المخلوق، على معنى: أن الإِعادة على المخلوق أسهل من الابتداء، لأن الإِعادة ليس فيها تنقل من نطفة إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى عظام، ثم إلى حيوان. وقيل: ﴿أَهْوَنُ﴾ بمعنى (هين)، كقولك: فلان أوجل، أي: وَجِل. "والله أكبر"، أي: كبير على أحد التأويلين (١).
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ في موضع الصفة لمثل، و ﴿مِنْ﴾ ابتدائية.
وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿شُرَكَاءَ﴾، والتقدير: هل لكم شركاء كائنون مما ملكت أيمانكم؟ فلما قدم نصب على الحال، و (مِنْ) [تبعيضية، و (من)] في قوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.
وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في موضع فعل وفاعل، ومحلها النصب على جواب الاستفهام، كأنه قيل: هل لكم من كيت وكيت فتستووا؟ والمعنى: أنهم لا يملكون فيساووكم.
وقوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿سَوَاءٌ﴾، أي: فأنتم فيه مستوون خائفين عبيدكم خيفة مثل خيفتكم الأحرار الذين هم أمثالكم إذا كان بينكم وبينهم شركة.
стр. 2907
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: نفصلها تفصيلًا مثل ذلك التفصيل.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ انتصاب قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ على الحال من المنوي في ﴿فَأَقِمْ﴾. وقيل: من الدين (١)، وهو من التعسف.
وأما انتصاب قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ فعلى الإِغراء، أي: الزموا فطرة الله، أو: عليكم فطرة الله. وقيل: على المصدر، أي: فطركم الله فطرة (٢).
وقوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ نصب على الحال، وفي ذي الحال وجهان:
أحدهما: الضمير في الزموا المقدر المذكور آنفًا، كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣) أي: فصلوا رجالًا أو ركبانًا.
والثاني: المنوي في ﴿فَأَقِمْ﴾، لأنه في المعنى للجميع، بشهادة قوله:
стр. 2908
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) كأنه قيل: فأقيموا وجوهكم راجعين إليه بالتوبة.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا. . . وَلَا تَكُونُوا﴾ عطف إما على المقدر وهو الزموا، أو على ﴿فَأَقِمْ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ فيه وجهان، أحدهما وهو الوجه: بدل من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بإعادة الخافض كما ترى. والثاني: العاطف مقدر منوي، أي: ومن الذين فرقوا دينهم.
وقوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ (٢) حال من الضمير في ﴿دَعَوْا﴾.
وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ يجوز أن تكون الجارة متعلقة بالإِشراك، وأن تكون التي للأمر على وجه التهديد والوعيد، وقد ذكر في "العنكبوت" (٣).
وقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ السلطان يُذَكَّرُ على تأويل الدليل، ويؤنث على إرادة الحجة (٤).
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ في (ما) وجهان، أحدهما: موصولة والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إليها. والثاني: مصدرية والضمير في ﴿بِهِ﴾ لله جل ذكره، أي: بكونهم بالله يشركون.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
стр. 2909
ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿يَقْنَطُونَ﴾ خبر، وموضع ﴿إِذَا﴾ مع الجملة جزم بجواب الشرط، وذلك أن (إذا) هذه بمنزلة الفاء في تعليقها الجملة بالشرط، لأنها للمفاجأة، فهي دالة على التعقيب الذي تدل عليه الفاء، وتسمى مكانية، فإذا قلت: مررت به إذا هو عبد، فكأنك قلت: مررت فبحضرتي هو عبد، فإذا بمنزلة قولك: فبحضرتي، لأنه ظرف مكان لحضرتي، ومتضمن معنى التعقيب الذي هو في الفاء.
وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ بمنزلة قولك: فهم يقنطون، هذا معنى قول النحاة: (إذا) هذه تنوب مناب الفاء في جواب الشرط (١)، وقد دخلت الفاء عليها في بعض الأماكن، وهو صلة بلا مقال عند أصحابنا البصريين، لأن ﴿إِذَا﴾ هنا بمنزلة الفاء في تضمن معنى التعقيب والإِتباع. وإذا جعل (٢) منه المطلوب من الفاء كان تقديره لفظًا أو حكمًا ثانيًا (٣) محالًا، لأنه بمنزلة الجمع بين فاءين، كما أن الجواب إذا وجد مجزومًا علم أنه تابع للشرط غير منقطع عنه، فلم يفتقر إلى الفاء، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا.
وقال الخليل ﵀: لا يجوز دخول الفاء على (إذا) في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ وشبهه، لأن (إذا) جعلت ها هنا جوابًا بمنزلة الفاء وقع بعدها ما يقع بعد الفاء، وجعل فيها بعض ما في الفاء، فصارت كأنها الفاء، ولا يجوز إدخال الفاء على الفاء (٤).
стр. 2910
قال المفسر. يعني بقوله: جعل فيها بعض ما في الفاء أنها يقع بعدها ما لم يكن، كما يقع بعد الفاء ما لم يكن، لأن قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ السيئة لم تصبهم بعد. والمعنى: إن تصبهم يقنطوا، ولا يجوز أن يقع بعد (إذا) مما قد كان ويراد به معنى ما لم يقع، كما يكون مع الفاء، نحو: إذا جئتني فزيدٌ عندي، لأن الفاء أصل في الجواب، و (إذا) فرعٌ، فلا يجوز أن يكون في (إذا) كل ما يكون في الفاء، لأن المشبه بالشيء لا يكون مثله في جميع أحواله، فهذا معنى قول الخليل: وجعل فيها بعض ما في الفاء.
ولا يجوز وقوع الفعل بعد (إذا) هذه لأن ما بعدها مرفوع بالابتداء وهي خبر عنه، فكما أن المبتدأ لا يكون إلا اسمًا، فكذلك (إذا) هذه لا يكون ما بعدها إلا اسمًا فاعرفه.
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ (ما) هنا يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، ودخول الفاء في الجواب يصلح فيهما، فإن كانت شرطية كان محلها النصب بـ ﴿آتَيْتُمْ﴾، وإن كانت موصولة كانت في موضع رفع بالابتداء وعائدها محذوف، أي: آتيتموه.
وقرئ: (وما آتيتم) بالمد (١)، بمعنى: وما أعطيتم من هدية أهديتموها لتعوضوا أكثر منها فلا ثواب لكم فيها عند الله، لأنكم إنما قصدتم إلى زيادة العوض، ولم تبتغوا في ذلك وجه الله، عن ابن عباس ﵄ (٢) وغيره.
وقرئ: بالقصر (٣)، بمعنى: وما جئتم به، وهي في المعنى يَؤُول إلى
стр. 2911
قول من مد، لأن مجيئهم لذلك إنما هو على وجه الإِعطاء، قاله أبو علي (١).
وقوله: ﴿لِيَرْبُوَ﴾ قرئ: بياء مفتوحة مع فتح الواو (٢)، على إسناد الفعل إلى ضمير الربا المخبر عنه في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾، وفَتْحُ الواوِ فيه عَلَمٌ للنصب، وقرئ: (لِتُربوْا) بتاء مضمومة مع إسكان الواو (٣)، على إسناد الفعل إلى ضمير الجماعة المخاطبين، وسقوط لامه لالتقاء الساكنين، وحَذْفُ نونِهِ عَلَمٌ للنصب، والمعنى: لتصيروا ذوي ربا، أي: زيادة، من أربى، إذا صار ذا ربا، أو لتزيدوا في أموالهم، كقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٤)، أي: يزيدها.
وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ القول في (ما) كالقول فيما سلف الآن، و ﴿تُرِيدُونَ﴾ في موضع الحال.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ رجوع من الخطاب إلى الغيبة، وإنما فعل ذلك لأجل التعميم، أي: كل من فعل ذلك فسبيله سبيلهم.
والجمهور على كسر عين ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ على معنى: أنهم ذوو الأضعاف من الحسنات، والمضعِف: صاحب المضاعفة، ونظير المضعف: المقوي والموسر، لصاحب القوة واليسار. وقرئ: (هم المضعَفون) بفتح العين (٥)، من أضعفت الشيء، فأنا مضعِف، وذاك مضعَف.
стр. 2912
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾:
قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ابتداء وخبر، وقد جوز أن يكون ﴿الَّذِي﴾ صفة للمبتدأ، والخبر ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾ هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ، لأن معناه: من أفعاله.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ يجوز أن تكون موصولة، أي: بالذي كسبته أيديهم. وأن تكون مصدرية، أي بكسب أيديهم.
وقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ من صلة ﴿ظَهَرَ﴾، أي: لتصير حالهم إلى ذلك. وقرئ: (ليذيقهم) بالياء (١) مسندًا إلى المنوي فيه ردًا إلى قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، وقرئ: بالنون (٢) على الإِخبار من الله جل ذكره عن نفسه بلفظ الجمع تعظيمًا وتبجيلًا.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ إما من صلة ﴿يَمْهَدُونَ﴾، أو من صلة ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾،
стр. 2913
أو من صلة محذوف دل عليه قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ و (مَن عَمِلَ)، والتقدير قضى الله ذلك، أو قدر ذلك ليثيبهم، فعلى هذا يجوز لك أن تقف على ﴿يَمْهَدُونَ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ انتصاب ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ على الحال.
وقوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ يجوز أن يكون عَطْفًا على ﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ على معنى: ومن علامات قدرته إرسال الرياح وإذاقة الرحمة، وأن يكون عطفًا على [﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ على] المعنى: والتقدير يرسل الرياح ليبشركم وليذيقكم. وأن يكون من صلة محذوف تقديره: وليذيقكم من رحمته يرسلها. وأن يكون من صلة قوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ على أن تكون الواو صلة.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصب قوله: ﴿حَقًّا﴾ يحتمل أوجهًا:
أن يكون خبرًا لكان، وفي اسمها وجهان، أحدهما: المنوي في ﴿كَانَ﴾، فيوقف على ﴿حَقًّا﴾ على معنى: وكان الانتقام منهم حقًا، ثم يبتدأ ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. والثاني: ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فيكون قوله: ﴿عَلَيْنَا﴾ على هذا إما صفة لحق، فيكون فيه ذكر يرجع إليه، أو صلة له كقوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾ (١)، و ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ (٢)، فيكون خاليًا من الذكر، ولا يجوز أن
стр. 2914
يكون من صلة ﴿نَصْرُ﴾، لأنه مصدر ومعمول المصدر لا يتقدم عليه.
وأن يكون حالًا أعني ﴿حَقًّا﴾، وذو الحال اسم كان وهو ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والعامل ﴿كَانَ﴾ على قول من جوز ذلك، و ﴿عَلَيْنَا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾.
وأن يكون مصدرًا على أن يكون في ﴿كَانَ﴾ ضمير الشأن، و ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر ﴿كَانَ﴾.
ويجوز في في الكلام رفع حق على أنه اسم ﴿كَانَ﴾ لأنه موصوف بقوله: ﴿عَلَيْنَا﴾، ونصب (نصر) على خبر ﴿كَانَ﴾، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر، ويضمر في ﴿كَانَ﴾ الشأن أو الأمر، والجملة في موضع نصب بخبر كان.
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾:
قوله : ﴿كِسَفًا﴾ مفعول ثانٍ، وهو جمع كِسْفَةٍ، كسِدَرٍ في سِدْرَةٍ، وهي القطعة من السحاب، وقرئ: (كِسْفًا) بإسكان السين (١)، وهو جمع كِسْفة أيضًا كسِدْرَةٍ وسِدْرٍ. ولا يجوز أن يكون مصدرًا، أي: ذا كِسْفٍ، كما زعم بعضهم (٢)، لأن المصدر كِسْفٌ.
وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (يخرج) في موضع الحال، لأن الرؤية من رؤية البصر، والضمير في ﴿خِلَالِهِ﴾ للسحاب، أي: من وسطه، وقد جَوَّزَ أبو علي أن يكون لِلْكِسَفِ (٣).
стр. 2915
وقرئ: (من خَلَلِه) (١)، وهو مفرد، وجمعه خلال كجبل وجبال. وقد جوز أن يكونا مفردين كالصَّلا والصِّلاء (٢).
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (إن) هي المخففة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: وإن الأمر أو الشأن كان هؤلاء الذين أنزل عليهم الودق من قبل إنزاله لمبلسين، أي: لقانطين من المطر. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من باب التكرار للتوكيد، كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٣) وقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ (٤)، والضمير للمطر، أي من قبل إنزال المطر من قبل المطر، هذا مذهب أبي الحسن وغيره من علماء هذه الصناعة، قالوا: ومعنى التوكيد فيه: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم بأسهم وتمارى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك (٥).
وقيل: الضمير للسحاب (٦) أي من قبل إنزال الغيث من قبل السحاب.
وقيل: من قبل النبات وإن لم يجر له ذكر لدلالة المعنى عليه (٧).
وقيل: من قبل الاستبشار، دل عليه ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٨).
وعن أبي العباس: من قبل التنزيل من قبل المطر، يريد بالتنزيل
стр. 2916
القرآن (١)، فاعرفها وخذ منها ما صفا ودع ما كدر.
﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾:
قوله : (فانظر إلى أثر رحمة الله) قرئ: بالإِفراد (٢)، لكونه مضافًا إلى مفرد، وبالجمع (٣)، إذ المراد بالرحمة الكثرة لقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٤).
وقوله: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ الجمهور على الياء في قوله: (يحيي) النقط من تحته، والمنوي فيه لله جل ذكره، أو للأثر، وقرئ: (تحيي) النقط من فوقه مع إفراد الأثر (٥)، على أن المستكن فيه للأثر، وأنث لتأنيث لفظ الرحمة. وساغ ذلك مع امتناعهم أن يقولوا: أما ترى إلى غلام هند كيف تضرب زيدًا؟ بالتاء النقط من فوقه، لأن الرحمة قد يقوم مقامها أثرها، فإذا ذكرت أثرها فكأن الغرض في ذلك إنما هو هي، تقول: رأيت عليك النعمة، ورأيت عليك أثر النعمة، ولا يعبر عن هند بغلامها، لا تقول رأيت غلام
стр. 2917
هند، وأنت تعني أنك رأيتها، لأجل اللبس، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀.
ثم قال: وقوله: (كَيْفَ تُحْيي) جملة منصوبة الموضع على الحال حملًا على المعنى لا على اللفظ، وذلك أن اللفظ استفهام، والحال ضرب من الخبر، والاستفهام والخبر معنيان متدافعان، وتلخيص كونها حالًا أنه كأنه قال: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية الأرض بعد موتها، كما أن قوله:
٥١٠ - مَا زِلْتُ أَسعَى مَعَهُمْ وَأَخْتَبِطْ ... حَتَّى إِذَا جَاءَ الظَّلَامُ واخْتَلَطْ
جَاؤوا بِضَيْحٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ (١)
فقوله: هل رأيت الذئب قط، جملة استفهامية إلا أنها في موضع وصف الضيح حملًا على معناها دون لفظها، لأن الصفة ضرب من الخبر، فكأنه قال: جاؤوا بضيحٍ يشبه لونه لون الذئب. والضيح هو اللبن المخلوط بالماء، فهو يضرب إلى الخضرة والطلسة، انتهى كلامه (٢).
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾:
قوله : ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ اللام في (لَئِنْ) هي الموطئة للقسم دخلت على إن الشرطية، و ﴿لَظَلُّوا﴾ جواب القسم، وأغنى جواب القسم عن جواب الشرط. قال الخليل ﵀:
стр. 2918
والمعنى: لَيَظَلّنَّ (١). ولعمري صدق فيما زعم، لأنه شرط وجزاء، وذلك بابه الآتي دون الماضي، وكذا ﴿أَرْسَلْنَا﴾ بمعنى نرسل.
والضمير في (رأوه) المفعول للنبات، وقيل: للأثر، وقيل: للسحاب، لأن السحاب إذا اصفر لم يمطر (٢).
وانتصاب قوله: ﴿مُصْفَرًّا﴾ على الحال، لا على أنه مفعول ثانٍ كما زعم بعضهم، لأن الرؤية هنا من رؤية العين دون القلب.
وقوله: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حال مؤكدة.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾:
قوله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾ ظرف لقوله: ﴿يُقْسِمُ﴾. ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾: هي اللام الموطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، و ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب القسم، لأن الاهتمام به لتقدمه سد مسد الجوابين، أعني جواب القسم وجواب الشرط، وقد ذكر آنفًا.
وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ في موضع جزم بالنهي مؤكد بالنون الشديدة،
стр. 2919
وقرئ: بالنون الخفيفة (١). وقرئ: (لا يستحقنك) بالحاء والقاف مكان الخاء والفاء (٢)، قال أبو الفتح: أي لا يغلبُنَّك فيصيروا أحق بك منك بنفسك، هذا محصول هذه القراءة فاعرفه (٣).
هذا آخر إعراب سورة الروم
والحمد لله وحده
стр. 2920
إعراب سُورَةُ لُقْمَانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾:
قوله سبحانه: ﴿الم﴾ قد مضى الكلام على (الم) في غير موضع.
وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ابتداء وخبر، ولك أن تجعل ﴿تِلْكَ﴾ خبر ﴿الم﴾ على قول من جعلها اسمًا للسورة، و ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ بدل من ﴿تِلْكَ﴾ وقد ذكر نظيره بأشبع من هذا (١).
وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ قرئ: بالنصب (٢) على الحال، وذو الحال ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، والعامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإِشارة، ولا يكون ذو الحال ﴿الْكِتَابِ﴾ لعدم العامل. وبالرفع (٣) على أنه خبر بعد خبر، أي: تلك آيات الكتاب هدى ورحمة، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو هدى ورحمة.
стр. 2921
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾:
قوله : ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الإِضافة بمعنى (مِنْ)، كثوب خز، وخاتم حديد، لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، كما أن المذكورين كذلك.
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾ من صلة ﴿يَشْتَرِي﴾، وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في موضع الحال من المنوي في قوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾ أو ﴿يَشْتَرِي﴾، أي: جاهلًا.
وقوله: (ويتخذُها) قرئ: بالرفع (١) عطفًا على ﴿يَشْتَرِي﴾، وبالنصب (٢) عطفًا على ﴿لِيُضِلَّ﴾، والفعلان المرفوع وهو ﴿يَشْتَرِي﴾ والمنصوب وهو ﴿لِيُضِلَّ﴾ كلاهما في صلة الموصول، ونهايته ﴿هُزُوًا﴾.
وأما الضمير المنصوب في ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ فقيل: للسبيل، لأنها مؤنثة، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٣)، وقد تُذَكَّر. وقيل: للحديث، لأنه بمعنى الأحاديث، وقيل: لآيات الكتاب. وقيل: لآيات الله (٤).
وقوله: ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ (مستكبرًا) حال من المنوي في ﴿وَلَّى﴾، وأما الكاف في ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ ففي موضع نصب على الحال، إما من المستكن في ﴿وَلَّى﴾، أو من المستتر في ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ أي: أعرض
стр. 2922
عنها متعظمًا مشبهًا من لم يسمعها، وكذا: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ﴾ في موضع الحال، إما من المنوي في (لم يسمع)، أو من الذكر في مشبهًا، أو ﴿وَلَّى﴾ أو ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾. وقد جوز أن يكونا مستأنفين (١) وهو من التعسف لما فيه من هجنة الإِعراب، لأن فائدة التولية منوطة بهما، وكلاهما كالمفسر لها. وأن في كأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن والحديث، أي: كأنه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾:
قوله : ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ﴾ ارتفاع قوله: ﴿جَنَّاتُ﴾ على الفاعلية بالظرف على المذهبين (٢) لجريه خبرًا على المبتدأ، كقولك: إن زيدًا في الدار أبوه. لا على الابتداء كما زعم بعضهم، وأما انتصاب ﴿خَالِدِينَ﴾ فعلى الحال من الضمير المجرور باللام.
وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ قيل: مصدران مؤكدان، الأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره، لأن قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ في معنى: وعدهم الله جنات النعيم، فأكد معنى الوعد بالوعد. وأما ﴿حَقًّا﴾ فدال على معنى الثبات أكد به معنى الوعد، أي: حق ذلك لهم حقًا، ومؤكدهما جميعًا قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٣).
стр. 2923
وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (بغير عمد) في موضع الحال، إما من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، أو من ضميرها في ﴿تَرَوْنَهَا﴾، أي: خالية عن عمد.
وأما ﴿تَرَوْنَهَا﴾ ففيها أوجه:
أن تكون في موضع جر على النعت لـ ﴿عَمَدٍ﴾، أي: بغير عمد مرئية، على معنى: أن لها عمدًا ولكنكم لا ترونها، وهي إمساكها بقدرته سبحانه، والضمير المنصوب على هذا في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ يكون للعمد.
وأن تكون في موضع نصب على الحال من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ولا عمد ثَمّ البتة، والضمير فيه للسماوات.
وأن تكون في موضع رفع على القطع والاستئناف، على معنى: أنتم ترونها ولا عمد ثَمَّ أيضًا، والضمير للسماوات أيضًا.
وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ الإِشارة إلى ما ذكر من المخلوقات، والخلق بمعنى المخلوق، كضَرْبِ الأميرِ في قولهم: هذا درهم ضَرْبُ الأميرِ.
وقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: كراهة أن تميد بكم.
وقوله: ﴿فَأَرُونِي﴾ يجوز أن يكون منقولًا من رأيت المتعدي إلى مفعولين، وأن يكون منقولًا من رأيت المتعدي إلى مفعول واحد، فإذا فهم هذا فالياء المفعول الأول.
وقوله: ﴿مَاذَا﴾ محل (ما) إما الرفع بالابتداء على أنه استفهام وخبره (ذا) وهو بمعنى الذي، أي: ما الذي خلقه الذين من دونه؟ وإما النصب بخلق على أن (ما) و (ذا) بمجموعهما اسم واحد، أي: أي شيء خلق الذين من دونه؟ وتكون الجملة في كلا التأويلين قد سدت مسد ما يقتضيه (أروني).
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
стр. 2924
لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ (لقمان) اسم أعجمي، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف مع ما في آخره من الزائدتين (١)، ومن قال أنه فعلان من اللقم (٢)، فحكمه حكم عثمان في منع الصرف.
و﴿أَنِ﴾ هي المفسرة بمعنى أي، [أي] وقلنا له أن اشكر لله. وعن أبي الحسن: أمرناه بأن يشكر لله (٣). وقيل: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ بدل من الحكمة، كأنه قال: ولقد آتيناه الشكر لله.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط وهو ﴿يَشْكُرْ﴾، أو الجواب وهو ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ ﴿إِذْ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا للإيتاء، أي: ولقد آتيناه الحكمة إذ قال، لأن هذه الموعظة حكمة، وهو قول أبي إسحاق ﵀ (٤). وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: واذكر إذ قال، فيكون مفعولًا به وهو الوجه، لأجل العاطف الذي معه.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ الواو للحال. ﴿يَابُنَيَّ﴾ تصغير على سبيل الشفقة والمحبة، وقد مضى الكلام على ما فيه من صنعة الإِعراب في "هود" (٥).
стр. 2925
وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا﴾ (الوَهْنُ) مصدر قولك: وَهَنَ فلانٌ يَهِنُ وَهْنًا، إذا ضعف، ووَهَنَهُ غيرُهُ، يتعدى ولا يتعدى، وأنشد:
٥١١ - . . . . . . . . . . . ... إِنَّنِي لَسْتُ بمَوْهُونٍ فَقْرِ (١)
فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿وَهْنًا﴾ مصدر في موضع الحال إما من الهاء في ﴿حَمَلَتْهُ﴾ على قول مَن جعله مِن صفة الولد، على معنى أن يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة على ما فسر (٢)، أي: واهنًا، أو ذا وهن، أو موهونًا. أو من: الأُم (٣) على قول من جعله من صفتها، أي: واهنة، أو ذات وهن، أو موهونة، على معنى: أنها في أول حملها تضعف بعض الضعف، ثم يتزايد ضعفها مدة الحمل، لأن الحمل كلما ازداد وعظم، ازدادت ثقلًا وضعفًا، وقد جوز أن يكون ظرفًا على معنى: في وقت بعد وقت (٤).
وقال أبو جعفر: هو مفعول ثانٍ لـ ﴿حَمَلَتْهُ﴾ على تقدير حذف حرف الجر، أي: حملته بضعف (٥)، وهذا ليس بشيء عند المنصف المتأمل، لوجود الضعف مدة الحمل متزايدًا وناقصًا.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا
стр. 2926
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾:
قوله : ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ابتداء وخبر. وقرئ: (وفصله) (١)، والفصال والفصل لغتان في الفطام هنا. فإن قلتَ: ما معنى قولك: هنا؟ قلت: لأنهما يستعملان في غير الفطام، وهنا يختصان بالرضاع، أي: فطامه في مدة حولين.
وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ يجوز أن تكون المفسرة بمعنى (أي)، وأن تكون المصدرية، فتكون في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته. وقيل: في موضع جر على البدل من (والديه) وهو بدل الاشتمال، كأنه قيل: وصينا الإِنسان بالشكر.
وقوله: ﴿مَعْرُوفًا﴾ أي: بمعروفٍ، أو مصاحبًا معروفًا، يقال: صاحبت فلانًا مصاحبًا ومصاحبة، كذا ذكره أبو إسحاق (٢) فليس قول من قال (٣): إنه نعت لمصدر محذوف - أي: صِحابًا معروفًا - بمستقيم، لأن صِحابًا جمع صاحب، كجائع وجياع، وليس بمصدر صاحب، قال:
٥١٢ - . . . . . . . . . . . . ... وقال صِحابي قد شَأَوْنَكَ فاطْلُبِ (٤)
فاعرفه.
﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي
والجمهور على ضم كاف قوله: ﴿فَتَكُنْ﴾ وهو الوجه، لأنه من الكون، وقرئ: (فَتَكِنْ) بكسر الكاف (١)، من قولهم: وَكَنَ الطائر يَكِنُ وَكُوْنًا، إذا استقر في وكنته، وهي عشه الذي يأوي إليه، قال:
٥١٣ - وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا ... . . . . . . . . . . . . . (٢)
قال أبو الفتح: وكأنه من مقلوب الكَون، لأن الوكون الاستقرار، وعليه قالوا: قد تَكَوَّنَ في منزله واسْتَقَرَّ (٣).
وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ قرئ: بتشديد العين من غير ألف، وبتخفيفها مع الألف (٤)، وهما لغتان بمعنى، يقال: صعَّر خَدَّه وصاعره، أي: أماله من الكِبر. قال أبو عبيدة: وأصل هذا من الصَّعَر، وهو داء يأخذ الإِبل في أعناقها ورؤوسها فيلوي أعناقها، فشبه به الرجل المتكبر على الناس (٥).
وقوله: ﴿مَرَحًا﴾ هو مصدر قولك: مرِح الرجل يمرَح - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - مرحًا، إذا بطر. ونَصْبُهُ يحتمل أوجهًا: أن يكون مصدرًا مؤكدًا من معنى الفعل، كأنه قيل: ولا تمرح مرحًا. وأن يكون في موضع الحال، أي: مَرِحًا أو ذا مرح. وأن يكون مفعولًا له، أي لأجل التجبر والتكبر.
وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ الجمهور على وصل الألف، من القصد
стр. 2929
وهو العدل، أي: اعدل فيه حتى يكون مشيًا بين مشيين، ولا تتكبر ولا تدب دبيبًا، وقرئ: (وأَقصد) بقطع الهمزة (١). قيل: من أَقْصَدَ الرامي، إذا سدد سهمه نحو الرمية، أي: سدد في مشيك، وأَقْصَدَ السهمُ أيضًا، إذا أصاب فقتل مكانه.
وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ المفعول على رأي صاحب الكتاب محذوف، و ﴿مِنْ صَوْتِكَ﴾ صفة له، أي: انقص شيئًا منه. وعلى مذهب أبي الحسن ﴿مِنْ صَوْتِكَ﴾ هو المفعول، و ﴿مِنْ﴾ صلة (٢).
وقوله: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ إنما وحد الصوت ولم يجمع، لأنه مصدر يتضمن معنى الجنس والكثرة. والحمير جَمْعٌ كعبيد وكليب.
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ الجمهور على السين وهو الأصل، وقرئ: (وأصبغ) بالصاد (٣)، قلبت السين صادًا لأجل الغين، كما قالوا: سالح في صالح، وفي سقر: صقر.
وقرئ: (نِعَمَهُ) بالجمع والإضافة (٤)، وانتصاب قوله: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ على الحال، و (نِعَمَةً) بالإِفراد والتنوين (٥)، و ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ على الصفة، والمعنى واحد في القراءتين، ولا ترجيح لإحداهما على الأخرى، لأن نعمة وإن كانت مفردة في اللفظ فمعناها معنى الجمع، إذ المراد بها الجنس، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٦) لأن نعمة واحدة لا تحصى، وإنما الإِحصاء يكون في المتعدد.
стр. 2930
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ (ما) موصولة وهو اسم (أن)، و ﴿أَقْلَامٌ﴾ خبرها.
وقوله: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، ولا يجوز أن يكون حالًا من (ما) كما زعم بعضهم (١) لعدم العامل.
وقوله: (والبَحْرَ) قرئ: بالنصب (٢) عطفًا على اسم (أن)، وخبره ﴿يَمُدُّهُ﴾، والراجع إلى البحر الهاء من قوله: ﴿يَمُدُّهُ﴾، والتقدير: ولو أن شجر الأرض أقلام، ولو أن البحر يمده، على معنى: ولو وقع هذان.
وبالرفع (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما: معطوف على موضع (أن) واسمها، على معنى: ولو ثبت كون الأشجار أقلامًا وثبت البحر ممدودًا بسبعة أبحر.
فإن قلتَ: كيف جاز لك العطف على محل (أَنَّ) ومعمولها و (أنَّ) هنا مفتوحة، والمفتوحة لها موضع غير الابتداء بخلاف المكسورة؟ قلتُ: أجل
стр. 2931
الأمر كما ذكرت وزعمت، إِلا أن المفتوحة هنا بمنزلة المكسورة، لأن محلها الرفع على الفاعلية، والفاعل والمبتدأ سيان من حيث إن كل واحد منهما مخبر عنه، غير أن خبر الفاعل مقدم عليه، وخبر المبتدأ مؤخر عنه، فلما كان كذلك ساغ لك العطف على محل (أنَّ) ومعمولها هنا، كما يجوز لك في المكسورة لما ذكرت، بخلاف قولك: علمت أن زيدًا منطلق وعمرو، فاعرفه فإنه موضع، وما علمت أن أحدًا نبه عليه فيما اطلعت عليه، مع تجويزهم العطف على المحل هنا، ويدل على صحة العطف على المحل وأن الواو ليست بواو الحال قراءة من قرأ: (والبحرَ) بالنصب، وهو أبو عمرو وغيره (١)، لأنه عطف على (ما) لا محالة، فاعرفه فإنه قول أبي الفتح ﵀ (٢). قلت: ولا يمتنع أن يكون منصوبًا بإضمار فعل يفسره هذا الظاهر وهو ﴿يَمُدُّهُ﴾.
والثاني: مبتدأ وما بعده خبره، والجملة في موضع الحال على معنى: ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدودًا بسبعة أبحر. فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت أن الجملة في موضع الحال، [فأين الراجع منها إلى ذي الحال؟ ] قلت: ليس من شرط الجملة إذا كانت حالًا أن يكون فيها ذكر راجع إلى ذي الحال، بل يجوز أن تقول: أتيتك وزيد قائم، ولقيتك والجيش قادم، لأن الحال مفعول فيها فلا تحتاج الجملة إلى شيء من الدلالة على أنها مفعول فيها، وقد دلت الواو على ذلك، وكفاك دليلًا قول أمرئ القيس:
٥١٤ - وقد أغتدي والطير في وكناتها ... . . . . . . . . . . . . (٣)
فهذه الجملة في موضع الحال، وليس فيها ضمير يرجع إلى الفاعل ذي
стр. 2932
الحال، لأن حكم هذه حكم الظروف، وأنت إذا قلت: خرج زيد يوم الجمعة، فلم تحتج إلى شيء يرجع إلى زيد، فكذلك هذه لقيامها مقامها، فاعرفه.
وعن ابن مسعود ﵁: (وَبَحْرٌ يَمُدُّهُ) على التنكير مع الرفع (١)، ورفعه إما بالابتداء وخبره محذوف، أي: وهناك بحر من صفته كيت وكيت، والواو للحال. أو بالعطف على موضع أن ومعمولها على ما ذكر آنفًا في قراءة الجمهور.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون (وبحر) على قراءة ابن مسعود ﵁ معطوفًا على ﴿أَقْلَامٌ﴾؟ . قلت: مُنع ذلك، لأن البحر وما فيه من الماء ليس من حديث الشجر والأقلام، وإنما هو من حديث المداد، وهو ما يكتب به، تعضده قراءة من قرأ: (والبحر مداده) وهو جعفر بن محمد ﵄ (٢) وقرئ أيضًا: (والبَحْرُ يُمِدُّهُ) (٣) على التشبيه بإمداد الجيش.
قال صاحب الكتاب ﵀: وإذا نصبت البحر أو رفعته فالمعنى: فَكُتِبَ ما في تقدير الله، لنفد ذلك قبل نفاد المقدور (٤).
قال أبو علي ﵀: ونحو هذا من الجمل قد تحذف لدلالة الكلام عليها، كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ (٥) والمعنى: فضرب فانفلق، ومثله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٦) والمعنى: فحلق فعليه فدية، ومثله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ (٧) والمعنى: فذهب فألقى الكتاب فقرأته المرأة، أو قرئ عليها
стр. 2933
فقالت: يا أيها الملأ (١).
وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ محل الكاف الرفع لأنها خبر المبتدأ الذي هو ﴿خَلْقُكُمْ﴾، أي: إلا مثل بعث نفس واحدة، فحذف المضاف.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون الباء للحال، وذو الحال المنوي في ﴿تَجْرِي﴾ الراجع إلى الفلك، وأن تكون للسببية، فتكون من صلة ﴿تَجْرِي﴾، أي: تجري بسبب نعمة الله.
وقرئ: (بِنِعْمَاتِ الله) بالجمع مع إسكان العين (٢)، ويجوز فتحها وكسرها مع كسر الفاء، وذلك أن ما كان على فِعْلة ففي جمعه ثلاث لغات: فِعِلَات وفِعَلات وفِعْلَات، نحو: سِدْرَة وسِدِرَات وسِدَرَات وسِدْرات.
والجمهور على إسكان لام الفلك وهو المشهور في اللغة، وقرئ: بضمها (٣)، قال أبو الفتح: حكى أبو الحسن عن عيسى بن عمر قال: ما سُمِعَ أو قال: مَا سَمِعْنَا فُعْل إلا وقد سمعنا فيه: فُعُل، فقد يكون هذا منه أيضًا، انتهى كلامه (٤).
стр. 2934
وقوله: ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾ من صلة ﴿تَجْرِي﴾، و ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿دَعَوُا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾:
قوله : ﴿لَا يَجْزِي﴾ في موضع الصفة ليوم، والتقدير: لا يجزي فيه، ثم حذف الجار والمجرور، أو فحذف الجار ثم حذف الهاء، وقد ذكرا في غير موضع فيما سلف من الكتاب (١).
وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ يجوز في ارتفاعه أوجه:
أن يكون فاعلًا عطفًا على قوله: ﴿وَالِدٌ﴾، أي: ولا يجزي مولود، وقوله: ﴿هُوَ﴾ إن شئت جعلته مبتدأ و ﴿جَازٍ﴾ خبره، والجملة صفة لمولود، وإن شئت جعلته تأكيدًا للمنوي في ﴿مَوْلُودٌ﴾ ويكون ﴿جَازٍ﴾ صفة لمولود.
وأن يكون مبتدأ وإن كان نكرة، لأنه في سياق النفي، والجملة بعده الخبر، فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ فصلًا والخبر ﴿جَازٍ﴾؟ قلت: لا، لأجل أن الفصل لا يكون بين النكرتين.
وأن يكون اسم ﴿لَا﴾ على أن ﴿لَا﴾ بمعنى ليس كقوله:
٥١٥ - . . . . . . . . . . . . ... فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ (٢)
وإن كان قليلًا، أعني استعمال (لا) بمعنى (ليس)، والجملة بعده خبرها، فاعرفه فإنه موضع، والتقدير في الآية: لا يجزي والد عن ولده
стр. 2935
شيئًا، ثم حذف لدلالة الثاني عليه، والمعنى: لا يقضي عنه شيئًا، وقيل: لا يغني (١).
وقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الجمهور على فتح غين الغَرور وهو الشيطان، وقيل: الأمل (٢). وقرئ بضمها (٣)، وهو مصدر غره، وهو بمعنى الاغترار، أي: لا يغرنكم بالله اغتراركم وتمادي السلامة بكم.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ قال بعض النحاة (٤): هذه الآية تدل على أن الظرف يشبه الفعل، لأنه قال: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فأتى بالظرف وما ارتفع به، ثم قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فعطف الفعل والفاعل على الظرف وما ارتفع به. وعكسه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ (٥)، لأنه صَدَّر أولًا بالفعل والفاعل، ثم أتى بالظرف وما ارتفع به فعطفه عليه. قلت: والوجه أن يكون ارتفاع قوله: ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ بالابتداء، والظرف خبره، وإنما قدم للاهتمام به، والتقدير: عنده علم الساعة وأن ينزل الغيث، أي: وإنزال الغيث، فلما حذف (أن) ارتفع الفعل، كقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ على أحد الأوجه (٦). وقوله:
стр. 2936
٥١٦ - . . . . . . احْضَرُ الوَغَى ... . . . . . . . . . . (١)
وقد أوضحت في "الروم" عند قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ إن جعلت ما وذا اسمًا واحدًا كان في موضع نصب بـ ﴿تَكْسِبُ﴾، لأنه استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما ينصبه ما بعده، وإن جعلتهما اسمين، كان (ما) مبتدأ و (ذا) خبره، وهو بمعنى الذي، و ﴿تَكْسِبُ﴾ صلته، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿تَدْرِي﴾. و ﴿غَدًا﴾ ظرف لـ ﴿تَكْسِبُ﴾.
وقوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ خبر بعد خبر.
هذا آخر إعراب سورة لقمان
والحمد لله وحده
стр. 2937
إعراب سُورَةُ السَّجْدَةِ (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾:
قوله : ﴿الم﴾ رفع بالابتداء إن جُعِلَت اسمًا للسورة، والخبر ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾، أي: هذه السورة تنزيل الكتاب، أي: منزلةٌ، تسميةً للمفعول بالمصدر، كخلق الله، وضرب الأمير، يعني: ما نزله الله من الكتاب الذي وعدك بإنزاله.
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر بعد خبر، أو حال من المنوي في ﴿تَنْزِيلُ﴾. وقيل: من ﴿الْكِتَابِ﴾ (١)، وفيه نظر، لأجل العامل.
وإن لم تُجعل اسمًا للسورة كان ارتفاع قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ بالابتداء، والخبر ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، أو ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ على هذا اعتراض لا محل له، أو كلاهما خبر له، ولك أن تجعل ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حالًا من المنوي في ﴿فِيهِ﴾، لأنه خبر ﴿لَا رَيْبَ﴾، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ المجرور يعود إلى مضمون الجملة، أي: لا شك في ذلك في كونه
стр. 2938
منزلًا من الله، لم يتقوله محمد ﷺ ، وليس بشعر، ولا سحر، ولا أساطير الأولين كما زعم الجهلة من الكفرة.
وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (أم) للخروج من حديث إلى حديث، وهي التي تسميها النحاة منقطعة بمعنى بل والهمزة، أي: بل أيقولون افتراه محمد؟ أي: اختلقه من تلقاء نفسه.
وقيل: ﴿أَمْ﴾ هنا هي المتصلة، أي: يقولون إنه تنزيل من رب العالمين أم يقولون افتراه.
وقيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى الواو.
والوجه هو الأول وعليه الجمهور، وهو أن تكون المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة، لأنها استفهام مستأنف.
وقوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ (من ربك) في محل نصب على الحال، وهي حال مؤكدة كالتي في قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١)، وقولك: هو زيد معروفًا.
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ إن جُعِلت اللام من صلة ما قبلها لم يوقف على قوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وإن جُعلت من صلة محذوف على معنى أنزله لتنذر، وُقف على قوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.
وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ (ما) نافية والجملة صفة للقوم، والمعنى: لتنذر قومًا لم ينذرهم قبلك نذير، وذلك أن قريشًا لم يبعث الله إليهم رسولًا قبل محمد ﷺ على ما فسر.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ
стр. 2939
الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾:
قوله : ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (مما تعدون) في موضع النصب على النعت لألف، أو الجر على الصفة لسنة.
وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ محل (الذي) إما الرفع على إضمار هو، أو على أنه خبر بعد خبر، وإما النصب على إضمار أعني.
وقرئ: (خَلْقَهُ) بإسكان اللام (١)، ونصبه يحتمل أوجهًا.
أن يكون مفعولًا به أول و ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ثانيًا لأحسن، على تضمين و ﴿أَحْسَنَ﴾ معنى ألهم وعلم، والخلق على هذا بمعنى الخليقة، يقال: هم خليقة الله، وهم خلق الله، وهو في الأصل مصدر، أي: ألهم خلقه كل شيء.
وأن يكون مصدرًا دل عليه ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، لأن ذلك يدل على خَلَقَ، كأنه قيل: خلق كل شيء خلقًا.
وأن يكون بدلًا من ﴿كُلَّ﴾، وهو بدل الاشتمال، أي: أحسن خلق كل شيء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة.
وأن يكون منصوبًا على إسقاط الجار وهو (في)، أي: أحسن كل شيء في خلقه، يعضده ما روي عن ابن عباس ﵄ أن المعنى: أحسن في خلقه،
стр. 2940
أي: أحسن في فعله (١)
وأن يكون منصوبًا على التمييز، أي: أحسن كل شيء خلقًا ثم خلقه.
وأجاز أبو إسحاق رفعه على تقدير: ذلك خَلْقُهُ (٢). ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به، لأن القراءة سنة متبعة لا يجوز فيها ما يجوز في العربية.
فأما الضمير الذي أضيف (خلق) إليه فلله جل ذكره على الوجه الأول ليس إلا، وأما ما عداه فيجوز أن يكون أيضًا لله تعالى وهو الجيد، لأن المصدر إذا لم يسند إلى الفعل الذي انتصب عنه أضيف إلى الفاعل، نحو: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ (٣) و ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (٤) و ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ (٥)، وأن يكون لكل.
وقرئ: (خَلَقَهُ) بفتح اللام على أنه فعل ماض (٦)، ومحله إما النصب على أنه نعت لكل، وإما الجر على أنه نعت لـ ﴿شَيْءٍ﴾، والضمير المنصوب في ﴿خَلَقَهُ﴾ لكل أو لشيء على معنى: أن كل شيء خلقه فقد أحسنه على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة.
وقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ الجمهور على الهمز على الأصل، وقرئ (وَبَدَا) بغير همز (٧) على البدل، وحقه أن يجعل بين بين، لأن البدل في نحو هذا لا يقدم عليه إلا بما يسمع، كقوله:
٥١٧ - سالت هُذَيْلُ. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . (٨)
стр. 2941
قال أبو الفتح: ولو أسندت الفعل إلى نفسك على التخفيف القياسي لقلتَ: (بَدَاتُ) بألف لا همز في لفظها، وعلى البدل: بَدَيْتُ، كما حكي عنهم: قَرَيتُ، وأَخْطَيْتُ، انتهى كلامه (١).
وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾، والسلالة هنا: ما سُلّ من ظهور الرجال، والنسل: الولد، وسُمي نسلًا، لأنه ينسل منه، أي ينفصل منه ويخرج من صلبه، والمهين: الضعيف، والضمير في ﴿سَوَّاهُ﴾ للإِنسان. وقيل: للخلق. وقيل: للطين. وقيل للنسل. وقيل: للماء (٢).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾:
قوله : ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ العامل في ﴿أَإِذَا﴾ ما دل عليه معنى الكلام، والتقدير: أَنُبْعَثُ إذا ضَلَلْنا في الأرض؟ أي: بلينا فيها وهلكت أجسامنا وصارت ترابًا، أو غبنا في الأرض بالدفن فيها. ولا يجوز أن يكون معمول ﴿جَدِيدٍ﴾، لأن ما بعد (إنَّ) لا يعمل فيما قبلها، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٣).
والجمهور على فتح اللام، وقرئ: (ضَلِلْنَا) بكسرها (٤)، وهما لغتان بمعنى، يقال: ضَلَّ الشيءُ يَضِلُّ وَضَلِلَ يَضَلُّ ضلَالًا فيهما، إذا ضاع وهلَك.
وقرئ أيضًا: (صَلِلْنَا) بالصاد غير معجمة وكسر اللام (٥)، أي: تغيرنا
стр. 2942
وأَنْتَنّا، من صَلَّ اللحمُ يَصِلّ ويَصَلّ بكسر الصاد وفتحها صُلُولًا، إذا أَنْتَنَ مطبوخًا كان أو نيئًا، وأَصَلَّ إِصْلالًا مثله، والمعنى: إذا دُفِنَّا في الأرض وصَلَّتْ أجسامنا فيها.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ (لو) امتناعية وجوابها محذوف، والمعنى: لو رأيت ذلك لرأيت أمرًا عظيمًا، والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل مخاطب، والرؤيا: من رؤية العين، والمفعول محذوف، أي: ولو ترى أهوال القيامة، أو نحو ذلك، و ﴿إِذِ﴾ ظرف لـ ﴿تَرَى﴾، وهو لما مضى والمراد به الآتي، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن المُتَرَقَّبَ من الله جل ذكره بمثابة الموجود والمقطوع به في تحقيقه. و ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ خبره ﴿نَاكِسُو﴾.
وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ربنا، ومحل هذا المقدر المحذوف إما الرفع على أنه خبر بعد خبر لـ ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾، أو النصب على الحال من الضمير في ﴿نَاكِسُو﴾.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب قسم محذوف، و ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للجِنة والناس.
وقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يجوز أن يكون مفعول الذوق محذوفًا، أي: فذوقوا العذاب بسبب نسيان اللقاء، و ﴿هَذَا﴾ على هذا صفة للقاء أو لليوم، وأن يكون ﴿هَذَا﴾ هو المفعول، على معنى:
стр. 2943
فذوقوا هذا، أي: ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والهوان بسبب نسيان اللقاء، وأن يكون هو اللقاء وفي الكلام حذف مضاف، أي جزاء لقاء يومكم هذا، وهذا الوجه يمشي على رأي أهل الكوفة في إعمالهم الأول لكونه أسبق، فاعرفه فإنه موضع (١).
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾:
قوله : ﴿سُجَّدًا﴾ حال من الضمير في ﴿خَرُّوا﴾، أي: خروا لله ساجدين، وكذا ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حال من الضمير في ﴿وَسَبَّحُوا﴾، أي: حامدين له، وكذا ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي غير مستكبرين، ويجوز أن يكون مستأنفًا، أي: وهم لا يستكبرون، كما يَفْعَلُ مَنْ ﴿يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ (٢) وكذا ﴿تَتَجَافَى﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أي: متجافية جنوبهم.
وكذا ﴿يَدْعُونَ﴾ في موضع الحال أيضًا، أي: داعين ربهم. وقيل: هو بدل من ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾، ومعنى تتجافى جنوبهم: أي ترتفع وتنبو عن الفُرُش، وتجافَى الشيءُ عن الشيء، إذا تباعد ولم يلزمه، والمضاجع: جمع المضجع، وهو المكان الذي يُضطَجع عليه، والمضجع أيضًا: النوم، والمعنى: ترتفع أضلاعهم عن النوم فلا ينامون، وهم المتهجدون بالليل.
وقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا له، أي: داعين ربهم لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته، وأن يكون في موضع الحال، أي: خائفين وطامعين، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا من معنى (يدعون)، لأنه
стр. 2944
يدل على أنهم يخافون عذابه ويرجون رحمته، كأنه قيل: يخافون خوفًا ويطمعون طمعًا، فاعرفه فإنه نكتة.
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قرئ: (أُخْفِيَ) بفتح الياء (١)، على أنه فعل ماض مبني للمفعول، و ﴿مَا﴾ يجوز أن تكون استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿أُخْفِيَ﴾ مع ما اتصل به، والراجع إلى ﴿مَا﴾ هو القائم مقام الفاعل المنوي في ﴿أُخْفِيَ﴾، والجملة في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُ﴾، وأن تكون موصولة منصوبة بـ ﴿تَعْلَمُ﴾.
وقرئ: بإسكان الياء (٢) على أنه فعل مستقبل مبني للفاعل وهو الله سبحانه، و ﴿مَا﴾ إن جعلتها استفهامية كانت في موضع نصب بـ (أخفي)، أي: فلا تعلم نفس أي شيء أُخفي أنا لهم؟ والجملة أيضًا في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُ﴾، وإن جعلتها موصولة كانت في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُ﴾، ويكون مفعول (أخفي) محذوفًا وهو الذكر الراجع إلى ﴿مَا﴾، والتقدير: ما أخفيه أنا لهم.
وقوله: ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ في موضع نصب على الحال إما من المنوي في
стр. 2945
﴿أُخْفِيَ﴾ على قراءة من فتح الياء، أو من المحذوف الراجع إلى ﴿مَا﴾ على قراءة من أسكن الياء، أو من ﴿مَا﴾ إذا جعلتها استفهامية منصوبة بـ (أخفي)، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
والجمهور على إفراد القُرَّة لكونها مصدرًا، والمصدر جنس، والأصل في الأجناس أَلَّا تُجمع، وقرئ: (مِنْ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ) على الجمع (١)، على جعل القرة نوعًا من كونها مضافة إلى الأعين، وهي جماعة فجمعت لذلك، يقال: قَرَّتْ عَيْنُه تَقِرُّ وتَقَرُّ قُرَّة وَقَرُورًا فيهما بمعنى، وهو نقيض سَخِنَتْ، وَسَخَنَتْهَا نقيض قَرَّتْهَا.
وقوله: ﴿جَزَاءً﴾ منصوب على المصدر، أي: جوزوا ذلك جزاءً، ولك أن تجعله مفعولًا له، أي: من أجل الجزاء.
وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ يجوز أن يكون مصدرًا واقعًا موقع إنزال، وناصبه معنى قوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، كأنه نزلهم نزلًا، أي: إنزالًا، وأن يكون جمع نازل فيكون حالًا، وقد مضى الكلام عليه في "آل عمران" بأشبع ما يكون (٢).
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾: