قال أبو الفتح: ولو أسندت الفعل إلى نفسك على التخفيف القياسي لقلتَ: (بَدَاتُ) بألف لا همز في لفظها، وعلى البدل: بَدَيْتُ، كما حكي عنهم: قَرَيتُ، وأَخْطَيْتُ، انتهى كلامه (١).
وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾، والسلالة هنا: ما سُلّ من ظهور الرجال، والنسل: الولد، وسُمي نسلًا، لأنه ينسل منه، أي ينفصل منه ويخرج من صلبه، والمهين: الضعيف، والضمير في ﴿سَوَّاهُ﴾ للإِنسان. وقيل: للخلق. وقيل: للطين. وقيل للنسل. وقيل: للماء (٢).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾:
قوله : ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ العامل في ﴿أَإِذَا﴾ ما دل عليه معنى الكلام، والتقدير: أَنُبْعَثُ إذا ضَلَلْنا في الأرض؟ أي: بلينا فيها وهلكت أجسامنا وصارت ترابًا، أو غبنا في الأرض بالدفن فيها. ولا يجوز أن يكون معمول ﴿جَدِيدٍ﴾، لأن ما بعد (إنَّ) لا يعمل فيما قبلها، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٣).
والجمهور على فتح اللام، وقرئ: (ضَلِلْنَا) بكسرها (٤)، وهما لغتان بمعنى، يقال: ضَلَّ الشيءُ يَضِلُّ وَضَلِلَ يَضَلُّ ضلَالًا فيهما، إذا ضاع وهلَك.
وقرئ أيضًا: (صَلِلْنَا) بالصاد غير معجمة وكسر اللام (٥)، أي: تغيرنا
стр. 2942
وأَنْتَنّا، من صَلَّ اللحمُ يَصِلّ ويَصَلّ بكسر الصاد وفتحها صُلُولًا، إذا أَنْتَنَ مطبوخًا كان أو نيئًا، وأَصَلَّ إِصْلالًا مثله، والمعنى: إذا دُفِنَّا في الأرض وصَلَّتْ أجسامنا فيها.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ (لو) امتناعية وجوابها محذوف، والمعنى: لو رأيت ذلك لرأيت أمرًا عظيمًا، والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل مخاطب، والرؤيا: من رؤية العين، والمفعول محذوف، أي: ولو ترى أهوال القيامة، أو نحو ذلك، و ﴿إِذِ﴾ ظرف لـ ﴿تَرَى﴾، وهو لما مضى والمراد به الآتي، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن المُتَرَقَّبَ من الله جل ذكره بمثابة الموجود والمقطوع به في تحقيقه. و ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ خبره ﴿نَاكِسُو﴾.
وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ربنا، ومحل هذا المقدر المحذوف إما الرفع على أنه خبر بعد خبر لـ ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾، أو النصب على الحال من الضمير في ﴿نَاكِسُو﴾.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب قسم محذوف، و ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للجِنة والناس.
وقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يجوز أن يكون مفعول الذوق محذوفًا، أي: فذوقوا العذاب بسبب نسيان اللقاء، و ﴿هَذَا﴾ على هذا صفة للقاء أو لليوم، وأن يكون ﴿هَذَا﴾ هو المفعول، على معنى:
стр. 2943
فذوقوا هذا، أي: ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والهوان بسبب نسيان اللقاء، وأن يكون هو اللقاء وفي الكلام حذف مضاف، أي جزاء لقاء يومكم هذا، وهذا الوجه يمشي على رأي أهل الكوفة في إعمالهم الأول لكونه أسبق، فاعرفه فإنه موضع (١).
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾:
قوله : ﴿سُجَّدًا﴾ حال من الضمير في ﴿خَرُّوا﴾، أي: خروا لله ساجدين، وكذا ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حال من الضمير في ﴿وَسَبَّحُوا﴾، أي: حامدين له، وكذا ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي غير مستكبرين، ويجوز أن يكون مستأنفًا، أي: وهم لا يستكبرون، كما يَفْعَلُ مَنْ ﴿يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ (٢) وكذا ﴿تَتَجَافَى﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أي: متجافية جنوبهم.
وكذا ﴿يَدْعُونَ﴾ في موضع الحال أيضًا، أي: داعين ربهم. وقيل: هو بدل من ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾، ومعنى تتجافى جنوبهم: أي ترتفع وتنبو عن الفُرُش، وتجافَى الشيءُ عن الشيء، إذا تباعد ولم يلزمه، والمضاجع: جمع المضجع، وهو المكان الذي يُضطَجع عليه، والمضجع أيضًا: النوم، والمعنى: ترتفع أضلاعهم عن النوم فلا ينامون، وهم المتهجدون بالليل.
وقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا له، أي: داعين ربهم لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته، وأن يكون في موضع الحال، أي: خائفين وطامعين، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا من معنى (يدعون)، لأنه
стр. 2944
يدل على أنهم يخافون عذابه ويرجون رحمته، كأنه قيل: يخافون خوفًا ويطمعون طمعًا، فاعرفه فإنه نكتة.
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قرئ: (أُخْفِيَ) بفتح الياء (١)، على أنه فعل ماض مبني للمفعول، و ﴿مَا﴾ يجوز أن تكون استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿أُخْفِيَ﴾ مع ما اتصل به، والراجع إلى ﴿مَا﴾ هو القائم مقام الفاعل المنوي في ﴿أُخْفِيَ﴾، والجملة في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُ﴾، وأن تكون موصولة منصوبة بـ ﴿تَعْلَمُ﴾.
وقرئ: بإسكان الياء (٢) على أنه فعل مستقبل مبني للفاعل وهو الله سبحانه، و ﴿مَا﴾ إن جعلتها استفهامية كانت في موضع نصب بـ (أخفي)، أي: فلا تعلم نفس أي شيء أُخفي أنا لهم؟ والجملة أيضًا في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُ﴾، وإن جعلتها موصولة كانت في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُ﴾، ويكون مفعول (أخفي) محذوفًا وهو الذكر الراجع إلى ﴿مَا﴾، والتقدير: ما أخفيه أنا لهم.
وقوله: ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ في موضع نصب على الحال إما من المنوي في
стр. 2945
﴿أُخْفِيَ﴾ على قراءة من فتح الياء، أو من المحذوف الراجع إلى ﴿مَا﴾ على قراءة من أسكن الياء، أو من ﴿مَا﴾ إذا جعلتها استفهامية منصوبة بـ (أخفي)، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
والجمهور على إفراد القُرَّة لكونها مصدرًا، والمصدر جنس، والأصل في الأجناس أَلَّا تُجمع، وقرئ: (مِنْ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ) على الجمع (١)، على جعل القرة نوعًا من كونها مضافة إلى الأعين، وهي جماعة فجمعت لذلك، يقال: قَرَّتْ عَيْنُه تَقِرُّ وتَقَرُّ قُرَّة وَقَرُورًا فيهما بمعنى، وهو نقيض سَخِنَتْ، وَسَخَنَتْهَا نقيض قَرَّتْهَا.
