه قيل: ويرزق ثمرات كل شيء رزقًا.
والثاني: مفعول له, لأنه علة وغرض صحيح للجلب والجمع، وهو على هذين على أصله وبابه.
والثالث: حال من الثمرات لتخصصها بالإضافة كما تنتصب على النكرة المتخصصة بالصفة، وهو على هذا بمعنى مرزوق تسمية للمفعول بالمصدر كخلق الله، وضرب الأمير.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلَا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾:
قوله : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (كم) في موضع نصب بقوله: ﴿أَهْلَكْنَا﴾.
وقوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ انتصاب قوله: ﴿مَعِيشَتَهَا﴾ إما بنزع الجار وإيصال الفعل، وهو قول المازني (٢)، كقوله:
стр. 2857
٤٩٥ - أمرتك الخير. . . . . . ... . . . . . . . . . . (١)
أي: بطرت في معيشتها، وإما بعين ﴿بَطِرَتْ﴾ على تضمينه معنى جهلت، أو كفرت، أي: جهلت شكر معيشتها، أو كفرت نعمتها، ثم حذف المضاف.
ويبعد انتصابها على التمييز كما زعم الفراء (٢) , لأنها معرفة. وقد جوز انتصابها علي الظرف إما بنفسها، كقولك: زيد ظني مقيم، أو بتقدير حذف الزمان المضاف كخفوق النجم، ومقدم الحاج، أي: بطرت أيام معيشتها، ثم حذف المضاف (٣).
قال أبو إسحاق: والبطر الطغيان بالنعمة (٤).
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف للظرف الذي هو خبر المبتدأ، وهو ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، والمبتدأ ﴿هُوَ﴾، أو لمحذوف دل عليه ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، أي: خمر أو محضر في ذلك اليوم في النار أو للحساب.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ يجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ , وأن يكون مفعولًا به منصوبًا بمضمر
стр. 2858
وهو اذكر، ومفعولا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ محذوفان، والتقدير: تزعمونهم شركائي، ولا مقال في جواز حذف المفعولين في باب ظننت وأخواتها، وإنما الممنوع هو الاقتصار على أحدهما.
وقِوله: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ (هؤلاء) مبتدأ، وفي ﴿الَّذِينَ﴾ وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي علي (١) -: أن ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، على تقدير مبتدأ آخر، أي: هؤلاء هم الذين. و ﴿أَغْوَيْنَا﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾ والراجع إلى الموصول محذوف، أي: أغويناهم، ولا يكون ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ صفة ﴿هَؤُلَاءِ﴾ عنده، ويكون ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرًا، لأنه لا يفيد أكثر مما أفاده المبتدأ وصفته، ومن شرط الخبر أن تكون فيه فائدة زائدة، ولهذا منعت النحاة أن يقال: إِنَّ الدَّاهِيَةَ جَارِيَتُهُ صَاحِبُهَا، لأن من حق كل واحد من جُزْئَي الجملة أن يختص بفائدة، إذ لو تضمن ما يتضمنه صاحبه لكان تكريرًا، والتكرير يجري مجرى ما لم يذكر، والجزء الواحد لا يتم منه كلام، ولكن يكون التقدير عنده: هؤلاء هم الذين أغوينا، و ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ جملة مستأنفة، وحذف منها العاطف لدلالة ما قبلها.
ثم قال: فإن قلت: فلم لا يكون قوله. ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرًا، وجاز لتعلق قوله: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ به، فيكون مفيدًا فائدة زائدة ليست في الصفة والموصوف؟ فالجواب: أن ذلك يوجب أن يكون قوله: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ جاريًا مجرى ما لا بد منه من أحد جزئي الجملة، وهذا لا يجوز لأنه ظرف والظروف فضلات في الكلام.
وقال أبو عثمان - وهو الوجه الثاني - لا يمتنع أن يكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ صفته و ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ الخبر، من أجل ما اتصل به وهو ﴿كَمَا
стр. 2859
غَوَيْنَا﴾ وإن كان فضلة، لأنا رأينا الظرف الذي فيه فضلة لا بد منه في بعض المواضع كقولك: زيد قائم عمرو في داره، فلا بد من قولك: في داره، ليعود من الجملة إلى زيد وهو فضلة في الكلام، فكذا هنا ينبغي أن يكون ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرًا لتعلق قوله: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ به وإن كان فضلة، انتهى كلامه:
ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أغويناهم فغووا غيًا مثل غينا، والإغواء: الإضلال، والغي: الضلال.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ في (ما) وجهان:
أحدهما: نافية، على معنى: تبرأنا إليك من دعائنا إياهم إلى عبادتنا وأمرنا إياهم بها، فما كانوا يعبدوننا بأمرٍ منا لهم بعبادتنا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شهواتهم.
والثاني: مصدرية، بمعنى: تبرأنا إليك مما كانوا إيانا يعبدون، أي: من عبادتهم إيانا، فإنا ما دعوناهم إليها.
﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾:
قوله : ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ جواب (لو) محذوف، أي: لو كانوا يهتدون في الدنيا بالإيمان والطاعة لم يروا العذاب، أو لما أطاعوهم وما عبدوهم.
стр. 2860
وقوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ في ﴿مَا﴾ الأولى ثلاثة أوجه: أحدها - وهو الوجه وعليه الجمهور - أنها موصولة. والثاني: بمعنى (من). والثالث: بمعنى (كيف) فتكون معمول ﴿يَشَاءُ﴾.
وفي الثانية أيضًا: ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو المختار وعليه المشيخة من أهل السنة (١) - أنها نافية، لأنها إذا كانت نافية دل على أن جميع الأشياء بقدر الله واختياره، وليس للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بتقدير الله، وفي الحديث ما يعضد هذا، وهو قوله ﷺ : "قَدَّرَ اللهُ المقاديرَ وكتبها قبل أَنْ يَخلق السمواتِ والأرض بخمسينَ أَلْف سنةٍ". وفي رواية أخرى: "فرغ الله من المقادير وأَمْرِ الدنيا قبل أَنْ يَخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" (٢).
والثاني: موصولة منصوبة بقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾، والراجع إلى الموصول محذوف، والتقدير: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة، أي: يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، وهو - سبحانه - أعلم بمصالحهم مِن أنفسهم، ثم حذف (فيه) للعلم به، كما حذف (منه) في قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ ذَلِك مِنْ عَزمِ الْأُمُوُرِ﴾ (٣)، وقولهم: السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم، لذلك، ﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾، و ﴿لَهُمُ﴾ خبرها.
وأنكر الطبري أن تكون (ما) نافية لئلا يكون المعنى: أنهم لم تكن
стр. 2861
الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يأتي (١). فأجيب عنه وقيل: إن ذلك غير لازم، لأن (ما) تنفي الحال والاستقبال كليس، ولذلك عملت عملها (٢).
والثالث: مصدرية، أي: ويختار اختيارهم، وهو من التعسف والتكلف كما ترى (٣).
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿سَرْمَدًا﴾ مفعول به ثان، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير. وقد جوز أن يكون بمعنى الخلق و ﴿سَرْمَدًا﴾ حال.
والسرمد: الدائم المتصل، من قولهم: سردت الصوم، أي: تابعته، وقيل لأعرابي: أتعرف الأشهر الحرم؟ فقال: نعم، ثلاثة سَرْدٌ، وواحدٌ فردٌ (٤). والميم مزيدة، ووزنه (فعمل) ونظيره في كون الميم زائدة: دُلَامِص للبَرَّاق من الدروع، بشهادة قولهم: دَلِيص ودِلَاص، وقد دَلَصَتِ الدرعُ (٥).
وقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: الضمير في قوله: ﴿فِيهِ﴾ لليل. وقيل:
стр. 2862
للزمان, لأنه الليل والنهار، وهو من التعسف (١). والتقدير: جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبتغوا فيه من فضله، ولكنه مزج لكون المعنى مفهومًا.
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾:
قوله : ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ (ما) موصولة في موضع المفعول الثاني لآتينا، و ﴿إِنَّ﴾ وما اتصل بها إلى قوله: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ صلتها، وإنما وصلت بإن وكسرت، لأن (ما) الموصولة توصل بالجملتين المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، ولا اختصاص لها بأحدهما.
