والعُدْوان: مصدر كالكفران، وهو الظلم الصُّراح (١).
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ﴾: يعني الفَريق الذين تقدم ذكرهم، (إن) حرف شرط، ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ مجزوم به، وعلامة الجزم حذف النون.
و﴿أُسَارَى﴾: جمع أسير، وهو في موضع نصب على الحال من المضمر المرفوع في ﴿يَأْتُوكُمْ﴾.
وقرئ: بضم الهمزة على وزن (فُعالَى) تشبيهًا بكُسالى، وسُكارى، و (أَسْرى) على وزن (فَعْلى) (٢) وهو القياس، كجريح وجَرحَى، ولك أن تجمعه على (فَعالى) كسَكارَى، وعلى فُعلاء، كشهداء، وظرفاء. ولا تَجْمَعُ بالواو والنون، وإنما يُكَسَّر على ما ذكرتُ آنفًا.
﴿تُفَادُوهُمْ﴾: جواب الشرط، وقرئ: (تفدوهم) بغير ألف، لأن الفعل من الواحد وهو المغلوب، و (تُفادوهم) بالألف (٣)؛ لأن كل واحد من الفريقين يعطي شيئًا، فالأَخِيذُ يُعطِي المال، والآخذ يُعطِي الإطلاق. ويجوز أن يكون من باب سافرت، فتكون القراءتان بمعنىً، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين؛ الثاني منهما بحرف جر، تقول: فديت زيدًا بمال، [وفاديته بمال] (٤).
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ ﴿هُوَ﴾: في موضع رفع بالابتداء، وهو ضمير الشأن والحديث، كالذي في قوله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وإنما يؤتى به في الكلام للتفخيم والتعظيم، وقد ذكر. و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ مبتدأ
стр. 317
ثان. و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في موضع رفع بحق خبر المبتدأ الأول. وفي ﴿مُحَرَّمٌ﴾ ضميرُ ما لم يُسَبمَّ فاعله يعود على الإخراج. أو ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ومحرم مبتدأ ثان، و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ رفع بمحرم، لاعتماده على المبتدأ الذي هو ﴿هُوَ﴾، وقد سَدَّ مَسَدَّ خبر المبتدأ الثاني، ولا ضمير على هذا في ﴿مُحَرَّمٌ﴾ لكونه رَفَعَ الظاهِرَ، والجملة خبر عن المبتدأ الأول.
وإن شئت جعلت ﴿هُوَ﴾ ضمير الإخراج، دل عليه قوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبره، و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ بدل من الضمير في ﴿مُحَرَّمٌ﴾: أو من ﴿هُوَ﴾، وإنما أعيد ذكره توكيدًا، لأنه فصل بينهما بكلام، كأنه قيل: وإخراجهم محرم عليكم، ثم أعيد تأكيدًا وتبيينًا أيضًا.
وعن الفراء: أن ﴿هُوَ﴾ هنا عمادٌ، محتجًا بأن الواو تَطلبُ الاسمَ، وكل موضع تَطلب فيه الاسمَ فالعماد فيه جائز (١). ومنعه البصريون؛ لأن العماد لا يكون في أول الكلام (٢).
وقد مضى الكلام على الفصل والعماد فيما سلف من الكتاب، فأغنى ذلك عن الإعادة ها هنا (٣).
و﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بمحرّم على التقديرات كلها.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الذي معناه التقرير والتوبيخ.
﴿فَمَا جَزَاءُ﴾ (ما) يحتمل وجهين:
أن يكون نفيًا، و ﴿جَزَاءُ﴾ مبتدأ. ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾ من: موصول وما بعده صلته، وفي ﴿يَفْعَلُ﴾ ضمير مرفوع وهو عائده، و ﴿مَنْ﴾ وما اتصل به في موضع جر بالإضافة. ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من الذكر في
стр. 318
﴿يَفْعَلُ﴾. ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾: (إلَّا) إيجاب بعد النفي، و ﴿خِزْيٌ﴾ خبر المبتدأ الذي هو ﴿خِزْيٌ﴾.
وأن يكون استفهامًا في موضع رفع بالابتداء، أَيْ: أيُّ شيء؟ و ﴿خِزْيٌ﴾ خبره، ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ بدل من جزاء وتبيينٌ له، هذا على قول من لم ينو بالأول الطَّرْحَ، فأما على قول من ينوي بالأول الطرح: فخبر مبتدأ محذوف دل عليه صدر الكلام ومعناه، أي: ما جزاؤه إلا خزي.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: في موضع رفع على أنها صفة للخزي، وقد جوز أن يكون ظرفًا متعلقًا بالخزي؛ لما فيه من معنى الفعل، أي: إلَّا أن يُخزى في الحياة الدنيا.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾: يوم: ظرف متعلق بـ ﴿يُرَدُّونَ﴾، وكذا ﴿إِلَى أَشَدِّ﴾ متعلق به.
والجمهور على الياء في ﴿يُرَدُّونَ﴾ النقط من تحته حملًا على ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، وقرئ: بالتاء النقط من فوقه (١) لقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿مِنْكُمْ﴾.
﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: (ما) يَحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وقرئ: (تعملون) بالتاء والياء ووجههما ظاهر (٢).
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾:
قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ﴾
стр. 319
خبره، و ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿فَلَا يُخَفَّفُ﴾ وما اتصل به خبر بعد خبر، والفاء مزيدة.
ولك أن تجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ ثانيًا، و ﴿فَلَا يُخَفَّفُ﴾ وما اتصل به خبره، وليست الفاء مزيدة على هذا الوجه، وإنما جيء بها، لأن الموصول موصول بالفعل، كقولك: الذي يأتيني فله درهم، والجملة خبر أولئك.
فإن قلت: مِن شَرْطِ الجملة إذا وقعت أخبارًا أن يكون فيها ما يعود إلى المبتدأ، فما العائد هنا؟ قلت: هنا لم تحتج إلى العائد؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ هم ﴿الَّذِينَ﴾، وإنما تحتاج إذا كانت الجملة غير المبتدأ. وقيل: دخلت الفاء للعطف على ﴿اشْتَرَوُا﴾ فيكون في صلة الذين.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾:
قوله : ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقال قَفَوْتُ أثره قَفْوًا وقُفُوًّا، إذا اتّبعتَه، وقَفّيْتُ على أثره بفلان، إذا أَتبعتَه إياه، والتقفية إلحاق الشيء بالشيء بعده عند أهل اللغة، وقلبت الواو ياء لوقوعها رابعة. و ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ لابتداء الغاية، والرسل جمع رسول، كصَبُور وصُبُر، ولك الضم والإسكان في الرسل، فالضم لغة أهل الحجاز، والإسكان لغة بني تميم (١).
و﴿عِيسَى﴾: اسم سُرْياني (٢) لا اشتقاق له. وقيل: هو من العَيَس، وهو بياض الإبل يخالطها شيء من الشُقْرة. وقيل: من العَوْس، وهو السياسة، فقلبت الواو في عيسى ياءً، لانكسار ما قبلها (٣).
стр. 320
واختُلف في وزنه: فقال الكوفيون: وزنه (فِعْلَى)، وألفه للتأنيث، ولم يَحكُوا صرفه في النكرة أيضًا. وقال البصريون: وزنه (فِعْلَى) وألفه للإلحاق، ولا تكون أصلًا، لأن بنات الأربعة لا تكون الواو والياء أصلًا فيها، فهو كمِعْزىً (١)، وقالوا: لو كان ألفه للتأنيث لكان ينبغي ألا ينصرف في النكرة، وقد سمع فيه الصرف.