وقوله: ﴿جَزَاءً﴾ منصوب على المصدر، أي: جوزوا ذلك جزاءً، ولك أن تجعله مفعولًا له، أي: من أجل الجزاء.
وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ يجوز أن يكون مصدرًا واقعًا موقع إنزال، وناصبه معنى قوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، كأنه نزلهم نزلًا، أي: إنزالًا، وأن يكون جمع نازل فيكون حالًا، وقد مضى الكلام عليه في "آل عمران" بأشبع ما يكون (٢).
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾:
стр. 2946
اختلف في الضمير في ﴿لِقَائِهِ﴾:
فقيل: للكتاب، فيكون المصدر مضافًا إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل، والتقدير: من لقاء موسى الكتاب.
وقيل: لموسى ﵇، فيكون مضافًا إلى الفاعل والمفعول محذوف وهو الكتاب، أو النبي ﵊، أو اسم الله جل ذكره، أي: من لقائه الكتاب، أو إياك، أو رَبَّه يوم القيامة وإن لم يره في الدنيا.
وقيل: لرسول الله ﷺ ، فيكون مضافًا إلى الفاعل أيضًا والمفعول محذوف وهو موسى ﵊، أي: فلا تكن في شك من لقائك موسى يوم القيامة، أو ليلة الإِسراء، أي: فلا تكن في شك من أنك لقيته ليلة الإِسراء.
وقيل: لِمَا لاقى موسى ﵇ من قومه من الأذى، فيكون مضافًا إلى المفعول والفاعل محذوف وهو موسى، أي: فلا تكن في مرية من لقاء ما لاقى موسى من قومه من الأذى والتكذيب، أو بالعكس، لأن من لقيته فقد لقيك. والخطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته (١).
وقوله: ﴿لَمَّا﴾ قرئ: بفتح اللام وتشديد الميم (٢)، وهو ظرف وفيه معنى الشرط، وأغنى الفعل المتقدم عن الجواب، والمعنى لما صبروا جعلناهم أئمة. وقرئ: (لِمَا) بكسر اللام وتخفيف الميم (٣)، وهي اللام الجارة متعلقة بجعلنا، و (ما) مصدرية، أي: وجعلنا منهم أئمة لصبرهم.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ (هو) يجوز أن يكون فصلًا، وجاز أن يكون
стр. 2947
فصلًا لأن المضارع يشبه الاسم، ولو كان مكان ﴿يَفْصِلُ﴾ فَصَلَ ما جاز أن يكون فصلًا، وقد مضى الكلام على "الفصل" فيما سلف من الكتاب بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (١).
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾:
قوله : ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ في فاعل الفعل وجهان:
أحدهما: ضمير اسم الله جل ذكره، تعضده قراءة من قرأ: (أو لم نهد لهم) بالنون (٢).
والثاني: ما دل عليه ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، أي: أو لم يهد لهم كثرة إهلاكنا القرون الماضية، وقيل التقدير: أو لم يهد لهم الهدى. وقد مضى الكلام على هذا في سورة "طه" (٣).
وعن الفراء: أن فاعله هو ﴿كَمْ﴾ (٤)، وهو خطأ عند أصحابنا لأن (كم) لا تقع فاعلة خبريةً كانت أو استفهامية، لأن لها صدر الكلام، و ﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بأهلكنا، والضمير في ﴿لَهُمْ﴾ لأهل مكة.
وقوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ في موضع الحال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾، أو من القرون المهلكين، والعامل فيها على الوجه الأول: ﴿يَهْدِ﴾، وعلى الثاني: إهلاكنا، والتقدير والمعنى على الوجهين: أو لم يهد لهم كثرة
стр. 2948
إهلاكنا القرون في حال مشيهم، أي: مشي المنبهين على النظر والاعتبار في مساكنهم، أي: في مساكن المهلكين، أو في حال مشي الهالكين في مساكنهم، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾:
قوله : ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ الجرز في اللغة: الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، كأنه انقطع عنها، أو انقطع عنها المطر، وفيها أربع لغات: جُرُزٌ، وجُرْزٌ، وجَرَزٌ، وجَرْزٌ، يقال: جرزت الأرض تجرز، إذا ذهب نباتها كأنها قد أكلته، من قولهم: ناقة جَروزٌ، إذا كانت تأكل كل شيء، ورجل جروز أيضًا، إذا كان يأتي على كل مأكول، قال الراجز:
٥١٨ - تَسْأَلُنِي عَنْ بَعْلِهَا أَيُّ فَتَى ... خبٌّ جَرُوزٌ إِذَا جَاعَ بَكَى (١)
ويقال أيضًا: سيف جُرُوزٌ وَجُرَازٌ، أي قَطَّاعٌ، وكذلك السنة الجَرُوزُ، ولا يقال للأرض التي لا تنبت كالسباخ: جرز، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾:
قوله : ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ (هذا) مبتدأ و ﴿مَتَى﴾ خبره (٢)
стр. 2949
و ﴿الْفَتْحُ﴾ نعت لـ ﴿هَذَا﴾ أو عطف بيان له، والمعنى: في أي وقت يكون إن كنتم صادقين في أنه كائن؟ و ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ يوم القيامة، وهو يوم الحكم والقضاء والفصل بين المؤمنين وأعدائهم على ما فسر (١). والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة السجدة
والحمد لله وحده
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ حال أو تمييز، وقد ذكر في غير موضع (١).
وقوله: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾: (من) صلة.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (اللائي) جمع التي، والأصل إثبات الياء بعد الهمزة لعدم التنوين، لأن قوله: (لائي) فاعل، فالياء لام الفعل، فالأصل إثباتها، ويجوز حذفها اجتزاء بالكسرة عنها، ويجوز تخفيف الهمزة على مذاق العربية وقلبها ياء، قال أبو علي: ومثل هذا البدل من الهمز لا يُقْدَم عليه إلا بسمع، انتهى كلامه (٢)، وقد قرئ بهن (٣).
وأما (تَظَّهَرون) فقرئ: (تُظَاهِرون) بضم التاء وتخفيف الظاء وكسر الهاء (٤)، من المظاهرة، والفعل وإن كان للرجل وحده، فإن القوم يستعملون هذا البناء للواحد نحو: عاقبت اللص، وداويت العليل، وعافاه الله، وكفاك دليلًا: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ (٥).