و﴿مَفَاتِحَهُ﴾: جمع مِفْتَح بكسر الميم وهو ما يفتح به. وقيل: جمع مَفْتَحٍ بفتح الميم وهو الخزانة (٢). وقيل: جمع مفتاح، والأصل مفاتيح فحذفت الياء، وهو ما يفتح به الباب.
وقوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ الباء للتعدية، الهمزة في أناءه الحمل، أي أثقلهُ وأمالهُ، أي لَتُنِيءُ العصبةَ، أي تثقلهم. وقال أبو عبيدة: وهو من المقلوب، أي: لتنوء بها العصبة، يقال: ناء بالحمل، إذا نهض به مثقلًا، وأناء به الحمل، إذا أثقله (٣).
و﴿مِنَ الْكُنُوزِ﴾ من صلة الإيتاء، و (إذ) من صلة النوء، أو من صلة محذوف، أي: بغى إذا قال، أي في ذلك الوقت، دل عليه معنى الكلام.
وقرئ: (لَيَنُوء) بالياء النقط من تحته (٤)، أي لينوء ذلك، أو المذكور.
стр. 2863
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾:
قوله : ﴿فِيمَا آتَاكَ﴾ من صلة قوله: ﴿وَابْتَغِ﴾. و (ما) موصولة، أي: واطلب في الذي أعطاك الله من المال الجنة، وهو أن يفعل فيه أفعال الخير من ضروب الواجب والمندوب.
وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (ما) بمعنى الذي، و ﴿أُوتِيتُهُ﴾ صلة، وعائده وخبر (إن) محذوف دل عليه الصلة، أي: إن الذي أوتيته أوتيته على علم. و ﴿عِنْدِي﴾ صفة لعلم.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من صلة ﴿أَهْلَكَ﴾ , وكذا ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾.
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾:
قوله : ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ في موضع الحال من المنوي في (خرج)، أي: متزينًا بزينته.
وقوله: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ المنادى محذوف، أي: يا قوم، و ﴿مِثْلَ﴾ اسم (ليت)، والخبر ﴿لَنَا﴾، و ﴿قَارُونُ﴾ هو القائم مقام الفاعل، و ﴿أُوتِيَ﴾ عارٍ عن الضمير، وأحد المفعولين وهو المعطي
стр. 2864
[محذوف، أي: مثل ما أعطي قارون من زينة الدنيا وأموالها].
ويجوز في الكلام نصب (قارون) على أن تجعل في ﴿أُوتِيَ﴾ ضميرًا راجعًا إلى ﴿مَا﴾، ويكون هو القائم مقام الفاعل، ويبقى قارون على أصله وهو النصب (١).
وقوله: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ مصدر في الأصل، ولا فعل له، وهو هنا مفعول به منصوب بفعل مضمر، تقديره: ألزمكم الله ويلكم.
وقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ الضمير للكلمة التي تكلم بها الذين أوتوا العلم، وهي ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، أو للثواب حملًا على المعنى, لأنه في معنى المثوبة. وقيل: للجنة. وقيل: للأعمال الصالحة. وقيل غير هذا (٢).
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿بِالْأَمْسِ﴾ من صلة ﴿تَمَنَّوْا﴾، وقد جوز أن يكون من صلة محذوف على أن يكون حالًا من قوله: ﴿مَكَانَهُ﴾، لأن المراد بالمكان المنزلة والحالة، وذلك مصدر.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ في موضع نصب بخبر ﴿أَصْبَحَ﴾، بمعنى صار الذين تمنوا منزلته بالأمس قائلين كيت وكيت، ويجوز أن يكون تامًا بمعنى الدخول في الإصباح، فيكون حالًا.
وقوله: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ اختلفت النحاة في (وَيْ) فذهب صاحب
стр. 2865
الكتاب وشيخه الخليل رحمهما الله تعالى وموافقوهما إلى أن (وَيْ) مفصولة عن كأن (١)، وهي كلمة يستعملها النادم لإظهار ندامته وتندمه على ما فات، و (كأن) هنا إخبار عار عن معنى التشبيه، ومعناه التعجب، أي: ألم تر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء، والمعنى: أن القوم انتبهوا أو تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وقولهم: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، فقولهم: (وَيْ) تندم (وكأن الله) تعجب، وعليه بيت الكتاب:
٤٩٦ - وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبُّ يُحْـ ... ـبَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ (٢)
لأنه تندم على ما سلف منه في تفريطه لماله، وتعجب مِن أنَّ مَن يكن له نشب، وهو المال والعقار يُحببْ، وكذا القوم تندموا على ما سلف منهم من تمنيهم لمكان قارون، وتعجبوا من بسط الله تعالى الرزق لمن يشاء مِن عباده وقدره لهم، وقبله:
سَألَتَانِي الطلاقَ أَنْ رَأَتَانِي ... قَلَّ مَالِي، قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرِ (٣)
(وي كأن). وذهب أبو الحسن: إلى أن أصله ويك (٤)، والكاف متصلة وهي كلمة تلبية، كقوله أيضًا:
٤٩٧ - وَلَقَدْ شَفَى نَفْسي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قِيلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرُ أَقْدِمِ (٥)
стр. 2866
و (أن) عنده منصوبة بإضمار اعلم بعد (وي)، أي: ويك اعلم أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. وقيل معناه: أو لا يرون أن الله يبسط الرزق. وحكي أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابْنُكَ؟ فقال: ويكِ إنه وراء البيت، أي: أما تري أنه وراء البيت؟ (١).
وذهب الكسائي وغيره: أن (وي) صلة في الكلام، والمعنى: كأن الله، أي ألم تروا أن الله (٢).
وقيل: (ويك) بمعنى: ويلك، و (أن) منصوبة بإضمار ألم تعلم (٣).
وعن قتادة: (وي كأن) بمعنى: ألم تعلم (٤)، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير: وقال: هي بمجموعها كلمة بمعنى ألم تعلم (٥)؟ .
وقيل: الياء والكاف كلتاهما مزيدة، أي: أن الله، والمعنى: واعلموا أن الله يبسط (٦).
وقد جوز بعض المتأخرين (٧) أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى (وي)، وأن بمعنى لأنَّ، واللام لبيان المقول، أي لأجل القول، وكذا القول في ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾. والضمير في (كأنه) ضمير الشأن أو الحديث، فاعرفه وخذ منه ما صفا، ودع ما كدر.
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (أن) وما بعدها في تأويل المصدر،
стр. 2867
تعضده قراءة من قرأ: (لولا مَنُّ الله) بالمصدر، وهو الأعمش (١)، ومحلها الرفع بالابتداء والخبر محذوف.
وقيل: (أن) مخففة من الثقيلة، والتقدير: لولا أن الأمر أو الشأن، والوجه ما ذكر بشهادة قراءة الأعمش وعدم العوض، والعوض لازم معها إذا وليت الفعل، كقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٢).
وقوله: (لَخُسِفَ بنا) قرئ بضم الخاء وكسر السين على البناء للمفعول والقائم مقام الفاعل ﴿بِنَا﴾ وقرئ: بفتحهما (٣) على البناء للفاعل وهو الله جل ذكره، لتقدم ذكره في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ﴾.
وقرئ أيضًا: (لا نخُسِفَ) بزيادة نون وضم الخاء وكسر السين (٤)، كقولك: انقطع بفلان، فـ ﴿بِنَا﴾ أيضًا: في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. وقد جوز أبو الفتح أن يكون على إضمار المصدر لدلالة فعله عليه، فكأنه قيل: لا نخسف الانخساف بنا، فبنا على هذا التأويل في موضمع نصب لقيام المصدر مقام الفاعل (٥).
وقرئ أيضًا: (لَخَسْفَ بنا) بإسكان السين تخفيفًا (٦).
стр. 2868
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾:
قوله : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا﴾ (تلك) مبتدأ. و ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ لك أن تجعلها عطف بيان لـ ﴿تِلْكَ﴾ فيكون الخبر ﴿نَجْعَلُهَا﴾، ولك أن تجعلها الخبر، فيكون قوله: ﴿نَجْعَلُهَا﴾ إما خبرًا بعد خبر، أو حالًا من ﴿الدَّارُ﴾ والعامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الفعل، و ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ صفة للدار.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾:
قوله : ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ (مَنْ) يجوز أن تكون موصولة في موضع نصب بفعل دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾، لا بعين ﴿أَعْلَمُ﴾، لأن أفعل لا تعمل في الاسم الظاهر النصب، والتقدير: يعلم من جاء. وأن تكون استفهامية في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿جَاءَ﴾ والجملة في موضع نصب بالفعل المقدر المذكور آنفًا.
وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ الاستثناء منقطع و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن، أي بمعنى: ولكن ألقى إليك رحمة، أي: الرحمة من ربك، أو: ولكن رحمك الله رحمة بإنزال الوحي عليك، وإعطائك النبوة والقرآن.
وقوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ الجمهور على فتح الياء وضم الصاد، من
стр. 2869
صَدَّه، إذا منعه، وقرئ: (وَلَا يُصِدُّنَّكَ) بضم الياء وكسر الصاد (١)، من أصده بمعنى صده، وهي لغية، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢).
وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي: وقت إنزالها.
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾:
قوله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ نصب على الاستثناء، وهو من الجنس، أي: إلا إياه، والوجه يعبر عن الذات. ويجوز في الكلام رفعه على الصفة على معنى: كل شيء غير وجهه هالك، ومثله قول الشاعر - أنشده أبو إسحاق -:
٤٩٨ - وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الفَرْقَدَانِ (٣)
والمعنى والتقدير: وكل شيء غير الفرقدينِ مفارقه أخوه، فغير المقدر المذكور في البيت والآية: صفة لـ (كل) فاعرفه.
وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
الضمير في ﴿وَإِلَيْهِ﴾ لله جل ذكره، وقيل: للحُكْمِ (٤)، أي: وإلى حكمه ترجعون، [والله أعلم بكتابه].
هذا آخر إعراب سورة القصص
والحمد لله وحده
стр. 2870
إعراب سُوْرَةُ العَنْكَبُوتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾:
قوله : ﴿الم﴾ قد ذكرتُ فيما سلف من الكتاب ما يصلح أن يكون ها هنا، غير أنه هنا منقطع عما بعده، لأن وقوع الاستفهام بعده يدل على انقطاعه واستقلال الكلام الذي يتبعه دونه، وهو قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾، فقوله: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (أن) وما اتصل بها سدت مسد مفعولي الحسبان عند صاحب الكتاب.
وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في موضع نصب على حذف الجار وإيصال الفعل وهو ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾، أي: بأن يقولوا، أو لأن يقولوا. وقد جوز أبو إسحاق أن يكون معمول الحسبان، على أن يكون بدلًا من قوله: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾، كأنه قيل: أحسبوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (١)؟ وأنكر أبو علي البدل وقال: هذا غلط لخروجه عن أقسام البدل، ألا ترى أنه ليس ببدل كل، ولا بعض، ولا اشتمال، انتهى كلامه (٢).
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ الواو للحال، أي: غير مفتونين، والفتنة: الابتلاء والامتحان.
стр. 2871
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾:
قوله : ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ الجمهور على فتح الياء واللام في الفعلين من العلم. قال أبو إسحاق: والله قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، ولكنَّ القَصْدَ قَصْدُ وقوع العلم بما يجازي عليه (١).
وقرئ: بضم الياء وكسر اللام (٢)، من الإعلام، على معنى: فَلَيُعَرِّفَنَّ اللهُ الناسَ مَنِ الذين صدقوا ومن الكاذبون؟ فحذف المفعول الأول، وإن شئت كان على حذف المفعول الثاني لا الأول، على معنى: فليُعْلِمن اللهُ الصادقين ثواب صدقهم، والكاذبين عقاب كذبهم، أو على معنى: فليجعلن الله لهم علامة يُعْرَفون بها من بياض الوجوه وسوادها وغيرهما من العلائم، من قولهم: ثوب معلم. وقولهم: فارس مُعْلِمٌ، إذا عَلَّمَ نفسه في الحرب بثوب أو غيره يعرف به، فهذا يرجع في المعنى إلى المعنى الأول، إلا أنه ليس على تقدير حذف المفعول، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (٣).
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾:
стр. 2872
قوله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ (أم) هنا منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام، والاستفهام بمعنى الإنكار، والمعنى: بل أحسبوا أن يفوتونا فلا نقدر عليهم؟ وأن مع صلتها قد سدت مسد مفعولي الحسبان كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (١).
وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (ما) هنا يجوز أن يكون معرفة في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾ على الفاعلية، وساء بمعنى (بئس)، والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس الشيء الذي يحكمونه حكمهم هذا، وأن يكون نكرة في موضع نصب، أي: بئس شيئًا يحكمونه حكمهم هذا. وعن ابن كيسان: أن ﴿مَا﴾ مصدرية في موضع رفع بساء، أي: ساء حكمهم هذا (٢).
وقوله: ﴿مَنْ كَانَ﴾ (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿كَانَ﴾ أو الجواب، وهو ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [على تقدير: لآتيه، فحذف الراجع].
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾:
قوله : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انتصاب قوله: ﴿حُسْنًا﴾ على المصدر على حذف الزوائد، أي: وصيناه بأن يحسن إليهما إحسانًا، تعضده قراءة من قرأ: (إحسانًا) وهو الجحدري (٣).
وقيل: هو مفعول ثان على تضمين ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ معنى ألزمنا، كأنه قيل: ألزمناه حسنًا.
стр. 2873
وقيل التقدير: وصيناه بأن يفعل حسنًا، يقال: وصيت زيدًا بأن يفعل خيرًا، كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا.
فإن قلت قولك: بأن يفعل حسنًا هذا الجار من صلة وصينا المذكور أو من صلة محذوف دل عليه المذكور؟ قلت: لا، من صلة محذوف، لأن المذكور قد استوفى مفعوليه، ولك أن تجعله من صلة المذكور، والتقدير: وصيناه بأن يفعل بهما حسنًا، أي: فعلًا ذا حسن، فأقيمت الصفة مقام الموصوف وهو الفعل، وحذف المضاف الذي هو (ذا) وأقيم حُسْنٌ المضاف إليه مقامه، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، فلا حذف في الكلام على هذا.
وقيل: هو منصوب بإضمار فعلٍ، لأن التوصية بهما دالة عليه، وما بعده مطابق له، كأنه قال: قلنا: أَوْلِهما معروفًا، أو افعل بهما معروفًا، ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه (١).
وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (ما) موصوفة بمعنى شيء، وما بعدها صفتها وهي مفعول قوله: ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ
стр. 2874
أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ﴾، وأن يكون في موضع نصب بمضمر يفسره الظاهر، أي: لندخلن الذين، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع.
وقوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ لفظه لفظ الأمر، والمعنى: على الجزاء، [أي]: إن اتبعتم سبيلنا نحمل خطاياكم، والتقدير: خطاياكم عنكم، فحذف الجار والمجرور.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِنْ): صلة. و ﴿مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿شَيْءٍ﴾، وهو في الأصل صفة له فلما قدم عليه نصب على الحال، كقوله:
٤٩٩ - لعزة موحشا طلل قديم ... . . . . . . . . . . (١)
والتقدير والأصل: وما هم بحاملين شيئًا من خطاياهم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾:
قوله : ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ مفعول للبث، و ﴿خَمْسِينَ﴾ نصب على الاستثناء، و ﴿عَامًا﴾ تمييز. والضمير في (جَعَلنَاهَا) المنصوب لـ ﴿السَّفِينَةِ﴾ أو للعقوبة، أو للآخذة، أو للحادثة، أو القصة أو نحوها.
وقوله: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الواو للحال. وقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عطف إما
стр. 2875
على ﴿نُوحًا﴾ أو على الضمير في ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾، ولك أن تنصبه بإضمار فعل، أي: واذكر إبراهيم.
وعن بعضهم: (وإبراهيمُ) بالرفع (١) على: ومن المرسلين إبراهيم.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ (ما) كافة، و ﴿أَوْثَانًا﴾ مفعول ﴿تَعْبُدُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ الجمهور على كسر الهمزة وسكون الفاء، وهو الكذب، والأَفيكة مثله (٢)، وقرئ: (أَفِكًا) بفتح الهمزة وكسر الفاء (٣)، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: مصدر كالكَذِب والضَّحِك، والإِفْك مخفف منه كالكِذْب والضِحْك.
والثاني: صفة على فَعِل كالأَشِر والبَطِر لمصدر محذوف، أي: خَلْقًا أَفِكًا، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
والثالث: هو محذوف من آفك، كبَرِدٍ وعَرِدٍ من بارد وعارد، وهو اسم