← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾: قوله : ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ الجمهور على فتح الياء واللام في الفعلين من العلم. قال أبو إسحاق: والله قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، ولكنَّ القَصْدَ قَصْدُ وقوع العلم بما يجازي عليه (١). وقرئ: بضم الياء وكسر اللام (٢)، من الإعلام، على معنى: فَلَيُعَرِّفَنَّ اللهُ الناسَ مَنِ الذين صدقوا ومن الكاذبون؟ فحذف المفعول الأول، وإن شئت كان على حذف المفعول الثاني لا الأول، على معنى: فليُعْلِمن اللهُ الصادقين ثواب صدقهم، والكاذبين عقاب كذبهم، أو على معنى: فليجعلن الله لهم علامة يُعْرَفون بها من بياض الوجوه وسوادها وغيرهما من العلائم، من قولهم: ثوب معلم. وقولهم: فارس مُعْلِمٌ، إذا عَلَّمَ نفسه في الحرب بثوب أو غيره يعرف به، فهذا يرجع في المعنى إلى المعنى الأول، إلا أنه ليس على تقدير حذف المفعول، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀ (٣). ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾:

стр. 2872

قوله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ (أم) هنا منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام، والاستفهام بمعنى الإنكار، والمعنى: بل أحسبوا أن يفوتونا فلا نقدر عليهم؟ وأن مع صلتها قد سدت مسد مفعولي الحسبان كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (١). وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (ما) هنا يجوز أن يكون معرفة في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾ على الفاعلية، وساء بمعنى (بئس)، والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس الشيء الذي يحكمونه حكمهم هذا، وأن يكون نكرة في موضع نصب، أي: بئس شيئًا يحكمونه حكمهم هذا. وعن ابن كيسان: أن ﴿مَا﴾ مصدرية في موضع رفع بساء، أي: ساء حكمهم هذا (٢). وقوله: ﴿مَنْ كَانَ﴾ (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿كَانَ﴾ أو الجواب، وهو ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [على تقدير: لآتيه، فحذف الراجع]. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾: قوله : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انتصاب قوله: ﴿حُسْنًا﴾ على المصدر على حذف الزوائد، أي: وصيناه بأن يحسن إليهما إحسانًا، تعضده قراءة من قرأ: (إحسانًا) وهو الجحدري (٣). وقيل: هو مفعول ثان على تضمين ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ معنى ألزمنا، كأنه قيل: ألزمناه حسنًا.

стр. 2873

وقيل التقدير: وصيناه بأن يفعل حسنًا، يقال: وصيت زيدًا بأن يفعل خيرًا، كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا. فإن قلت قولك: بأن يفعل حسنًا هذا الجار من صلة وصينا المذكور أو من صلة محذوف دل عليه المذكور؟ قلت: لا، من صلة محذوف، لأن المذكور قد استوفى مفعوليه، ولك أن تجعله من صلة المذكور، والتقدير: وصيناه بأن يفعل بهما حسنًا، أي: فعلًا ذا حسن، فأقيمت الصفة مقام الموصوف وهو الفعل، وحذف المضاف الذي هو (ذا) وأقيم حُسْنٌ المضاف إليه مقامه، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، فلا حذف في الكلام على هذا. وقيل: هو منصوب بإضمار فعلٍ، لأن التوصية بهما دالة عليه، وما بعده مطابق له، كأنه قال: قلنا: أَوْلِهما معروفًا، أو افعل بهما معروفًا، ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه (١). وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (ما) موصوفة بمعنى شيء، وما بعدها صفتها وهي مفعول قوله: ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ

стр. 2874

أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ﴾، وأن يكون في موضع نصب بمضمر يفسره الظاهر، أي: لندخلن الذين، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع. وقوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ لفظه لفظ الأمر، والمعنى: على الجزاء، [أي]: إن اتبعتم سبيلنا نحمل خطاياكم، والتقدير: خطاياكم عنكم، فحذف الجار والمجرور. وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِنْ): صلة. و ﴿مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿شَيْءٍ﴾، وهو في الأصل صفة له فلما قدم عليه نصب على الحال، كقوله: ٤٩٩ - لعزة موحشا طلل قديم ... . . . . . . . . . . (١) والتقدير والأصل: وما هم بحاملين شيئًا من خطاياهم. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾: قوله : ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ مفعول للبث، و ﴿خَمْسِينَ﴾ نصب على الاستثناء، و ﴿عَامًا﴾ تمييز. والضمير في (جَعَلنَاهَا) المنصوب لـ ﴿السَّفِينَةِ﴾ أو للعقوبة، أو للآخذة، أو للحادثة، أو القصة أو نحوها. وقوله: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الواو للحال. وقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عطف إما

стр. 2875

على ﴿نُوحًا﴾ أو على الضمير في ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾، ولك أن تنصبه بإضمار فعل، أي: واذكر إبراهيم. وعن بعضهم: (وإبراهيمُ) بالرفع (١) على: ومن المرسلين إبراهيم. ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ (ما) كافة، و ﴿أَوْثَانًا﴾ مفعول ﴿تَعْبُدُونَ﴾. وقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ الجمهور على كسر الهمزة وسكون الفاء، وهو الكذب، والأَفيكة مثله (٢)، وقرئ: (أَفِكًا) بفتح الهمزة وكسر الفاء (٣)، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: مصدر كالكَذِب والضَّحِك، والإِفْك مخفف منه كالكِذْب والضِحْك. والثاني: صفة على فَعِل كالأَشِر والبَطِر لمصدر محذوف، أي: خَلْقًا أَفِكًا، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. والثالث: هو محذوف من آفك، كبَرِدٍ وعَرِدٍ من بارد وعارد، وهو اسم

стр. 2876

الفاعل من أَفَكَه يأفِكُه أَفْكًا، إذا قلبه وصرفه عن الشيء، فهو آفك وذاك مأفوك، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ (١)، قال عروة بن أذينة (٢): ٥٠٠ - إِنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنَيعةِ مَأْ ... فُوكًا ففي آخَرِينَ قد أُفِكُوا (٣) أي: إن لم توفق للإحسان، فأنت من قوم قد صرفوا عن ذلك أيضًا. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قرئ بالياء النقط من تحته، على معنى: أَوَلم يرَ كفار مكة أو قوم إبراهيم ﵇، وبالتاء النقط من فوقه (٤) على الخطاب لهم، أي: أولم تروا أنتم أيها المتكبرون المنكرون للبعث؟

стр. 2877

وقوله: ﴿يُبْدِئُ﴾ الجمهور على ضم الياء وكسر الدال وهمزة مضمومة بعدها من الإبداء، وقرئ: (يَبْدَا) بفتح الياء والدال وألف بعدها من غير همزة (١)، من البدء، وأصله يبدأ بالهمزة، إلا أنه خففت الهمزة بالبدل على غير قياس، كقوله: ٥٠١ - سَالَتْ هُذَيْلٌ. . . . . ... . . . . . . . . . . .. . (٢) وقوله: ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ﴾ قرئ بالقصر والمد (٣)، وهما لغتان بمعنى، كالرأفة والرآفة، والكأبة والكآبة. ونشأ فعل لازم، فإذا أردت أن تعديه نقلته بالهمزة أو بالتضعيف، نحو: نشأ الغلام وأنشأه الله وَنَشَّأَهُ. ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قرئ: برفع (مودة) مع إضافة وبغير إضافة، وبنصبها مع الإضافة وبغير الإضافة (٤).

стр. 2878

أما الرفع ففيه ثلاثة أوجه: أن يكون خبرًا لإِنَّ، على أنَّ (ما) موصول وعائده محذوف، والتقدير: إن الذين اتخذتموهم من دون الله أوثانًا مودةُ بينكم، وهو مفعول أول، أعني العائد، و ﴿أَوْثَانًا﴾ ثان، كقوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ (١)، وجاز أن تجعل ما اتخذتموه من دون الله مودة على الاتساع, لأنه سبب المودة، أو تقدر حذف مضاف، أي: إِنَّ ما اتخذتموهم من دون الله أوثانًا ذو مودة بينكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أو هم مودة بينكم. وأن يكون رفعًا بالابتداء، والخبر ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: مودة بينكم كائنة أو واقعة في الحياة الدنيا، والجملة خبر (إِنَّ)، والبين على هذه القراءة مفعول على السعة، لأن إضافة المودة تخرجه عن أن يكون ظرفًا كما أخرجت اليوم في قولك: يا سائر اليوم, لأنه إذا كان ظرفًا كانت (في) مرادة فيه ومقدرة معه، بدلالة ظهورها مع علامة الضمير في نحو قولك: الذي سرت فيه يوم الجمعة، فإرادة ذلك فيه تمنع الإضافة إليه، فالبين في قوله: (مودةُ بينكم) عارٍ من تقدير (في)، كما أن زيدًا في قوله: يا ضارب زيد كذلك، فاعرفه. وأما النصب ففيه أوجه: أن يكون مفعولًا له، و (ما) كافة، كقوله: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ (٢) و ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣)، و ﴿أَوْثَانًا﴾: مفعول أول، والثاني

стр. 2879

محذوف، والتقدير: إنما اتخذتم من دون الله أوثانًا آلهة للمودة، أي: لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها، لا لأنَّ عندها نفعًا أو ضرًا. وأن يكون مفعولًا به ثانيًا لـ ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: إنما اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم، أو اتخذتموها مودة بينكم بمعنى: مودودة بينكم، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (١). وأن يكون حالًا من الضمير في ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾، أي: اتخذتموها آلهة متوادين أو ذوي مودة. وأن يكون صفة لـ ﴿أَوْثَانًا﴾ على جعل الأوثان المودة على السعة، أو على حذف المضاف، أي: ذوي مودة. وأن يكون تمييزًا أي: من المودة. ومن أضاف ﴿مَّوَدَّةَ﴾ جعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ اسمًا لا ظرفًا، وقد أوضحت آنفًا. ومن نون (مودةً) نصب أو رفع كان ﴿بَيْنِكُمْ﴾ ظرفًا للمودة، [وذلك أن تجعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ صفة للمصدر الذي هو المودة] لأنه نكرة، والنكرات توصف بالظروف، كقولك: مررت برجل خلفك، والجمل من الأسماء والأفعال، كقولك: جاءني رجل أبوه منطلق، ورأيت رجلًا ذهب أخوه، و ﴿بَيْنِكُمْ﴾ على هذا من صلة محذوف، وفيه ذكر يعود إلى الموصوف، والتقدير: مستقرة أو كائنة بينكم، ثم حذف اسم الفاعل تخفيفًا وللعلم به، فانتقل الذكر إلى الظرف، فارتفع به كما كان يرتفع باسم الفاعل. وفيما يتعلق به ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أوجه أيضًا:

стр. 2880

أن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون حالًا من الذكر الذي في الظرف وهو (بينكم)، وهو العامل في الحال، أعني: الظرف، وفيه ذكر يعود إلى ذي الحال، أعني ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وأن يكون متعلقًا بعين ﴿مَّوَدَّةَ﴾، وذلك أنك إذا جعلت (بينكم) ظرفًا للمودة، جاز أن يكون ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلقًا به أيضًا وظرفًا له، أعني للمصدر الذي هو المودة لاختلاف الظرفين، وذلك أن (بينكم) ظرف مكان، و ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ظرف زمان، إذ المعنى: في وقت الحياة الدنيا، وإنما يمتنع أن يتعلق بعامل واحد ظرفان متفقان، إما ظرفا زمان، أو ظرفا مكان، فأما إذا اختلفا فغير ممتنع، ولا ذكر في واحد من الظرفين، إذ لم يقم واحد منهما مقام محذوف فعل أو اسم فاعل، كما أنك إذا قلت: صادفت زيدًا اليوم في السوق، كان كذلك. وأن يكون صفة ثانية للمودة إذا نونتها وجعلت (بينكم) صفة أيضًا لها، فيكون في كل واحد من الظرفين ذكر يعود إلى الموصوف الذي هو المودة. ولا يجوز أن تعلق ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالمصدر الذي هو المودة بعد أن وصفته بالظرف الذي هو (بينكم)، لأنك كنت تفصل بين المصدر (١) ومعموله بالصفة، وذلك غير جائز، ألا ترى أنك لو قلت: مررت بالضارب الظريف زيدًا، لم يجز حتى تقول: مررت بالضارب زيدًا الظريف؛ لأنه لا يجوز أن يوصف الاسم الموصول وقد بقيت منه بقية، لأن المعمول (٢) فيه داخل في الصلة [والصفة غير داخلة في الصلة] فتقع فيه التفرقة بين الصلة والموصول. وقد أجاز الشيخ أبو علي ذلك وقال: لا يمتنع ذلك، لأنك إذا وصفته فمعنى الفعل قائم فيه، والظرف يتعلق بمعنى الفعل، وإنما الذي يمتنع

стр. 2881

أن يعمل فيه إذا وصف المفعول به، فأما الحال والظرف، فلا يمتنع أن يتعلق كل واحد منهما به وإن كان قد وصف، وقد جاء في الشعر ما يعمل (١) عمل الفعل إذا وصف عاملًا في المفعول به، فإذا جاز عمله في المفعول به فلا نظر في جواز عمله فيما ذكرنا من الظرف والحال، فمن ذلك قوله: ٥٠٢ - إِذَا فَاقِدٌ خَطْبَاءُ فَرْخَيْنَ رَجَّعَتْ ... ذَكَرْتُ سُلَيْمَى فِي الخَلِيطِ المُبَايِنِ (٢) والتحقير في ذلك بمنزلة الوصف، لو قلت: هذا ضويربٌ زيدًا، لَقَبُحَ كما يقبح ذلك في الصفة، ولم يجئ ذلك في حال السعة والاختيار، انتهى كلامه (٣). ولعمري صدق فيما زعم، لأن الظرف تكفيه رائحة الفعل، ونحن ما منعنا لكونه موصوفًا فحسب، وإنما منعنا لأجل التفرقة بين المصدر ومعموله بالصفة، وقد فاته ذلك، وليس (فاقد) بموصول فيكون ذلك حجة علينا فاعرفه. وأن يكون متعلقًا بقوله: ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾، هذا إذا جعلت (ما) كافة ونصبت (مودةً)، وأما إذا جعلت (ما) موصولة به ورفعت (مودةٌ) على خبر (إنَّ) فلا، لأجل أنك تفصل بين الموصول وصلته بالخبر، وذلك غير جائز. وأن يكون خبرًا للمودة على قول من رفع، وقد ذكر. وأن يكون صلة (بينكم) نفسه حملًا على المعنى، لأن معناه: اجتماعكم أو وصلكم. وأن يكون حالًا من (بينكم) عينه لتخصصه بالإضافة، والعامل المودة إن

стр. 2882

جعلت ظرفًا لها، أو الاستقرار إن جعلت نعتًا لها، أعني للمودة، فاعرفه فإنه موضع (١). ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَلُوطًا﴾ عطف على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) أو على ما عطف عليه وهو (نوح) (٣) وقد ذكر، أو واذكر لوطًا. والعامل في ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ هو العامل في ﴿لُوطًا﴾ و ﴿ذَرْعًا﴾: تمييز. وقوله: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ الكاف عند صاحب الكتاب رحمه الله تعالى في موضع الجر بالإضافة، وعند أبي الحسن ﵀ في موضع النصب على أنه مفعول

стр. 2883

﴿مُنَجُّوكَ﴾ (١)، فإذا فهم هذا، فقوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ عند صاحب الكتاب ينتصب بإضمار فعل دل عليه ﴿مُنَجُّوكَ﴾، أي: وننجي أهلك، كقوله: ٥٠٣ - هل أنت باعثُ دينارٍ لحاجتنا ... أو عبدَ ربٍ أخا عَوْنِ بنِ مِخْراقِ (٢) فنصب (عبد رب) بإضمار فعل دل عليه باعث، أي: أو تبعثَ عبدَ ربٍ. وعند أبي الحسن: عطفط على المحل ومحله النصب، لأن الإضافة مجَازية، والنون مقدرة منوية، والتقدير والأصل: منجون إياك, لأنه لم يقع بعد، فهو آتٍ. فإن قلت: أما يجوز أن يكون عند صاحب الكتاب معطوفًا على المحل دون اللفظ كما لو كان المضاف إليه ظاهرًا؟ قلت: بلى وفيه كلام وتفصيل بين المذهبين، وسأذكره بعدُ إن شاء الله تعالى. والضمير ﴿مِنْهَا﴾ للقرية (٣)، وهي قرية قوم لوط. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾:

стр. 2884

قوله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ انتصاب قوله: ﴿أَخَاهُمْ﴾ بفعل مضمر، أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم، و ﴿شُعَيْبًا﴾ بدل من ﴿أَخَاهُمْ﴾ أو عطف بيان له. و ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال، وكذا ﴿جَاثِمِينَ﴾، ويجوز أن يكون خبر (أصبح). وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ أي: وأهلكنا عادًا وثمودًا، دل عليه قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ لأنه في معنى الإهلاك. وقيل: معطوفان على الهاء والميم في ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. وقيل: على (الذين) من قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١)، وقيل: واذكر عادًا وثمودًا (٢). وقوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ أي: وأهلكنا قارون وفرعون وهامان. وقيل: عطف على (عاد) في جميع أوجهه. وقيل: على الهاء والميم في ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٣). وهي أسماء أعجمية معرفة فلذلك لم تنصرف. ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾: قوله : ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ (كُلًّا) مفعول ﴿أَخَذْنَا﴾. و ﴿مَنْ﴾

стр. 2885

في قوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ مبتدأ والجار قبله الخبر، وكذا ما عطف عليه، وهي نكرة موصوفة، وكذا ما عطف عليها. وحذف الراجع من قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ لدلالة ما ذكر من الرواجع قبله فاعرفه. و﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ يذكر ويؤنث، ويقع على الواحد والجمع، والنون فيه أصل، وتاؤه مزيدة بدليل قولهم في تكسيره: عناكب، وفي تصغيره: عنيكب. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ في (ما) وجهان: أحدهما: استفهامية في موضع نصب بـ ﴿يَدْعُونَ﴾ دون ﴿يَعْلَمُ﴾، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وكفاك دليلًا قوله : ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ (١)، والجملة في موضع نصب بـ ﴿يَعْلَمُ﴾، والتقدير: إن الله يعلم أي شيء تدعون من دونه أوثانًا أم غيره. قال أبو علي: ولا يكون ﴿يَعْلَمُ﴾ بمعنى يعرف، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ (٢)، لأن ذلك لا يُلغَى، وما لا يلغى لا يُعَلَّقُ (٣). والثاني: موصولة في موضع نصب بيعلم وراجعها محذوف، أي: يعلم الذي يدعونه، ثم حذف لطول الاسم بالصلة، والوجه هو الأول بشهادة دخوله ﴿مِنْ﴾ في الكلام، وهي إنما تدخل في نحو قولك: هل مِن طعام؟ وهل مِن رجل؟ ولا تدخل في الإيجاب عند صاحب الكتاب وشيخه الخليل، وأجاز ذلك أبو الحسن (٤).

