← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

بنات العم وبنات الخال لغيره (١)، وذلك لا يجوز لغيره ﷺ ، وهو مذهب جمهور الفقهاء (٢). وقوله: ﴿خَالِصَةً﴾ يجوز أن يكون مصدرًا كالخاطئة واللاغية، وكذلك خاصة، فيستوي فيهما لفظ المذكر والمؤنث، وأن يكون اسم فاعل من خَلَصَ الشيء يَخْلُصُ خُلُوصًا فهو خَالِصٌ، فإن جعلته مصدرًا جاز لك فيه أوجه: أن تنصبه عليه بمعنى خَلَص لك ذلك خلوصًا، وأن تجعله في موضع الحال من المنوي في ﴿وَهَبَتْ﴾، وأن تجعله صفة للمرأة، أو لمصدر محذوف، أي: هبة خالصة. وإن جعلته اسم الفاعل كان لك أن تجعله حالًا من المذكور آنفًا، وأن تجعله نعتًا للمذكورة أو للمذكور قبيل، فاعرفه فإنه موضع، وحكي فيها الرفع (٣)، أي: ذلك خالصة لك. وقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ من صلة ﴿أَحْلَلْنَا﴾، وما بينهما اعتراض، أي: أحللنا لك هذه الأشياء المذكورة من المنكوحات لكيلا يكون عليك ضيق في دينك ولذة دنياك. ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾: قوله : ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ (مَن) شرطية، ومحلها إما الرفع بالابتداء والخبر فعل الشرط وهو ﴿ابْتَغَيْتَ﴾، والتقدير: ابتغيتها، أو الجزاء وهو ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، والعائد محذوف، أي: فلا جناح عليك فيها، أو

стр. 2977

النصب بابتغيت، ولا حذف على هذا، لا مع الشرط ولا مع الجزاء. وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ (ذلك) مبتدأ، و ﴿أَدْنَى﴾ خبره، و ﴿أَنْ تَقَرَّ﴾ في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته، والإشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تقدم من إباحة الله له ما أباحه فيهن. والجمهور على فتح التاء والقاف في ﴿أَنْ تَقَرَّ﴾ ورفع قوله: ﴿أَعْيُنُهُنَّ﴾ به على الفاعلية، وقرئ: (أن تُقِرّ أَعْيُنَهُنَّ) بضم التاء وكسر القاف ونصب (أعينهن) (١)، ووجهها ظاهر، يقال: قَرَّتْ عَيْنُهُ تَقَرُّ وتَقِرُّ، خلافُ سخنت، وأَقَرَّ اللهُ عينَهُ، أي: أعطاه حتَّى تَقَرَّ، أي: تبرد ولا تسخن، فللسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة (٢). والمُقِرُّ أَعْينَهن، هنا هو النبيُّ ﷺ . وحُكي أيضًا: ضم التاء وفتح القاف على البناء للمفعول ورفع ﴿أَعْيُنُهُنَّ﴾ على الفاعلية أيضًا (٣). وقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ على أنه تأكيد للضمير في ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ أي: يرضين كلهن بما أعطيتهن، وقرئ بالنصب (٤)، على أنه تأكيد للضمير المنصوب في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾، وفي حرف عبد الله ﵁: (ويرضين كلُّهن بما آتيتهن) على التقديم (٥)، وهذه تعضد قراءة الجمهور. ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ

стр. 2978

أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾: قوله : ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ في محل الرفع عطفًا على ﴿النِّسَاءُ﴾، أي: ولا يحل لك التبدل. وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ في محل النصب على الحال من المنوي في ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ أي: مفروضًا إعجابك بهن. وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ﴿مَا﴾: يجوز أن تكون موصولة وعائدها محذوف، أي: إلا الذي مَلَكَتْهُ يمينُك من الإماء، وأن تكون مصدرية، أي: إلا مِلْك يمينك، [أي: مملوك يمينك] تسمية للمفعول بالمصدر، كخلق الله، وصيد الصائد، ومحلها في كلا التقديرين: إما الرفع على البدل من ﴿النِّسَاءُ﴾، أو النصب على الاستثناء، وقد جوز أن يكون الاستثناء من الجنس، وألا يكون من الجنس (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾: قوله : ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ في موضع نصب إما على الحال من الضمير في ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، أي: لا تدخلوا إلا مأذونًا لكم، أي: في حال

стр. 2979

الإذن، أو على الاستثناء، أي: لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت الإذن. وقيل: بأن يؤذن لكم (١). و ﴿إِلَى﴾ من صلة ﴿أَنْ يُؤْذَنَ﴾، ومعنى ﴿أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أن تُدْعَوْا، أي: يدعوكم رسول الله ﷺ إلى طعام. وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ انتصاب قوله: ﴿غَيْرَ﴾ على الحال، وفي ذي الحال وجهان: أحدهما: الضمير في ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا مأذونًا لكم، أو إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين. والثاني: الضمير المجرور في ﴿لَكُمْ﴾، والعامل على هذا ﴿أَنْ يُؤْذَنَ﴾، ولا يجوز جَرُّ ﴿غَيْرَ﴾ عند أصحابنا البصريين على أن يكون وصفًا للطعام، لأنه كان يلزم فيه إظهار الضمير الذي في ﴿نَاظِرِينَ﴾، فيقال: إلى طعام غير ناظرين إناه أنتم، لأن اسم الفعل إذا جرى وصفًا، أو خبرًا، أو حالًا، أو صلة على غير من هو له لم يستتر فيه ضمير الفاعل كما يستتر في الفعل، تقول: مررت برجل تضربه وأضربه ويضربه، فلا تحتاج إلى إبراز أنت وأنا وهو لعدم اللبس، ولا تقول: مررت برجل ضاربه، وأنت تريد ضاربه أنت أو أنا أو هو حتى تبرز الضمير فتقول: أنت أو أنا أو هو، لينتفي اللبس، لأنك تجد اللفظ في اسم الفاعل واحدًا وإن كان في التقدير مختلفًا، بخلاف الفعل، لأن الفعل تلحقه علامات مختلفة تدل على اختلاف هذه الأحوال، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. وكذا هنا اسم الفاعل للمخاطبين، فإذا أجريته على الطعام كان جاريًا على غير ما هو له، فتحتاج إلى أن تبرز الضمير فتقول: غير ناظرين إناه أنتم، ومع هذا فقد قرأ به ابن أبي عبلة (٢) وليس بالوجه لما ذكر (٣).