و﴿مَرْيَمَ﴾ مَفْعَلٌ من رام يريم (٢)؛ لأن فَعْيَلًا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية، كما ثبت في نحو: عِثْيَرٍ (٣)، ولو كان مريم مثل: عِثير في زيادة الياء لوجب أن يكسر صدره، فيقال: مِريم، لما ذكرت آنفًا من أن فَعْيَلًا لم يثبت في الأبنية، وصحت الياء في مريم كما صحت الواو في مَكْوَزَة (٤)، ولا يقاس. والمانع له من الصرف: التعريف والتأنيث.
قوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ الأَيْدُ والآدُ: القوة، تقول من الأَيْدِ: أَيَّدْتُهُ تأييدًا، أي: قويته، ومن الآد: آيَدْتُهُ. وأصله: أَأْيَدْتُه، فأبدلت الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، فوزن أيَّدْتُه؛ فعَّلْته، ووزن آيدْتُه: أفعَلْتُه، وإنما صحت العين لأجل أن الساكن الذي قبلها ألف، فلو قلبت الياء ألفًا لاجتمع ألفان ودال ساكنة لاتصالها بالضمير، فكنت تفتقر إلى حذف الألفين فيبقى أدناه، وذلك إجحاف بالكلمة، وتغيير لِلْبِنية، فَصُحِّحَتْ لذلك.
والجمهور على: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾، وقرئ: (وآيدناه) وقد أوضحته (٥).
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قرئ: بإسكان الدال على الاستخفاف، وبضمها على
стр. 321
الأصل (١). وقيل: هما لغتان. والمعنى: بالروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود.
قيل: ووصفت بالقدس كفا وصفت بالاختصاص في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٢).
واختلف في روح القدس، فقيل: إنه جبريل ﵇، وقيل: الإنجيل جعل روحًا، كما جعل القرآن روحًا في قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (٣). وقيل: اسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره (٤).
﴿أَفَكُلَّمَا﴾ الهمزة للاستفهام جيء بها للتوبيخ والتعجب من حالهم، كأنه قيل: آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم، ثم وُبّخوا على ذلك، ودخلت الفاء للعطف على هذا المقدر. و (كلما) ظرف، وقد مضى الكلام عليه عند قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ بأشبع ما يكون (٥).
﴿جَاءَكُمْ﴾: جاء: فعل يتعدى بنفسه تارة وبحرف الجر أخرى، تقول: جئتُ زيدًا، جئت إلى زيد، وعدَّاه هنا بنفسه كما ترى.
﴿بِمَا لَا تَهْوَى﴾: (ما) موصولة وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف، أي: بما لا تهواه، ويَحتمل أن تكون موصوفة وما بعدها صفتها.
و﴿تَهْوَى﴾: تحب، يقال: هَوِيَ يَهْوَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر هَوىً، إذا أحب، وألفه منقلبة عن ياء: فإن قلت: ما
стр. 322
منعك أن تجعلها منقلبة عن واو، وإنما انقلبت في الماضي ياء لكسرة ما قبلها؟ قلت: منعني قلة باب حُوّة وقُوّة، وكثرة باب طَوَيْتُ وشَوَيْتُ.
﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾: جواب (كلما). والاستكبار والتكبر: التعظُّم مع الأنفة.
﴿فَفَرِيقًا﴾: فريقًا منصوب بكذبتم، والتقدير: استكبرتم فكذبتم فريقًا. والفاء للعطف، وإنما أُخِّر الفعل وقُدِّم المفعول، ليتشاكل اللفظ ولا يتنافر.
﴿وَفَرِيقًا﴾: نصب بـ ﴿تَقْتُلُونَ﴾. قيل: وإنما لم يقل: وفريقًا قتلتم، لوجهين:
أحدهما: أن يريد الحال الماضية، والحال الماضية تُحكى على صورة الحاضرة، كقوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١).
والثاني: أن يريد: وفريقًا تقتلونهم بَعْدُ؛ لأنكم تبغون قتل محمد ﷺ وتتمنونه، لولا أني أعصمه منكم، ولذلك سحرتموه، وسممتم له الشاة (٢).
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾:
قوله : ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ﴿قُلُوبُنَا﴾ مبتدأ، و ﴿غُلْفٌ﴾ خبره، والجملة في محل النصب بقالوا.
وغلف: جمع أَغلَفَ، كأَحْمَرَ وَحُمْرٍ، أي: قلوبنا مستورة عما تقول، مستعار من الأَغْلَف الذي لم يُختن، كما قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (٣).
стр. 323
والجمهور على تسكين اللام، وقرئ: (غُلُفٌ) بضمها (١) وهو جمع غِلاف، كتاب وكتب، وفراش وفرش، أي: قلوبنا أوعية للعلم، فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، فالمعنى مختلف باختلاف اللفظ. ويحتمل أن يكون المُسَكَّنُ من هذا، فتكون القراءتان بمعنىً وإن اختلف اللفظان.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ اللعنُ: الإبعاد من الرحمة، أي: أبعدهم الله من رحمته. و ﴿بَلْ﴾ هنا إضرابٌ عن دعواهم، وإثباتُ أن سبب جحودهم وإنكارهم إبعادُ الله إياهم جزاء لهم، ولما صدر منهم. فالباء مِن ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ على هذا متعلقة بـ (لعن)، ولك أن تعلقها بمحذوف على أن تجعلها حالًا من الهاء والميم في ﴿لَعَنَهُمُ﴾ , أي: لعنهم ملتبسين بكفرهم، كقوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ (٢).
﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: يَحتمل وجهين:
أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: فإيمانًا قليلًا يؤمنون، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، أو بما في أيديهم، لأنه قليل بالنسبة إلى غيره، أو إقرارهم بالخالق.
وأن يكون نعتًا لوقت، أي: فزمانًا قليلًا يؤمنون، وهو إيمانهم وإقرارهم قبل ظهور رسول الله ﷺ . بشهادة قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (٣). وقيل: تقديره: فبقليل يؤمنون، فحُذف الجار فانتصب ما بعده.
وقد جوز أن يكون حالًا، كما تقول: ائتوني قليلًا وكثيرًا، أي:
стр. 324
قليلين وكثيرين، والمراد به على هذا قلة العدد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١).
وقد جوز أن تكون القلة هنا بمعنى العدم، كما تقول: قَلَّ الشيء، أي: لم يوجد، والناصب له على هذه الأوجه ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
و﴿مَا﴾: صلة للتوكيد. ولا يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ هنا مصدرية، لأن قليلًا يبقى بلا ناصب.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون نافية، كما زعم بعضهم (٣)، وهو جيد من جهة المعنى؟ قلت: لا، لأن ما كان في صلة النفي لا يتقدم عليه، لا أعرف في ذلك خلافًا عند أهل هذه الصناعة (٤)، فهو وإن كان صالحًا من جهة المعنى، لكن فاسد من جهة الإعراب لما ذكرت آنفًا، فاعرفه.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾:
قوله : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (مِن عِندِ الله): في موضع رفع على أنه صفة لقوله: ﴿كِتَابٌ﴾ تعلق بمحذوف.
﴿مُصَدِّقٌ﴾: نعت لكتاب، وقرئ: (مصدقًا) بالنصب (٥) على الحال من ﴿كِتَابٌ﴾، لكونه قد وصف بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ولك أن تجعله
стр. 325
حالًا من الضمير الذي في الظرف، وهو أمتن، والعامل: الظرف، ومثله: ﴿رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) في جميع ما ذكرت.
﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾: (ما) موصول، والظرف صلته، وعائده: الضمير الذي في الظرف.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبل ذلك، فلما قطع من الإضافة بُني كما ترى.
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾: في موضع نصب بخبر كان. وقيل: في معناه وجهان:
أحدهما: يستنصرون، والاستفتاح: استنصار، وكانت اليهود يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم، فيقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد بعثه وصفته في التوراة (٢).
والثاني: يفتحون عليهم ويُعَرِّفُونَ (٣) أن نبيًّا يُبعث منهم قد قَرُبَ أوانه، والسين للمبالغة، كالتي في استعجب، واستسخر (٤).
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ من الحقِّ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ بغيًا وحسدًا وحرصًا على الرياسة (٥).
واختلف في جواب (لَمَّا) الأولى على ثلاثة أوجه:
стр. 326
أحدها: محذوف، وهو جحدوه وشبهه (١).
والثاني: أن ﴿كَفَرُوا﴾ جواب الأولى والثانية؛ لأن معناهما واحد، وإنما الثانية تكرير للأولى، فلم تَحتجْ إلى جواب، كما كرر (أنَّ) في قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (٢) كأنه قيل: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، غير أنه كرر توكيدًا حين طال الكلام (٣).
والثالث: أن الفاء جواب لـ (لَمَّا) الأولى، وكفروا لـ (لَمَّا) الثانية، كما تقول: لما أتاني زيد فلما جلس أوسعت له. واستدل صاحب هذا الوجه بأن الفاء جواب، وليست بِنَسَقٍ، أن الواو لا تَصلح في مكانها، وإنما هو كقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (٤).
﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ﴾: المصدر مضاف إلى الفاعل. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي عليهم، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم. وقد جُوِّزَ أن تكون اللام في ﴿الْكَافِرِينَ﴾ للعهد، وأن تكون للجنس (٥).
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾:
قوله : ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (بئس) كلمةٌ وُضِعتْ
стр. 327
للذم، و (نعم) كلمةٌ وضعت للمدح، وأُلزِما طريقة واحدة للإيذان بهذا المعنى، وفيهما أربع لغات: فتح الأول وكسر الثاني، وكسرهما جميعًا، وكسر الأول وتسكين الثاني، وفتح الأول وتسكين الثاني (١).
ويكون فاعلهما اسمًا يستغرق الجنس؛ إما ظاهرًا وإما مضمرًا، فإذا كان ظاهرًا كان معرفة، وإذا كان معرفة كانت تلك المعرفة بالألف واللام التي للجنس، أو بالإضافة إلى ما فيه الألف واللام للجنس.
مقال الأول: نِعْمَ الرجلُ زَيدٌ، لا تريد رجلًا دون رجل، وإنما تقصد الرجل على الإطلاق.
ومثال الثاني: نِعم غلامُ الرجل زيدٌ، فقد أفاد هذا كُلَّ غلامِ رجلٍ، كما أفاد قولك: نعم الرجل زيد، كل رجلٍ، ولو قلت: نعم الرجل الذي تعلم زيد، تريد واحدًا بعينه، لم يجز، ولو كان اللام فيه للعهد لوجب أن يجوز وقوع سائر المعارف هنا، كقولك: نِعم زيد، ونعم أنت، ونعم هو، وذلك لا يقوله أحد.
ومثال الذي فاعله مضمر: نعم رجلًا زيدٌ، الأصل: نعم الرجل رجلًا زيد، ثم تُرك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه، فرجلًا منصوب على التمييز.
وحكم بئس حكم نعم في جميع ما ذكرت.
وقد حُكي عن أبي علي أنه أجاز أن تَلِيَهُما (ما) موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة، ولا تخص واحدًا بعينه. وتكون معرفة ونكرة، فأشبهت أسماء الأجناس (٢).
стр. 328
وأجاز المبرد أن يليهما (الذي) إذا كان عامًّا غير مخصوص، فاعرفه (١).
فإذا قلت: نعم الرجل، أو نعم غلام الرجل، أو نعم رجلًا، يحتاج إلى مرفوع آخر يؤتى به، وهو المقصود بالمدح أو الذم، مثل نعم الرجل زيد، فارتفاع زيد على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون مبتدأ، ونعم الرجل خبر له مقدم عليه، والذي يُشْكِلُ من هذا أن الجملة إذا وقعت أخبارًا كان فيها ما يعود إلى المبتدأ، وليس في قولك: نعم الرجل ذِكْرٌ يعود إلى زيد من جهة الظاهر، فبقي أن يكون ذلك العائد معنويًّا، وذلك المعنوي هو الرجل الدال على الجنس الذي قد دخل تحته زيد وغيره.
وأما الوجه الثاني: فظاهر، وهو أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: من هذا الذي مدحتَه؟ فقلتَ: هو زيد.
فإذا فهم هذا، فقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا﴾ فيه أقوال:
أحدها: أن تكون (ما) نكرة موصوفة منصوبة على التمييز مُفَسِّرة لفاعل بئس، و ﴿اشْتَرَوْا﴾ صفة لها، والتقدير: بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم.
﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: نصب بـ ﴿اشْتَرَوْا﴾.
و﴿اشْتَرَوْا﴾ بمعنى باعوا، عن السدِّي، ومجاهد (٢).
والمخصوص بالذم ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾، أي: بئس شيئًا باعوا به أنفسَهم
стр. 329
كفرُهم، كما تقول: بئس رجلًا ظريفًا زيد.
والثاني: أن تكون (ما) موصولة، وما بعدها صلتها، وهي اسم بئس، و ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ المخصوص بالذم.
والثالث: أن اسم بئس مضمر فيها، والموصول وصلته هو المخصوص بالذم، وقوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ على هذا بدل من (ما) فيكون في موضع رفع، وقيل: بدل من الهاء في ﴿بِهِ﴾، فيكون في موضع جر، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي: هو أن يكفروا.
والرابع: أن تكون (ما) نكرة غير موصوفة منصوبة على التمييز، و ﴿اشْتَرَوْا﴾ على هذا صفة لمحذوف، كأنه قيل: بئس شيئًا شيء (١) باعوا به أنفسهم، وهذا المحذوف هو المخصوص بالذم، وفاعل بئس مضمر فيها.
و﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ على الأوجه المذكورة آنفًا. وقيل: (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر، وفاعل بئس مضمر فيها، لأن المصدر هنا مخصوص ليس بجنس.
والمختار القول الأول، لصحة وجهه من جهة العربية، وسلامته من الرد والدَّخل (٢).
﴿بَغْيًا﴾: مفعولٌ من أجله، وهو علة ﴿اشْتَرَوْا﴾، وقيل: لـ ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾. أو مصدر لأن ما قبله يدل على أنهم بَغَوا، وقيل: مصدر في موضع الحال. ومعنى ﴿بَغْيًا﴾: حسدًا وطلبًا لما ليس لهم.
стр. 330
﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾: ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب، أي: بغيًا لأن ينزل الله من فضله، أو: باغين لأن ينزل، أو: على أن ينزل، أي: حسدوا على أن ينزل الله من فضله الذي هو الوحي على من يشاء من عباده. ومفعول ﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ محذوف، أي: أن ينزل شيئًا من فضله. أو ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ على أن تكون ﴿مِنْ﴾ مزيدة على رأي أبي الحسن (١).
﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: ﴿مَنْ﴾ موصول وما بعده صلته، والتقدير: يشاء إنزاله عليه، ويحتمل أن تكون ﴿مَنْ﴾ هنا نكرة موصوفة وما بعدها ضفتها.
﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: إن جعلت (مَن) موصولة كان (مِن عباده) في موضع نصب على الحال من الضمير العائد إلى (مَن)، أي: كائنًا من عباده، وإن جعلتها موصوفة كان في موضع جر على الصفة لـ (مَن) ولك أن تعلقه بـ ﴿يَشَاءُ﴾.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ ﴿بِغَضَبٍ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في (باؤوا)، أي: باؤوا ملتبسين بغضب. ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ في موضع جر صفة لغضب الأول، أي: بغضب مترادف، لأنهم كفروا بمحمد ﷺ بعد عيسى ﵇، عن قتادة وغيره (٢).
وقيل: بعد قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٣)، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٤). وغير ذلك من أنواع كفرهم، عن عطاء وغيره (٥).
стр. 331
وقيل: كُرِّر للتوكيد والمبالغة، إذ كان الغضب لازمًا غير مفارق لهم.
﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مُهِينٌ﴾ صفته، والياء بدل من الواو؛ لأنه من الهوان. و ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الخبر. وأصل الهوان: الاستخفاف. والإهانة، والإذلال، والاحتقار، نظائر في المعنى.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (ما) موصول، والمراد به القرآن، عن الزجاج، وقيل: مطلق فيما أنزل الله من كل كتاب (١).
﴿قَالُوا نُؤْمِنُ﴾: جواب إذا، والفرق بين (إذا) و (إنْ) أن (إذا) وقت للفعل الذي هو جواب، وليس كذلك (إنْ)، بيان ذلك: أنك تقول: إن أتيتَني أعطيتُك، فيصلح أن تعطيه بعد وقت الإتيان. وإذا قلت: إذا أتيتني أعطيتك، فإنما أخبرتَ بأنك تعطيه وقت الإتيان.
﴿وَيَكْفُرُونَ﴾: أي: وهم يكفرون، والجملة في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾، ويجوز أن تكون مستأنفة، أي: قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة.
و﴿وَرَاءَهُ﴾: ظرف، والعامل فيه الاستقرار، والمعنى: بما بعده، أو بما سواه.
قيل: والهمزة في (وراء) بدل من ياء؛ لأن ما فاؤه واو لا يكون لامه
стр. 332
واوًا (١) ويدل عليه أنها ياء في (تواريت) لا همزة، وعن أبي الفتح: هي عندنا همزة، لقولهم: وُرَيئة بالهمز في التصغير (٢).
﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾: مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال من الضمير في استقر.
﴿مُصَدِّقًا﴾: منصوب على الحال من الخبر عند قوم، والعامل فيها مضمر، أي: أحق ذلك أو أثبته، وهو الوجه، ومن المنوي فيه عند آخرين حملًا على المعنى، كأنه قيل: وهو ثابت مصدق، كقولك: أتيته مشيًا، أي: ماشيًا، والعامل فيها على هذا ما في الحق من معنى الفعل، وهى حال مؤكدة، لأن الحق لا يزول عن التصديق، ولولا أنها مؤكدة لما جاز، كما لا يجوز: هو زيد قائمًا؛ لأن زيدًا قد يخلو من القيام وهو زيد بحاله، وذلك يدل على أنه إذا لم يكن قائمًا فليس بزيد، وجاز ذلك في ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾؛ لأن الحق لا ينفك عن التصديق في حال، وهو يعود إلى (ما) في قوله: ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾، والمراد به القرآن.
وقوله: ﴿فَلِمَ﴾: الأصل: (لما)، ونظيره: فيمَ، وعَمَّ، ومِمَّ، والأصل فيما، وعما، ومما. و (ما) في جميع ذلك استفهامية، وحذفت ألفها مع حرف الجر، للفرق بين الاستفهامية والخبرية، ولكثرة الاستعمال، والاستغناء بالحركة عن الحرف. والوقف على هذا الضرب بالهاء، لأجل ذهاب الحركة فيه، ولك أن تقف عليه بغير الهاء، وعليه جُلُّ القراء، لأجل الرسم، ولأن الوقف عارض (٣).
стр. 333
فإن قلت: كيف قيل: تقتلون من قبلُ، ولم يقل: تفعلون أَمْسِ؟ قلت: قيل: هذه حكاية الحال الماضية عن فعل الآباء، وتقريع للأبناء، لكونهم رضوا بفعلهم، قاتلهم الله، وأيضًا: فإن القوم يضعون المستقبل في مكان الماضي، وبالعكس إذا ارتفع اللبس، وقد ارتفع هنا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، فاعرفه (١).
﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: إن: حرف شرط، وجوابه ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾، لأن مَن كان مؤمنًا لا يقتل أنبياء الله.
وقيل: إنّ (إنْ) هنا بمعنى (ما)، أي: ما كنتم مؤمنين (٢).
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ اللام لام القسم.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: يجوز أن تكون من صلة جاء، أي: جاء بسبب إقامة الدلالات الواضحات، وهي الآيات التسع التي أوتيت موسى ﵇ على ما فسر (٣). وأن تكون في موضع حال منه، أي: ملتبسًا بها.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: الضمير لموسى ﵇، وقيل: للمجيء، دل عليه (جاء)، كما تقول: من كذب كان شرًّا له، أي: الكذبُ شرًّا له.
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ قد جوز أن تكون في موضع نصب على الحال، أي: عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها. وأن يكون اعتراضًا،
стр. 334
بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم (١).
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾:
قوله : ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي: حب العجل، يقال: أُشرب في قلبه حبُّه، أي: خالطه. والمعنى: تداخلهم حبُّه والحرص على عبادته، كما يتداخل الثوبَ الصّبْغُ.
وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: بيان لمكان الإشراب، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٢).
﴿وَأُشْرِبُوا﴾: في موضع الحال، أي: قالوا ذلك وقد أشربوا.
وقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ يجوز أن تكون الباء للسببية، وأن تكون بمعنى (مع) من صلة قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا﴾، أي: بسبب كفرهم، أو مع كفرهم، وأن تكون في موضع حال إما من الضفير في ﴿وَأُشْرِبُوا﴾، وإما من المضاف المحذوف وهو الحُبُّ، والعامل في كلا التقديرين أُشرب، أي: أشربوا ملتبسِين بكفرهم، أو: أشربوا مختلِطًا بكفرهم.
وقوله: ﴿بِئْسَمَا﴾ ما: نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، وما بعدها صفتها، والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس شيئًا يأمركم به إيمانكم ذلك، وهو عبادتهم العجل أو حبه أو نحوهما مما تقدم ذكره.
وقيل: (ما) موصولة، وقيل: مصدرية، وقد مضى الكلام على هذا قبيل بأشبع ما يكون، فأغنى عن الإعادة هنا (٣).