стр. 2886

وقد جوز أن تكون ﴿مَا﴾ نافية، و ﴿مِنْ﴾ صلة (١) و ﴿شَيْءٍ﴾ مفعول ﴿تَدْعُونَ﴾، وهو من التعسف عند من تأمل. وقرئ: (يدعون) بالياء النقط من تحته حملًا على ما قبله من لفظ الغيبة، وهو قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا. . .﴾ الآية. وبالتاء (٢) على معنى: قل لهم: [إن الله يعلم ما تدعون]. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾: قوله : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ (تلك) مبتدأ، و ﴿الْأَمْثَالُ﴾ نعتها، والخبر ﴿نَضْرِبُهَا﴾، ولك أن تجعل ﴿الْأَمْثَالُ﴾

стр. 2887

الخبر، و ﴿نَضْرِبُهَا﴾ حالًا من ﴿الْأَمْثَالُ﴾، والعامل ما في (تِلْكَ) من معنى الفعل، وتكون الفائدة منوطة بالحال. ومعنى: ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ نبينها لهم. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في موضع نصب، إما على البدل من ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، أو على الاستثناء، وهو من الجنس، أي: إلا الظالمين منهم، وهم المصرون على كفرهم مع الامتناع عن أداء الجزية، فلا تجادلوهم بالحسنى بل بالغلظة والمقاتلة بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فيكون ذلك جدالًا بغير الأحسن. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إنزالًا مثل ذلك الإنزال أنزلنا إليك الكتاب. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾: قوله : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ (أَنَّا) في موضع رفع فاعل، ﴿يَكْفِهِمْ﴾ و ﴿شَهِيدًا﴾ حال أو تمييز.

стр. 2888

وقوله: ﴿بَغْتَةً﴾ مصدر في موضع الحال. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الواو للحال. وقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ (يوم) يجوز أن يكون ظرفًا للإحاطة، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: اذكر ذلك اليوم فيوقف على (الكافرين). وقوله: (ونقول) قرئ بالنون (١) لقوله: ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾، وبالياء النقط من تحته (٢) لقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ﴾. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: في محل الرفع على الابتداء، والخبر ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾، أو النصب على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر، أي: ولنبوئن الذين آمنوا. و ﴿غُرَفًا﴾ مفعول ثان، وقد مضى الكلام على (بوأ) فيما سلف من الكتاب بأشبع ما يكون، فأغناني عن الإعادة هنا (٣). وقرئ: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) (٤)، على معنى: لنعطينهم جنة يثوون فيها، أي يقيمون، وثوى: فعل يتعدى بحرف جر، بشهادة قول حسان ﵁: ٥٠٤ - ثَوَى في قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... . . . . . . . . . . . (٥) كأنه قال: أقام فيهم ونزل فيهم، فإذا نقل بالهمزة يتعدى إلى مفعولين

стр. 2889

الثاني منهما بحرف جر، أي: لنثوينهم من الجنة في غرف، فحذف الجار، كقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ (١) وقوله: ٥٠٥ - أمرتك الخيرَ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . (٢) أي: منهم، و: به. و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾. وقوله: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الجر على الوصف للعاملين، ولا يمتنع أن يوصف المضاف إليه فاعل نعم، كما يمتنع أن يوصف الفاعل نفسه، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم أجر العاملين الصابرين المتوكلين أجرهم، أو الرفع على أنه المقصود بالمدح على حذف المضاف، والتقدير: نعم أجر العاملين أجر الذين صبروا، فحذف المضاف وهو المقصود بالمدح، وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾، وقد أوضح هناك (٣). ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾: قوله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع

стр. 2890

بالابتداء، ويكون قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ في موضع التبيين له، ويكون قوله: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ في محل الجر على النعت للدابة، ويكون قوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ ابتداء وخبر، والجملة خبر المبتدأ الذي هو (كأَين)، وأنّث (كأَين) لقوله: ﴿يَرْزُقُهَا﴾ حملًا على المعنى. وأن يكون في موضع نصب بفعل يفسره ﴿يَرْزُقُهَا﴾ ويقدر بعد (كأَين). وقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ في الكلام حذف مضاف، إما من [المنوي] أوله، وإما من آخره، تقديره: وإن حياة الدار الآخرة لهي الحيوان، أو وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان، أو ذات الحيوان، فحذف المضاف, لأنه أخبر عنها جل ذكره بالحيوان وهي الحياة، والحياة لا تكون الدار، وهي مصدر كالغليان والنزوان، وإنما لم تقلب الواو ألفًا مع تحركها وانفتاح ما قبلها كراهة حذف إحدى الألفين لاجتماعهما. وفي لامه - وهي الواو - وجهان: أحدهما: وهو مذهب صاحب الكتاب وشيخه الخليل: أنه بدل من الياء، والأصل: الحييان، فقلبت التي هي لام واوًا ليختلف الحرفان كراهة اجتماع المثلين، كقولهم: حَيْوَة، في اسم رجل. والثاني: هو مذهب المازني، أن الواو فيه أصل غير مبدلة وإن لم يكن منه فعل، وشبه بقولهم: فاظ الميت يفيظ فيظا وفوظا. لا يستعملون من فوظ فعلًا، لا يقولون: فاظ يفوظ، فالحيوان عنده أيضًا مصدر ولم يشتق منه فعل، ونظيره عنده: ويل، وويس، وويح، في كونهن مصادر ليس لهن فعل، كراهة أن يكثر في كلامهم ما يستثقلون، ولاستغنائهم بالشيء عن الشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطًا، فكذلك استغنوا عن استعمال الفعل من لفظ الحيوان باستعمال الفعل في حييت مما لامه ياء كعينه. والوجه هو الأول وعليه جمهور أصحابنا، قال أبو الفتح: وإنما حمل الخليل ﴿الْحَيَوَانُ﴾ على أنه مضاعف الياء، وأن الواو فيه بدل من الياء, لأنه

стр. 2891

من الحيوة، ومعنى الحيوة موجود في قولهم: الحيا، للمطر، ألا ترى أنه يحيي الأرض والنبات كما قال تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ (١) وهذا كثير في القرآن والشعر، وهم يقولون في تثنيته: حييان بالياء لا غير، فلهذا عندي ذهب إلى أن الحيوان من مضاعف الياء لما وجدنا معناه بمعنى الحيا للغيث، فلما لم يجد في الكلام ما عينه ياء ولامه واو نحو: حيوت، ورأى معنى الحيوان في معنى الحيا للمطر، حمله عليه لهذين الشيئين، وبقي أبو عثمان بلا دلالة تدل على قوله، فمذهب الخليل في هذا هو الوجه الذي لا محيد عنه ولا مصرف إلى غيره، انتهى كلامه (٢). ثم سُمي به ما فيه حياة، فقيل: فلان حيوان. على معنى: أنه ذو الحياة. قيل: وفي بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب، كالغليان والنزوان، والحياة حركة، كما أن الموت سكون، ولهذا اختير هنا عن الحياة لما فيه من المبالغة، فاعرفه (٣). ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾: قوله : ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ انتصاب ﴿مُخْلِصِينَ﴾ على الحال.

стр. 2892

وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ يجوز أن تكون اللام لام الأمر، ويكون معناه الوعيد كقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٢). وأن تكون لام (كي)، فتكون من صلة الإشراك. وقوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قرئ: بكسر اللام (٣) على أنها لام (كي) معطوفة على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، على قول من جعلها لام كي متعلقة بالإشراك، على معنى أن الإشراك لم يردّ عليهم شيئًا من النفع إلا جحود نعم الله تعالى عليهم، والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة، تعضده قراءة من قرأ: (وكي يتمتعوا) وهو ابن مسعود ﵁ (٤). أو لام أمر تعضده قراءة من قرأ: (ولْيتمتعوا) بإسكان اللام، وهو ابن كثير، وقالون عن نافع، وحمزة، والكسائي (٥). وإذا أُسكنت فهي لام الأمر ليس إلا. ولا يجوز أن تكون لام الجارَّة مع الإسكان، لأن لام الجارة حذفت بعدها أن الناصبة للفعل، فلا يجوز حذف حركتها أيضًا لأجل الاحتجاب (٦) بها مع اللبس بلام الأمر مع ضعف عوامل الأفعال (٧). قال الشيخ أبو علي: ويدل على جواز الأمر ها هنا قوله في الأخرى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٨)، انتهى كلامه (٩).

стр. 2893

وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ الاستفهام بمعنى التقرير، والمثوى هنا يجوز أن يكون موضعًا للثواء، وأن يكون مصدرًا وهو الثواء، والثواء: الإقامة، والثاوي: المقيم، ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ (١)، أي: مقيمًا نازلًا فيهم، والله تعالى أعلم. هذا آخر إعراب سورة العنكبوت والحمد لله وحده

стр. 2894

إعراب سُوْرَةُ الرُّومِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾: قوله : ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الجمهور على ضم الغين وكسر اللام على البناء للمفعول، أي: غَلَبَتْ فارس الرومَ ثم غُلِبَتِ الرومُ، فالروم هم المغلوبون، وقرئ: (غَلَبَتِ الروم) (١)، بفتح الغين واللام على البناء للفاعل، على أنهم هم الغالبون. وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ الجمهور على فتح اللام، وقرئ: (غلْبهم) بإسكانها (٢)، وهما مصدران بمعنى، كالسلْب والحلْب والجلْب، يقال: غَلَبَه يغلبه غَلَبًا وغَلْبًا وغَلَبَةً، وإذا أضافوا حذفوا التاء فقالوا: غَلْبُ فلانٍ، فإذا لَمْ يضيفوا قالوا: غَلَبَهُ غَلَبَةً. ونظيره: إقامة، وفي التنزيل: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ (٣) ولو لَمْ تُضف لقيل: إقامة.

стр. 2895

وعن الفراء: في الآية يحتمل أن يكون غَلَبَةً، فحذفت الهاء عند الإضافة (١). وأنشد: ٥٠٦ - إِنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا ... وَأَخْلُفوكَ عِدَ الأَمْرِ الذِي وَعَدُوا (٢) أراد: عدة الأمر، فحذف الهاء عند الإضافة. وقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ الجمهور على فتح الياء وكسر اللام على تسمية الفاعل، وقرئ: بضم الياء وفتح اللام على ترك تسميته (٣). فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ فالمصدر على قراءة الجمهور: مضاف إلى المفعول، والمعنى: أن الروم من بعد أن غُلبوا سيغلبون فارس في بضع سنين، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، والبضع في العدد بكسر الباء، وبعض العرب يفتحها، كذا ذكره الجوهري (٤): وعلى قراءة غيرهم: مضاف إلى الفاعل، على معنى: أن الروم من بعد أن غَلبوا وصاروا غالبين سيُغلبون، فاعرفه. و ﴿فِي بِضْعِ﴾: من صلة قوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ في كلتا القراءتين. ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾: قوله : ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أي: من قبلِ كل شيء، ومن بعدِ كل شيء، فحُذِفَ المضاف إليه، وبُنِيا على الضم لأنهما غايتان قد قُطعا عن الإضافة التي هي غايتهما، فصار كل واحد منهما في استحقاق البناء كبعض اسم، وبني على الحركة لأن له أصلًا في التمكن،

стр. 2896

وكانت تلك الحركة الضمة, لأنها أدل على البناء من حيث كانت لا تكون له في حال الإعراب. وقد جاء عن بعضهم (١): من قبلِ ومن بعدِ بالجر فيهما من غير تنوين على إرادة المضاف إليه، ونحو هذا بابه النظم نحو: ٥٠٧ - . . . . . . . . . . ... بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ (٢) يريد بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد، فحذف المضاف إليه من الأول اجتزاء بالثاني، وفي البيت أظهر لوجود الثاني في اللفظ. وعن بعضهم (٣): مِنْ قَبْلٍ ومِنْ بَعْدٍ، بالجر فيهما مع التنوين من غير تقدير مضاف إليه واقتطاعه، كأنه قيل: قَبْلًا وَبَعْدًا، بمعنى: أولًا وآخرًا. وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (يومئذٍ) معمول يفرح، وكذا ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿يَفْرَحُ﴾، أي: يوم تغلب الروم فارس يفرح المؤمنون بنصر الله إياهم على الكافرين، وتغليب من له كتاب على من لا كتاب له. ولك أن تجعل ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿يَنْصُرُ﴾. ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾: قوله : ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لما قبله، لأن ما قبله يدل

стр. 2897

على أنه وعدهم وعدًا لا خلف فيه، نص عليه صاحب الكتاب ﵀ (١)، وذلك أن قوله : ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. . .﴾ الآية، وَعْدٌ من الله سبحانه بالنصر، ثم أكد بقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وَعَدَ اللهُ ذلك وعدًا، وهو إظهار الروم على فارس، ونظيره مسألة الكتاب: له عليَّ ألف درهم عرفًا، فقولك: له عليّ ألف درهم اعتراف، وقولك: عرفًا، هو الاعتراف، فكأنك قلت: أعترف لك بها اعترافًا، فاعرفه (٢). وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فيه وجهان، أحدهما: مستأنف. والثاني: بدل من قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقيل: وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسدُّ مسدَّه، ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا (٣). وقوله: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ يجوز أن يكون ﴿هُمْ﴾ الثانية ابتداء و ﴿غَافِلُونَ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿هُمْ﴾ الأولى، وأن يكون بدلًا من الأولى وتكريرًا، وكل ذلك على سبيل التوكيد، ﴿غَافِلُونَ﴾ خبر الأولى، و ﴿عَنِ﴾ من صلة ﴿غَافِلُونَ﴾. فإن قلت: كيف جاز أن يفصل بين ﴿غَافِلُونَ﴾ وما اتصل به بالابتداء؟ قلت: جاز ذلك لأن اسم الفاعل العاري عن الألف واللام ليس بموصول، فيكون ذلك مانعًا أو غيره، فاعرفه. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾:

стр. 2898

قوله : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يجوز أن يكون من صلة التفكر على أنه ظرف له، على معنى: أولم يحدثوا التفكير في أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة من الفكر، فيكون ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ. . .﴾ الآية متصلًا بما قبله، ومحل الجملة نصب بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ وإن كان ﴿مَا﴾ نفيًا كقوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (١). وأن يكون من صلته على أنه مفعول به ومعمول للتفكر لا ظرف له، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) يقال: تفكر فلان في كذا وأجال فيه، والمعنى: هلَّا تفكَّروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم وأخبر بأحوالها من أحوال ما عداها من سائر المخلوقات، وهي لفظة استبطاء، كأنه قيل: قد كان ينبغي لهم أن يتفكروا، فإنهم لو تفكروا لقالوا: (ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق)، فيكون قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ من صلة القول المحذوف المقدر المذكور آنفًا، كأنه قيل: أولم يتفكروا فيقولوا هذا القول (٣). والباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ للحال، وقد ذكر نظيرها فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٤). وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ من صلة (كافرون)، واللام لا تمنع ذلك، لأن حكمها أن تكون في الابتداء، وإنما أخرت لأجل دخول ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا

стр. 2899

وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾: قوله : ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ الجمهور على ترك المد بعد الهمزة، وهو الوجه والأصل، وعن ابن القعقاع: (وآثاروا) بألف بعد الهمزة (١)، كأنه أشبع فتحة الهمزة فتولدت عنها الألف، وقد ذكرت مذهب القوم في إشباع الحركات فيما سلف من الكتاب (٢). وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ يجوز أن يكون مجزومًا عطفًا على ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أي: أولم يسيروا ولم ينظروا، وأن يكون منصوبًا على جواب الاستفهام على معنى: أولم يكن سيرٌ فَنَظَرٌ. و ﴿قُوَّةً﴾: تمييز. و ﴿أَكْثَرَ﴾: نعت لمصدر محذوف دل عليه ﴿وَعَمَرُوهَا﴾. ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: عمروها عمارة أكثر من عمارة مشركي مكة. وقوله: (ثم كان عاقبةُ الذين) قرئ: برفع العاقبة (٣)، على أنها اسم ﴿كَانَ﴾، وفي خبرها ثلاثة أوجه: أحدها: ﴿السُّوأَى﴾ وهي على هذا تأنيث الأسوأ، وهو الأفصح، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، أي: ثم كان عاقبة المسيئين السوءى، أي العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة، وهي جهنم التي أعدت للكافرين، و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ في موضع نصب على المفعول له، أي: لأن كذبوا، أي: لأجل تكذيبهم، وهو من صلة ﴿السُّوأَى﴾ أعني: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾. وقيل: هو بيان لقوله: ﴿أَسَاءُوا﴾، أي: هو أن كذبوا بآيات الله.

стр. 2900

والثاني: محذوف، حذف كما يحذف جواب لو ولما للإِبهام، ويكون ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ بمعنى اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا، و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ عطف بيان لها. والثالث: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾، أي: ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب، على معنى: أنهم لم يظفروا من شركهم وكفرهم بشيء إلا بالتكذيب بآيات الله، و ﴿السُّوأَى﴾ على هذا في موضع نصب على أنه مصدر أساؤوا واقع موقع الإِساءة، لأن فُعلى من أبنيه المصادر كالرجعى والبشري، أو صفة مصدره، أي: أساؤوا الإِساءة السوءى، وذُكِّر الفعل حملًا على المعنى، لأن العاقبة والمصير بمعنى، أو لأن التأنيث غير حقيقي. وقرئ: بنصبها (١)، على أنها خبر كان، وفي الاسم وجهان: أحدهما: ﴿السُّوأَى﴾، تعضده قراءة من قرأ: (السوءُ) بالرفع وهو الأعمش (٢)، والتقدير: ثم كان السوءُ عاقبةَ الذين أساؤوا لأن كذبوا. قال أبو علي: ولا يجوز أن يكون ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ متعلقًا بقوله: ﴿أَسَاءُوا﴾ على هذا، لأنك تفصل بين الصلة والموصول بخبر كان، لأن قوله: ﴿أَسَاءُوا﴾ في صلة الذين (٣). والثاني: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أي: ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساؤوا، ويكون ﴿السُّوأَى﴾ على هذا مصدرًا لأساؤوا، وقد ذكر. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ

стр. 2901

شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾: قوله : ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الجمهور على كسر اللام على البناء للفاعل وهو الوجه، لأن الإبلاس لازم، وقرئ: (يُبْلَس) بفتح اللام على البناء للمفعول (١)، وذلك يحتمل وجهين: أن يكون من أبلسه، إذا أسكته، فيكون كسكب الماء وسكبته، وفَغَر فُوه وفَغَرَهُ، أي فتحه. وأن يكون في الكلام حذف مضاف وهو المصدر القائم مقام الفاعل، والتقدير: يبلس إبلاس المجرمين ثم يبلس المجرمون، تعضده قراءة من قرأ: (لِيُجزَى قومًا) على البناء للمفعول على تقدير: لِيُجْزَى الجزاءُ قومًا، على أحد التأويلين، وهو ابن القعقاع (٢)، والإِبلاس في اللغة اليأس، والإِبلاس أيضًا: الحيرة والانقطاع عن الحجة، يقال: أبلس فلان، إذا سكت غمًا، وأُنشد: ٥٠٨ - يا صاحِ هل تعرفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ... قال نعم أعرفه وأَبْلَسا (٣) يقال: أَكْرَسَتِ الدارُ، إذا تَلَبَّدَ الكِرْسُ بعضُها على بعض فيها،

стр. 2902

والكِرْسُ: الأبوالُ والأبعارُ (١). وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أي: فسبحوه سبحانًا، كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]. والجمهور على ترك التنوين في ﴿حِينَ﴾ فيهما على الإضافة، وقرئ: (حينًا) بالتنوين فيهما (٢). و ﴿تُمْسُونَ﴾ و ﴿تُصْبِحُونَ﴾ على هذه صفتان لهما والراجع محذوف، والتقدير: حينًا تمسون فيه، وحينًا تصبحون فيه، كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٣)، أي: فيه، فحذف (فيه) تخفيفًا، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀، ومن قَدَّرَ ثَمَّ لا تجزيه، وهو أبو الحسن (٤) قدر هنا تمسونه وتصبحونه على حذف الجار وهو (في) وإيصال الفعل إلى الضمير ثم حذفه، وقد ذكر في البقرة (٥). والعامل في ﴿حِينَ﴾ هو الفعل المقدر المذكور الناصب لسبحان. وقيل: (سبحان) لقيامه مقامه. وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ عطف على ﴿حِينَ﴾ وما بينهما اعتراض. وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يحتمل أوجهًا: أن تكون حالًا من المنوي في ﴿لَهُ﴾ على رأي صاحب الكتاب، أو من الحمد على مذهب أبي الحسن. وأن يكون خبرًا للحمد، و ﴿لَهُ﴾ من صلة الخبر. وأن يكون ﴿لَهُ﴾ خبرًا، [و ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ خبرًا] بعد خبر. وأن يكون من صلة ﴿الْحَمْدُ﴾ على المذهبين، فاعرفه فإنه موضع.

стр. 2903

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ (أن) وما اتصل بها في موضع رفع بالابتداء، والخبر ما قبلها من الجار والمجرور، وكذا ما بعده إلى قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وحكمه في الإِعراب حكمه ما عدا قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ (١) فإن فيه كلامًا سأذكره لك إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في الكلام حذف مضاف، أي: خلق آباءكم، فحذف المضاف. والثاني: لا حذف، لأنَّ الخلقَ فَرْعُ أَصْلٍ خُلِقَ من التراب، وإذا كان الأصل من تراب فالفرع أيضًا منه. وقوله: ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ قرئ: بكسر اللام (٢)، وهو جمع عالِم، وشاهده: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣) ولا مقال أن العالِم أكثر اعتبارًا من غيره. وقرئ: بفتحها (٤)، وهو جمع عالَم، وهو الوجه لما فيه من التعميم.

стр. 2904

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ فيه أوجه: أحدها: إضمار (أن) وإنزال الفعل منزلة المصدر، أي: ومن آياته أن يريكم البرق، أي: إراؤكم البرق، فلما حذفت (أنْ) ارتفع الفعل، فهو في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾، وبه فسر المثل: "تَسْمَعُ بالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ من أَنْ تراهُ" (١)، أي: سماعك به خير من رؤيته، وحَذْفُ (أنْ) كثيرٌ في كلام القوم نظمهم ونثرهم، ومنه بيت الكتاب: ٥٠٩ - ألا أيُّهذا اللائمي أَحْضُرُ الوغَى ... . . . . . . . . . . . . (٢) أراد أن أحضر الوغى، يدل على ذلك رواية من روى: ألا أيها اللائمي أن أحضر الوغى ... . . . . . . . . . . . . . . . (٣) والثاني: في الآية حذفان: حذف موصوف وعائده، والتقدير: ومن آياته آية يريكم فيها البرق، أو حذف موصوف، أي: ومن آياته شيء يريكم، وفاعل ﴿يُرِيكُمُ﴾ على هذا المنوي فيه الراجع إلى الموصوف، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. والثالث: على التقديم والتأخير، أي: ويريكم البرق من آياته، فيكون (مِنْ آياته) في موضع نصب على الحال من البرق، أي: كائنًا منها.

стр. 2905

وقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ مصدران، وانتصابهما إما على المفعول له، أي: إخافة وإطماعًا، أو إرادة خوف وإرادة طمع، فحذف المضاف، أو على الحال، أي: خائفين وطامعين، فاعرفه. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾: قوله : ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (إذا) الأولى شرطية، والثانية مكانية سادة مسد الفاء في الجواب، لأن المفاجأة تعقيب، ولا تكون أول الكلام كما أن الفاء كذلك. وقدر الشيخ أبو علي في موضع خرجتم، كقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (١). وقوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يحتمل أن يكون في موضع الحال من الكاف والميم في ﴿دَعَاكُمْ﴾، أي: دعاكم خارجين من الأرض، وأن يكون وصفًا لـ ﴿دَعْوَةً﴾، أي: دعوة ثابتة من هذه الجهة، وفي كلا التقديرين فيه ذكر راجع إما إلى ذي الحال، أو إلى الموصوف، وأن يكون من صلة محذوف وهو (خرجتم) على ما ذكره أبو علي. ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿تَخْرُجُونَ﴾ نفسه كما زعم بعضهم، لأن ﴿إِذَا﴾ هذه تقطع ما بعدها مما قبلها، ذكره أبو علي أيضًا. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾: قوله : ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ﴾ للبعث أو للإِعادة حملًا على المعنى، لأن معناه: وأن يعيده أهون عليه، [أي: أهون عليه] عندكم وفي زعمكم أيها المخاطبون، لأن الإِعادة عندكم أسهل من الابتداء. وقيل: الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ للخلق، وهو بمعنى

стр. 2906

المخلوق، على معنى: أن الإِعادة على المخلوق أسهل من الابتداء، لأن الإِعادة ليس فيها تنقل من نطفة إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى عظام، ثم إلى حيوان. وقيل: ﴿أَهْوَنُ﴾ بمعنى (هين)، كقولك: فلان أوجل، أي: وَجِل. "والله أكبر"، أي: كبير على أحد التأويلين (١). ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾: قوله : ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ في موضع الصفة لمثل، و ﴿مِنْ﴾ ابتدائية. وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿شُرَكَاءَ﴾، والتقدير: هل لكم شركاء كائنون مما ملكت أيمانكم؟ فلما قدم نصب على الحال، و (مِنْ) [تبعيضية، و (من)] في قوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في موضع فعل وفاعل، ومحلها النصب على جواب الاستفهام، كأنه قيل: هل لكم من كيت وكيت فتستووا؟ والمعنى: أنهم لا يملكون فيساووكم. وقوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿سَوَاءٌ﴾، أي: فأنتم فيه مستوون خائفين عبيدكم خيفة مثل خيفتكم الأحرار الذين هم أمثالكم إذا كان بينكم وبينهم شركة.

стр. 2907

وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: نفصلها تفصيلًا مثل ذلك التفصيل. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ انتصاب قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ على الحال من المنوي في ﴿فَأَقِمْ﴾. وقيل: من الدين (١)، وهو من التعسف. وأما انتصاب قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ فعلى الإِغراء، أي: الزموا فطرة الله، أو: عليكم فطرة الله. وقيل: على المصدر، أي: فطركم الله فطرة (٢). وقوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ نصب على الحال، وفي ذي الحال وجهان: أحدهما: الضمير في الزموا المقدر المذكور آنفًا، كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣) أي: فصلوا رجالًا أو ركبانًا. والثاني: المنوي في ﴿فَأَقِمْ﴾، لأنه في المعنى للجميع، بشهادة قوله:

стр. 2908

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) كأنه قيل: فأقيموا وجوهكم راجعين إليه بالتوبة. وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا. . . وَلَا تَكُونُوا﴾ عطف إما على المقدر وهو الزموا، أو على ﴿فَأَقِمْ﴾. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ فيه وجهان، أحدهما وهو الوجه: بدل من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بإعادة الخافض كما ترى. والثاني: العاطف مقدر منوي، أي: ومن الذين فرقوا دينهم. وقوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ (٢) حال من الضمير في ﴿دَعَوْا﴾. وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ يجوز أن تكون الجارة متعلقة بالإِشراك، وأن تكون التي للأمر على وجه التهديد والوعيد، وقد ذكر في "العنكبوت" (٣). وقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ السلطان يُذَكَّرُ على تأويل الدليل، ويؤنث على إرادة الحجة (٤). وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ في (ما) وجهان، أحدهما: موصولة والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إليها. والثاني: مصدرية والضمير في ﴿بِهِ﴾ لله جل ذكره، أي: بكونهم بالله يشركون. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ

стр. 2909

ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿يَقْنَطُونَ﴾ خبر، وموضع ﴿إِذَا﴾ مع الجملة جزم بجواب الشرط، وذلك أن (إذا) هذه بمنزلة الفاء في تعليقها الجملة بالشرط، لأنها للمفاجأة، فهي دالة على التعقيب الذي تدل عليه الفاء، وتسمى مكانية، فإذا قلت: مررت به إذا هو عبد، فكأنك قلت: مررت فبحضرتي هو عبد، فإذا بمنزلة قولك: فبحضرتي، لأنه ظرف مكان لحضرتي، ومتضمن معنى التعقيب الذي هو في الفاء. وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ بمنزلة قولك: فهم يقنطون، هذا معنى قول النحاة: (إذا) هذه تنوب مناب الفاء في جواب الشرط (١)، وقد دخلت الفاء عليها في بعض الأماكن، وهو صلة بلا مقال عند أصحابنا البصريين، لأن ﴿إِذَا﴾ هنا بمنزلة الفاء في تضمن معنى التعقيب والإِتباع. وإذا جعل (٢) منه المطلوب من الفاء كان تقديره لفظًا أو حكمًا ثانيًا (٣) محالًا، لأنه بمنزلة الجمع بين فاءين، كما أن الجواب إذا وجد مجزومًا علم أنه تابع للشرط غير منقطع عنه، فلم يفتقر إلى الفاء، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا. وقال الخليل ﵀: لا يجوز دخول الفاء على (إذا) في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ وشبهه، لأن (إذا) جعلت ها هنا جوابًا بمنزلة الفاء وقع بعدها ما يقع بعد الفاء، وجعل فيها بعض ما في الفاء، فصارت كأنها الفاء، ولا يجوز إدخال الفاء على الفاء (٤).

стр. 2910

قال المفسر. يعني بقوله: جعل فيها بعض ما في الفاء أنها يقع بعدها ما لم يكن، كما يقع بعد الفاء ما لم يكن، لأن قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ السيئة لم تصبهم بعد. والمعنى: إن تصبهم يقنطوا، ولا يجوز أن يقع بعد (إذا) مما قد كان ويراد به معنى ما لم يقع، كما يكون مع الفاء، نحو: إذا جئتني فزيدٌ عندي، لأن الفاء أصل في الجواب، و (إذا) فرعٌ، فلا يجوز أن يكون في (إذا) كل ما يكون في الفاء، لأن المشبه بالشيء لا يكون مثله في جميع أحواله، فهذا معنى قول الخليل: وجعل فيها بعض ما في الفاء. ولا يجوز وقوع الفعل بعد (إذا) هذه لأن ما بعدها مرفوع بالابتداء وهي خبر عنه، فكما أن المبتدأ لا يكون إلا اسمًا، فكذلك (إذا) هذه لا يكون ما بعدها إلا اسمًا فاعرفه. ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾: قوله : ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ (ما) هنا يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، ودخول الفاء في الجواب يصلح فيهما، فإن كانت شرطية كان محلها النصب بـ ﴿آتَيْتُمْ﴾، وإن كانت موصولة كانت في موضع رفع بالابتداء وعائدها محذوف، أي: آتيتموه. وقرئ: (وما آتيتم) بالمد (١)، بمعنى: وما أعطيتم من هدية أهديتموها لتعوضوا أكثر منها فلا ثواب لكم فيها عند الله، لأنكم إنما قصدتم إلى زيادة العوض، ولم تبتغوا في ذلك وجه الله، عن ابن عباس ﵄ (٢) وغيره. وقرئ: بالقصر (٣)، بمعنى: وما جئتم به، وهي في المعنى يَؤُول إلى
следующие страницы →