стр. 2980

و ﴿إِنَاهُ﴾ هنا يجوز أن يكون مصدرًا، يقال: أنَى الطعام يَأْنِي إِنًى، إذا أدرك، وإِنْيُ الطعام: إدراكُهُ، أي: غير منتظرين إدراكه. وأن يكون ظرف زمان، يقال أيضًا: أَنَى يَأْنِي إِنًى، أي حان، أي: غير منتظرين وقت الطعام وحينه. وفيه ثلاث لغات: أَنى، وإِنى، وإناء. وقيل: هو مقلوب من آن يئين أينًا (١)، قدمت النون قبل الألف، وغيرت الهمزة إلى الكسرة، وأُنشد: ٥٢٢ - أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تُجَلَّى عَمَايَتِي ... وأُعْرِضُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا (٢) فجمع بين اللغتين كما ترى. وقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ يجوز أن يكون مجرورًا عطفًا على ﴿نَاظِرِينَ﴾، وأن يكون منصوبًا عطفًا على ﴿غَيْرَ﴾، على: ولا تدخلوها مستأنسين، أو ولا تمكثوا مستأنسين، فيكون حالًا. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ أي: إن ذلكم اللبث. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾: في الكلام حذف تقديره: فيستحيي منكم أن يأمركم بالخروج، يدل عليه ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني: أن أمره إياكم بالخروج حق، ما ينبغي أن يُستحيا منه، ومعنى ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾: لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق. وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الضمير لنساء النبي ﷺ ولم يجر لهن ذكر في الآية، لأن الحال ناطقة بذكرهن لسبب ذكر البيوت، كأنه قيل: لا تدخلوها وفيها نساء. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ ابتداء وخبر، أي: كلامكم إياهن من وراء حجاب أطهر لقلوبكم.

стр. 2981

وقوله: ﴿أَنْ تُؤْذُوا﴾ في موضع رفع باسم كان، ومثله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا﴾، أي: وما كان لكم في حكمه السابق نكاح أزواجه من بعده، أي: من بعد وفاته. وقيل: بعد طلاقه (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الجمهور على نصب الملائكة عطفًا على اسم ﴿إِنَّ﴾، والخبر ﴿يُصَلُّونَ﴾، ولا حذف، وعن بعض النحاة (٢): إن في الكلام حذفًا، والتقدير: إدن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون عليه، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، قال: ولا يجوز أن يكون قوله: ﴿يُصَلُّونَ﴾ متضمنًا لضمير الله جل ذكره والملائكة، لأن جمع الضمير في مثل ذلك يقتضي الاشتراك في الجنسية، والله تعالى منزه عن ذلك، واستدل على صحة ذلك بإنكار النبي ﷺ على رجل قال: "مَا شَاءَ الله وشِئْتَ" (٣). وقال: إن الواو كالجمع. وقرئ: بالرفع (٤) عطفًا على محل إن واسمها، وهو ظاهر على مذهب

стр. 2982

أهل الكوفة، وأما عند أهل البصرة فلا بد من حذف خبر الأول لدلالة ﴿يُصَلُّونَ﴾ عليه، على ما قدر وذكر آنفًا (١). وعن الحسن: (يا أيها الذين آمنوا فصلوا عليه) بزيادة الفاء (٢)، لما دخل في الكلام من معنى الشرط، لأنه إنما وجبت الصلاة منا عليه من أجل أن الله تعالى قد صلى عليه، فجرى بذلك مجرى قولك: قد زرتك فزرني، أي: إنما وجبت زيارتي عليك من أجل زيارتي إياك، وإذا قلت: قد زرتك زرني، فالوقوف على قد زرتك ثم تستأنف الأمر له بالزيارة، فاعرف الفرق بينهما (٣). ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾: قوله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (يدنين) في موضع جزم، لأنه جواب ﴿قُلْ﴾، وفيه أوجه، وقد ذكرتهن في "إبراهيم" عند قوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤) وهذا مثله، ومفعول الإدناء محذوف، أي: شيئًا من جلابيبهن، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ﴾ صلةً على رأي أبي

стр. 2983

الحسن، فتكون الجلابيب هي المفعول، أي: يُقَرِّبْنَ جلابيبهن من أنفسهن، وهي جمع جلباب، وهو الملحفة، وقيل: الرداء (١). وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ عطف على ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾، لأنه يجوز أن يقع جوابًا للقسم. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: إلا جوارًا قليلًا، أو وقتًا قليلًا. وأن يكون حالًا من المضمر المرفوع في ﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾، على: لَا يجاورونك في المدينة إلَّا أقلاء أذلاء (٢). وأما قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يجوز أن يكون حالًا بعد حال، وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿قَلِيلًا﴾ إذا جعلته حالًا، ولا يجوز أن يكون [حالًا] مما بعد (أين) كما زعم بعض النحاة، لأنها شرط، وما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. وأن يكون منصوبًا على الذم (٣). وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ منصوب على المصدر، أي سَنَّ الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا (٤)، كسنته في الذين مضوا من الأمم. وقوله: ﴿تَكُونُ قَرِيبًا﴾ الكلام في تذكير قريب، كقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ

стр. 2984

اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١)، لأن فعيلًا يستوي فيه التذكير والتأنيث. وقيل: هو ظرف زمان، أي: في قريب من الزمان (٢). وقيل: ذُكِّر حملًا على المعنى، لأن الساعة في معنى اليوم (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾: قوله : ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿لَهُمْ﴾. ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ﴾، أو لقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ أو لقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾. وأن يكون منصوبًا بإضمار اذكر، فيكون مفعولًا به، و ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ حال بعد حال، أو من المنوي في خالدين، وكذا ﴿يَقُولُونَ﴾ إذا لم تجعل ﴿يَوْمَ﴾ ظرفًا له، وذوو الحال (الوجوه) إذ المراد أصحابها، ولك أن تجعل ﴿يَجِدُونَ﴾ مستأنفًا. والجمهور على البناء للمفعول في قوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ﴾، وقرئ: (نُقَلِّبُ) بالنون ونصب (وجوهم) (٤)، على البناء للفاعل وهو الله ، أي: نقلب نحن. و(تُقَلِّبُ وجوهَهم) بالتاء النقط من فوقه، وكسر اللام ونصب الوجوه (٥)، على أن المنوي فيه للسعير، أي: تقلب السعير وجوههم في

стр. 2985

النار، وجاز إسناد الفعل إليها وإن كان المقلِّبُ هو الله جل ذكره للملابسة التي بينهما، أعني بين النار والوجوه حيث كانت فيها، كقولهم: نَهَارُكَ صَائِمٌ، ولَيْلُكَ قَائِمٌ (١)، وكفاك دليلًا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢). و(تَقَلَّبُ) بتاء واحدة مفتوحة (٣)، بمعنى تتقلب، والفعل للوجوه. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ قرئ: بفتح التاء (٤)، وهو جمع سيد، واقع على القليل والكثير لكونه مُكَسَّرًا، وقرئ: (سَادَاتِنَا). بالألف بعد الدال وكسر التاء (٥)، وهو جمع سادة، وإنما جمع الجمع تنبيهًا على كثرة المضلين والمغوين، ونظيره قولهم: الطرقات والجرزات وشبههما، قال أبو الحسن: لا يكادون يقولون سادات، وهي عربية (٦). وقوله: (لعنا كثيرا) قرئ: بالثاء (٧) لأنهم يلعنون لعنا بعد لعن، وذلك يقتضي الكثرة. وبالباء (٨) بمعنى عظيمًا. والقراءتان متقاربتان في المعنى وإن اختلف اللفظان.

стр. 2986

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾: قوله : ﴿مِمَّا قَالُوا﴾ يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة، وأن تكون مصدرية. وقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ أي: ذا وجاهة، وهي المنزلة والرفعة، والفعل منه وَجُهَ يَوْجُه بالضم فيهما وجاهة، فهو وجيه، إذا صار ذا جاه وقدر، وهذه قراءة الجمهور. وقرئ: (وكان عبدًا) من العبودية (لله) بلام الجر (١)، والوجه قراءة الجمهور لأنها منبئة بوجاهته عند الله، كقوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٢)، وهذه ليست كتلك، لأن هذه إنما يفهم منها أنه عبد الله، ولا يفهم منها وجاهته عند من هي؟ أعند الخالق، أم عند المخلوقين؟ وينكهم من تلك أنه وجيه عند الله ليس إلا. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾: قوله : ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ في هذه اللام وجهان: أحدهما: من صلة (حَمَلَهَا)، ليثبِّتَ الله المطيعين، ويعذب العاصين.

стр. 2987

والثاني: من صلة ﴿عَرَضْنَا﴾ أي: عرضناها ليظهر نفاق المنافقين وشرك المشركين فيعذبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين ويتوب الله عليهم، وما بينهما في كلا التأويلين اعتراض. والجمهور على نصب قوله: ﴿وَيَتُوبَ﴾ عطفًا على ﴿لِيُعَذِّبَ﴾، وقرئ: بالرفع (١) على الاستئناف والقطع مما قبله. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ كلاهما خبر كان (٢)، أي: غفورًا للمؤمنين، رحيمًا بهم. والله تعالى أعلم بكتابه [وبالصواب في آياته] (٣). هذا آخر إعراب سورة الأحزاب والحمد لله وحده

стр. 2988

إعراب سُورَةُ سَبَإٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾: قوله : ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ (في الآخرة) يحتمل أوجهًا: أن يكون ظرفًا للظرف. وأن يكون حالًا من المنوي في الظرف أو من الحمد، والعامل فيها الظرف على كلا التقديرين. وأن يكون من صلة الحمد. وقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿الْخَبِيرُ﴾ وهي حال مؤكدة، إذ لم يزل عالمًا بالأشياء كلها. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾: قوله : ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الجمهور على التاء النقط من فوقه لتأنيث لفظ الساعة، والمنوي فيه لها، وقرئ: (ليأتينكم) بالياء النقط من

стр. 2989

تحته (١)، على أن المنوي فيه للبعث أو للحشر، لأن قولهم: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ نفي للبعث وإنكار لوجوده، أو للعقاب الذي يكون في الساعة، لأن المَخُوف منها إنما هو عقابها. وقيل: هو مسند إلى عالم الغيب، على: لَيَأْتِيَنَّكُمْ أمره كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ (٣) والوجه هو الأول، لأن قائل هذا الوجه يحتاج أن يثبت أن من قرأ بالياء قرأ: (عالمُ الغيب) بالرفع، ولم يذكر أحد عنه الرفع فيما اطلعت عليه. وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرئ بالرفع (٤) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عالم الغيب، أو مبتدأ وخبره ﴿لَا يَعْزُبُ﴾، ومحل ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ على الوجه الأول النصب على الحال، أي: غير عازب عنه [مع الباء] (٥) وهي حالى مؤكدة. وبالجر (٦) على أنه صفة لـ (رَبِي) أو بدل منه. وقوله: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ الجمهور على رفعهما، وفيه وجهان، أحدهما: مبتدأ، والخبر ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. والثاني: عطف على ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. وقرئ: بالفتح (٧)، وفيه وجهان أيضًا، أحدهما: على التبرئة (٨). والثاني: عطف على (ذرة) على أنه مفتوح في موضع الجر لامتناع الصرف، كأنه قيل: لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر.

стр. 2990

واختير رفعها على الابتداء والفتح على التبرئة لا على العطف على مثقال أو على ذرة، لأجل إتيان حرف الاستثناء بعدهما، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيه أوجه: أن يكون متصلًا بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، أي: لتأتينكم الساعة ليجزي الله الذين آمنوا. وأن يكون متصلًا بقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ كأنه قيل: يحصي ذلك ليجزيهم. وأن يكون متصلًا بقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، أي: أحصاه فيه ليجزيهم. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا﴾ مبتدأ، والخبر ﴿أُولَئِكَ﴾، (ومُعَجِّزِين) (١) حال من الضمير في ﴿سَعَوْا﴾. وقرئ: (أليمٌ) بالرفع (٢) على أنه صفة للعذاب. وبالجر (٣) على أنه صفة للرجز، والقراءتان بمعنى. لأن الرجز هو العذاب، بشهادة قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ (٤). ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾: قوله : ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: في موضع رفع على وجه الاستئناف، أي: ويعلم أولو العلم. والثاني: في موضع نصب عطفًا على ﴿لِيَجْزِيَ﴾، أي: وليعلم أولو العلْم، والأول أوجه، لأجل ما عطف عليه وهو (يَهْدِي)، وهو مرفوع كما ترى، وإذا كان كذلك فحمله عليه دون أن يكون مستأنفًا أولى.

стр. 2991

و ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ مفعولا (يَرَى): (فالذي) هو المفعول الأول، ونهاية صلته ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو القرآن، و ﴿الْحَقَّ﴾ المفعول الثاني، ﴿هُوَ﴾ فصلٌ. وقرئ: (الحقُّ) بالرفع (١) على أنه خبر ﴿هُوَ﴾، والجملة في موضع المفعول الثاني، والمنوي في (يَهْدِي) للذي هو القرآن، أي: ويعلم أولو العلم أن القرآن حق وهاد إلى دين الله، وقد جوز أن يكون لله جل ذكره (٢). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾: قوله : ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ العامل في ﴿إِذَا﴾ ما دل عليه ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، لأنه لا يجيزهم في ذلك الوقت. ولا ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ (٣)، لأنه مضاف إليه، ولا يعمل المضاف إليه في المضاف. فإن قلتَ: اجعل ﴿إِذَا﴾ للمجازاة حتَّى لا تكون مضافة إلى ما بعدها فتعمل فيها. قلت: لا يسعني ذلك، لأن (إذا) لا يجازى بها في حال السعة والاختيار. ولا ﴿جَدِيدٍ﴾ لأن ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبلها. و﴿جَدِيدٍ﴾ فعيل بمعنى فاعل، تقول: جَدَّ فهو جَديدٌ، كَقَلَّ فهو

стр. 2992

قليلٌ، هذا مذهب أصحابنا البصريين، وقال الكوفيون: هو بمعنى مفعول، مِنْ جدَّه، إذا قَطَعَه (١). وقوله: ﴿أَفْتَرَى﴾ الهمزة همزة الاستفهام، وحذفت التي للوصل لحصول الاستغناء عنها، وأما إثباتها لها معها في نحو: آلقوم عندك؟ فلخوف التباس الاستفهام بالخبر، لكون همزة الوصل مفتوحة كهمزة الاستفهام. وقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ. . . أَوْ نُسْقِطْ﴾ قرئ: بالنون فيهن لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ (٢) وبالياء (٣)، لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. وقوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ﴾، قرئ: بالإظهار (٤) وهو الوجه، لأن الفاء لا تُدغم إلا في مثلها عند النحاة لما فيها من التأفيف، وهو زيادة صوت، وبالإدغام قرأ الكسائي (٥) لكونهما متقاربتين مع كون الباء شديدة مجهورة. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾: قوله : ﴿يَاجِبَالُ﴾ على إضمار قول، أي: وقلنا يا جبال. وقيل: هو بدل من قوله: ﴿فَضْلًا﴾ (٦). وقوله: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ الجمهور على فتح الهمزة وكسر الواو وتشديدها، أي: سبحي معه، من تأويب القارئ، وهو ترجيع صوته بالقراءة، أو من التأويب الذي هو سير النهار (٧)، على معنى: سيري معه حيث شاء، وفي

стр. 2993

التفسير: كانت الجبال تسير مع داود ﵇ حيث شاء (١). وقرئ: (أُوْبِي) بضم الهمزة وسكون الواو (٢)، على معنى: ارجعي، من آبَ يَؤوْبُ أَوْبًا وَإِيَابًا، إذا رجع، أي: ارجعي وعودي معه في التسبيح. وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قرئ: با لنصب (٣)، وفيه أوجه: أن يكون عطفًا على محل (الجبال)، وهو قول صاحب الكتاب (٤)، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، على: وسخرنا له الطير، وهو قول أبي عمرو بن العلاء (٥). وأن يكون عطفًا على ﴿فَضْلًا﴾، عنى: وآتينا تسبيح الطير، وهو قول الكسائي (٦). وأن يكون مفعولًا معه، أي: مع الطير (٧). وقرئ: بالرفع (٨) عطفًا إما على لفظ الجبال، أو على المنوي في ﴿أَوِّبِي﴾، وأغنت ﴿مَعَهُ﴾ عن تأكيده. وقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (أن) هنا يجوز أن تكون المفسرة بمعنى (أي)، لا مَحَل لها من الإعراب، على: قلنا له اعمل سابغات. وأن تكون في موضع نصب لعدم الجار وهو اللام، أي: ألنا له الحديد لأن يعمل، على الخبر، فأتى على لفظ الأمر ودخله (أن) على المعنى. أو جر لإرادته،

стр. 2994

والمعنى: أن اعمل دروعًا سابغات، فحذف الموصوف. والسابغات: الدروع التامة، وهو أول من اتخذها على ما فسر (١). وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: في النسج، والسرد، نسج الدروع، ﴿وَاعْمَلُوا﴾ الضمير لداود وآله ﵈. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾: قوله : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قرئ: بالنصب (٢) على: وسخرنا، كما أتى في "ص" (٣)، وبالرفع (٤) على الابتداء، على: وله الريحُ مسخرةٌ، أو: وله تسخير الريح، أو على الفاعلية على رأي أبي الحسن (٥)، أي: استقر له تسخير الريح. وقيل: مَن نصب عطف على الحديد، على: وَأَلنَّا لسليمان الريح (٦). وقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ ابتداء وخبر، وكذا ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ ومحل الجملة النصب على الحال إما من المنوي في الظرف، أو من الريح على المذهبين، أي: مستقرة أو ثابتة مسيرة شهر، وفي الكلام حذف مضاف، أي: جَرْيُ غدوها مسيرة شهر، وجَرْيُ رواحها كذلك، وإنما احتيج إلى

стр. 2995

ذلك، لأن الغدوّ والرواح مصدران، وليسا بزمانين. وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ﴾ (مَنْ) موصوفة، ومحلها إما النصب على تقدير: وسخرنا له من الجن فريقًا يعمل بين يديه. وإما الرفع بالابتداء أو بالظرف على المذهبين، أي: وله منهم فريق مِن صفتهم كَيْت وكيت. وقوله: ﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿يَزِغْ﴾، أو ﴿نُذِقْهُ﴾ [أي: نذيقه] ما يهلكه كائنًا من عذاب السعير. وقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ المحاريب: الأبنية الرفيعة والقصور، وقيل: هي المساجد (١)، واحدها محراب (٢). والتماثيل: صور الملائكة والأنبياء والعبّاد، كانت تُعمل في المساجد، واحدها تمثال. والجفان: جمع جَفْنَةٍ، وهي القصعة الكبيرة. والجوابي: جمع جابية، وهي الحوض الكبيرة، قيل: سميت جابية، لأن الماء يجبى فيها، أي: يجمع (٣)، جعل الفعل لها مجازًا، وهي من الصفات اللازمة كالدابة (٤). ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ أي: ثابتات على الأثافي (٥) لا تنزل عنها لعظمها. وقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ أي: يا آل داود. وقوله: ﴿شُكْرًا﴾ هو مصدر شَكَرَ يَشْكُرُ شُكْرًا، وفيه أوجه: أن يكون مصدرًا مؤكدًا من معنى ﴿اعْمَلُوا﴾، لأن (اعملوا) فيه معنى

стр. 2996

اشكروا، من حيث إن العمل للمنعم شكر له، فكأنه قيل: اشكروا يا آل داود شكرًا. وأن يكون مفعولًا له والمفعول به محذوف، والتقدير: اعملوا آل داود خيرًا شكرًا لله، أي: للشكر. وأن يكون في موضع الحال، أي: اعملوا خيرًا شاكرين. وأن يكون مفعولًا به كقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (١). وعن أبي حامد: أن الوقف على داود والابتداء بقوله: ﴿شُكْرًا﴾، على: اشكروا، شكرًا، وعنه مندوحة بما ذكر. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾: قوله : ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ دابة الأرض: الأَرَضة وهي دويبةٌ تأكل الخشب، والأرض فعلها، يقال: أُرِضَتِ الخشبةُ تُؤْرَضُ أَرْضًا بالتسكين، إذا أكلتها الأَرَضَةُ، فهي مَأْرُوضَةٌ (٢). قيل: وقرئ: بفتح الراء (٣)، من أُرِضَت الخشبةُ أَرَضًا، وهو من باب فعلته ففعل، كقولك: أَكَلَتِ القوادحُ الأسنانَ أكلًا، فَأكِلَت أَكَلًا، والقوادح: جمع قادحة، وهي دودة، وقَدَحَ الدودُ في الأسنان والشجر قَدْحًا، وهو تَأَكُّلٌ يقع فيه (٤).

стр. 2997

والمنسأة: العصا، وأصلها من نَسَأْتُ البعيرَ، إذا زَجَرْتَهُ، سميت بذلك، لأنها يؤخر بها الشيء ويساق. وعن الفراء: هي العصا العظيمة تكون مع الراعي (١). وقرئ: (مِنْسَأَتَهُ) بهمزة مفتوحة (٢)، وهو الأصل لما ذكر آنفًا. (ومِنْ سَاتَهُ) بقلبها ألفًا (٣) لغة مسموعة حكاها صاحب الكتاب ﵀ (٤). وأُنْشِدَ: ٥٢٣ - إِذَا دَبَبْتَ عَلَى المِنْسَاةِ مِنْ كِبَرٍ ... فَقَدْ تَبَاعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ (٥) و(منسأْته) بهمزة ساكنة تخفيفًا (٦)، وهو قليل، ومع قلته قد جاء، وقد قرئ: (رَغْبًا وَرَهْبًا) بالتسكين (٧)، وقيل: أبدل من الهمزة ألفًا على غير قياس، ثم قلب الألف همزة، كقلبهم في نحو العألم والخأتم. وقرئ أيضًا (مِنْ سَأْتِهِ) بنون مفصولة من السين وهمزة ساكنة وتاء مكسورة (٨)، على أَنْ (مِنْ) حرف جر، والمعنى: من طرف عصاه، سميت بسئة القوس على سبيل الاستعارة، وهي ما عطف من طرفيها، قال أبو

стр. 2998

عبيدة: كان رؤبة يهمز سِمية القَوْسِ، وسائر العرب لا يهمزونها (١). والمحذوف من سية القوس اللام، ووزنها (فعة) والهاء عوض عن اللام. واختلف فيها، فقيل: هي واو النسبة (سِئَوِيّ)، وقيل: ياء، وهو اختيار أبي الفتح (٢)، لغلبة الياء على اللام. والوجه عندي أن يكون واوًا، لأن باب قوة قليل، وهذا على قول من لم يهمز. وقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ اعلم وفقنا الله وإياك أَنَّ (تبين) فعل يتعدى ولا يتعدى، يقال تبينَ الشيءُ، إذا ظهر وبان، وتبينته أنا، فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ جوز أن يكون لازمًا على معنى: فلما سقط سليمان ميتًا ظهر أمر الجن، فحذف المضاف، وقوله: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا﴾ أن مع صلتها بدل من الجن، وهو من بدل الاشتمال، كقولك: تبين فلان جهلهُ، أي: ظهر جهل الجن للناس. وأن يكون متعديًا، فتكون ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب، وهي مخففة من الثقيلة، أي: علمت الجن أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، والدليل على كونه متعديًا قراءة من قرأ: (تُبُيِّنَتِ الجِنُّ) على البناء للمفعول، وهو يعقوب (٣)، على أن المتبين في المعنى هو ﴿أَنْ﴾ مع ما في صلتها لكونه بدلًا. وعن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: (تَبَيَّنَتِ الإِنْسُ) (٤)، والضمير في ﴿كَانُوا﴾ في قراءته للجن.

стр. 2999

وفي حرف ابن مسعود ﵁: (تبينت الإنس أن الجن لو كانوا) (١). وبه استدل بعضهم على قراءة الجمهور، وأن المعنى والتقدير: تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، فاعرفه. ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ قوله : ﴿لِسَبَإٍ﴾ قرئ بالصرف (٢) على أنه اسم للأب، أو للحي، وبمنعه (٣) على أنه اسم للقبيلة، وإسكان همزته (٤) على إجراء الوصل مجرى الوقف، وقد ذكر في "النمل" (٥). وقوله: (في مساكنهم) قرئ بالجمع (٦)، وهو جمع مَسْكَنٍ أو مَسْكِنٍ بفتح الكاف وكسرها، وهو موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها، أو مسكن كل واحد منهم ولذلك جمع، لأن كل ساكن له مسكن، ويجوز أن يكون المفتوح مصدرًا والمكسور مكانًا. وقرئ: بهما مفردين (٧)، ويجوز أن يكونا مصدرين، وأن يكونا مكانين. و﴿آيَةٌ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾. و ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل منها، فلا يوقف على

стр. 3000

﴿آيَةٌ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: الآية، أو هي جنتان، فيوقف على ﴿آيَةٌ﴾، قيل: وفي الرفع معنى المدح، تدل عليه قراءة من قرأ: (جنتين) بالنصب (١) على المدح. وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي: قيل لهم: كلوا من رزق ربكم منهما، وهو حكاية ما كان الرسل المبعوثون إليهم يقولون لهم عن المرسِل جل ذكره. وقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ الجمهور على رفعها، وارتفاعها إما بالابتداء والخبر محذوف، أي: لكم بلدة طيبة، أو بالعكس، أي: هذه بلدة طيبة. ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، أي: والله أو وربكم رب غفور، وقرئ: (بلدةً طيبةً وربًا غفورًا) بالنصب (٢)، إما على المدح، أو على: اسكنوا أو اعبدوا. ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾: قوله : ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ اختلف في ﴿الْعَرِمِ﴾ فقيل: العرم: المُسَنَّاةُ التي يحبس فيها الماء، لا واحد له من لفظه. وقيل: واحدُهُ عَرِمَةٌ، مأخوذ من عرامة الماء، وهي شدته (٣). وقيل: العرم اسم للوادي (٤). وقيل: العرم المطر الشديد (٥). وعن المبرد: العرم كل حاجز بين شيئين (٦).

стр. 3001

وقوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ (جنتين) مفعول ثان للتبديل، أي: بدل جَنَّتيهم جنتين من صفتهما كيت وكيت. وقوله: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ الخمط: ضرب من الأراك له حمل يؤكل، وأُكُلُهُ ثمره. وعن أبي عبيدة: الخمط: كل شجرة مرة ذات شوك (١). وعن أبي إسحاق: كل نبت في طعمه مرارة حتى لا يمكن أكله (٢). وعن المبرد: كل ما تغير إلى ما لا يشتهى (٣). وقيل: ما أَخَذَ شيئًا من الريح (٤). والأَثْلُ: شجر يشبه الطَرْفَاءَ أعظم منه وأجود عودًا، وقيل: نوع منه، الواحدة أَثْلَةٌ، والجمع أَثَلات (٥). ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ السدر: شجر النَّبْقِ، وقيل: إلا أنَّ المراد به ههنا السدر البري، وهو لا ثمر له ولا ينتفع به (٦). ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾: كلاهما عطف على ﴿أُكُلٍ﴾، أي: وذواتَيْ أَثْلٍ وشيء من سدر، لا على ﴿خَمْطٍ﴾، لأن الأثل لا أُكُلَ له. وقرئ: (أُكُلِ خمطٍ) بترك التنوين (٧) على الإضافة، لأن الأكل وهو الجَنَى منه، فحسنت إضافته لذلك، كقولك: ثمر خمط، والإضافة بمعنى (مِن) كثوب خز، وباب ساج.

стр. 3002

وبالتنوين (١)، وفيه أوجه: أن يكون التقدير: ذواتي أكُلِ أكلٍ خمطٍ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، لأن الخمط شجر والأكل جناه، وإذا كان كذلك لم يجر على ما قبله كجري الوصف على الموصوف، فاحتيج إلى حذف المضاف. وأن يكون عطف بيان له، كأنه بَيَّنَ أن الجنى لهذا الشجر. وأن يكون وصفًا له على تأويل: أكل بشع، أي: كريه، وهذا بعيد على تفسير أبي عبيدة، وأما على تأويل غيره فسائغ على ما سلف آنفًا في معنى الخمط. وقيل: هو بدل، وأنكره أبو علي وقال: لأنه ليس هو هو ولا بعضه، لأن الجنى من الشجر، وليس الشجر من الجنى (٢). وقوله: ﴿قَلِيلٍ﴾ يجوز أن يكون وصفًا لجميع ما فيهما من الخمط والأثل والسدر، وأن يكون نعتًا لـ (شيءٍ) على معنى أن السدر كان قليلًا فيهما، وهو الوجه للقرب، ولقول الحسن ﵁: قلل السدر لأنه أكرم ما بُدِّلوا (٣). وقيل: القليل هنا بمعنى الحقير (٤). وقرئ: (وَأَثْلًا وشَيْئًا) بالنصب (٥)، عطف على ﴿جَنَّتَيْنِ﴾. ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾:

стр. 3003

قوله : ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ .. ﴾ محل ﴿ذَلِكَ﴾ النصب على أنه مفعول به ثان لقوله: (جزينا)، و (ما) مصدرية، والباء من صلة ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ [أي: جزيناهم] ذلك التبديل بسبب كفرهم، أو جزيناهم ذلك الجزاء، فيكون ﴿ذَلِكَ﴾ منصوب الموضع بأنه مصدر. وقوله: (وهل يُجازَى إلا الكفور) قرئ: بضم الياء وفتح الزاي على البناء للمفعول (١)، وضم الياء وكسر الزاي على البناء للفاعل (٢) وهو الله جل ذكره وبالنون وكسر الزاي (٣) لقوله: ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾، (وهل يُجْزَى) بضم الياء وفتح الزاي وإسكان الجيم (٤)، يقال: جازيتُ فلانًا، وجَزَيْتُه. وقوله: ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾ مرفوع على الأولى والرابعة، منصوب على الثانية والثالثة. وقوله: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ منصوبان على الظرف. و ﴿آمِنِينَ﴾ حال من الضمير الذَي في قوله: ﴿سِيرُوا﴾. ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾: قوله : ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا﴾ قرئ: (ربَّنا) بالنصب على النداء،

стр. 3004

و (بَاعِدْ) بالألف، و (بَعِّدْ) بغير الألف مشددًا (١) على الدعاء والطلب، وهما بمعنى، كَضاعِفْ وَضَعِّفْ، وصاعِر خَدَّهُ وَصَعِّر. وقرئ: (رَبُّنَا) بالرفع على الابتداء و (بَاعَدَ)، و (بَعَّدَ) بلفظ الماضي على الخبر (٢)، ﴿بَيْنَ﴾ بالنصب، وهو مفعول به [لا] ظرف كما زعم بعضهم، ألا ترى أنك إذا قلت: باعد الله، أو أبعد، أو باعد مسافة سفره، كان مفعولًا به، والدليل على أنه اسم لا ظرف، قراءة من قرأ: (رَبَّنَا بَعُدَ بينُ أَسْفَارِنَا) و (بَعَّد بينُ أسفارنا) على النداء وإسناد الفعل إلى (بينُ) ورفعه به (٣)، كقولك: بَعُدَ مدى أسفارِنا، فَرَفْعُهُ دليل كونه اسمًا. قال أبو الفتح: مذهب أبي علي في (بَيْنَ) أنها مصدر بانَ يَبِينُ بَيْنًا، ثم استعلمت ظرفًا اتساعًا وتجوُّزًا كمقدم الحاج، وخلافة فلان. قال -يعني أبا علي-: ثم استعملت واصلة بين الشيئين، وإن كانت في الأصل فاصلة، وذلك لأن جهتيها وصلتا ما يجاورهما بها، فصارت واصلة بين الشيئين، هذا معنى قوله وجماعُ مراده فيه، وعليه قراءة من قرأ (لقد تَقَطَّعَ بينُكم) (٤) بالرفع. أي: وَصْلُكُم، وقد مضى الكلام على البين وأنه من الأضداد فيما سلف من الكتاب (٥). وقوله: ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ منصوب على المصدر، لإضافته إلى المصدر، أي: كُلَّ تمزيقٍ.

стр. 3005

﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قرئ: بتخفيف الدال وبتشديدها، ورفع (إبليس) ونصب الظن (١)، فمن خفف ففي انتصاب ﴿ظَنَّهُ﴾ وجهان: أحدهما: انتصب انتصاب الظرف، أي: صدق في ظنه، فلما حذف الجار انتصب. والثاني: انتصب انتصاب المفعول به، كما تقول: صدقت فلانًا الحديث. والمعنى: صدق ظنه الذي ظنه بهم من متابعتهم إياه إذا أغواهم، لأنه وجده كذلك. ومن شدد: فـ ﴿ظَنَّهُ﴾ مفعول به لـ ﴿صَدَّقَ﴾، أي: حق عليهم ظنه. وقرئ بالتخفيف، ورفع الظن على أنه فاعل ﴿صَدَّقَ﴾، ونصب (إبليس) (٢) على أنه مفعول به، أي: صدق عليهم ظنُّ إبليسَ إبليسَ، كقولك: ضرب زيدًا غلامُهُ، أي: ضرب غلامُ زيدٍ زيدًا. والمعنى: أن إبليس كان سَوَّل له ظنه شيئًا فيهم، فصدقه ظنُّه فيما كان عقد عليه معهم من ذلك الشيء، يقال: صدقك ظنك. ومنه قول الشاعر:

стр. 3006

٥٢٤ - فَإنْ يَكُ ظَنِّي صَادِقًا وَهُوَ صَادِقِي ....................... (١) و(على) من صلة صدق، كما تقول: صدقت عليك فيما ظننته بك، ولا يجوز أن يكون من صلة الظن، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه. وقد جوز رفع (إبليس) و (الظن) مع التخفيف، على أن يكون (ظَنُّهُ) بدلًا من إبليس، وهو بدل الاشتمال، قيل: وقد قرئ بهما مع التخفيف (٢)، ولو قرئ بالتشديد مع رفعهما لكان على المبالغة في (صدق)، كقوله: ٥٢٥ - ................... ... ..... صَدَّقَتْ فيهم ظُنوني (٣) فاعرفه. وقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ محل ﴿مَنْ﴾ إما النصب بقوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ إن جعلتها موصولة، أو الرفع بالابتداء إن جعلتها استفهامية. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ قوله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مفعولا ﴿زَعَمْتُمْ﴾: محذوفان، حُذفا للعلم بهما، والتقدير: زعمتموهم آلهة، أما الأول وهو الراجع إلى الموصول: فحذف تخفيفًا لطول الموصول بصلته، كما حذف في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٤)، وأما الثاني: فحذف لكونه

стр. 3007

موصوفًا، صفته ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وحَذْفُ الموصوف وإقامة الصفة مقامه كثير جائز في كلام القوم إذا كان مفهومًا نثرهم ونظمهم، فاعرفه. قيل: فإن قيل: هل يجوز أن يكون المفعول الثاني أحد الشيئين وهو ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أو ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾؟ فالجواب: لا، أما الأول وهو ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: فلا يجوز، لأن قولك: هم من دون الله، ليس بكلام مستعمل. وأما الثاني وهو ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾: فلا يجوز، لأنهم ما كانوا يزعمون ذلك، وكيف يتكلمون بما هو حجة عليهم وبما لو قالوه قالوا ما هو حق وتوحيد؟ وقوله: ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ مبتدأ وما قبله خبره، ولا يجوز أن يكون اسم (ما) كما زعم بعضهم، لأن (ما) لا يتقدم عليها خبرها. ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (عنده) من صلة ﴿تَنْفَعُ﴾، وأما اللام من ﴿لِمَنْ﴾ فيجوز أن تكون من صلته أيضًا، وأن تكون من صلة شفاعة. و (من) هنا يجوز أن تكون الشافع، وأن تكون المشفوع له، وقد مضى الكلام عليه في "طه" عند قوله: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ بأشبع من هذا (١). وأَذِنَ وأُذِنَ (٢) ترجعان إلى معنى، لأن الله تعالى هو الآذن. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قرئ: بضم الفاء وكسر الزاي، مع تشديدها (٣) على البناء للمفعول، وفي القائم مقام الفاعل وجهان:

стр. 3008

أحدهما: الجار وما جره، كقولك: دُفِع إلى زيد، إذا علم ما المدفوع، أي: أزيل الفزع عن قلوبهم والثاني: مضمر دل عليه الكلام، أي: أزيل الفزع عن قلوبهم، أي: قلوب الشافعين. وقرئ كذلك إلا أن الزاي مخففة (١)، وهو بمعنى فُزِّعَ. وقرئ: (فَزَّعَ) بفتح الفاء والزاي مشددة (٢) على البناء للفاعل، وهو الله جل ذكره، أي: كشف الله عن قلوبهم أو ما ثَمَّ من الحال، أي: كشف حاضر الحال عن قلوبهم، وإضمار الفاعل لدلالة الحال عليه كثير واسع في كلام القوم نثرهم ونظمهم، منه ما حكاه صاحب الكتاب ﵀: إِذَا كَان غَدًا فَأْتِنِي، أي: إذا كان ما نحن عليه من السلامة أو من الحال (٣)، ومنه قول الشاعر، أنشده أبو زيد: ٥٢٦ - فَإنْ كُنْتَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّني ... إِلى قَطَرِيِّ لا إِخَالُكَ رَاضِيًا (٤) فالفاعل هنا ما دلت عليه الحال، أي: إن كنت لا يرضيك ما جرى أو ما الحال عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ (٥) أي: بدا لهم رَأْيٌ أو بَدْوٌ.

стр. 3009

وقرئ: أيضًا (فُرِّغَ) بضم الفاء وكسر الراء مهملة مشددة وبالغين معجمة (١)، وفي القائم مقام الفاعل الوجهان. والمعنى: نَفَى الوجلَ عن قلوبهم وأَفْنَى، من قولهم: فرغ الزاد، إذا لم يبق منه شيء، ثم ترك ذكر الوجل وأسند الفعل إلى الجار والمجرور. وقرئ: كذلك غير أن الراء خفيفة (٢) وهو بمعنى فُرِّغَ إلا أنه مسند إلى الجار وما جره ليس إلا، كقولك: ذُهب بزيد، والمعنى والأصل: فُرغَ الوَجَلُ عن قلوبهم، أي: انتفى عنها وفني، ثم حذف الفاعل وأسند الفعل إلى الجار وما جره. وقرئ أيضًا: (فَرَغَ) بالراء مهملة وبالغين معجمة على البناء للفاعل (٣)، وهو الله ، أي نفى الوجل عنها، أو ما هناك من الحال (٤) على ما ذكر وأوضح قبيل. وقرئ: أيضًا: (افْرُنْقِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) على البناء للمفعول (٥)، بمعنى انكشف عن قلوبهم، يقال: افرنقع القومُ عن الشَيء، أي: تفرقوا عنه، وأصله انكشف الوجل عنها، ثم حذف الفاعل وأسند إلى الجار وما جره، وقد ذكر آنفًا، ومما يحكى في ذلك أن أبا علقمة النحوي (٦) ثار به المرار،

стр. 3010

فاجتمع الناس عليه، فلما أفاق قال: ما لكم قد تَكَأْكَأْتُمْ عليَّ كَتَكَأكُئِكُم على ذي جِنّةً، افْرَنْقِعُوا عني (١). قيل: والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركب اقْمَطَرَّ من حروف القمط مع زيادة الراء (٢). يقال: اقْمَطَرَّ يومنا، أي: اشتد (٣). فهذه سبع قراءات فيها فاعرفهنّ، وقراءات (٤) الجمهور: (فَزَّع) و (فُزَّعَ). وقوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (ما)، و (ذا) اسم واحد في موضع نصب بقال، أيْ: أيُّ شيء قال ربكم؟ بشهادة إتيان (الحق) الذي هو الجواب منصوبًا، لأن إعراب الجواب كإعراب الاسم المستفهم عنه. وقرئ: (الحقُّ) بالرفع (٥)، فـ (ما) على هذه استفهام في موضع رفع بالابتداء، و (ذا) بمعنى الذي وراجِعُهُ محذوف، أي: ما الذي قاله ربكم، قال الذي قاله ربنا الحق، أي: فقوله الحق. وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾:

стр. 3011

قوله : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (إِياكم) عطف على اسم (إنَّ) و (أو) على بابها، وقيل: هو بمعنى الواو (١). واختلف في الخبر المذكور، فقيل: هو الثاني وهو ﴿إِيَّاكُمْ﴾، وحذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه. وقيل: بالعكس، والمراد: وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. وهذا من كلام المنصف الوارد والمستعمل في كلام القوم الذي كل مَن سمعه مِن موافق أو مخالف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. ونظيره قول الرجل لصاحبه: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق والمخاطب كاذب (٢). وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ (أروني) هنا يجوز أن يكون منقولًا من رأيت المتعدي إلى مفعولين، فيتعدى إلى ثلاثة مفاعيل: أحدها ياء النفس، والثاني الموصول، والثالث ﴿شُرَكَاءَ﴾، والتقدير: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أروني الذين ألحقتموهم بالله شركاء، أي: جعلتموهم له شركاء في العبادة. وأن يكون منقولًا من رأيت المتعدي إلى مفعول واحد، فيكون ﴿شُرَكَاءَ﴾: حالًا من الضمير المحذوف الراجع إلى الموصول، أي: ألحقتموهم به مشركين، أي في هذه الحال. و ﴿كَلَّا﴾ ردع لهم عن مذهبهم، لاعتقادهم الفاسد أن له شركاء تستحق العبادة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ

стр. 3012

الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾: قوِله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ في انتصاب قوله: ﴿كَافَّةً﴾ وجهان: أحدهما: حال، وفي ذي الحال وجهان، أحدهما وهو الوجه: الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والتاء على هذا للمبالغة، كالتي في الراوية، والعلامة، والنسابة، و ﴿لِلنَّاسِ﴾ من صلته، أي: أرسلناك جامعًا لهم على ملة الإسلام، والكف: الجمع، ومنه كفة القميص، أو كافًا لهم، أي: تكفهم عن الكفر والمعاصي، من كففتُ فلانًا عن الشيء، إذا منعتَهُ. والثاني: المجرور وهو (الناس)، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة، أي: جميعًا، وهذا خطأ عند جمهور النحاة، لأن ذا الحال مجرور، وتقدم حال المجرور عليه عندهم في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار، ويبعد من وجه آخر وهو جعلهم اللام بمعنى (إلى). والثاني: نعت لمصدر محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلا إرسالةً كافةً، أي: عامة لهم محيطة بهم، لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، قاله الزمخشري (١). وقوله: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ الجمهور على إضافة الميعاد إلى اليوم، وهي إضافة تبيين، كَسَحْقِ عمامة (٢)، وإخلاقِ ثياب، وحكي: (ميعادٌ يومٌ) بالرفع والتنوين فيهما (٣)، على أن يكون (يومٌ) بدلًا منه، وفي الكلام حذف

стр. 3013

مضاف تقديره: وقتُ ميعادٍ يومٌ، حتى يكون هو هو، لا لأن (١) الميعاد مصدر واليوم ظرف. و(ميعادٌ يومًا) برفع ميعاد ونصب يومًا (٢) على أنه ظرف للظرف وهو ﴿لَكُمْ﴾، فـ (ميعاد) مبتدأ، والخبر ﴿لَكُمْ﴾، و (يومًا) ظرف للخبر، أي: استقر في يوم من صفته كيت وكيت. والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ على الوجه الأول يجوز أن يكون عائدًا على الميعاد، وأن يكون راجعًا إلى اليوم، وإلى أيهما أعدته كانت الجملة صفة له، وكذا على الوجه الثاني، وأما على الوجه الثالث وهو أن تنصب اليوم وتجعله ظرفًا للظرف فهو عائد إلى اليوم (٣)، فإن أعدته إلى الميعاد أضفت يومًا إلى ما بعده فقلت: يوم لا تستأخرون عنه، فإن جعلت الضمير لليوم لم تجز إضافة (يوم) إلى ما بعده، لأنك تضيف الشيء إلى نفسه، وهو اليوم تضيفه إلى جملة فيها ضمير هو اليوم، وإضافة الشيء إلى نفسه لا يجوز في الأمر العام إلا على تأويلٍ وتقدير (٤). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ارتفاعه يحتمل وجهين أن يكون فاعل فعل مضمر دل عليه ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾، أي: صدَّنا مَكْرُهما

стр. 3014

صَدَّنا. وأضيف المبهر إلى الليل والنهار اتساعًا، لأنهما لا يمكران، والمعنى: مكركم فيهما، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم. وقوله: ٥٢٧ - * يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أَهْلَ الدَّار* (١) أي: في الليلة. أو جُعلا ماكرين على الإسناد المجازي. وقرئ: (بَلْ مَكْرٌ اللَّيلَ والنَّهَارَ) بالتنوين ونصب الظرفين (٢)، أي: صدّنا مكرٌ فيهما أو بل مكر فيهما صدنا على ما ذكر آنفًا، ونظيره: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (٣). و(بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بفتح الكاف وتشديد الراء مرفوعًا ومنصوبًا (٤). أما الرفع: فعلى الوجهين المذكورين قبيل، أي: بل صَدَّنا كرورُهُما علينا واختلافُ أوقاتهما، أو كرورُهما علينا بإغوائكم إيانا صَدَّنا، وأما النصب: فعلى الظرف، أي: صددتمونا مدة كرورهما، كقولك: أتيتك خفوقَ النجم، وصياحَ الديكة. وقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا﴾ يجوز أن يكون ﴿إِذْ﴾ معمول الكر، أي مكرهما في هذا الوقت، وأدن يكون حالًا منه إذا جعلته فاعل فعل مضمر، أي: مكرهما كائنًا في هذا الوقت، لأن ظرف الزمان يجوز أن يكون حالًا من الحدث، كما يجوز أن يكودن خبرًا عنه. وعن أبي الحسن: ارتفاع المكر على تقدير: هذا مكر الليل والنهار (٥). وجاز دخول (بل) هنا وإن لم يقل

стр. 3015

لمن قال: أزيد عندك بل هو عندي؟ حملًا على المعنى، لأن معنى الاستفهام ها هنا الإنكار، كأنه قيل: ما صددناكم قبل، وإنما قيل: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ بغير عاطف، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بالعاطف، لأن استضعفوا من أول كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول. ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)﴾: قوول : ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ انتصابهما على التمييز. وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال الفراء: ﴿بِالَّتِي﴾ للأموال والأولاد (١). وقال غيره: هي للأولاد خاصة، وحذف خبر الأموال لدلالة الثاني عليه (٢). وقيل التقدير: وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي، وذلك أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث (٣)، وعن الحسن: (باللاتي) (٤)، لأنها جماعات. وعن بعضهم: (بالذي يقربكم) (٥)، أي بالشيء الذي يقربكم.
следующие страницы →