стр. 335
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾:
قوله : ﴿الدَّارُ﴾ اسم كان، و ﴿الْآخِرَةُ﴾: صفة للدار، و ﴿لَكُمُ﴾: خبرها، و ﴿عِنْدَ﴾: ظرف متعلق بلكم.
﴿خَالِصَةً﴾: نصب على الحال من الضمير في ﴿لَكُمُ﴾ الراجع إلى الدار، والعامل فيها لكم، أو من الدار، والعامل (كان) على قول من جوز ذلك، أي: خالصة من غير شِركة. ولك أن تنصب ﴿خَالِصَةً﴾ على خبر كان، وتعلق ﴿لَكُمُ﴾ و ﴿عِنْدَ﴾ بخالصة.
وقيل: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ هو الخبر، و ﴿خَالِصَةً﴾ حال، وليس بالمتين، لأن المعنى منوط بلكم أو بخالصة، إذ قد عُلِمَ أن الدار التي هي الجنة عند الله (١).
﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾: متعلق بخالصة، واللام في ﴿النَّاسِ﴾ للجنس، وقيل: للعهد وهم المؤمنون.
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾: الفاء وما تعلق بها جواب الشرط؛ لأن مَن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها، وتمنى سرعة الوصول إلى نعيمها.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾:
قوله : ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان، والأبد، والزمن، والدهر، نظائر.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ من صلة التمني، أي: بسبب ما قدمت. و (ما)
стр. 336
موصولة، وما بعدها صفتها، وعائدها محذوف، وهو مفعول ﴿قَدَّمَتْ﴾، أو موصوفة وما بعدها صفتها، أو مصدرية، ومفعول ﴿قَدَّمَتْ﴾ على هذا محذوف، أي: بتقديم أيديهم أنواعًا من المعاصي.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: تهديد لهم ولغيرهم ممن هو على حالهم.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾:
قوله : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ اللام للقسم، والنون لتأكيد القسم، أي: والله لتجدنهم يا محمد، يعني اليهود. ووجد هنا بمعنى عَلِمَ الذي يتعدى إلى مفعولين في قولهم: وجدت زيدًا ذا الحفاظ، ومفعولاه: (هم)، ﴿أَحْرَصَ﴾، و ﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿أَحْرَصَ﴾.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: قيل: هو متصل بما قبله عَطْفٌ على ﴿النَّاسِ﴾ محمول على المعنى، لأن معنى أحرصَ الناس: أحرص مِنَ الناس، وهم الذين في زمانهم، كما تقول: هو أسخى الناس ومن حاتم، أي: وأسخى من حاتم. ويحتمل أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، ثم حذف الثاني لدلالة الأول عليه (١).
قيل: وإنما أفردوا بالذكر مع دخولهم تحت الناس وخصوا به لشدة عنادهم وحرصهم، كما خص جبريل وميكائيل ﵇ بالذكر مع دخولهما تحت الملائكة تفخيمًا لهما وتعظيمًا لشأنهما (٢).
واختلف في ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، قيل: هم المجوس، وكانوا يقولون
стр. 337
لملوكهم: "زِهْ هَزَارْ سَال"، أي: عِشْ ألفَ سنة (١).
وقيل: هم منكرو البعث، ومن أنكر البعث أحب الحياة (٢).
وقيل: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ كلام مستأنف، أي: ومنهم قومٍ أو ناس ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، على حذف الموصوف، كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (٣).
قيل: والذين أشركوا على هذا مشار به إلى اليهود؛ لأنهم قالوا: عزيرٌ ابن الله (٤).
ومعنى الحرص: شدة الطلب. وماضي ﴿يَوَدُّ﴾ ودِدت بكسر العين، تقول: وَدِدْتُ لو تفعل ذاك، ووَدِدت لو أنك تفعل ذاك، أي: تمنيت. وعن الكسائي: ودَدت بفتح العين، فقياس المستقبل على هذا يَود بكسر الواو (٥).
ويَوَد على الوجه الأول: في موضع نصب على الحال من الذين أشركوا، أي: وادًا أحدهم، وعلى الوجه الثاني: في موضع الرفع على الصفة، ويجوز أن يكون بيانًا لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف، فيوقف على ﴿أَشْرَكُوا﴾، وهذا يكون على الوجه الأول، فاعرفه.
وقوله: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ لو: هنا بمعنى (أن) الناصبة للفعل، كقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ (٦)، ونائبة عنها، وأن مع الفعل في
стр. 338
تأويل المصدر وهو مفعول يود، أي: يود أحدهم تَعميرَ ألف سنة.
ولا يجوز أن يكون ﴿لَوْ﴾ هنا على بابه، وهو الذي يمتنع به الشيء لامتناع غيره لأمرين:
أحدهما: أن ﴿لَوْ﴾ هنا يلزمه المستقبل، والآخر يلزمه الماضي، فإن وقع بعده المستقبل، كان في معنى المضي، لأنك في ﴿لَوْ﴾ هذا تخبر عن امتناع شيء فيما مضى لامتناع غيره، كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (١)، أي: لو أطاعكم لهلكتم، ولكن امتناع الهلاك لامتناع الطاعة.
والثاني: أن ﴿يَوَدُّ﴾ يتعدى إلى مفعول واحد، وليس مما يُعَلَّقُ عن العمل، وإذا كان كذلك، فثبت أنه بمعنى (أن) الناصبة في تأويل المصدر مع الفعل، فاعرفه فإنه موضع.
وعَمَّرَ اللهُ فلانًا: إذا أطال عُمُرَهُ.
﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: نصب على الظرف.
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ في ﴿هُوَ﴾ ثلاثة أقوال:
أخدهما: أن ﴿هُوَ﴾ ضمير ﴿أَحَدُهُمْ﴾ الذي جرى ذكره، و ﴿أَنْ يُعَمَّرُ﴾ فاعل بمزحزحه، أي: وما أحدهم ممن يزحزحه من النار تعميره.
والثاني: أن ﴿هُوَ﴾ ضمير التعمير، دلّ عليه ﴿يُعَمَّرُ﴾، و ﴿أَنْ يُعَمَّرُ﴾ بدل منه بدل الشيء من الشيء وهو هو.
والثالث: أن ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن وما بعده مُوضِحُهُ، وهو ﴿بِمُزَحْزِحِهِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾، فـ ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ مبتدأ، و ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ خبره، والجملة مُوضِحة له، وهو مذهب أهل الكوفة، وأبى ذلك أهل البصرة، لأن ضمير الشأن لا
стр. 339
يُوضِح إلَّا بالجمل السالمة من حروف الجر. وقد حُكي عن الشيخ أبي علي: أنه جَوَّزَ ذلك في بعض مسائله الحلبيات (١).
وقيل: إنّ ﴿هُوَ﴾ عماد، وليس بشيء؛ لأن العماد يكون متوسطًا لا أولًا (٢).
وقيل: (ما) عاملة حجازية، و ﴿هُوَ﴾ اسمها، والخبر في ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ (٣).
والزحزحة: التبعيد والإنحاء، يقال: زجزحته عن موضعه فتزحزح، قال ذو الرُّمة (٤).
٨١ - يا قابِضَ الرُّوحِ عن جِسْمٍ عَصَى زَمَنًا ... وغافِرَ الذَّنبِ زَحْزِحْنِي عن النَّارِ (٥)
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾:
قوله : ﴿مَنْ﴾: شرطية في موضع رفع بالابتداء، وما بعده خبره، والفاء جواب الشرط، وكسرت (إن) لأن ما بعد الفاء مستأنف.
стр. 340
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ بعد قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾؟ وكيف جاز أن يكون هذا جوابًا للشرط؟ قلت: قيل في معناه وفي تقديره وجهان:
أحدهما: إنْ عادى جبريل أحد من أهل الكتاب، فلا وجه لمعاداته حيث نزّل كتابًا مصدقًا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه، وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المُنْزَلَ عليهم.
والثاني: إنْ عاداه أحد، فالسبب في عداوته أنه نَزَّلَ عليك القرآن مصدقًا لكتابهم، وموافقًا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه، ويجحدون موافقته (١).
وقيل: جواب الشرط محذوف، والتقدير: من كان عدوًا لجبريل فليمت غيظًا، فإنه نَزَّل الوحيَ على قلبك (٢).
والضمير في ﴿فَإِنَّهُ﴾ لجبريل، وفي ﴿نَزَّلَهُ﴾ للقرآن، وقيل: الأول لله سبحانه، والثاني لجبريل، أي: فإن الله نزل جبريل، أو القرآن (٣).
فإن قلت: ما محل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ قلت: محله النصب على الحال من المنوي في نزل الراجع إلى جبريل ﵇، أي: نزل القرآن ومعه الإذن، أو مأذونًا له.
﴿مُصَدِّقًا﴾: منصوب على الحال من الضمير في ﴿نَزَّلَهُ﴾ المنصوب، وهو ضمير القرآن. وكذلك (هدى وبشرى) حالان منه، أي: هاديًا ومبشرًا.
стр. 341
واللام من ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلقة بـ (بشرى).
وجبريل: اسم أعجمي، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف، وقد تكلمت العرب بهذا الاسم على أوجه، فقالوا: جِبرِيل بكسر الجيم والراء وياء بعدها بلا همز.
وجَبرِيل بفتح الجيم وكسر الراء وياء بعدها من غير همزة أيضًا.
وجَبرَئِيل بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة بعدها ياء.
وجَبرَئِل بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة من غير ياء.
وهذه اللغات هي التي قرأ بها الأئمة السبعة، وقد ذكرت وجه هذه القراءات في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون، فأغناني ذلك عن الإعادة ها هنا (١).
وفيه لغاتٌ أُخَرُ، أضربت عنها استغناء عنها (٢).
وجمعه على هذه اللغات الأربع: جباريل كقناديل (٣).
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾:
قوله : ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ أراد: عَدُوٌّ لهمْ، فوضع الظاهر موضع المضمر تنبيهًا على كفرهم، وأنه إنما عاداهم لذلك (٤).
فإن قلت: هلّا قيل: فإنه عدو للكافرين، فكنى عن اسم الله جل
стр. 342
ذكره؟ قلت: لأن الإتيان بالاسم الظاهر هنا أنفى للشبهة، وأبعد من الاحتمال، إذ لو قيل: فإنه، لاحتمل أن يعود على أحد الملكين: جبريل وميكال، لجرْيِ ذكرهما كجري ذكره سبحانه (١).
وقرئ: (ميكال) بوزن محراب، أو ميكائِل بهمزة بعد الألف من غير ياء بعدها بوزن ميكاعل، وميكائيل بهمزة بعد الألف بعدها ياء بوزن ميكاعيل، وهذه اللغات الثلاث هي التي قرأ بها الأئمة السبعة (٢).
وجاء فيه أيضًا: مِيكَئِل بوزن ميكعل (٣)، ومِيكَئِيل بوزن ميكعيل (٤)
والمانع له من الصرف العجمة والتعريف، وهذه لغات فيه.
قال أبو الفتح: العربُ إذا نطقتْ بالأعجمي خَلَّطَتْ فيه (٥).
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾:
قول : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ الواو للعطف عند صاحب الكتاب (٦)، والمعطوف عليه محذوف تقديره: كفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا (٧)، والهمزة قبلها للاستفهام دخلت للتوبيخ والإنكار.
وقال أبو الحسن: الواو مزيدة (٨).
стр. 343
وقيل: هي أو التي لأحد الشيئين حُرِّكَتْ بالفتح، وليس بشيء، إذ لا وجه لحركتها (١).
والجمهور على تحريك الواو، وقرئ: (أوْ) بسكون الواو (٢)، وفيبما وجهان:
أحدهما: أن ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) بمعنى الذين فسقوا، فكأنه قيل: وما يكفر بها إلَّا الذين فسقوا، أو نقضوا عهد الله مرارًا كثيرًا (٤).
والثاني: أنها بمعنى بل للترك والتحول بمنزلة (أم) المنقطعة، كأنه قيل: وما يكفر بها إلَّا الفاسقون بل كلما عاهدوا، ويؤيد. ذلك قوله تعالى بعده: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قاله أبو الفتح، ثم قال: و ﴿أَوَ﴾ هذه بمعنى (أم) المنقطعة، وكلتاهما بمعنى بل موجودة في الكلام كثيرًا (٥).
و﴿كُلَّمَا﴾: ظرف، والعامل فيه ﴿نَبَذَهُ﴾، أي: طرحه، والنبذ: الطرح والإلقاء، ومنه النبيذ والمنبوذ، والضمير في ﴿نَبَذَهُ﴾ للعهد.
وقرئ: (عَهِدوا) (٦) لأن بعده عهدًا (٧)، وانتصابه على المصدر على هذه القراءة، وأما على قراءة الجمهور فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مصدرًا على حذف الزيادة، أي: عاهدوا الله، أو عاهدوك معاهدة وعِهادًا، كقاتلك مقاتلة وقتالًا.
стр. 344
والثاني: أن يكون مفعولًا به على معنى أَعْطَوا عهدًا (١).
﴿مِنْهُمْ﴾: في محل الرفع صفة لفريق. والفريق: اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويقع على القليل والكثير من الجمع، ولذلك فُسِّرَتْ كثرة النابذين بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لما احتمل الفريق أن يكون الأقل.
ومن: للتبعيض، وليست كالتي في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ (٢)، لأن منهم من لم ينقض.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ابتداء وخبر. فإن قلت: لم دخلت ﴿بَلْ﴾ هنا؟ قلت: قيل: لدفع الإلباس، وذلك أنه لما قيل: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ احتَمل أن يَظُنَّ بعضُ السامعين أن الفريق قليل منهم، فقيل: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾، لِيُعلم أن الفريق أكثرهم، كما تقول: أتاني ناس من قومك بل أكثرهم، فقولك: بل أكثرهم تأكيد للكلام، لأن ناسًا يقع على القليل منهم والكثير، فخرجتَ من خبر إلى خبر لأجل التأكيد، كما تقول: بلغني أن فلانًا في دارك بل قد رأيته فيها، فليس قولك: بل قد رأيته، بِناقضٍ لما أخبرتَ به أولًا، وإنما هو للتأكيد فاعرفه.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾:
قوله : ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان لأوتوا، و ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ مفعول نبذ.
﴿كَأَنَّهُمْ﴾: في محل النصب على الحال من ﴿فَرِيقٌ﴾، أي: نبذ
стр. 345
فريق كتاب الله مشبهين الْجَهَلة، يعني أن علمهم بذلك رَصِينٌ، ولكنهم كابروا وعاندوا (١).
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾:
قوله : ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ عطف على ﴿نَّبَذَهُ﴾ (٢)، أي: نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين. وتتلو: بمعنى تلت، فوضع المستقبل موضع الماضي، كما يوضع الماضي موضع المستقبل، ولهما نظائر في التنزيل، وفي كلام القوم نثرهم ونظمهم (٣). وتلا هنا يجوز أن يكون من التلو، وأن يكون من التلاوة على ما فسر ﴿تَتْلُواْ﴾ (٤).
و﴿الشَّيَاطِينُ﴾: جمع شيطان، كريحان ورياحين.
﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: أي على عهد ملكه، وفي زمانه، ثم حذف المضاف للعلم به. وسليمان: لا ينصرف لأسباب ثلاثة: التعريف،
стр. 346
والعجمة، والألف والنون الزائدتين. ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾: قرئ: بتشديد النون ونصب ما بعدها، على جعلها من أخوات إن، ونصب ما بعدها بها، وبتخفيفها ورفع ما بعدها، على إبطال عملها، ورفع ما بعدها بالابتداء (١).
﴿يُعَلِّمُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿كَفَرُوا﴾؛ فإن قلت: ما منعك أن تجعلها حالًا من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾، كما زعم بعضهم (٢)؟ قلت: منعني عدم العامل؛ لأن (لَكِنَّ) لا تعمل في الأحوال (٣). ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر بعد خبر. وقد جُوّز أن يكون بدلًا من ﴿كَفَرُوا﴾؛ لأن تعليمَ السحرِ كُفْرٌ (٤).
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: (ما) موصولة، ونهاية صلتها: ﴿وَمَارُوتَ﴾ , وهي مع صلتها في موضع نصب على العطف على ﴿السِّحْرَ﴾، أي: ويعلمونهم ما أنزل على الملكين، أو على ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو﴾، أي: واتبعوا ما أنزل، وقد جُوّز أن تكون جمطفًا على ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، فتكون في موضع جر. وقيل: ﴿مَا﴾ نافية، وكلاهما مروي عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥).
﴿بِبَابِلَ﴾: قيل: اسم موضع بالعراق يُعَدّ من سَواد الكوفة، ينسب إليه
стр. 347
السحر والخمر (١)، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف. وقيل: التعريف والتأنيث (٢)، وهو ظرف لـ ﴿أُنْزِلَ﴾، ويحتمل أن يكون حالًا من الضمير الذي في ﴿أُنْزِلَ﴾ إن جعلت ﴿مَا﴾ موصولة، أو من الملكين على الوجهين جميعًا.
﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: في موضع جر على البدل من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾.
وقيل: عطف بيان لهما، عَلَمانِ لهما، وهما اسمان أعجميان، والمانع لهما من الصرف العجمة والتعريف (٣). قيل: ولو كانا من الهرت والمرت - وهو الكسر كما زعم بعضهم - لانصرفا (٤).
وقرئ: (هاروتُ وماروتُ) بالرفع (٥)، على: هما هاروت وماروت.
والجمهور على فتح اللام من (الملَكين)، وقرئ: بكسرها (٦) على أنهما كانا ملِكين ببابل.
وقيل: هما في موضع نصب على البدل من ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ الثاني، على قراءة من شَدَّدَ ونَصَبَ، هذا على قول من قال: إنهما شيطانان، أو من ﴿النَّاسَ﴾ على قول من قال: إنهما رجلان من بني آدم (٧).
стр. 348
و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ على هذين القولين نافية، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: واتبعوا ما تتلو الشياطين على مُلك سليمان وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يُعَلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت.
وجمعهما: هواريت ومواريت، كطواغيت. وقيل: هوارتة وموارتة (١).
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ مزيدة بعد النفي، أي: وما يعلمان أحدًا حتى يقولا، أي: إلى أن يقولا إنما نحن فتنة، أي: وما يُعلِّمُ الملكانَ أحدًا حتى ينبهاه وينصحاه، ويقولا له: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾، أي: ابتلاء واختبار من الله.
﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾: جزم بالنهي، أي: فلا تتعلم معتقدًا أنه حق فتكفر.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾: عطف على ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ حملًا على المعنى؛ لأن المنفي هنا مُوجب في المعنى، وذلك أنهما يعلمان الناس السحر بعد قولهما لهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ فيتعلمون.
وقيل: عَطْفٌ على محذوف دل عليه أول الكلام، كأنه قيل: فيأتون فيتعلمون منهما (٢).
وقيل: عطف على ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ فيتعلمون منهما (٣)، وأنكر أبو إسحاق هذا القول، لأجل قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ ولم يقل: منهم (٤). فأجيب عنه: بأن
стр. 349
الضمير في ﴿مِنْهُمَا﴾ للسحر والمُنْزَل على الملَكين، لا للملَكين، أو للقبيلتين من الشياطين، والتقدير على هذا الوجه الأخير: ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما وما أنزل على الملكين ببابل، أي: لم ينزل عليهما شيء.
وقيل: هو مستأنف (١)، أي: فهم يتعلمون، ونظيره: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ (٢).
وجُمع الضمير في ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ حملًا على معنى ﴿أَحَدٍ﴾، كما جُمع في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٣).
فإن قيل: هل يجوز نصب قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ في الكلام، على أن يكون جوابًا لقوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾، كقوله: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ (٤)؛ قلت: لا، لأن كُفْرَ مَن نُهِيَ عن أن يَكفر هنا ليس سببًا لتعلم مَن يتعلم، وإنما النهي عن الكفر بتعلم السحر للعمل به، فلا يجوز نصبه لفساد المعنى.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون جوابًا للنفي في قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾، كقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥)؟ قلت: لا، لما ذكرت قبيل من أن المَنْفِيَّ هنا مُوجب في المعنى، إذ المعنى: يعلمان بعد قولهما لهم: إنما نحن فتنة، فاعرفه.
стр. 350
﴿مَا يُفَرِّقُونَ﴾: ﴿مَا﴾ موصولة، ونهاية صلتها ﴿وَزَوْجِهِ﴾. ويجوز أن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، وهي مفعول ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون مصدرية؟ قلت: لا، لأن المصدرية لا يعود عليها شيء من صلتها على المذهبين، والهاء من ﴿بِهِ﴾ عائدة عليها.
﴿بَيْنَ الْمَرْءِ﴾: الجمهور على فتح الميم مع الهمز، وقرئ: بضم الميم وكسرها مع الهمز (١). و (المَرِّ) بتشديد الراء وتخفيفها من غير همز (٢). أما ضم الميم وكسرها فهما لغتان. وأما التشديد فعلى التخفيف القياسي والوقف، كقولهم: هذا خالدّ. وإجراء الوصل مجرى الوقف (٣).
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ﴾: هم: اسم (ما) على لغة أهل الحجاز، و ﴿بِضَارِّينَ﴾ خبرها.
﴿بِهِ﴾: الضمير للسحر. و ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾: في موضع نصب، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي بعلم الله وتمكينه (٤). قيل: الجارُّ والمجرور في موضع نصب على الحال إما من الفاعل، وإما من المفعول، أي: وما يضرون أحدًا بالسحر إلا والله عالم به، أو إلا مقرونًا بإذن الله (٥). وقيل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بدل من الهاء في ﴿بِهِ﴾ بإعادة الجار.
стр. 351
وقرئ: (وما هم بضارّي) بطرح النون والإضافة إلى ﴿أَحَدٍ﴾، والفصل بينهما بالظرف على جَعْلِ الجارّ جزءًا من المجرور، وهو ﴿مِنْ﴾ و، وقيل: بل حذفت النون تخفيفًا (١).
﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: عطف على ﴿يَضُرُّهُمْ﴾. و ﴿لَا﴾ وللنفي، ولا يجوز أن يكون عطفًا على (ما)؛ لأن الفعل لا يعطف على الاسم. وقيل: هو مستأنف، أي: وهو لا ينفعهم، والواو للحال (٢).
﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: (من) مبتدأ موصول وما بعده صلته. و ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿مِّنْ﴾ مزيدة، و ﴿لَهُ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. ولام ﴿لَقَدْ﴾ لام القسم، ولام ﴿لَمَنِ﴾ لام الابتداء. والهاء في ﴿اشْتَرَاهُ﴾ تعود على السحر، أي: والله لقد ﴿عَلِمُوا﴾ هؤلاء اليهود أن الذي استبدَل السحر بكتاب الله ما له في الآخرة من خلاق، أي: من نصيب.
وقيل: اللام في ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ لام التوطئة للقسم، كالتي في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٣). و (مَن) للشرط في موضع رفع بالابتداء، وجواب القسم ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، والجملة في موضع نصب بـ ﴿عَلِمُوا﴾ في كلا المذهبين. ولا يعمل ﴿عَلِمُوا﴾ في لفظ (مَن)، لأن لام الابتداء تقطع ما بعدها مما قبلها، والشرط له صدر الكلام.
وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ اللام: لام القسم أيضًا،
стр. 352
وقد مضى الكلام على ﴿مَا﴾ فيما سلف من الكتاب، و ﴿شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: باعوها.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لو كانوا يعلَمون بعلمهم (١) لما صدر منهم ما صدر، لأن الله تعالى قد أثبت لهم العلم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾، وأكده بالقسم، وهذا كما تقول: والله لقد علمت يا فلانُ، وما (٢) علمتَ حين رأيتَه لم يعمل بعلمه، جعلتَه كأنه منسلخ عنه وخال منه.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾
قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ (أن) وما اتصل به في تأويل مصدر في موضع رفع بفعل مضمر، أي: لو وقع منهم أنهم آمنوا بالمُنْزَل والمُنْزَلِ عليه ﵊، أي: إيمانهم، واتقوا الله، فتركوا ما هم عليه من نبذ الحق، واتباع الباطل. و ﴿لَوْ﴾ لا يليه إلا الفعل: إما مضمرًا وإما مظهرًا، كقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ (٣)، لأن فيه معنى الشرط، والشرط بابه الفعل، وإنما لم يجزم، كما يجزم حرف الشرط؛ لأن حرف الشرط يقلب الماضي إلى المستقبل، و ﴿وَلَوْ﴾ لم يقلب، فامتنع من العمل لذلك.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: اللام لام الابتداء، و (مثوبة) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة، لكونها قد وصفت بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ و. ﴿خَيْرٌ﴾: خبره. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف دلت عليه هذه الجملة، والتقدير: لأُثيبوا (٤). ولا
стр. 353
يحسن أن تكون ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ الجواب، كما لا يحسن أن تقول: لو أن زيدًا أحسن وأنفق لإكرامٌ مِن بني فلان خيرٌ لو كان يعلم (١).
والمثوبة: الثواب، وهو جزاء الطاعة، وأصل مَثوبة: مَثْوُبةٌ بوزن مَكْرُمة، فنقلت الضمة من حرف اللين إلى ما قبله، كما فُعِل ذلك في يقول، والأصل يَقْوُل كَيَقْتُلُ.
وقرئ: (لمثْوَبَةٌ) بإسكان الثاء، وفتح الواو على الأصل (٢)، وهو شاذ، والقياس مَثابة.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: جواب ﴿لَوْ﴾ ومفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ كلاهما محذوف، أي: لو كانوا يعلمون أن ثواب الله خير مما هم فيه لعملوا بعلمهم لكونهم عالمين، وإنما جهَّلَهُم ونفى عنهم علمهم، لتركهم العمل به.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾:
قوله : ﴿رَاعِنَا﴾ فِعلُ أمرٍ، وهو وما اتصل به في موضع نصب بالقول. ومعنى راعنا: راقبنا، فاعِلْنا من المراعاة، يقال: راعاه مُراعاة ورِعاء، وحذفت الياء للأمر.
وقرئ: (راعونا) بلفظ الجمع (٣) للتوقير والتعظيم [له] ﷺ .
стр. 354
وقريء: (راعِنًا) بالتنوين (١) من الرَّعَن، وهو الهَوَجُ، يقال: رجل أَرعنُ، وامرأة رعناء بَيِّنا الرعونة والرعَن، وما أرعنه؛ وقد رَعُن بالضم. وأَهْوَجُ: بَيِّنُ الهوج، إذا كان طويلًا وبه تسرع وحمق، أي: لا تقولوا قولًا راعنًا منسوبًا إلى الرعن، فحذف الموصوف وبقيت الصفة.
وقوله: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ الجمهور على وصل الألف وضم الظاء، على معنى: انظر إلينا، فحذف الجار. وقيل: مِن نَظَره، إذا انتظره، على: انتظرنا نسألك عما أشكل علينا.
وقرئ: (أنظِرنا) بقطع الألف وكسر الظاء (٢) على معنى: أَخِّرْنا وأَمْهِلْنا حتى نفهم عنك ونحفظَه.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾:
قوله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قيل: ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس؛ لأن الذين كفروا جنسٌ تحته نوعان: أهل الكتاب، والمشركون، بدليل قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).
﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾: في موضع جر على العطف على ﴿أَهْلِ﴾. ويجوز في
стр. 355
الكلام رفع ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بالعطف على ﴿الَّذِينَ﴾ (١).
﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾: في موضع نصب بـ ﴿يَوَدُّ﴾، و (أن) مع الفعل بتأويل المصدر.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: من: مزيدةٌ لاستغراق الخير، وموضعها رفع بإسناد الفعل إليه وهو ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: من: لابتداء الغاية متعلقة بينزل، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أن تجعلها صفة لخير، وتكون في موضع رفع حملًا على الموضع، أو جر حملًا على اللفظ، كقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) بالرفع على الموضع، و (غيرِهِ) بالجر على اللفظ (٣).
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: مفعول ﴿يَشَاءُ﴾ محذوف، أي: يختص بالنبوة مَن يشاء اختصاصه.، ثم حُذف المضاف فبقي (يشاؤه)، ثم. حذف الضمير فبقي يشاء. والخصوصية في اللغة: الإفراد، وخَصَّهُ بالشيء، إذا أفرده به. [والله تعالى يفرد برحمته من يشاء] (٤).
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: ابتداء وخبر. وأصل ذو: ذَوَيٌ لأجل أن باب (طويت) أكثر من باب قوة، ثم حذفت لام الكلمة التي هي الياء، وصارت الواو حرف إعراب، فيكون في الرفع بالواو، وفي النصب بالألف، وفي الجر بالياء، ولا يستعمل إلا مضافًا، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾: