← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

قوله : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (إِياكم) عطف على اسم (إنَّ) و (أو) على بابها، وقيل: هو بمعنى الواو (١). واختلف في الخبر المذكور، فقيل: هو الثاني وهو ﴿إِيَّاكُمْ﴾، وحذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه. وقيل: بالعكس، والمراد: وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. وهذا من كلام المنصف الوارد والمستعمل في كلام القوم الذي كل مَن سمعه مِن موافق أو مخالف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. ونظيره قول الرجل لصاحبه: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق والمخاطب كاذب (٢). وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ (أروني) هنا يجوز أن يكون منقولًا من رأيت المتعدي إلى مفعولين، فيتعدى إلى ثلاثة مفاعيل: أحدها ياء النفس، والثاني الموصول، والثالث ﴿شُرَكَاءَ﴾، والتقدير: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أروني الذين ألحقتموهم بالله شركاء، أي: جعلتموهم له شركاء في العبادة. وأن يكون منقولًا من رأيت المتعدي إلى مفعول واحد، فيكون ﴿شُرَكَاءَ﴾: حالًا من الضمير المحذوف الراجع إلى الموصول، أي: ألحقتموهم به مشركين، أي في هذه الحال. و ﴿كَلَّا﴾ ردع لهم عن مذهبهم، لاعتقادهم الفاسد أن له شركاء تستحق العبادة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ

стр. 3012

الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾: قوِله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ في انتصاب قوله: ﴿كَافَّةً﴾ وجهان: أحدهما: حال، وفي ذي الحال وجهان، أحدهما وهو الوجه: الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والتاء على هذا للمبالغة، كالتي في الراوية، والعلامة، والنسابة، و ﴿لِلنَّاسِ﴾ من صلته، أي: أرسلناك جامعًا لهم على ملة الإسلام، والكف: الجمع، ومنه كفة القميص، أو كافًا لهم، أي: تكفهم عن الكفر والمعاصي، من كففتُ فلانًا عن الشيء، إذا منعتَهُ. والثاني: المجرور وهو (الناس)، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة، أي: جميعًا، وهذا خطأ عند جمهور النحاة، لأن ذا الحال مجرور، وتقدم حال المجرور عليه عندهم في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار، ويبعد من وجه آخر وهو جعلهم اللام بمعنى (إلى). والثاني: نعت لمصدر محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلا إرسالةً كافةً، أي: عامة لهم محيطة بهم، لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، قاله الزمخشري (١). وقوله: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ الجمهور على إضافة الميعاد إلى اليوم، وهي إضافة تبيين، كَسَحْقِ عمامة (٢)، وإخلاقِ ثياب، وحكي: (ميعادٌ يومٌ) بالرفع والتنوين فيهما (٣)، على أن يكون (يومٌ) بدلًا منه، وفي الكلام حذف

стр. 3013

مضاف تقديره: وقتُ ميعادٍ يومٌ، حتى يكون هو هو، لا لأن (١) الميعاد مصدر واليوم ظرف. و(ميعادٌ يومًا) برفع ميعاد ونصب يومًا (٢) على أنه ظرف للظرف وهو ﴿لَكُمْ﴾، فـ (ميعاد) مبتدأ، والخبر ﴿لَكُمْ﴾، و (يومًا) ظرف للخبر، أي: استقر في يوم من صفته كيت وكيت. والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ على الوجه الأول يجوز أن يكون عائدًا على الميعاد، وأن يكون راجعًا إلى اليوم، وإلى أيهما أعدته كانت الجملة صفة له، وكذا على الوجه الثاني، وأما على الوجه الثالث وهو أن تنصب اليوم وتجعله ظرفًا للظرف فهو عائد إلى اليوم (٣)، فإن أعدته إلى الميعاد أضفت يومًا إلى ما بعده فقلت: يوم لا تستأخرون عنه، فإن جعلت الضمير لليوم لم تجز إضافة (يوم) إلى ما بعده، لأنك تضيف الشيء إلى نفسه، وهو اليوم تضيفه إلى جملة فيها ضمير هو اليوم، وإضافة الشيء إلى نفسه لا يجوز في الأمر العام إلا على تأويلٍ وتقدير (٤). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ارتفاعه يحتمل وجهين أن يكون فاعل فعل مضمر دل عليه ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾، أي: صدَّنا مَكْرُهما

стр. 3014

صَدَّنا. وأضيف المبهر إلى الليل والنهار اتساعًا، لأنهما لا يمكران، والمعنى: مكركم فيهما، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم. وقوله: ٥٢٧ - * يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أَهْلَ الدَّار* (١) أي: في الليلة. أو جُعلا ماكرين على الإسناد المجازي. وقرئ: (بَلْ مَكْرٌ اللَّيلَ والنَّهَارَ) بالتنوين ونصب الظرفين (٢)، أي: صدّنا مكرٌ فيهما أو بل مكر فيهما صدنا على ما ذكر آنفًا، ونظيره: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (٣). و(بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بفتح الكاف وتشديد الراء مرفوعًا ومنصوبًا (٤). أما الرفع: فعلى الوجهين المذكورين قبيل، أي: بل صَدَّنا كرورُهُما علينا واختلافُ أوقاتهما، أو كرورُهما علينا بإغوائكم إيانا صَدَّنا، وأما النصب: فعلى الظرف، أي: صددتمونا مدة كرورهما، كقولك: أتيتك خفوقَ النجم، وصياحَ الديكة. وقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا﴾ يجوز أن يكون ﴿إِذْ﴾ معمول الكر، أي مكرهما في هذا الوقت، وأدن يكون حالًا منه إذا جعلته فاعل فعل مضمر، أي: مكرهما كائنًا في هذا الوقت، لأن ظرف الزمان يجوز أن يكون حالًا من الحدث، كما يجوز أن يكودن خبرًا عنه. وعن أبي الحسن: ارتفاع المكر على تقدير: هذا مكر الليل والنهار (٥). وجاز دخول (بل) هنا وإن لم يقل

стр. 3015

لمن قال: أزيد عندك بل هو عندي؟ حملًا على المعنى، لأن معنى الاستفهام ها هنا الإنكار، كأنه قيل: ما صددناكم قبل، وإنما قيل: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ بغير عاطف، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بالعاطف، لأن استضعفوا من أول كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول. ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)﴾: قوول : ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ انتصابهما على التمييز. وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال الفراء: ﴿بِالَّتِي﴾ للأموال والأولاد (١). وقال غيره: هي للأولاد خاصة، وحذف خبر الأموال لدلالة الثاني عليه (٢). وقيل التقدير: وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي، وذلك أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث (٣)، وعن الحسن: (باللاتي) (٤)، لأنها جماعات. وعن بعضهم: (بالذي يقربكم) (٥)، أي بالشيء الذي يقربكم.

стр. 3016

ومحل ﴿زُلْفَى﴾ النصب على المصدر، وهو مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل، كأنه قيل: تقربكم عندنا تقريبًا. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ محل (مَنْ) النصب على الاستثناء وفيه وجهان، أحدهما: منقطع، أي: لكن من آمن. والثاني: متصل مستثنى من الضمير المنصوب في ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾، والمعنى: أن الأموال لا تقرب أحدًا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في وجوه البر [والخير]، والأولاد لا تقرب أحدًا إلا مَن عَلَّمَهُمْ ما ينجيهم من عقاب الله. وقال أبو إسحاق: هو بدل من الكاف والميم في ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾ (١)، وأنكر عليه أبو جعفر وغيره (٢)، لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب، لسبب ذكر فيما سلف من الكتاب (٣). قلت: البدل هنا جائز، لأجل أن الخطاب ليس لقوم بأعيانهم، فهو في حكم الغُيَّبِ، فلذلك جوز أبو إسحاق فيه البدل، وقد ذكر نظيره في "الأحزاب" (٤). وعن الفراء: أن محلها الرفع، على: إلا أموال من آمن وأولاده، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (٥). وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ الجمهور على إضافة الجزاء ورفعه، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، والأصل: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وأن يجاوزوا مبتدأ ثان، و ﴿لَهُمْ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، ثم جزاءٌ الضعفَ، ثم

стр. 3017

جزاءُ الضعفِ (١). وقرئ: (جزاءً الضعفُ) بنصب الهمزة مع تنوينها، (الضعفُ) بالرفع (٢)، على: فأولئك لهم الضعف جزاءً، أي في حال مجازاتهم، فجزاء مصدر واقع موقع الحال. وحكي فيه أيضًا: (جزاءٌ الضِّعْفَ) برفع الهمزة منونة ونصب الضعف (٣)، على: أن يجازوا الضعف. و (جزاءٌ الضعفُ) مرفوعان (٤)، على أن الضعف بدل من جزاء. وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ ضم الراء هو الأصل، ويجوز فتحها وإسكانها تخفيفًا (٥). وقرئ: (في الغرفة) على الإفراد (٦)، وهو في معنى الجمع، إذا المراد به الجنس. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ

стр. 3018

بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾: قوله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما) شرطية في موضع نصب بـ ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾، و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في موضع نصب على التمييز والمميز (مَا)، والفاء جواب الشرط، ويجوز أن تكون موصولة في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في موضع الحال من الراجع إلى الموصول المحذوف. وقوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) (١) أي: اذكر يوم، وقيل: هو ظرف لقوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾. و ﴿جَمِيعًا﴾: حال. وقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾. و ﴿إِيَّاكُمْ﴾ منصوب بقوله: ﴿يَعْبُدُونَ﴾. وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ﴾ اليوم ظرف لقوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾، و ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ حال. ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾: قوله : ﴿يَدْرُسُونَهَا﴾ الجمهور على إسكان الدال وضم الراء من الدرس، وقرئ: (يَدَّرِسُونها) بفتح الدال مشددة وكسر الراء (٢)، وهو

стр. 3019

يفتعلون من الدرس، ومعناه كمعنى قراءة الجمهور غير أن فيه زيادة معنى في قوة الدرس، لأن افتعل أقوى معنىً من فَعَل، إذ القوم لا يزيدون حرفًا في كلامهم إلا لمعنى وحكمة، وكفاك دليلًا قوله جل ذكره: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (١) قالت النحاة: هو أبلغ من قادر (٢). و(يُدَرِّسونها) بضم الياء وفتح الدال مع التشديد وكسر الراء (٣)، من التدريس وهو تكرير الدرس، أو من دَرَسَ الكتاب ودَرَّسَ الكتب، قاله الزمخشري (٤). وقوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ المعشار: العشر، كالمرباع بمعنى الربع، والعشر الجزء من أجزاء العشرة، وقيل: المعشار عشر العشر (٥). وقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: إنكاري، والنكير والإنكار تغيير المنكر. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾: قوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ بخصلة واحدة، وقد فسرها بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ فأن تقوموا في موضع جر إما على البدل منها، أي: إنما أعظكم بأن تقوموا، أو على أنه عطف بيان لها، ويجوز أن يكون في موضع رفع على: هي أن تقوموا. ومذهب أبي إسحاق: أنها في موضع

стр. 3020

نصب، على معنى: أعظكم بهذه لأن تقوموا (١). وقوله: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في أن تقوموا، أي: متفرقين، اثنين اثنين وواحدًا واحدًا، أو مجتمعين ووحدانًا. قيل: والذي أوجب تفرقهم مزدوجين اثنين اثنين، ومنفردين واحدًا واحدًا: أن الاجتماع مما يشوش الخواطر، ويعمي البصائر، ويمنع من الرويّة، ويخلط القول (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ فعل مستقبل معطوف على ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾. وقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ في (ما) وجهان: أحدهما -وهو الوجه وعليه الجل- أنها نافية، أي: ليس بصاحبكم من جنة، أي: من جنون. والثاني: أنها استفهامية، أي: ثم تتفكروا أي شيء بصاحبكم من جنون؟ أي: إذا تفكرتم واستدللتم علمتم أن لا جنون به. فإن قلت: إذا كان ما للنفي، هل هو متصل بما قبله أو مستأنف؟ قلت: قد جوز أن يكون متصلًا، على معنى: ثم تتفكروا فتعلموا أليس بصاحبكم من جنون؟ وأن يكون مستأنفًا تنبيهًا من الله جل ذكره على طريقة النظر في أمر رسوله ﵊. وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ في موضع الرفع على أنه نعت لـ ﴿نَذِيرٌ﴾، وأما ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ فيجوز أن يكون ظرفًا للظرف، وأن يكون حالًا من المنوي في الظرف، أو من المنوي في ﴿نَذِيرٌ﴾، لأنه بمعنى منذر، وأن يكون صفة بعد صفة لنذير.

стр. 3021

﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾: قوله : ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ﴾ (ما) يجوز أن تكون شرطية في موضع نصب بقوله: ﴿سَأَلْتُكُمْ﴾، لأن سأل يتعدى إلى مفعولين، و ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ تفسير وتبيين لـ ﴿مَا﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمعنى: نفي مسألة الأجر رأسًا، كقولك: إن أعطيتني شيئًا فخذه، وأنت تعلم أنه لم يعطك شيئًا. وأن تكون موصولة في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ في موضع الحال من الراجع المحذوف إلى الموصول، والخبر ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾، والمعنى أيضًا: نفي مسألة الأجر، أي: لا، أي: لا آخذه منكم فهو موهوب لكم، وأن تكون نافية، و ﴿مِنْ﴾ للعموم. وقوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: فما لكم لا أتعرض لشيء منه، والأجود الوجه الأول، فاعرفه فإنه موضع. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾: قوله : ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وذلك يحتمل أوجهًا: أن يكون صفة لـ ﴿رَبِّي﴾ على المحل، وأن يكون بدلًا منه أو من المنوي في ﴿يَقْذِفُ﴾، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، وأن يكون خبرًا بعد خبر، وقرئ: بالنصب (١) على أنه صفة لربي أو بدل منه، أو على المدح. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾:

стр. 3022

قوله : ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (ما) يجوز أن تكون نافية والباطل الشيطان، عن قتادة (١)، أي: ما ينشئ خلقًا وما يعيده. وأن تكون استفهامية منصوبة المحل بما بعدها، أي: أي شيء ينشيء الباطل؟ وأي شيء يعيده؟ ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾: قوله : ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ﴾ الجمهور على فتح اللام التي هي عين الفعل في الفعل الأول وكسر الضاد في الفعل الثاني، وقرئ: (ضلِلْتُ)، (أَضَلُّ) بكسر اللام وفتح الضاد (٢)، وهما لغتان بمعنى، يقال: ضلَلْتُ أَضِلُّ، وضلِلْتُ أَضَلُّ. وحكي فيهما قراءة ثالثة: (إِضَلُّ) بكسر الهمزة مع فتح الضاد (٣)، وقد ذكر وجه ذلك فيما سلف من الكتاب (٤). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾: قول : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ خبر (لا) محذوف، أي: فلا فوت لهم. وقوله: ﴿وَأُخِذُوا﴾ عطف على ما دل عليه ﴿فَلَا فَوْتَ﴾، كأنه قيل: أحيط بهم وأخذوا، أو على لا فوت، على معنى: إذ فزعوا فلم يفوتوا وأُخذوا.

стр. 3023

قال أبو الفتح: ولا يصح (١) أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿فَزِعُوا﴾ وهو بالواو، لأنه لا يراد: ولو ترى وقت فزعهم وأخذهم، وإنما المراد -والله أعلم- ولو ترى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا، فعطف (أُخِذُوا) على ما فيه الفاء المعلقة الأول بالآخر على وجه التسبب له عنه، وإذا كان معطوفًا على ما فيه الفاء، فكأن فيه فاءً، فيؤول الحديث إلى أنه كأنه قال: ولو ترى إذ فزعوا فأخذوا (٢)، هذا إذا كانت فيه فاء، وأما وفيه الواو فلا يحسن عطفه على ﴿فَزِعُوا﴾، بل يكون معطوفًا على ما فيه الفاء، انتهى كلامه (٣). ويجوز أن تكون الواو للحال و (قد) معها مرادة، أي: وقد أخذوا. وجواب (لَو) محذوف، أي: لتعجبت، أو لرأيت أمرًا عظيمًا. و ﴿فَزِعُوا﴾ كل وما بعده في موضع جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليه. وقرئ: (وأَخْذٌ) بفتح الهمزة وإسكان الخاء وتنوين الذال (٤)، وفيه وجهان: أحدهما: رفع بالابتداء وخبره محذوف، أي: وثَمَّ، أو وهناك أخذ لهم. والثاني: رفع بفعل مضمر دل عليه ﴿فَلَا فَوْتَ﴾، أي: وأحاط بهم أخذٌ. ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾:

стр. 3024

قوله : ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ قرئ: بغير همزة (١)، وهو التفاعل من نَاشَ يَنُوشُ نَوْشًا، إذا تناول، وتناوش القوم، تناول بعضهم بعضًا، والمعنى: من أين لهم تناول الإيمان من مكان بعيد؟ أي: لا سبيل لهم إلى تناوله، لذهاب أزمان التكليف. وقرئ: بالهمزة (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: بدل من الواو لكونها مضمومة، وضمتها لازمة. والثاني: أصل من النئيش، وهو الحركة في إبطاء (٣)، والمعنى: من أين لهم الحركة فيما بعد، ولا حيلة في ذلك. وقيل: هو من نأش، إذا طلب (٤)، والمعنى: من أين لهم طلب الإيمان في الآخرة ومكانه الدنيا، لأنها دار التكليف؟ هذا آخر إعراب سورة سبأ والحمد لله وحده

стр. 3025

إعراب سورة الملائكة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾: قوله : ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ نعت لله جل ذكره، والإضافة حقيقية ليس إلا، لأنه لما مضى، تعضده قراءة من قرأ: (فَطَرَ السمواتِ) على لفظ الماضي وهو الضحاك (١). ويجوز في الكلام رفعه على إضمار هو، ونصبه على المدح. فأما قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ فيجوز أن تكون الإضافة معنوية كفاطر، تنصره (٢) قراءة من قرأْ: (جعَلَ المَلائِكَةَ)، وهو خُليد بن نُشيط (٣)، فتنصب (رسلا) بإضمار فعل، أي: وجعلهم رسلًا، لأن اسم الفاعل إذا كان لما مضى لم يعمل، وأن تكون لفظية بمعنى الحال أو الاستقبال، وحذف منه

стр. 3026

التنوين تخفيفًا، فيكون ﴿رُسُلًا﴾ مفعولًا به ثانيًا إن جَعلتَ الجَعْلَ بمعنى التصيير، وإن جعلته بمعنى الخلق كان حالًا مقدرة كـ ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (١)، وهو نعت بعد نعت إن جعلت الإضافة محضة، أو بدل إن قُدِّرت منفصلةً، فاعرفه فإنه موضع. وقرئ: (جاعلُ) بالرفع (٢)، على: هو جاعل. قال أبو عبيدة: إذا طال الكلام خرجوا فيه من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى الرفع، لتختلفَ ضروبُهُ، وتتباينَ تراكيبه (٣). وقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ في موضع نصب صفة لقوله: ﴿رُسُلًا﴾، أي: ذوي أجنحة. وأولو اسم جمع لذو، كما أن أولاء اسم جمع لذا، و ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ جمع جناح. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ صفات لأجنحة، أي: اثنين اثنين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا، وإنما لم تنصرف لكونها معدولة عن ألفاظ الأعداد المكرر المذكور آنفًا، ولكونها صفات لما قبلها، وقد مضى الكلام على هذه في أول "النساء" بأشبع من هذا (٤). ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾: قوله : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ (ما) شرطية منصوبة المحل بيفتح، ويفتح مجزوم بها، ومثلها ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾. و ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ تفسير لـ ﴿مَّا﴾، وتُرك تفسير الثاني لدلالة الأول عليه.

стр. 3027

وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد إمساكه، فحذف المضاف لدلالة ﴿يُمْسِكْ﴾ عليه، وأنث الضمير أولًا حملًا على معنى ﴿مَا﴾، وذُكِّرَ ثانيًا على لفظ ﴿مَا﴾، ولأن الأول فُسِّر بالرحمة فَحَسُنَ إتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فتُرك على أصل التذكير، قاله: الزمخشري (١). قوله: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ ابتداء وخبر، والفاء جواب الشرط. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾: قوله : ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ استفهام بمعنى النفي، ومحل ﴿مِنْ خَالِقٍ﴾ الرفع إما بإضمار فعل دل عليه ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾، أو بالابتداء والخبر محذوف، أي: لكم، أو في الوجود، أو يرزقكم، أو غير الله، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله، و (مِنْ) زائدة، زيدت لعموم النفي. وقرئ: (غيرُ الله) بالرفع والجر (٢)، وحكي فيه النصب أيضًا (٣). أما الرفع: فيحتمل أوجهًا: أن يكون وصفًا لخالق على المحل، وأن يكون خبرًا له، وأن يكون فاعلًا به، أي: هل يخلق غير الله شيئًا؟ كقولك: هل ضارب إلا زيدٌ؟ [أي: هل يضرب إلا زيدٌ] (٤) وأما الجر: فعلى الوصف لخالق على

стр. 3028

اللفظ. وأما النصب: فعلى الاستثناء، كأنه قيل: هل يرزقكم خالق إلا الله؟ و﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يجوز أن يكون خبرًا، وقد ذكر، وأن يكون صفة أخرى لخالق، وأن يكون مستأنفًا، وأن يكون مفسرًا لمضمر ترفع به ﴿مِنْ خَالِقٍ﴾، أي: هل يرزق خالق غير الله يرزقكم من السماء المطر ومن الأرض النبات؟ ومحله على الوجه الأول: الرفع، وعلى الثاني: إما الرفع على الموضع وإما الجر على اللفظ، وأما على الثالث والرابع: فلا محل له، فاعرفه. وقوله: ﴿بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الجمهور على فتح الغين، وهو اسم الفاعل، فعول من غَرَّهُ، إذا خدعه، وهو الشيطان في قول الجمهور (١)، وقرئ بضمها (٢) وفيه وجهان، أحدهما: مصدر كاللزوم. والثاني: جمع غارّ، كقعود في جمع قاعد. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما الرفع على الابتداء وهو الجيد وما بعده الخبر، وإما النصب: إما على الوصف لقوله: ﴿حِزْبَهُ﴾ (٣) أو على البدل منه. وأما الجر: إما على الوصف لأصحاب السَّعير، أو على البدل منه. قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ (مَنْ) يجوز أن تكون موصولة، وأن

стр. 3029

تكون شرطية، ومحلها على كلا التقديرين الرفع بالابتداء. وقوله: ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ عطف على ﴿زُيِّنَ﴾، والخبر أو الجواب محذوف، واختلف في تقديره: فقال أبو إسحاق: تقديره: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، دل عليه ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (١). وقال غيره: تقديره: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فأضله الله كمن هداه الله؟ ثم حذف لدلالة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ عليه (٢). أو كمن لم يزين له، أو كمن آمن وعمل صالحًا، أو كمن علم الحسن من القبيح (٣). وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الجمهور على فتح التاء في قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ﴾: ورفع قوله: ﴿نَفْسُكَ﴾ به على الفاعلية، وقرئ: (فلا تُذْهِبْ) بضم التاء من أذهب، ونصب قوله: (نَفْسَكَ) به على المفعولية (٤). وانتصاب ﴿حَسَرَاتٍ﴾ على كلتا القراءتين يحتمل أوجهًا: أن يكون مفعولًا له، أي: فلا تَهْلَك نَفْسُك أو فلا تُهْلِك نَفْسَكَ للحسرات. وأن يكون مصدرًا على المعنى، كأنه قيل: فلا تتحسر نفسك حسرة، ثم جمع لاختلافه كما جمع الظنون والحلوم (٥).

стр. 3030

وأن يكون حالًا، أي: متحسراتٍ، كأنه قيل: متحسرة، ثم تكررت منها الحسرة فجمعت، أو جعلت كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر، فاعرفه فإنه موضع. وقيل: نصب على التمييز، والوجه ما ذكر. ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾: قوله : ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ابتداء وخبر، أي: نشورُ الأموات مثلُ إحياء الموات، والنشور على بابه. وقيل: هو هنا بمعنى الإنشاء (١). و ﴿جَمِيعًا﴾ حال، أي: مجتمعة، يعني: عِزَّةَ الدارين. وقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾، وَرَفْعُهُ بالابتداء، والخبر ﴿يَرْفَعُهُ﴾. واختلف في الرافع والمرفوع: فقيل: الرافع هو الله، والمرفوع العمل. وقيل: الرافع العمل، والمرفوع الكلم. وقيل: الرافع الكلم وهو لا إله إلا الله، عن ابن عباس ﵄، والمرفوع العمل، لأنه لا يُقبل عَمَلٌ إلا من مُوَحِّدٍ (٢). وقرئ: (والعملَ الصالحَ) بالنصب (٣)، على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر، والرافع: الله جل ذكره، أو ﴿الْكَلِمُ﴾، والمرفوع: العمل ليس إلا. ولا يجوز أن يكون المرفوع الكلم على قراءة النصب، لأن ﴿يَرْفَعُهُ﴾ مفسر للفعل المضمر، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.

стр. 3031

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، في انتصاب ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ وجهان: أحدهما: نعت لمصدر محذوف، أو لما في حكمه، تقديره: يمكرون المكرات السيئات، أو أنواع المكر السيئات، لأن ما أضيف إلى المصدر مما هو وصف له في المعنى بمنزلة المصدر، أو يسيئونَ السيئات، لأن المكر إساءة، فيكون مصدرًا من معناه لا من لفظه. والثاني: مفعول به، على تضمين ﴿يَمْكُرُونَ﴾ معنى يكسبون ويعملون، لأن المكر كسب وعمل، فاعرفه. وقوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (هو) هنا يجوز أن يكون فصلًا، وأن يكون تأكيدًا، وأن يكون مبتدأ. ومعنى يبور: يبطل، من بارَ عملُهُ بَوْرًا، إذا بطل. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ قوله : ﴿بِعِلْمِهِ﴾ في موضع الحال، أي: ملتبسًا بعلمه، أو معلومًا له. ﴿وَلَا يُنْقَصُ﴾ الجمهور على ترك تسمية الفاعل، وقرئ: (ولَا يَنْقُصُ) على تسمية الفاعل (١). ونَقَصَ يتعدى ولا يتعدى، تقول: نقصتُ الشيءَ نقصًا، ونقصَ الشيءُ نقصانًا، فإذا فهم هذا، فهو على قراءة الجمهور متعد ليس إلا، وأما على هذه القراءة فيجوز أن يكون لازمًا، على: ولا

стр. 3032

يَنْقَصُ شيء من عمره، وأن يكون متعديًا، على: ولا ينقص الله من عمره شيئًا، وإلى هذا التأويل ترجع قراءة الجمهور، فاعرفه. وقوله: ﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ ارتفاع قوله: ﴿شَرَابُهُ﴾: بسائغ على المذهبين لكونه اعتمد على ما قبله، والسائغ: المَرِئ السهل الانحدار لعذوبته، وقرئ: (سَيِّغ) بالتشديد بوزن سيّد (١)، وهو فيعل، وعينه واو، وأصله سَيْوغْ كمَيْوتْ في الأصل من ساغ الشراب يسوغ سوغًا، إذا سهل دخوله في الحلق.، وسغته أنا، يتعدى ولا يتعدى. و (سَيْغٌ) بالتخفيف (٢)، وهو محذوف من سيِّغ كميْتٍ من مَيِّتٍ. و (مَلِحٌ) على فَعِلٌ (٣)، وهو مقصور من مالح. وقوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ (فيه) يجوز أن يكون من صلة ﴿مَوَاخِرَ﴾، وأن يكون من صلة (تَرَى)، وأن يكون حالًا من ﴿الْفُلْكَ﴾. و ﴿مَوَاخِرَ﴾: حال إما من الفلك، وإما من المنوي في ﴿فِيهِ﴾ إن جعلته حالًا وإلا فلا. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾:

стр. 3033

قوله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر. و ﴿رَبُّكُمْ﴾ خبر بعد خبر، أو اسم الله صفة لاسم الإشارة، أو عطف بيان له والخبر ﴿رَبُّكُمْ﴾، و ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ خبر أيضًا بعد خبر، ولك أن تجعل ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ في موضع الحال والعامل فيها ما في (ذا) من معنى الفعل. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ الجمهور على التاء النقط من فوقه، وقرئ: (يَدْعُونَ) بالياء (١)، ووجههما ظاهر. والقطمير: لفافة النواة، وهي القشرة البيضاء الرقيقة التي بين التمرة والنواة. وقيل: هي النكتة البيضاء التي في باطن النواة تنبت منها النخلة. وقيل: ما بين القمع والنواة (٢). وقوله: ﴿بِشِرْكِكُمْ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، أي: بإشراككم إياهم، والمعنى: يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياهم، قال قتادة: هو قوله تعالى حكاية عن الآلهة: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ (٣). ويجوز أن يكودن مضافًا إلى المفعول، أي: بإشراكهم إياكم، أي: بجعلهم إياكم شركاء لله عز وعلا، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (كان) هنا الناقصة، واسمها مضمر فيها، و ﴿ذَا قُرْبَى﴾ خبرها، أي: ولو كان المدعو ذا قربى، أي: قريبًا مناسبًا من أَبٍ أو ابنٍ أو أخٍ أو ابن عم. وأجاز الفراء: ولو كان (ذو) قربى

стр. 3034

بالرفع (١). قيل: وقد قرئ به (٢)، فتكون (كان) على هذا التامة، كقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (٣) وقوله: ٥٢٨ - إذا كان الشتاء ............. ... .............. (٤) [ويجوز أن تكون في قراءة الجمهور أيضًا التامة، فيكون ﴿ذَا قُرْبَى﴾ حالًا من المنوي فيها. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾] (٥). أي: عقاب ربهم، فحذف المضاف. و﴿بِالْغَيْبِ﴾: في موضع الحال إما من الفاعل، أي: يخشونه غائبين عنه، أي: عن عذابه، أو من المفعول، أي: يخشون عذابه غائبًا عنهم. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ .. ﴾ (لا) الثانية والرابعة والأخيرة المقرونة بالعاطف زوائد، وإنما جيء بِهنّ مع العاطف لتأكيد معنى النفي، والتقدير: ولا الظلمات والنور. ولا الظل

стр. 3035

والحرور، وما يستوي الأحياء والأموات. حتى تقع المساواة بين اثنين، لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، ألا ترى أنك إذا قلت: لا يستوي زيد ولا عمرو، لم يجز حتى يحكم بزيادة (لا) الثانية، لأن النفي للاستواء، ولفظ الاستواء يستدعي اثنين، فكأنك قلت: لا يستويان، وإذا كان كذلك فلا يحتاج أن تقرن العاطف بلا إلا على وجه تأكيد معنى النفي، وكفاك دليلًا: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ولم يقل جل ذكره: ولا البصير. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ الجمهور على تنوين قوله: ﴿بِمُسْمِعٍ﴾، وهو الأصل لأنه لما يقع، وقرئ: بترك التنوين (١) على الإِضافة تخفيفًا. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (بشيرًا ونذيرًا) حالان من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾. وأما ﴿بِالْحَقِّ﴾ فقد جُوِّزَ أن يكون حالًا من أحد الضميرين، بمعنى: محقًا، أو محقين، أو ملتبسًا به، أو ملتبسين، وأن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: إرسالًا مصحوبًا بالحق. وأن يكون صلة لبشير ونذير على: بشيرًا بالوعد الحق، ونذيرًا بالوعد الحق. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا

стр. 3036

وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾: قوله : ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾: (ثمرات) نصب لأنه مفعول به لأخرجنا. و ﴿مُخْتَلِفًا﴾ نعت لثمرات، و ﴿أَلْوَانُهَا﴾، رفع بأنه فاعل لقوله: ﴿مُخْتَلِفًا﴾ لأن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل، كأنه قيل: يختلف ألوانها. وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ الجمهور على ضم الجيم من ﴿جُدَدٌ﴾ وفتح الدال الأولى، وهي جمع جُدَّةٍ، والجدَّةُ الطريقة يخالف لونها لون ما يليها، أي: طرائق تخالف لون الجبل، ومنه جُدّة الحمار، وهي الخطة التي في ظهره تخالف لونه، قال المتلمس (١): ٥٢٩ - لَهُ جُدَدٌ سُودٌ كَأَنَّ أَرندَجًا ... بِأكرُعِهِ وبالذِّرَاعَيْنِ سُنْدُسُ (٢) الأرندج: جِلْدٌ أسود. وقرئ: (جُدُدٌ) بضم الجيم والدال (٣)، وهو جمع جديد، كسرر في جمع سرير، أي: ومن الجبال آثار جدد غير مُخْلِقَةٍ، أي: ظاهرة للناظرين غير خفية، بخلاف ما أخلق وتقادم، فهو أصح لها وأوضح للونها. وقرئ بفتح الجيم والدال (٤)، وهو الطريق الواضح المسفر، والجَدَدُ

стр. 3037

أيضًا: الأرض الصلبة، وفي المثل: "مَنْ سَلَكَ الجَدَدَ أَمِنَ العِثَارَ" (١). فإن قلت: الجَدَدُ مفرد وقد وصف بقوله: ﴿بِيضٌ﴾ وهو جمع؟ قلت: هو كقولهم: أهلك الناسَ الدرهمُ البيضُ، والدينارُ الصفرُ. و ﴿بِيضٌ﴾ صفة لجدد، و ﴿وَحُمْرٌ﴾ عطف على ﴿بِيضٌ﴾. وقوله: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ فيه أوجه: أحدهما: صفة لقوله: ﴿جُدَدٌ﴾ والضمير للجدد أي: ألوان الجدد، وهو تأكيد لقوله: ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾. والثاني: صفة لقوله: (حُمْرٌ) والضمير للحمر، على: بعضها أشد حمرة، وبعضها أدون، وبعضها أوسط. والثالث: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ بدل من قوله: ﴿جُدَدٌ﴾، والضمير للجبال، كأنه قيل: ومن الجبال مختلف ألوانها. ولا بد من تقدير حذف موصوف. وقوله: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾، عطف على: ﴿بِيضٌ﴾ أو على ﴿جُدَدٌ﴾ على: ومن الجبال أثر ذو جدد ومنها ما هو على لون واحد ﴿وَغَرَابِيبُ﴾ وهو جمع غربيب، وهو الشديد السواد الذي هو على لون الغراب، عن أبي عبيدة وغيره (٢). وقوله: ﴿سُودٌ﴾ فيه أوجه: أحدها: على التقديم والتأخير، والتقدير: وسود غرابيب، لأن العرب تقول: أسود غربيب، وأسود حالك، للذي أَبْعَدَ في السواد وأَغْرَبَ فيه، فتؤكد الأسود بالغربيب، ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد ولا يتقدم عليه.

стр. 3038

والثاني: قوله: ﴿سُودٌ﴾ بدل من (غَرابِيبُ) وليس بصفة. والثالث: المؤكد مضمر قبله، والذي بعده تفسير لما أضمر، والتقدير: وسود غرابيب سود، ثم أضمر لدلالة ما بعده عليه، قيل: وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد، حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعًا (١). ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾: قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أي: ومنهم بعض، أي (٢): جنس له خَلْق مختلف ألوانه، فحذف الموصوف، هذا مذهب أهل البصرة، وقال أهل الكوفة: التقدير: مَن هو مختلف ألوانه، فحذُف الموصول وأُبقيت الصلة، ولم يُجِز أهلُ البصرة حَذْفُ الموصول وإبقاء صلته. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب بأنه صفة لمصدر محذوف، أي: اختلافًا كاختلاف الثمرات والجبال. والجمهور على تشديد الباء من ﴿وَالدَّوَابِّ﴾ وهو الأصل، وقرئ: بتخفيفها (٣)، على حذف إحدى الباءين كراهة التضعيف. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الجمهور على نصب اسم الله جل ذكره ورفع ﴿الْعُلَمَاءُ﴾ وهو الوجه. والخشية بمعنى الخوف، والمعنى: إنما يخاف اللهَ من كان عالمًا به وبصفاته، وبما يجوز عليه وما لا يجوز.

стр. 3039

وقرئ: برفع اسم الله تعالى ونصب (العلماء) (١)، والخشية هنا استعارة، والمعنى: إنما يُعَظّم اللهُ ويجلُّ من عباده العلماءَ، كما يُعَظَّمُ ويُجَلُّ المهيبُ المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده، قاله الزمخشري (٢). وقيل: يخشى يمتحن. وقيل: يختار. وقال بعض أهلى العلم: إن قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ متصل بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ على: كما اختلفت هذه الأشياء فكذلك العلماء في خشيتهم لله مختلفون على مقادير عِلمهم، فكل من كان علمه بالله جل ذكره أكثر كان خشيته لله أشد، وفي الحديث: "أَعْلَمُكُمْ بالله أشدكم خشية" (٣). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾: قوله : ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ مصدران في موضع الحال، أي: مُسِرِّين ومعلنين.

стр. 3040

وقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ﴿يَرْجُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، أي: يأملون تجارة لن تكسد. وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿يَرْجُونَ﴾، وأن يكون من صلة محذوف، أي: فعلوا جميع ذلك لهذا الغرض، وقد يجوز أن يكون ﴿يَرْجُونَ﴾ في موضع الحال، على معنى: وأنفقوا راجين توفية أجورهم، وخبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾، على معنى: غفور لهم، شكور لأعمالهم. وقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (هو) يجوز أن يكون فصلًا، وأن يكون مبتدأ. و ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال مؤكدة، لأن الحق لا ينفك من هذا التصديق (١). وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من صلة ﴿مُصَدِّقًا﴾. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾: قوله : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الجمهور على رفع ﴿جَنَّاتُ﴾ وفيه أوجه: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، أي: لهم جنات عدن، أو هو جنات عدن، كأنه قيل: ما ذلك الفضل؟ فقيل: هو جنات عدن. وأن يكون بدلًا من قوله: ﴿هُوَ الْفَضْلُ﴾، وأن يكون خبرًا بعد خبر لـ ﴿ذَلِكَ﴾. و﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ صفة لـ ﴿جَنَّاتُ﴾ على هذه الأوجه. وأن يكون مبتدأ والخبر ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ والكلام مستأنف. وقرئ: (جناتِ عدن) بالنصب (٢)، على إضمار فعل يفسره

стр. 3041

(يدخلونها)، أي: يدخلون جنات عدن يدخلونها. وقيل: إنها مجرورة على البدل من الخيرات (١). وقرئ: (جَنَّةُ عَدْنٍ) على الإفراد (٢)، وهو يؤدي عن معنى الجمع. وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا. . . وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ يجوز أن يكونا صفتين لجنات، وأن يكونا حالين من الضمير المرفوع أو المنصوب في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾. وقد مضى الكلام على (لؤلؤٍ) و (لؤلؤًا) و (أساور) في "الحج" (٣). وقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ (الذي) يجوز أن يكون في موضع رفع: على أنه بدل من المنوي في ﴿لَغَفُورٌ﴾ أو ﴿شَكُورٌ﴾، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ مضمر. وأن يكون في موضع نصب: إما على إضمار أعني، أو على أنه صفة لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا﴾. وأن يكون في موضع جر على أنه صفة بعد صفة لاسم الله جل ذكره وما بينهما اعتراض. و﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ مفعول به لا ظرف لكونها محدودة، والمُقَامَةُ: مصدر بمعنى الإقامة، يقال: أقمت إِقَامَةً ومُقَامًا وَمُقَامَةً. وقيل: المُقامة: الموضح الذي يؤكل فيه ويشرب (٤).

стр. 3042

وقوله: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿أَحَلَّنَا﴾ أي: مستريحين فيها، والنَّصَبُ: التعب. ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أي: إعياء. وقيل: عناء، والنصب واللغوب متقاربان في المعنى، ومنهم من فرق بينهما فقال: النصب: التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له، واللغوب: ما يلحقه من الفتور بسبب النَّصَب، فالنصب نفس المشقة والكلفة، واللغوب نتيجته وما يحدث منه (١). والجمهور على ضم لام اللُّغوب، وهو مصدر لَغَبَ يَلْغُبُ لُغُوبًا، إذا أعيا، وقرئ: (لَغُوبٌ) بفتحها (٢)، وفيه وجهان: أحدهما مصدر أيضًا كالقَبُولِ والوَلُوعِ. والثاني: صفة لمصدر محذوف، أي: لا يمسنا فيه لُغُوبٌ لَغُوبٌ، كأنه يصف اللغوب بأنه قد لَغَبَ، أي: أعيا وأتعب على المبالغة، كقولهم: موتٌ مائتٌ، وشِعْرٌ شَاعِرٌ، وكذا تأول ابن السرَّاج قولهم: تَوَضَّأْتُ وَضُوءًا، أنه وَصْفٌ لمصدر محذوف، أي: وُضُوءًا وَضوءًا، كقولك: وُضُوءًا وَضِيئًا، أي: كاملًا حسنًا (٣). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾: قوله : ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الجمهور على نصب قوله:

стр. 3043

﴿فَيَمُوتُوا﴾ على جواب النفي ونصبه بإضمار أن، والمعنى: لا يماتون فيموتوا، أي: فيستريحوا بالموت، يقال: قَضى عليه الله، إذا أماته: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (١)، أي: ليمتنا. وقرئ: (فيموتون) بالرفع (٢)، عطفًا على ﴿يُقْضَى﴾، وإدخالًا له في حكم النفي، أي: لا يُقضى عليهم بالموت ولا يموتون، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٣) واختيرت قراءة الجمهور، لأنَّ فيها نَفْيَ سببِ الموت وهو القضاء عليهم، وإذا نُفي السَّبَبُ فالمُسَبَّبُ أشد انتفاءً. وقوله: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ لك أن تقيم ﴿عَنْهُمْ﴾ مقام الفاعل، فيبقى ﴿مِنْ عَذَابِهَا﴾ في موضع نصب، ولك العكس، هذا إذا لم تجعل ﴿مِنْ﴾ صلةً، فإن جعلتها صلة كان ﴿مِنْ عَذَابِهَا﴾ في موضع رفع ليس إلا. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في موضع نصب لكونه صفة لمصدر محذوف، أي: جزاء مثل ذلك الجزاء. وقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح (٤) بجهد وشدة، والطاء بدل من التاء، وإنما أبدلت منها لمؤاخاة الطاء للصاد، لأنهما حرفا إطباق، وحرفا استعلاء. وقوله: ﴿صَالِحًا﴾ أي: عملًا صالحًا. ﴿غَيْرَ الَّذِي﴾: صفةٌ أيضًا بعد صفة: عملًا صالحًا غير الذي كنا نظنه صالحًا فنعمله. وقوله: ﴿مَا يَتَذَكَّرُ﴾ يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: تعميرًا

стр. 3044

يتذكر فيه، وأن تكون موصوفة، أي: عمرًا يتذكر فيه، وأن تكون ظرفية، أي: زمنًا أو وقتًا يتذكر فيه، و ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ في الأوجه صفة لها. وقرئ: (يذّكر) بإدغام التاء في الذال بعد قلبها ذالًا (١)، وهو حسن. ﴿وَجَاءَكُمُ﴾: عطف على ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾، لأنه بمعنى المضي، كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾: قوله : ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جزاء كفره، فحذف المضاف. وقوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا﴾ ذكر في "لقمان" (٢). وقوله: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾ (إنْ) بمعنى ما النفي. ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: إلا وعدًا ذا غرور. وقوله: ﴿أَنْ تَزُولَا﴾: يجوز أن يكون مفعولًا له، أي: كراهة أن تزولا، وعند أهل الكوفة: لئلا تزولا (٣)، فحذف (لا). وأن يكون مفعولًا به، أي: عن أن تزولا، أو من أن تزولا، أي: يمنعهما عن الزوال بحفظه إياهما، لأن الإمساك مَنْعٌ وحِفْظٌ.

стр. 3045

﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾ لام توطئة القسم، والقسم بعدها مضمر، وإنْ شرطية، و ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ جواب القسم، وقد سد مسد الجوابين، و ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما، وأمسك بمعنى يمسك، ومِن الأولى مزيدة لتأكيد النفي، والثانية لابتداء الغاية، والتقدير. ولئن زالتا والله ما يمسكهما أحد من بعده، أي: من بعد إمساكه إياهما. وقيل: ﴿لَئِنْ﴾ بمعنى لو (١)، وحكي عن بعض القراء أنه قرأ كذلك (٢). ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾: قوله : ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ انتصابه على المصدر، ولك أن تجعله في موضع الحال، أي: جاهدين، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٣). وقوله: ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ المنوي في زاد لمجيء النذير، و ﴿نُفُورًا﴾ مفعول به ثانٍ. وأما ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ فيجوز أن يكون بدلًا من ﴿نُفُورًا﴾، كأنه قيل: ما زادهم إلا استكبارًا. وأن

стр. 3046

يكون مفعولًا له، أي: ما زادهم مجيئه إلا أن نفروا عن الحق للاستكبار في الأرض، وأن يكون في موضع الحال، أي: مستكبرين فيها، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا وفعله مضمر، أي: واستكبروا استكبارًا. وقوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ معطوف عليه، وحكمه في الإعراب حكمه في الأوجه، وقد جوز أن يكون معطوفًا على ﴿نُفُورًا﴾ (١) فيكون مفعولًا به، وإضافة المكر إلى ﴿السَّيِّئِ﴾ كصلاة الأولى، لأن ﴿السَّيِّئِ﴾، في المعنى صفة للمكر، والتقدير: ومكر الخلق السيِّئ. وقيل: هو من إضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز، لأن المكر قد يكون سيئًا وغير سيئ (٢)، والوجه هو الأول بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وقرأ حمزة (وَمَكْرَ السيِّئْ) بإسكان الهمزة (٣)، تخفيفًا لتوالي الحركات مع الياء والهمزة، وليس قول من قال (٤): إنه قَدَّرَ الوقفَ عليه، فأجرى الوصل مجرى الوقف، بمستقيم، لأن حمزة ليس مذهبه إبقاء الهمزة في الوقف على صورته، بل يزيله ويسهله على مذاق العربية، ومُلَحِّنُ حمزةَ في هذا ونظيره لكونه حذف حركة الإعراب مخطى جاهل بالقراءات وبوجوهها، وبلغات القوم وبما فيها من الاتساع: من الإشباع، والاختلاس، والإسكان، والحذف، والإثبات، وغير ذلك مما لا يُحْصى، مع أن حركات الإعراب قد تحذف في مواضع: منها الوقف، ومنها الإدغام، ومنها الأسماء والأفعال المعتلة (٥)، فلو كانت حركات الإعراب لا يجوز حذفها من حيث كانت دلالة الإعراب لم يجز حذفها في هذه المواضع، فإذا جاز حذفها في

стр. 3047

هذه المواضع بعوارض (١) تعرض، جاز حذفها أيضًا في قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ لما ذكرت، ولكن من جهل شيئًا عاداه. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ الفاء وما بعدها جواب (إذا)، والعامل فيها معنى الجملة، وهو جازاهم وشبهه. هذا آخر إعراب سورة الملائكة والحمد لله وحده

стр. 3048

إعراب سُورة يس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾: قوله : ﴿يس﴾ الجمهور على إسكان نونه، وهو الأصل، لما ذكرت فيما سلف من الكتاب (١) أن هذه الحروف التي في أوائل السور حقها أن يوقف على كل حرف منها، لأنها ليست بخبر لما قبلها من الحروف، ولا لما بعدها، ولا عُطِفَ بعضُها على بعض كالعدد، ولذلك أجيز فيها الجمع بين الساكنين كما أجيز في الكلم التي يوقف عليها. وبما ذُكر احتَجَّ مَن أظهرها عند ما بعدها. وقرئ: (ياسينَ) بالفتح (٢)، وذلك يحتمل وجهين: أن تكون حركته حركة بناء كالتي في نحو: أينَ وكيفَ، بَنَاهُ على الوصل، ولم يُقَدِّر الوقفَ ففتحه لذلك، أعني قارئه، وأن تكون حركة إعراب كالتي في نحو: قابيلَ وهابيلَ، فيكون مفعولًا به على معنى: اذكر أوائل ياسينَ.

стр. 3049

وبالكسر (١) على الأصل، كجَيْرِ في القسم، وقد قيل: إن أوائل السور قسم (٢). وبالضم (٣)، وذلك يحتمل الوجهين أيضًا: أن تكون لالتقاء الساكنين، كالتي في نحو حيثُ وهيتُ. وعن ابن عباس ﵄ معناه: يا إنسانُ في لغة طيّئ (٤)، وروي أن قارئه -وهو الكلبي- سئل عنه فقال: هو بلغه طيئ يا إنسان (٥). قال بعضر النحاة: إن صح هذا عن ابن عباس فوجهه أن يكون [أصله] يا أنيسين، فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره، كما قالوا في القَسَم: مُ اللهِ، في أَيْمُنِ اللهِ (٦). وقد ذكرت في أول البقرة مذهب القوم في حذفهم بعض حروف الكلمة والاكتفاء بالحرف الواحد منها عن سائر حروفها، وكفاك دليلًا قوله ﷺ : "كَفَى بالسَّيفِ شا" (٧) أي: شاهدًا، فحذف العين واللام كما ترى استغناءً بالفاء عنهما. وأن تكون للإعراب، على: هذه ياسينُ.

стр. 3050

وبعدُ: فقد اختُلِف في ﴿يس﴾: فقيل: معناه يا إنسان، فقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ على هذا جَرٌّ بواو القسم، كأنه قيل: يا إنسان وحَقِّ القرآن ذي الحكمة أنك لمن المرسلين. وقيل: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، على: أُقْسِمُ بياسين. وقيل اسم من أسماء القرآن مقسم به أيضًا، على: أقسم بالكتاب المسمى بياسين. وقيل: اسم للسورة مقسم به أيضًا، فالواو في ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ على هذه الأوجه للعطف لا للقسم، فاعرفه. وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، لإنَّ، على معنى: إنك جامعٌ للوصفين، كقولك: هذا حُلْوٌ حَامِضٌ. وأن يكون حالًا من المنوي في الخبر، كقولك: فلان في الطريق على الفرس. وأن يكون صلة للمرسلين، كأنه قيل: أُرْسِلْتَ على صراطٍ مستقيمٍ. قوله : (تَنْزِيلُ العَزيزِ الرَّحيمِ) قرئ: بالرفع (١)، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو تنزيلُ العزيز الرحيم، أو بالعكس، أي: تنزيلُ الرحيم هذا. وعن الفراء: أنه خبر ثالث لإنّ، أي: إنك لمن المرسلين وعلى صراط مستقيم وذو تنزيل العزيز الرحيم، فحذف المضاف (٢). وبالنصب (٣)، على المصدر، على: نَزَّله تنزيلًا، أو على: أعني،
следующие страницы →