و(تَظَّاهرون) بفتح التاء وتشديد الظاء (٦)، والأصل تتظاهرون، فأدغمت التاء في الظاء بعد قلبها ظاء.
وكذلك من قرأ: (تَظَّهَرون) (٧) فالأصل تَتَظَهَّرون فأدغم.
стр. 2952
و (تَظَاهرون) بفتح التاء وتخفيف الظاء (١)، والأصل تتظاهرون، فحذفت إحدى التائين كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة، والمحذوفة هي الثانية دون الأولى، لأن التكرار والاستثقال كليهما بما حصل. واشتقاق ذلك كله من الظَّهْرِ، وهو قولهم: أنتِ عليَّ كظهر أمي (٢). و ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾: مفعول ثان لجعل.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ مفعولا جعل. وواحد أدعياء دَعِيّ، وهو فعيل بمعنى مفعول، وإنما جمع على أفعلاء وبابه ما كان منه بمعنى فاعل، نحو: تقي وأتقياء على التشبيه اللفظي، والدعي: من تَبَنَّيْتَهُ.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ من صلة الخبر والمعنى: أن قولكم أبناؤنا قول لا حقيقة له، لأن ادعاءكم نسب من لا حقيقة لنسبه قول بالفم، كقولك: هذا ما قلته بفيك ولم تعلمه بقلبك.
وقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾ ابتداء وخبر، وهو كناية عن المصدر وهو الدعاء أُضمر لدلالة الفعل عليه. و ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿أَقْسَطُ﴾، وهو أفعل من القسط، وهو العدل.
وقوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم، ويجوز في الكلام نصب (إخوانكم)، على معنى: فادعوهم إخوانكم. و ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ عطف على (إخوانكم).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ﴾، محل ﴿مَا﴾ إما الجر عطفًا على (ما) في قوله: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ﴾، أي: ولكن الجناح عليكم فيما تعمدت قلوبكم. وإما الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجُناحُ.
стр. 2953
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾:
قوله : ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: مثل أمهاتهم، كقولهم: أبو يوسف أبو حنيفة (١). أي: هن مثلهن في تحريم نكاحهن عليهم على التأبيد.
وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ مبتدأ، و ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل، والخبر ﴿أَوْلَى﴾، أو ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿أَوْلَى﴾ خبره، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول، و ﴿بِبَعْضٍ﴾ من صلة ﴿أَوْلَى﴾، لأن أفعل يعمل في الجار والمجرور، وكذا ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ من صلته، لأن الظرف تكفيه رائحة الفعل، و ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من صلة ﴿أَوْلَى﴾، على معنى: وأولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة، و ﴿مِنْ﴾ على هذا للتفضيل، أي: هم أحق منهم بالميراث، ويجوز أن يكون للتبيين، فيكون متصلًا بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾، والتقدير: وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض في الميراث من الأجانب.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾ (أن) وما اتصل بها في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، والمعنى: وأولو الأرحام أولى من الأجانب في كل شيء من ميراث وغيره إلا في الوصية، فإنهم أحق بها منهم، بشهادة قوله ﵊: "لَا وَصِيةَ لِوَارِثٍ" (٢).
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى
стр. 2954
ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ أي: واذكر حين أخذنا عهودهم على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم.
وقوله: ﴿لِيَسْأَلَ﴾ من صلة ﴿وَأَخَذْنَا﴾، وإن شئت من صلة محذوف، أي: فعلنا ذلك ليسأل الله الصادقين عن صدقهم.
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ﴾، فيه وجهان:
أحدهما: عطف على قوله: ﴿وَأَخَذْنَا﴾، لأنه إنما فَعَل ذلك ليثيب قومًا ويعذب آخرين.
والثاني: عطف على ما دلَّ عليه قوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ كأنه قيل: فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾:
قوله : ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ﴾ (إذ) يجوز أن يكون معمول النعمة، وقد ذكر نظيره في "آل عمران" و"المائدة" عند قوله: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ (١)، وعند قوله: ﴿إِذَا هُمْ﴾ (٢) بأشبع من هذا.
وقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ (إذ) بدل من (إذ) الأول.
стр. 2955
وقوله: (وتظنون بالله الظنونَ) قرئ: بغير ألف في الوصل والوقف (١)، وهو القياس إذ لا أصل للألف فيهما، كما يوقف على الرجل ونحوه إذا كان منصوبًا بالإِسكان من غير تشبيه بشيء.
وبزيادة ألف في الوقف دون الوصل (٢)، لأنه رأس آية، ورؤوس الآيات مشبهة عندهم بأواخر الأبيات من حيث كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع، لأن الوقف قد يزاد فيه ما لا يكون في الوصل، كالتضعيف وهاء السكت لبيان الحركة وغيرهما، مع موافقة الإمام مصحف عثمان ﵁، لأنه فيه بالألف.
وبزيادتها فيهما (٣)، على إجراء الوصل مجرى الوقف، ومثل ﴿الظُّنُونَا﴾ ﴿الرَّسُولَا﴾ و ﴿السَّبِيلَا﴾ في آخر السورة في جميع ما ذكرت، وما عدا هذه مما يشابهها فلا خلاف أنه بغير ألف في الوصل والوقف، نحو: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٤) و ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٥)، وشبههما.
وقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿ابْتُلِيَ﴾، وأن يكون من صلة ﴿وَتَظُنُّونَ﴾.
وقوله: ﴿زِلْزَالًا﴾ الجمهور على كسر الزاي، وقرئ: (زَلزالًا) بفتحها (٦)، وكلاهما مصدر، وذلك مما يختص به المضاعف، أعني الكسر
стр. 2956
والفتح، وأما غير المضاعف فلا يجوز فيه إلا الكسر، نحو: سَرْهَفْتُه سِرْهَافًا (١).
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ يَقُولُ﴾ (إذ) عطف على الأول، ومثله ﴿إِذْ قَالَتْ﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ مفعول به ثان لوعد.
وقوله: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ اختلف في (يثرب)، فقيل: اسم المدينة مدينة الرسول ﵊. وقيل: اسم أرض والمدينة في ناحية منها (٢). ولم ينصرف للتعريف والتأنيث مع وزن الفعل.
﴿لَا مُقَامَ﴾ قرئ: بفتح الميم وضمها (٣)، فمن فتح فهو اسم مكان، أي: لا مكان لكم تقيمون فيه، ومن ضَمَّ فيحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى: لا إقامة لكم، وأن يكون اسم مكان بمعنى: لا موضع إقامة لكم فارجعوا إلى المدينة.
وقوله: ﴿مِنْهُمُ﴾ في موضع رفع على النعت لـ ﴿فَرِيقٌ﴾، و ﴿يَقُولُونَ﴾ صفة أيضًا لـ ﴿فَرِيقٌ﴾، أو حال منهم، أو تفسير للاستئذان.
وقوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ الجمهور على إسكان واو
стр. 2957
﴿بِعَوْرَةٍ﴾ في الموضعين، وقرئ: (عَوِرَةٌ) بكسرها (١)، يقال: عَوِرَ المكانُ يعْوَرُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر عَوَرًا، إذا وقع فيه خلل يتخوف منه، فهو عَوِرٌ، وبيوت عَوْرَةٌ وعَوِرَةٌ. فإذا فهم هذا، فمن كسر الواو فهو اسم الفاعل من عَوِرَ، ومن أسكنها فيجوز أن يكون مُسَكَّنًا منه، وأن يكون مصدرًا في الأصل أُسكن تخفيفًا، وفي الكلام حذف مضاف على هذا، أي: ذات عَوْرَةٍ، ويجوز أن يكون في موضع اسم الفاعل على السعة، كقولك: رجل عدل، أي ذو عدل، أَو عَادِل، وأما صِحَّةُ الواو فيه على قراءة من كسرها فلصحتها في الماضي، فاعرفه.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾: فعل ماض مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل المنوي فيه الراجع إلى المدينة أو إلى البيوت، والأصل: ولو دخل الأحزاب المدينة أو البيوت عليهم، أي: هم فيها، من قولك: دخلت على فلان داره، ثم ولو دُخلت المدينة، ثم ولو دُخلت. ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: من جوانبها (٢).
وقوله: ﴿لَآتَوْهَا﴾: جواب (لَوْ)، وقرئ: بالقصر من الإتيان (٣)، وهو
стр. 2958
المجيء، أي: لجاؤوها وفعلوها، من قولك: أتيت الشيء، إذا فعلته، والتقدير: ولو سئلوا فعل الفتنة وإتيانها لفعلوها.
وقرئ بالمد من الإيتاء (١)، وهو الإعطاء، أي: لأعطوا الفتنة سائليها، والمعنى: لو قيل لهم: كونوا على المسلمين مع المشركين لفعلوا [ذلك].
وقوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾ الضمير في بها للمدينة، أو للبيوت، أو للإِجابة، أي: وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلًا، أي: إلا زمانًا قليلًا، أو تلبثًا قليلًا.
وقوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾: جواب القسم، لأن قوله: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾ قسم أو بمنزلة القسم، والمعنى: لا ينهزمون.
وقوله: ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلا تمتعًا، أو زمانًا قليلًا.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾:
قوله : ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ يجوز هنا أن يكون لازمًا بمعنى: تعالوا إلى نصرتنا، وأن يكون متعديًا بمعنى: قربوا أنفسكم إلينا، ولا يثنى ولا يجمع عند أهل الحجاز، ويثنى ويجمع عند تميم (٢)، وهو صوت سمي به
стр. 2959
الفعل، وقد مضى الكلام عليه في سورة الأنعام بأشبع ما يكون (١).
وقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا إتيانًا، أو زمانًا قليلًا.
وقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ جمع شحيح، وهو البخيل المبالغ في البخل، وانتصابه على الحال، أو على الذم، وذو الحال الضمير في ﴿وَلَا يَأْتُونَ﴾ أي: ولا يأتون الحرب إلا إتيانًا قليلًا شحيحين عليكم بالظفر والغنيمة. وقيل: بالمعونة. وقيل: بالنفقة (٢). ولا يجوز أن يكون ذو الحال المنوي في ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، ولا المنوي في (القَائلينَ) كما زعم بعضهم (٣)، لأنه يكون داخلًا في صلة الألف واللام، وقد فرق بينهما بقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ وهو غير داخل في الصلة، اللهم إلا أن تجعل ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ في موضع الحال من المستكن في ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾، فحينئذ يجوز أن يكون، ﴿أَشِحَّةً﴾ حال من ذلك المنوي لكونه كله داخلًا في صلة الألف واللام من (القَائلينَ).
وقيل: ﴿أَشِحَّةً﴾ صفة لقوله: ﴿قَلِيلًا﴾.
وقوله: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (ينظرون) في موضع الحال، لأن الرؤية من رؤية العين، وكذا قوله: ﴿تَدُورُ﴾ في موضع الحال أيضًا، إن شئت كان حالًا بعد حال، وإن شئت كان حالًا من الضمير في ﴿يَنْظُرُونَ﴾. وكذا الكاف في قوله: ﴿كَالَّذِي﴾: في موضع الحال أيضًا من الضمير في ﴿يَنْظُرُونَ﴾، أي: رأيتهم ناظرين إليك دائرة أعينهم مشبهين للمَغْشِيّ عليه من الموت، ولك أن تجعل الكاف صفة لمصدر محذوف، أي: تدور أعينهم دورًا، أو دورانًا مثل دور أو دوران عين الذي يُغشَى عليه من الموت، ثم حذف ما قدرته للعلم به.
стр. 2960
وقوله: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: من حذر الموت، أو من خوف، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ نصب إما على الحال من الضمير المرفوع في ﴿سَلَقُوكُمْ﴾، أو على الذم، وقرئ: (أَشِحَّةٌ) بالرفع (١)، و (صلقوكم) بالصاد (٢)، ووجه كلتيهما ظاهر (٣).
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾:
قوله : ﴿يَحْسَبُونَ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضح الحال. و ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ في موضع المفعول الثاني للحسبان.
و﴿بَادُونَ﴾: جمع باد، والبادي: المقيم بالبادية مع الأعراب، والأعراب جمع عرب، وهم سكان البادية. وقرئ: (بدًّى) بتشديد الدال مع التنوين (٤)، وهو جمع باد، وفاعلٌ إذا كان صفة يجمع على فُعَّل، كغازٍ وغُزًّى، وفي التنزيل: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ (٥).
وقوله: ﴿فِي الْأَعْرَابِ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر بعد خبر، لأن البداوة قد لا تكون في الأعراب، فكأنه قال: يودوا لو أنهم
стр. 2961
بادون، ويودوا لو أنهم في الأعراب، والتقدير: ثابتون في جملة الأعراب، ثم حذف ثابتون فانتقل الضمير إلى الظرف.
وأن يكون في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿بَادُونَ﴾، أي: كائنين ومستقرين فيهم.
وأن يكون من صلة ﴿بَادُونَ﴾ على حد صلة الفعل إلى الفعل، لأن معنى بدوت: خرجت إلى البادية، وأصل ﴿بَادُونَ﴾ باديون، استثقلت الضمة على الياء المبدلة من الواو فسكنت الياء وبعدها الواو ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
﴿يَسْأَلُونَ﴾: حال من المنوي في ﴿الْأَعْرَابِ﴾ إن جعلته خبرًا بعد خبر أو حالًا، وإلا فلا، ويكون حالًا من الذكر في ﴿بَادُونَ﴾.
وقرئ: (يَسَّاءَلونَ) (١) وأصله يتساءلون، والمعنى: يقول بعضهم لبعض: ماذا سمعت؟ ماذا بلغك؟ أو يتساءلون الأعراب.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾:
قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرئ: بكسر الهمزة وضمها (٢)، وهما لغتان بمعنى، وهو ما يتأسّى به الحزين، وجمعها: إسىً وأُسىً، يقال: لي في فلان إِسوة وأُسوة، أي: قدوة، والإسوة اسم للتأسي، والقدوة: اسم للاقتداء، وهي اسم ﴿كَانَ﴾،
стр. 2962
و ﴿لَكُمْ﴾ خبرها. و ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ من صلة الخبر، أو من صلة ﴿كَانَ﴾ على قول من جوز ذلك، أو هو الخبر، و ﴿لَكُمْ﴾ تبيين وتخصيص.
وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يحتمل أوجهًا:
أن يكون بدلًا من ﴿لَكُمْ﴾ بإعادة الجار، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١). فإن قلت: كيف جاز أن يكون بدلًا وقد منعت النحاة البصريون إبدال الغائب من المخاطب؟ قلت: جَوَّزَ ذلك هنا ما فيه من التعميم، وذلك أن الخطاب ليس لقوم بأعيانهم، فلما كانوا كذلك نزلوا منزلة الغُيَّبِ، وجوزوا فيه ما لم يجوزوا في نظيره وهو البدل.
وأن يكون من صلة ﴿حَسَنَةٌ﴾ كأنه قيل: حسنت لمن كان يرجو الله.
وأن يكون صفة لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾ بعد صفة، أي: إسوة حسنة ثابتة لمن كان، فحذف اسم الفاعل فانتقل الذكر إلى الظرف، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿أُسْوَةٌ﴾ على أنها بمعنى التأسي كما زعم بعضهم (٢) لأنها قد وصفت بقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾، فلا يتعلق بها بعد الصفة ما هو الصلة، لأجل التفرقة بين الصلة والموصول بالصفة، وذلك غير جائز، وقد مضى الكلام على نحو هذا في "العنكبوت" عند قوله: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ بأشبع من هذا (٣).
و﴿كَثِيرًا﴾: صفة لمصدر محذوف، أي: ذكرًا كثيرًا.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)
стр. 2963
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾:
قوله : ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، المنوي في زاد للمَرْئِي، أي: وما زادوهم ما رأوا. وقيل: مجيء الأحزاب (١). وقيل: ما نزل بهم من الشدائد (٢).
وقوله: ﴿مَا عَاهَدُوا اللَّهَ﴾ (ما) موصولة في موضع نصب بقوله: ﴿صَدَقُوا﴾.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ يجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾. وأن يكون من صلة ﴿صَدَقُوا﴾ و ﴿عَاهَدُوا﴾ وقيل: من صلة ﴿وَعَدَنَا اللَّهُ﴾ وقيل: من صلة ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾. وقيل: من صلة ﴿ابْتُلِيَ﴾ (٣) وقيل: من صلة محذوف، أي: أمرنا بالوفاء ليجزي. وقيل: هي لام العاقبة (٤).
وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ الباء على بابه، أي: بسبب صدقهم. وقيل: هي بمعنى على، أي: ليجزيهم على صدقهم الجنة.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾:
стр. 2964
قوله : ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ عطف على قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ. .﴾ الآية (١). و ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ في موضع الحال، أي: ردهم وفيهم غيظهم على المسلمين، أي: مغتاظين عليهم. وقيل: الباء من صلة (ردهم).
و﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: الجملة في موضع الحال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيضًا، أي: غير ظافرين.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع في ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾، أي: كائنين منهم، لا متعلق بظاهر كما زعم بعضهم.
و﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ من صلة (أَنزَلَ)، والصَّياصي: الحصون التي يُمتنَع بها، واحدها صِيصِيَة. قيل: وأصل الصيصية قرن الثور، سمي بذلك لامتناعه به، ودفعه به عن نفسه، ويقال أيضًا لشوكة الحائك. صيصية، تشبيهًا بالقرن، قال دريد بن الصمة:
٥١٩ - فَجِئْتُ إِلَيْهِ والرِّمَاحُ تَنُوشُه ... كَوَقْعِ الْصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ (٢)
و﴿فَرِيقًا﴾ نصب بـ ﴿تَقْتُلُونَ﴾. والجمهور على كسر سين تأسِرون، وقرئ: بضمها (٣)، وهي لغية حكاها الفراء (٤).
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
стр. 2965
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾:
قوله : ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ الفاء وما بعدها جواب الشرط، و ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أمر لجماعة المؤنث. قال الخليل ﵀: الأصل في تَعالَ: ارتفعْ، ثم كثر استعمالهم إياه حتى قالوا للمتعالي: تعالَ، أي: انزِلْ (١).
وقوله: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ الجمهور على جزمهما، وجزمهما على جواب الأمر، وهو في الحقيقة جواب شرط محذوف. وحكي فيهما الرفع (٢) على القطع والاستئناف.
و﴿سَرَاحًا﴾ اسم واقع موقع التسريح.
وقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ﴾ الجمهور على الياء حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، وقرئ: (تأتِ) بالتاء (٣) حملًا على المعنى. وفي ﴿يُضَاعَفْ﴾ قراءات وجوهها ظاهرة (٤). و ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: نصب على المصدر.
стр. 2966
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ قرئ: بالياء (١) حملًا على لفظ (مَنْ). وبالتاء (٢) حملًا على معناها. ومثله ﴿وَتَعْمَلْ﴾ (٣). و ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: نصب على المصدر.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾:
قوله : ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قوله: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ شرط، وفي جوابه وجهان، أحدهما: ما تقدم وهو ﴿لَسْتُنَّ﴾، لأنه فعل. والثاني: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾، وهو قول أبي علي، لأنَّ (ليس) عنده حرف وليس بفعلٍ.
وقوله: ﴿كَأَحَدٍ﴾ ولم يقل: كواحدة، لأن أحدًا نفي عام يقع على المذكر والمؤنث والجمع بلفظ واحد، أبو إسحاق (٤).
وقوله: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ الجمهور على نصب العين على جواب النهي بالفاء، وقرئ: (فيطمعِ الذي) بالجزم (٥) عطفًا على محل فعل النهي وهو ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾، فكأنه قيل: لا تخضعن فلا يطمع الذي في قلبه مرض، فكلاهما منهي عنه، وكسر العين لالتقاء الساكنين.
стр. 2967
وعن ابن محيصن أنه قرأ: (فَيَطْمِعَ الذي) بفتح الياء وكسر الميم (١)، وأظنه وهمًا إما من المقرئ أو من القارئ، ولا يصح كسر الميم إلا مع ضم الياء وإسناد الفعل إلى ضمير الخضوع، دل عليه ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾، أو إلى ضمير القول، أي: فيطمع الخضوع، أو القول الذي في قلبه مرض (٢).
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾:
قوله : (وَقِرْنَ) قرئ: بكسر القاف (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما: من الوقار، وهو الحلم والرزانة. والفعل منه وَقَرَ فلان يَقِر بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر، وقارًا وقُرَّةً ووُقُورًا، فهو وقور، وحذفت الواو من المضارع لوقوعها بين ياء وكسرة كحذفها من يعد ويزِنُ وشبههما، والأمر منه لجماعة النساء: قِرْنَ، كعِدْنَ ونحوه مما تحذف منه الفاء وهي واو، ووزنه: علن. والمعنى: كُنَّ أهل وقارٍ وسكينةٍ وهدوء في بيوتكن.
والثاني: من القرار وهو الثبات، يقال: قَرَّ في منزله يَقِرُّ قَرَارًا، إِذا ثبت. والأمر منه في الأصل: اقْرِرْنَ بكسر الراء، فاستثقل اجتماع الراءين فنقلت كسرة الراء الأولى إلى القاف، وحذفت الراء الأولى لالتقاء الساكنين، وألف الوصل لتحرك القاف، فبقى (قِرْنَ) كما ترى، ووزنه (فلن).
стр. 2968
وقرئ: (وقَرْنَ) بفتحها (١)، وذلك يحتمل أوجهًا:
أن يكون من القرار وهو الثبات، والفعل منه: قَرِرْتُ أَقَرُّ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، والأصل: اقْرَرْنَ بفتح الراء الأولى، فنقلت حركة العين إلى الفاء، وحذفت العين لالتقاء الساكنين على ما ذكر آنفًا.
وأن يكون من قَرِرْتُ به عَيْنًا أَقَرُّه قُرَّةً وقَرُورًا، على معنى: واقْرَرْنَ عَيْنًا في بُيُوتِكُنَّ، ثم أُلقِيَتِ الحركة على ما سبق آنفًا.
وأن يكون من قَارَ يَقَارُ، إذا اجتمع، ومنه القَارَةُ، وهي قبيلةٌ سُمُّوا قارة لاجتماعهم والتفافهم، ومنه قول شاعرهم:
٥٢٠ - دَعونا قَارَةً لَا تُنْفِرُونَا ... . . . . . . . . . . . (٢)
فاعرفه فإنه موضع.
قوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أي: تبرجًا مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى.
وقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ منصوب إما على النداء، كقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ (٣) أو على المدح والاختصاص، وهو الوجه كقولهم: إِنَّا معشرَ العرب نفعل كذا (٤). وفي الحديث: "إنّا معاشرَ الأَنْبِيَاءَ لَا نُوَرثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ" (٥).
النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾:
قوله : ﴿وَتُخْفِي﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿تَقُولُ﴾، أي: تقول ذلك مخفيًا في نفسك ما الله مبديه، و ﴿مَا﴾ موصولة في موضع نصب بتخفي، وما بعده ابتداء وخبر صلته. ﴿وَتَخْشَى﴾: عطف على قوله: ﴿وَتُخْفِي﴾، وحكمه في الإعراب حكمه.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ اسم الله جل ذكره مبتدأ، وفي الخبر وجهان:
أحدهما: ﴿أَحَقُّ﴾، و ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ بدل من اسم الله بدل الاشتمال.
والثاني: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَحَقُّ﴾ خبره مقدم عليه، والجملة خبر عن اسم الله.
ولك أن تجعل اسم الله مبتدأ، ﴿أَحَقُّ﴾ خبره، و ﴿تَخْشَاهُ﴾ [في موضع نصب أو جر، أي: بأن تخشاه]، ولا بد من محذوف يتم به معنى الكلام تقديره: والله أحق من غيره بأن تخشاه أي: بالخشية، هذا إن قدرت ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ في موضع نصب أو جر، فإن قدرت أنه بدل أو ابتداء ثان كان التقدير: خشية الله أحق من خشية غيره.
ولا يجوز أن تقدر ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ في موضع جر بإضافة ﴿أَحَقُّ﴾ إليه، لأن أفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر مؤكد لما قبله، لأن ما قبله من قوله: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ يدل على أنه سَنَّ له ذلك سُنَّةً.
стр. 2971
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الجر على الوصف لـ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾، وإما الرفع على هم الذين. .، وإما النصب على أعني، والتقدير: الذين كانوا يبلغون، فحذف (كانوا) لدلالة ﴿خَلَوْا﴾ عليه.
وقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ منصوب على البدل أو على الاستثناء. و ﴿حَسِيبًا﴾: حال أو تمييز.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾:
قوله : ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الجمهور على تخفيف ﴿وَلَكِنْ﴾ ونصب، ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ عطفًا على ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾ على معنى: ولكن كان رسول الله، وقرئ: بالرفع (١)، على: ولكن هو رسول الله.
وقرئ: ﴿ولكنَّ﴾: بالتشديد (٢) على حذف الخبر، أي: ولكنَّ رسولَ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، أو من عرفتموه بأنه لم يكن أبا أحد من رجالكم، فحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه، وعليه قول الفرزدق - أنشده أبو الفتح -:
٥٢١ - فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زَنْجِيًّاعَظِيمَ المَشَافِرِ (٣)
أي: ولكنَّ زنْجِيًّا عظيمَ المشافِر لا تعرف قرابتي، فحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه.
стр. 2972
وقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ عطف على ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾، على معنى: ولكن كان خاتم النبيين، وقرئ: بكسر التاء (١)، على أنه اسم الفاعل من ختم فهو خاتِم، تعضده قراءة من قرأ: (ولكن نبيًا ختم النبيين) وهو ابن مسعود ﵁ (٢)، والمعنى معنى المضي، والإضافة محضة وليست في تقدير الانفصال.
وبفتحها (٣)، على أنه مصدر على معنى: ولكن رسول الله وخَتْمَ النبيين، كذا ذكرْ بعض المعربين (٤). وقيل: هو فعل كقاتل وضارب، على: خَتَمَهُمْ (٥). وقيل: هو اسم كالطابع، ولكن رسول الله وآخر النبيين، على معنى: أنه ﵊ خُتِم به النبيون لا نبي بعده (٦). ويجوز في الكلام رفعه على معنى وهو خاتمهم، وعن الفراء: أنه قد قرئ به (٧).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾:
стр. 2973
قوله : ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ظرفا زمان للذكر والتسبيح، أو للتسبيح فاعرفه.
وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (تحيتهم) مبتدأ، و ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ صلته، وفي خبره وجهان، أحدهما: ﴿سَلَامٌ﴾. والثاني: محذوف تقديره: تحيتهم يومئذ قولهم سلام عليكم.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ انتصاب قوله: ﴿شَاهِدًا﴾ على الحال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، وهي حال مقدرة، لأنه ﵊ لم يكن شاهدًا وقت الإرسال، وإنما يكون شاهدًا عندما تحمل الشهادة، أو عند أدائها. وما بعده من الأحوال إلى قوله: ﴿وَدَاعِيًا﴾ عطف عليه.
فأما قوله: ﴿وَسِرَاجًا﴾ فهو معطوف أيضًا، هذا على قول من ذهب إلى أن المراد به رسول الله ﷺ ، على: وهاديًا من ظلم الضلالة إلى نور الهدى، كالسراج الذي يستضاء به، وأما من قال: إن المراد به القرآن، فيحتمل أن يكون منصوبًا بمضمر، على: وتاليًا سراجًا، وأن يكون معطوفًا على الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، فيكون مفعولًا به، أو على ﴿شَاهِدًا﴾ على: وذا سراج، فيكون حالًا، فحذف المضاف، والسراج: ما يستضاء به، وهو اسم للتسريج وليس بالمصدر.
وقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ الزمخشري: يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول، يعني: ودع أن تؤذيهم بضرر أو قتل، وخذ بظاهرهم وحسابهم على الله في باطنهم، أو: ودع ما يؤذونك به ولا تجازهم عليه حتى تؤمر، انتهى كلامه (١).
﴿وَكِيلًا﴾ حال أو تمييز، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٢).
стр. 2974
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾:
قوله : ﴿مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ محل ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ إما الرفع على النعت لـ ﴿عِدَّةٍ﴾ على المحل، أو الجر على اللفظ، كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) وغيرِه. والجمهور على تشديد الدال، وهو تفتعلونها من العدد، على معنى: ليس لكم عليهن استيفاء عدة، من عددت الدراهم فاعتدَّها، وقرئ: (تَعْتَدُونَهَا) بتخفيف الدال (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: من عددت الشيء، إذا جاوزته، على معنى: ليس لكم عليهن من عدة تَعْتَدُون بها عليهن.
والثاني: أصله تَعْتَدُّونَها الذي من العدد، فحذف إحدى الدالين كراهة التضعيف، فتكون القراءتان بمعنى.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾:
قوله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ واختلف في ناصبها، فقيل: ناصبها ما قبلها وهو ﴿أَحْلَلْنَا﴾، أي: وأَحْلَلْنَا لك امرأةً مؤمنةً، وقيل: ناصبها
стр. 2975
محذوف، أي: ويحل لك امرأةً مؤمنةً، لأن قوله: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ شرط، والشرط لا يصح في الماضي، وإذا لم يصح الشرط في الماضي لم يصح الجزاء أيضًا، ألا ترى أنك لو قلت: إن قمت غدًا قمت أمس، لكنت مخطئًا، وقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا﴾ إخبار عن إحلاله الماضي، وإذا كان ذلك فلا يصح أن تقدر وأحْلَلْنَا لك امرأة مؤمنة إن وهبت، كما لا يصح قمت أمس إن قمت غدًا، وإذا كان كذلك ثبت أن ناصبها محذوف تقديره: ونحل لك امرأة مؤمنة إن وهبت، ليصح به الجزاء، كما تقول: أقوم إن قمت، وأخرج إن خرجت، فاعرفه فإنه ممَّا نُقل عن الشيخ أبي علي ﵀، وضُعِّفَ هذا ورُدَّ، وقيل: معنى الإحلال هنا الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك (١) كقولك: أبحت لك أن تعطي فلانًا إن شكرك، والمعنى: وأحللن لك من وقع لها إن تهب لك نفسها.
والجمهور على كسر ﴿إِنْ﴾ وهي الشرطية، وقرئ: (أَنْ وهبت) بفتحها (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: على إضمار اللام، أي: وأحَلَلْنَا لك امرأة مؤمنة لأن وهبت، أي: تحل له من أجل أن وهبت نفسها له.
والثاني: بدل من (امرأَةً)، وهو بدل الاشتمال.
والاستنكاح هنا بمعنى النكاح، وقيل: يستنكحها: يطلب نكاحها (٣). وقال ﴿لِلنَّبِيِّ﴾ ولم يقل لك، لإزالة اللبس والتوهم، وذلك أنه لو قال: إن وهبت نفسها لك، لجاز أن يظنّ ظانّ أنَّ ذلك يجوز لغيره، كما يجوز نكاح
стр. 2976
بنات العم وبنات الخال لغيره (١)، وذلك لا يجوز لغيره ﷺ ، وهو مذهب جمهور الفقهاء (٢).
وقوله: ﴿خَالِصَةً﴾ يجوز أن يكون مصدرًا كالخاطئة واللاغية، وكذلك خاصة، فيستوي فيهما لفظ المذكر والمؤنث، وأن يكون اسم فاعل من خَلَصَ الشيء يَخْلُصُ خُلُوصًا فهو خَالِصٌ، فإن جعلته مصدرًا جاز لك فيه أوجه: أن تنصبه عليه بمعنى خَلَص لك ذلك خلوصًا، وأن تجعله في موضع الحال من المنوي في ﴿وَهَبَتْ﴾، وأن تجعله صفة للمرأة، أو لمصدر محذوف، أي: هبة خالصة. وإن جعلته اسم الفاعل كان لك أن تجعله حالًا من المذكور آنفًا، وأن تجعله نعتًا للمذكورة أو للمذكور قبيل، فاعرفه فإنه موضع، وحكي فيها الرفع (٣)، أي: ذلك خالصة لك.
وقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ من صلة ﴿أَحْلَلْنَا﴾، وما بينهما اعتراض، أي: أحللنا لك هذه الأشياء المذكورة من المنكوحات لكيلا يكون عليك ضيق في دينك ولذة دنياك.
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾:
قوله : ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ (مَن) شرطية، ومحلها إما الرفع بالابتداء والخبر فعل الشرط وهو ﴿ابْتَغَيْتَ﴾، والتقدير: ابتغيتها، أو الجزاء وهو ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، والعائد محذوف، أي: فلا جناح عليك فيها، أو
стр. 2977
النصب بابتغيت، ولا حذف على هذا، لا مع الشرط ولا مع الجزاء.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ (ذلك) مبتدأ، و ﴿أَدْنَى﴾ خبره، و ﴿أَنْ تَقَرَّ﴾ في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته، والإشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تقدم من إباحة الله له ما أباحه فيهن.
والجمهور على فتح التاء والقاف في ﴿أَنْ تَقَرَّ﴾ ورفع قوله: ﴿أَعْيُنُهُنَّ﴾ به على الفاعلية، وقرئ: (أن تُقِرّ أَعْيُنَهُنَّ) بضم التاء وكسر القاف ونصب (أعينهن) (١)، ووجهها ظاهر، يقال: قَرَّتْ عَيْنُهُ تَقَرُّ وتَقِرُّ، خلافُ سخنت، وأَقَرَّ اللهُ عينَهُ، أي: أعطاه حتَّى تَقَرَّ، أي: تبرد ولا تسخن، فللسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة (٢). والمُقِرُّ أَعْينَهن، هنا هو النبيُّ ﷺ .
وحُكي أيضًا: ضم التاء وفتح القاف على البناء للمفعول ورفع ﴿أَعْيُنُهُنَّ﴾ على الفاعلية أيضًا (٣).
وقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ على أنه تأكيد للضمير في ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ أي: يرضين كلهن بما أعطيتهن، وقرئ بالنصب (٤)، على أنه تأكيد للضمير المنصوب في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾، وفي حرف عبد الله ﵁: (ويرضين كلُّهن بما آتيتهن) على التقديم (٥)، وهذه تعضد قراءة الجمهور.
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ
стр. 2978
أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ في محل الرفع عطفًا على ﴿النِّسَاءُ﴾، أي: ولا يحل لك التبدل.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ في محل النصب على الحال من المنوي في ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ أي: مفروضًا إعجابك بهن.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ﴿مَا﴾: يجوز أن تكون موصولة وعائدها محذوف، أي: إلا الذي مَلَكَتْهُ يمينُك من الإماء، وأن تكون مصدرية، أي: إلا مِلْك يمينك، [أي: مملوك يمينك] تسمية للمفعول بالمصدر، كخلق الله، وصيد الصائد، ومحلها في كلا التقديرين: إما الرفع على البدل من ﴿النِّسَاءُ﴾، أو النصب على الاستثناء، وقد جوز أن يكون الاستثناء من الجنس، وألا يكون من الجنس (١).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ في موضع نصب إما على الحال من الضمير في ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، أي: لا تدخلوا إلا مأذونًا لكم، أي: في حال
стр. 2979
الإذن، أو على الاستثناء، أي: لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت الإذن. وقيل: بأن يؤذن لكم (١). و ﴿إِلَى﴾ من صلة ﴿أَنْ يُؤْذَنَ﴾، ومعنى ﴿أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أن تُدْعَوْا، أي: يدعوكم رسول الله ﷺ إلى طعام.
وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ انتصاب قوله: ﴿غَيْرَ﴾ على الحال، وفي ذي الحال وجهان:
أحدهما: الضمير في ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا مأذونًا لكم، أو إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين.
والثاني: الضمير المجرور في ﴿لَكُمْ﴾، والعامل على هذا ﴿أَنْ يُؤْذَنَ﴾، ولا يجوز جَرُّ ﴿غَيْرَ﴾ عند أصحابنا البصريين على أن يكون وصفًا للطعام، لأنه كان يلزم فيه إظهار الضمير الذي في ﴿نَاظِرِينَ﴾، فيقال: إلى طعام غير ناظرين إناه أنتم، لأن اسم الفعل إذا جرى وصفًا، أو خبرًا، أو حالًا، أو صلة على غير من هو له لم يستتر فيه ضمير الفاعل كما يستتر في الفعل، تقول: مررت برجل تضربه وأضربه ويضربه، فلا تحتاج إلى إبراز أنت وأنا وهو لعدم اللبس، ولا تقول: مررت برجل ضاربه، وأنت تريد ضاربه أنت أو أنا أو هو حتى تبرز الضمير فتقول: أنت أو أنا أو هو، لينتفي اللبس، لأنك تجد اللفظ في اسم الفاعل واحدًا وإن كان في التقدير مختلفًا، بخلاف الفعل، لأن الفعل تلحقه علامات مختلفة تدل على اختلاف هذه الأحوال، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. وكذا هنا اسم الفاعل للمخاطبين، فإذا أجريته على الطعام كان جاريًا على غير ما هو له، فتحتاج إلى أن تبرز الضمير فتقول: غير ناظرين إناه أنتم، ومع هذا فقد قرأ به ابن أبي عبلة (٢) وليس بالوجه لما ذكر (٣).
стр. 2980
و ﴿إِنَاهُ﴾ هنا يجوز أن يكون مصدرًا، يقال: أنَى الطعام يَأْنِي إِنًى، إذا أدرك، وإِنْيُ الطعام: إدراكُهُ، أي: غير منتظرين إدراكه. وأن يكون ظرف زمان، يقال أيضًا: أَنَى يَأْنِي إِنًى، أي حان، أي: غير منتظرين وقت الطعام وحينه. وفيه ثلاث لغات: أَنى، وإِنى، وإناء. وقيل: هو مقلوب من آن يئين أينًا (١)، قدمت النون قبل الألف، وغيرت الهمزة إلى الكسرة، وأُنشد:
٥٢٢ - أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تُجَلَّى عَمَايَتِي ... وأُعْرِضُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا (٢)
فجمع بين اللغتين كما ترى.
وقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ يجوز أن يكون مجرورًا عطفًا على ﴿نَاظِرِينَ﴾، وأن يكون منصوبًا عطفًا على ﴿غَيْرَ﴾، على: ولا تدخلوها مستأنسين، أو ولا تمكثوا مستأنسين، فيكون حالًا.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ أي: إن ذلكم اللبث. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾: في الكلام حذف تقديره: فيستحيي منكم أن يأمركم بالخروج، يدل عليه ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني: أن أمره إياكم بالخروج حق، ما ينبغي أن يُستحيا منه، ومعنى ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾: لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق.
وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الضمير لنساء النبي ﷺ ولم يجر لهن ذكر في الآية، لأن الحال ناطقة بذكرهن لسبب ذكر البيوت، كأنه قيل: لا تدخلوها وفيها نساء.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ ابتداء وخبر، أي: كلامكم إياهن من وراء حجاب أطهر لقلوبكم.