← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

يكون مفعولًا له، أي: ما زادهم مجيئه إلا أن نفروا عن الحق للاستكبار في الأرض، وأن يكون في موضع الحال، أي: مستكبرين فيها، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا وفعله مضمر، أي: واستكبروا استكبارًا. وقوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ معطوف عليه، وحكمه في الإعراب حكمه في الأوجه، وقد جوز أن يكون معطوفًا على ﴿نُفُورًا﴾ (١) فيكون مفعولًا به، وإضافة المكر إلى ﴿السَّيِّئِ﴾ كصلاة الأولى، لأن ﴿السَّيِّئِ﴾، في المعنى صفة للمكر، والتقدير: ومكر الخلق السيِّئ. وقيل: هو من إضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز، لأن المكر قد يكون سيئًا وغير سيئ (٢)، والوجه هو الأول بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وقرأ حمزة (وَمَكْرَ السيِّئْ) بإسكان الهمزة (٣)، تخفيفًا لتوالي الحركات مع الياء والهمزة، وليس قول من قال (٤): إنه قَدَّرَ الوقفَ عليه، فأجرى الوصل مجرى الوقف، بمستقيم، لأن حمزة ليس مذهبه إبقاء الهمزة في الوقف على صورته، بل يزيله ويسهله على مذاق العربية، ومُلَحِّنُ حمزةَ في هذا ونظيره لكونه حذف حركة الإعراب مخطى جاهل بالقراءات وبوجوهها، وبلغات القوم وبما فيها من الاتساع: من الإشباع، والاختلاس، والإسكان، والحذف، والإثبات، وغير ذلك مما لا يُحْصى، مع أن حركات الإعراب قد تحذف في مواضع: منها الوقف، ومنها الإدغام، ومنها الأسماء والأفعال المعتلة (٥)، فلو كانت حركات الإعراب لا يجوز حذفها من حيث كانت دلالة الإعراب لم يجز حذفها في هذه المواضع، فإذا جاز حذفها في

стр. 3047

هذه المواضع بعوارض (١) تعرض، جاز حذفها أيضًا في قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ لما ذكرت، ولكن من جهل شيئًا عاداه. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ الفاء وما بعدها جواب (إذا)، والعامل فيها معنى الجملة، وهو جازاهم وشبهه. هذا آخر إعراب سورة الملائكة والحمد لله وحده

стр. 3048

إعراب سُورة يس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾: قوله : ﴿يس﴾ الجمهور على إسكان نونه، وهو الأصل، لما ذكرت فيما سلف من الكتاب (١) أن هذه الحروف التي في أوائل السور حقها أن يوقف على كل حرف منها، لأنها ليست بخبر لما قبلها من الحروف، ولا لما بعدها، ولا عُطِفَ بعضُها على بعض كالعدد، ولذلك أجيز فيها الجمع بين الساكنين كما أجيز في الكلم التي يوقف عليها. وبما ذُكر احتَجَّ مَن أظهرها عند ما بعدها. وقرئ: (ياسينَ) بالفتح (٢)، وذلك يحتمل وجهين: أن تكون حركته حركة بناء كالتي في نحو: أينَ وكيفَ، بَنَاهُ على الوصل، ولم يُقَدِّر الوقفَ ففتحه لذلك، أعني قارئه، وأن تكون حركة إعراب كالتي في نحو: قابيلَ وهابيلَ، فيكون مفعولًا به على معنى: اذكر أوائل ياسينَ.

стр. 3049

وبالكسر (١) على الأصل، كجَيْرِ في القسم، وقد قيل: إن أوائل السور قسم (٢). وبالضم (٣)، وذلك يحتمل الوجهين أيضًا: أن تكون لالتقاء الساكنين، كالتي في نحو حيثُ وهيتُ. وعن ابن عباس ﵄ معناه: يا إنسانُ في لغة طيّئ (٤)، وروي أن قارئه -وهو الكلبي- سئل عنه فقال: هو بلغه طيئ يا إنسان (٥). قال بعضر النحاة: إن صح هذا عن ابن عباس فوجهه أن يكون [أصله] يا أنيسين، فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره، كما قالوا في القَسَم: مُ اللهِ، في أَيْمُنِ اللهِ (٦). وقد ذكرت في أول البقرة مذهب القوم في حذفهم بعض حروف الكلمة والاكتفاء بالحرف الواحد منها عن سائر حروفها، وكفاك دليلًا قوله ﷺ : "كَفَى بالسَّيفِ شا" (٧) أي: شاهدًا، فحذف العين واللام كما ترى استغناءً بالفاء عنهما. وأن تكون للإعراب، على: هذه ياسينُ.

стр. 3050

وبعدُ: فقد اختُلِف في ﴿يس﴾: فقيل: معناه يا إنسان، فقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ على هذا جَرٌّ بواو القسم، كأنه قيل: يا إنسان وحَقِّ القرآن ذي الحكمة أنك لمن المرسلين. وقيل: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، على: أُقْسِمُ بياسين. وقيل اسم من أسماء القرآن مقسم به أيضًا، على: أقسم بالكتاب المسمى بياسين. وقيل: اسم للسورة مقسم به أيضًا، فالواو في ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ على هذه الأوجه للعطف لا للقسم، فاعرفه. وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، لإنَّ، على معنى: إنك جامعٌ للوصفين، كقولك: هذا حُلْوٌ حَامِضٌ. وأن يكون حالًا من المنوي في الخبر، كقولك: فلان في الطريق على الفرس. وأن يكون صلة للمرسلين، كأنه قيل: أُرْسِلْتَ على صراطٍ مستقيمٍ. قوله : (تَنْزِيلُ العَزيزِ الرَّحيمِ) قرئ: بالرفع (١)، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو تنزيلُ العزيز الرحيم، أو بالعكس، أي: تنزيلُ الرحيم هذا. وعن الفراء: أنه خبر ثالث لإنّ، أي: إنك لمن المرسلين وعلى صراط مستقيم وذو تنزيل العزيز الرحيم، فحذف المضاف (٢). وبالنصب (٣)، على المصدر، على: نَزَّله تنزيلًا، أو على: أعني،

стр. 3051

فيكون مفعولًا به. وحكي فيه الجر (١)، على البدل من القرآن. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ قوله : ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ اللام يجوز أن يكون من صلة فعله على قول من نصبه به، أي: نزله لتنذر، وأن يكون من صلة الإرسال، دل عليه: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: أرسلتَ لتنذر، أو مُرْسَلٌ للنذر، وفي: ﴿مَآ﴾ أوجه: أن تكون نافية، أي: لم يُنْذَر آباؤهم، أي: لم يأت آباؤهم نبي، ولا أُنزل عليهم كتاب، بشهادة قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٢)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (٣). وأن تكون موصولة منصوبة المحل على أنها المفعول الثاني ﴿وَلِتُنْذِرَ﴾، أي: لتنذر قومًا العذابَ الذي أُنذر آباؤهم، كقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ (٤). وأن تكون مصدرية، أي: لتنذر قومًا إنذارَ آبائهم، وفي الكلام حذف، أي: إنذارًا مثل إنذار آبائهم، كقولك: ضربته ضَرْبَ الأمير. وأن تكون صلة، أي: لتنذر قومًا أُنذر آباؤهم.

стр. 3052

وهذه الأوجه ما عدا الوجه الأول تدل على إثبات الإنذار، يعضده: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١). وقوله: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ ابتداء وخبر، والضمير في ﴿فَهِيَ﴾ للأغلال، أي: واصلة إلى الأذقان، والأذقان: جمع ذقن وهو مجمع اللحيين. وقيل: الضمير لِلأَيمان، يعضده قراءة من قرأ: (في أيمانهم أغلالًا) وهو ابن مسعود ﵁ (٢). وقيل: للأيدي، تنصره قراءة من قرأ: (في أيديهم أغلالًا) (٣). قال أبو إسحاق: من قرأ: (في أيمانهم) المعنى واحد، لأن الغُلّ لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق، انتهى كلامه (٤). وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ المقمح في اللغة: الرافع رأسَه الغاضُّ بَصَرَه، يقال: أَقْمحه الغل، إذا ترك رأسه مرفوعًا من ضيقه، وسئل علي رضي الله تعالى عنه عن الإِقماح، فجعل يديه تحت لحييه وألصقهما ورفع رأسه (٥). ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾:

стр. 3053

قوله : ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي: فأغشينا أبصارهم، أي: غطيناها وجعلنا عليها غشاوة، أي غطاء، فحذف المضاف. وقرئ: بالعين غير معجمة (١)، من العَشَا في العين، منقول بالهمزة من عَشِيَ يَعْشَى عَشًا، فهو أَعْشَى، وأَعْشَاهُ الله، كعَمِيَ وأعماه الله، وهما يَعْشَيَان، ولم يقولوا: يَعْشَوَانِ، لأن الواو لَمَّا صارت في الواحد ياء لكسرة ما قبلها، تركت في التثنية على حالها (٢). والمعنى: أضعفنا أبصارهم عن إدراك الهدى كما أُضعفت عين الأعشى. والقراءتان متقاربتان؛ لأنهما ترجعان إلى تغطية البصر، إما بصر العين، أو بصر القلب على ما فسر، فاعرفه. وقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ في موضع الحال إما من المنوي في ﴿وَخَشِيَ﴾، أو من ﴿الرَّحْمَنَ﴾ جل ذكره، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٣). وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ الجمهور على نصب (كُلَّ) على إضمار فعل يفسره الظاهر، وقرئ: بالرفع (٤) على الابتداء، والكلام فيه كالكلام في ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ﴾ في "سبحان"، وقد ذكر ثمَّ وأُوضح (٥). ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾:

стр. 3054

قوله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ الضرب هنا يجوز أن يتعدى إلى مفعولين على تضمينه معنى الجعل والتصيير، كقولك: ضربت الشيء مثلًا، أي: جعلته مثلًا. وهما ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ فـ ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعول أول، و ﴿مَثَلًا﴾ ثان. وأن يتعدى إلى واحد وهو ﴿مَثَلًا﴾ على معنى: اذكر لهم، أوصِف لهم مثلًا. وقوله: ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾: بدل من ﴿مَثَلًا﴾ والتقدير: واضرب لهم مثلًا مَثَلَ أصحابِ القرية، فحذف المضاف، كأنه قيل: صف لهم أصحاب القرية، أو اذكر لهم أصحاب القرية، أي: خبرهم. وقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ ناصب ﴿إِذْ﴾ محذوف وهم (١) خَبَرُهُمْ أو قِصتُهُمْ. ويجوز أن يكون حالًا من هذا المقدر المحذوف، وقال الزمخشري: انتصاب ﴿إِذْ﴾ بأنه بدل من ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ (٢)، وهو بدل الاشتمال على زعمه، وفيه نظر، لأن الظرف -أعني ظرف الزمان- كما لا يجوز أن يكون وصفًا للعين، ولا حالًا منه، ولا خبرًا عنه، ينبغي أيضًا ألا يكون بدلًا منه، فاعرفه. و﴿إِذْ﴾ الثاني وهو قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ بدل من الأول وهو هو. قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ المفعول محذوف. أي: فقويناهما بثالث، أي: برسول ثالث، من عَزَّزَ المطرُ الأرضَ، إذا لَبَّدَها وشدها، وأرض معزوزة، أي: شديدة (٣). وقرئ: (فَعَزَزْنَا) بالتخفيف (٤) من عَزَّهُ يَعُزُّهُ عَزًّا، إذا غلبه، وفي المثل: "مَنْ عَزَّ بَزَّ" (٥)، أي: من غَلَبَ سَلَبَ، والاسم العِزَّةُ، وهي القوة

стр. 3055

والغلبة، أي: فغلبناهم وقهرناهم بثالث. ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾: قوله : ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ في معمول ﴿يَعْلَمُ﴾ وجهان: أحدهما: محذوف، والوقوف على ﴿يَعْلَمُ﴾، والتقدير: ربنا يعلم ما لأجله خَصَّنا بالرسالة دونكم، فحُذف للعلم به. والثاني: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، إنما كسرت (إنَّ) لأجل اللام، كقولك: علمت إن زيدًا لمنطلق (١). وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ الجمهور على همزة الاستفهام، وإن الشرطية، وتشديد الكاف، ومعناه وُعِظْتُمْ وخُوِّفْتُمْ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، والتقدير: أإن ذُكِّرْتم توعدتم بالرجم والعقاب، أو تشاءمتم بنا، أو قلتم هذا القول، وما أشبه هذا. وقرئ: (أَنْ ذُكِّرْتُمْ) بهمزة واحدة مفتوحة من غير استفهام على الخبر (٢)، على معنى: تطيرتم لأَنْ ذُكِّرْتُم، ومحل (أنْ) النصب لعدم الجار، أو الجر على إرادته. وقرئ كذلك غير أن الهمزة مكسورة (٣)، على أنها الشرطية، وجوابها

стр. 3056

محذوف، أي: إن ذُكِّرتم تطيرتم. وقرى": (أيْنَ ذُكِرْتُمْ) بهمزة مفتوحة بعدها ياء ساكنة والنون مفتوحة والكاف خفيفة (١)، و (أين) شرطية لا مكانية، وجوابها أيضًا محذوف، والمعنى: أين جرى ذكركم فشؤمكم معكم، أو أين وُجِدْتم وُجِدَ شؤمكم معكم. وقرئ أيضًا: (أَأَنْ ذكرتم) بهمزة الاستفهام وأن المفتوحة (٢)، على معنى: تطيرتم لأن ذكرتم. فمن قرأ بالاستفهام جاز الوقوف على ﴿مَعَكُمْ﴾، لأن الاستفهام يقطع ما قبله عما بعده، لأن له صدر الكلام، كأنه قال: بل طائركم معكم، ردًا عليهم، ثم استأنف مستفهمًا وهو يري الإنكار، وأما من لم يستفهم فلا وقوف على قراءته على ﴿مَعَكُمْ﴾، لاتصال أَنْ وإِنْ وَأَيْنَ بما قبلها، فاعرفه (٣). ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾: قوله : ﴿لَا أَعْبُدُ﴾ في موضع الحال، كما تقول: مالك واقفًا؟ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (٤). وقوله: ﴿إِنْ يُرِدْنِ﴾ أصله: يريدني أسكنت الدال للشرط، وحذفت الياء

стр. 3057

التي قبلها لالتقاء الساكنين، [وياء النفْسِ اكتفاءً بالكسرة عنها، هذا على لغة من حركها، وأما على لغة من أسْكَنَها فحذفت لالتقاء الساكين] هي ولام التعريف (١). و ﴿لَا تُغْنِ﴾ جواب الشرط. و (لا) للنفي، فإن قلت: هل يجوز أن تجعل (ما) هنا موضع (لا)؟ قلت: لا، لأن (ما) وضع لنفي الحال، نحو: ما يفعل، وما زيد منطلقًا، و (لا) لنفي الاستقبال، نحو: لا يفعل، كذا ذكره صاحب الكتاب ﵀ (٢)، وجواب الشرط مستقبل ليس إلا، فاعرفه. وقوله: ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ عطف على ﴿لَا تُغْنِ﴾ وعلامة الجزم حذف النون، وأصلها: ينقذونني. ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي﴾ المنادى محذوف، أي: يا هذا، أو ياصاحبي. ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ جوز في (ما) أوجهًا: أن تكون مصدرية، أي: بغفران ربي إياي. وأن تكون موصولة وراجعها محذوف، أي: بالذي غفره لي ربي من الذنوب. وأن تكون استفهامية، بمعنى: أي شيء؟ ، أي: بأي شيء غفر لي ربي؟ وفيها معنى التعجب، كأنه تعجب من مغفرة الله له، تقليلًا لعلمه وتعظيمًا لمغفرة ربه، وهذا وجه حسن جيد من جهة المعنى، لكنه ضعيف من جهة إثبات الألف مع (ما)، والأجود طرحها معها للفرق بين الاستفهام والخبر في حال السعة والاختيار وإن كان إثباتها جائزًا وهو الأصل، نحو بما فعلت هذا؟ وبم فعلت؟ فطرحها أجود وعليه سائر ما في

стр. 3058

التنزيل، نحو: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ (١) و ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٢) وشبههما، ولا يجوز الوقوف على الوجه الأول والثاني على ﴿يَعْلَمُونَ﴾، وأما على الوجه الثالث فجائز حسن، فاعرفه. وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ (ما) الأولى نافية لا غير، وفي الثانية، وجهان: أحدهما: نافية أيضًا أعيدت للتأكيد. والثاني: موصولة، ومحلها النصب عطفًا على موضع ﴿مِنْ جُنْد﴾، على: وما أنزلنا على قومه من بعده -أي: من بعد قتله، وقيل: من بعد رفعه إلى السماء (٣) - جندًا، والذي كنا منزلين على الأمم، إذ أهلكناهم بأصناف من العذاب: كالطوفان، والصاعقة، والحجارة وغيرها. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾: قوله : ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً﴾ (صيحة) خبر كان، واسمها مضمر فيها، أي: ما كانت العقوبة أو الأخْذة إلا صيحةً واحدةً، صاح بهم جبريل ﵇ فماتوا عن آخرهم. وقرأ ابن القعقاع: (صَيْحَةٌ واحدَةٌ) بالرفع (٤)، على كان التامة، أي: ما وقعت إلا صيحةِّ واحدةٌ، وأنكرت النحاة الرفع وضعفوه (٥)، لأجل تأنيث الفعل، وقالوا: القياس فيه وفي نظائره تذكيره، ألا ترى أنك إذا قلت: ما قامت إلا هند، كان ضعيفًا، والجيد: ما قام إلا هند، وذلك أن الكلام محمول على معناه، أي: ما قام أحد إلا هند. وكان هنا معناه: ما وقع شيء إلا صيحة، فلما كان هذا هو المراد اختاروا تذكير لفظ الفعل إرادةً له وإيذانًا به. ولكنه نَظَرَ إلى ظاهر اللفظ، وأن الصيحة في

стр. 3059

حكم فاعل الفعل فأنث الفعل لذلك، ومثله قراءة من قرأ: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (١) بالتاء في (ترى) النقط من فوقه، وهو الحسن (٢)، وعليه قول ذي الرمة: ٥٣٠ - .................... ... فَمَا بَقِيَتْ إِلاَّ الصُّدُورُ الجَرَاشِعُ (٣) والقياس فيهما تذكير فعلهما، لأن المراد: لا يُرى شيءٌ إلا مساكنهم، وما بقي شيء منها إلا الصدور. وعن ابن مسعود ﵁ وغيره: (إِلَّا زَقْيَةً واحدةً) (٤)، من زَقَا الطائر يَزْقُو ويَزْقِي زَقْوًا وزَقْيًا وزُقاء، إذا صاح. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ (إذا) للمفاجأة، وهي مكانية، وما بعدها مبتدأ وخبر، أي: فبذلك المكان هم خامدون، أي: ميتون، خمدوا كما تخمد النار فتعود رمادًا، كما قال لبيد: ٥٣١ - وَمَا المَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وضَوْئِهِ ... يَحُوُرَ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ (٥) ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾: قوله : ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ الجمهور على تنوين (حسرةً)، وفيه وجهان:

стр. 3060

أحدهما: منادى مشابه للمضاف من أجل طوله، و ﴿عَلَى﴾ من صلته، كقولك: يا خيرًا من زيد، والمعنى: يا حسرةً إن كنتِ مما يُنادَى، فهذا وقتك الذي حقك أن تحضري فيه، وهو وقت استهزائهم بالرسل، بشهادة قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. والثاني: المنادى محذوف، أي: يا قوم أو يا هؤلاء، و (حَسْرَةً) مصدر، أي: أتحسر حسرة، و ﴿عَلَى﴾ على هذا من صلة هذا الفعل، ويجوز أن يكون صفة للحسرة، فتكون من صلة محذوف. واختلف في قائل هذا القول، فقيل: هو الله . وقيل: هو حبيب النجار. وقيل: الملائكة. وقيل: الهالكون (١). وقرئ: (يَا حَسْرَةَ العِبَادِ) بترك التنوين وحذف (على) (٢) على الإضافة إليهم، لاختصاصها بهم من حيث إنها موجهة إليهم، وفي (العباد) وجهان: أحدهما: فاعلون في المعنى، كقولك: يا قيامَ القوم ويا جلوسَهم، كأنهم إذا شاهدوا العذاب تحسروا. والثاني: مفعولون والفاعل محذوف، أي: يا حسرة الملائكة عليهم حين كذبوا الرسل (٣) أو حين شاهدوا ما يمسهم، وتعضد هذا الوجه قراءة الجمهور. [وقرئ] (٤): (يا حسرهْ على العباد) بالهاء ساكنة (٥) على إجراء الوصل

стр. 3061

مجرى الوقف، ويجوز أن يكون نوى الوقف عليها وقدره، فيكون ﴿عَلَى﴾ متعلقًا بمضمر دل عليه (حسره)، أي: أتحسر على العباد، والأول أحسن، فاعرفه. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (كم) هنا خبرية منصوبة المحل بقوله: ﴿أَهْلَكْنَا﴾، لا بقوله: ﴿يَرَوْا﴾ كما زعم الفراء (١)، لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها خبريةً كانت أو استفهاميةً، والرؤية ههنا من رؤية القلب، و ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ، وبهذا البدل استُدل: أن ﴿كَمْ﴾ خبرية لكونه أبدل منها ما ليس باستفهام، والتقدير: ألم يعلموا كثرة إهلاكنا القرون مِن قبلهم كونَهم غيرَ راجعين إليهم؟ والجملة في موضع نصب بيروا، كقولك: علمت إن زيدًا لقائم، فالفعل عامل في المعنى مُعَلَّقٌ عن العمل في اللفظ كما ترى لأجل اللام، وكذا هنا عاملٌ في المعنى دون اللفظ، لما ذكر آنفًا من أن (كم) لا يعمل فيها ما قبلها. وقرئ: إنهم بالكسر (٢) على الاستئناف. وقوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ قرئ: (لما) بالتخفيف والتشديد (٣)، وأجمعوا على تخفيف (إنْ) ورفع ما بعدها على الابتداء، والخبر ما بعده، غير مَن خفف (لما) كان (ما) صلة للتأكيد، وأن مخففة من

стр. 3062

الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن أو الأمر، واللام هي اللام الفارقة بينها وبين النافية، ومن شددها كانت بمعنى: إلا، كقولهم: نشدتك بالله لما فعلت، أي: إلا فعلت، وأن نافية بمعنى (ما)، أي: وما كلُّ إلا جميع لدينا محضرون، والتنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوض من المضاف إليه، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١)، وقد مضى الكلام على (لما) في آخر سورة هود بأشبع من هذا (٢). ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾: قوله : ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ﴾ (آية) مبتدأ، و (لهم) صفته، و (الأرض) الخبر أو بالعكس. وقيل: (آية) مبتدأ ثان، و ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ خبره، والجملة في موضع التفسير للجملة الأولى. ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ أي: شيئًا من العيون، أو العيون على المذهبين. وقوله: ﴿لِيَأْكُلُوا﴾ من صلة ﴿وَفَجَّرْنَا﴾، أو ﴿وَجَعَلْنَا﴾. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ اختلف في الضمير، فقيل: للماء، أي: من ثمر الماء، لأن الماء أصل الجميع (٣). وقيل: للنخيل، وهو في اللفظ مذكر، وتُرك الأعناب غير مرجوع إليها، لأنه عُلِمَ أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره (٤).

стр. 3063

وقيل: للجنات، على معنى: ليأكلوا من ثمره المذكور (١). وقيل: لله جل ذكره، على معنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر (٢). وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ (ما) يجوز أن تكون موصولة مجرورة المحل عطفًا على ﴿ثَمَرِهِ﴾، أي: ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم من الغرس والسقي، وغيرهما مما يكون منسوبًا إلى عمل أيديهم. وقيل: محلها الرفع عطفًا على ﴿الْأَرْضُ﴾، على: وآية لهم ما عملته أيديهم. وأن تكون نافية، على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيديهم. وقرئ: (وما عملت) بحذف الهاء (٣)، والكلام فيه كالكلام فيمن أثبت الهاء، إلا أنك إذا جعلتها نافية تحتاج إلى تقدير مفعول لعملت، فاعرفه. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾: قوله : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ ابتداء وخبر، ولك أن تعطف ﴿وَالشَّمْسُ﴾ على ﴿اللَّيْلُ﴾، على: وآية لهم الشمس، فيكون ﴿تَجْرِي﴾ في موضع الحال، أي: جارية. وقرئ: (لا مُسْتَقَرَّ لَهَا) بفتح الراء (٤)، على نفي الاستقرار، أي: لا تزال تجري لا تستقر، وهو جريها وانتقالها في البروج ما دامت السماوات على ما هي عليه. وقرئ: (لا مُسْتَقَرٌ لَهَا) بالرفع والتنوين (٥)، على أنَّ (لا) بمعنى: ليس

стр. 3064

ذلك، أي ذلك الجري على ذلك التقدير، تقدير العزيز في ملكه، العليم بما قدّر من أمرها. ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾: قوله : (والقمرُ) قرئ: بالرفع (١)، إما بالابتداء والخبر ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾، أو بالعطف على ﴿اللَّيْلُ﴾ على: (وآية لهم القمر). وبالنصب (٢)، على: وقدرنا القمر قدرناه منازل، أي: وقدرنا له منازل، أو قدرنا مسيره منازل، لا بد من تقدير أحد المذكورين إما الجار أو المضاف، لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل. فإن قلت: إذا قدرت قدرنا له، كان ﴿مَنَازِلَ﴾ مفعولًا به ثم حَذَفْتَ الجار وهو مراد، وإن قدرت قدرنا مسيره منازل، بم تنصبُ ﴿مَنَازِلَ﴾؟ قلت: أنصبه على ثلاثة أوجه: إما على حذف الجار، أي: قدرنا مسيره في منازلَ. وإما على أنه مفعول به ثان على تضمين قدرنا معنى صيرنا. وإما على الحال، أي: ذا منازل. وقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ محلْ الكاف النصب، إما على الحال من المنوي في ﴿عَادَ﴾، أي: حتى رجع في دقته مشبهًا العرجون، أو على أنه خبر ﴿عَادَ﴾، أي: حتى صار مثل العرجون. قيل: وهو عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة، والعِذق بالكسر: الكِبَاسَةُ. والشماريخ: جمع شمراخ أو شمروخ، وهو ما عليه البُسْرُ من عيدان الكِبَاسَةِ، وهو في النخل بمنزلة العنقود في الكرم، واختلف في وزنه، فقيل: هو فُعْلُولٌ والنون أصل، وليس بفُعْلُون، لأن فُعْلُونًا ليس في كلامهم.

стр. 3065

وقال أبو إسحاق: هو فُعْلُون من الانعراج (١)، وهو الانعطاف، وهذا حسن جيد من جهة المعنى، ولكن ضعيف شاذ من جهة عدم نظيره في كلام القوم. وحُكي فيه كَسْرُ العينِ وفَتْحُ الجيم، وعُزي إلى بعض القراء (٢)، وأنهما لغتان كالبُزْيُون والبِزيَون، وهو السندس (٣)، والقديم: المحْوِلُ، عن الفراء (٤). وقيل: العتيق. وقيل: الذي أتى عليه الزمان حتى يبس (٥). قال الزمخشري: وإذا قَدُمَ دَقَّ وانحنى واصفرَّ، فَشُبِّهَ به من ثلاثة أوجه، وقيل: أَقَلُّ مُدَّةِ الموصوفِ بالقِدَمِ: الحولُ، فلو أن رجلًا قال: كل مملوك لي قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته، عُتق منهم من مضى له حَوْلٌ أو أكثر، انتهى كلامه (٦). ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤)﴾: قوله : ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ الجمهور على حذف التنوين تخفيفًا، وقرئ: (سابقٌ النَّهَارَ) بالتنوين والنصب (٧) على الأصل، وبالنصب مع حذف

стр. 3066

التنوين لالتقاء الساكنين (١). وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: ابتداء وخبر، و ﴿فِي﴾ من صلة الخبر، والتنوين في (كُلٌّ) عوض من المضاف إليه، أي: وكلهم، والضمير قيل: للشموس والأقمار. وقيل: للشمس والقمر والكواكب، وأتى ﴿يَسْبَحُونَ﴾، بالواو والنون لوصفها بالسباحة، وهي من صفة من يعقل. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾: قوله : ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ (آيةٌ) مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾ صفته، و ﴿أَنَّا حَمَلْنَا﴾ الخبر، ولك أن تجعل ﴿لَهُمْ﴾ الخبر، و ﴿أَنَّا﴾ مبتدأ ثان، والخبر ﴿حَمَلْنَا﴾، والجملة في موضع التفسير للآية، ولذلك جاز أن تكون (أنَّ) مبتدأة، من أجل تعلقها بما قبلها، لأن أنَّ الشديدة لا يجوز أن تكون مبتدأة بخلاف الخفيفة، نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢)، فاعرفه. وقوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الفاء هنا للعطف، و ﴿صَرِيخَ﴾ مبني مع لا وعليه الجمهور، وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ مستأنف، ويجوز في الكلام (فلا صريخٌ) بالرفع والتنوين (٣)، على الابتداء والخبر، وجاز الابتداء بالنكرة لما

стр. 3067

فيه من معنى العموم بالنفي، والرفع والتنوين هنا أمتن عند النحاة، لأجل قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾، لأنه معرفة، و (لا) لا تعمل في المعارف، لذلك قيل في قراءة الجمهور مستأنف، فاعرفه فإنه مَوْضِع (١). والصريخ هنا فعيل بمعنى مُفْعِل، أي: مُصْرِخ، وهو المغيث، يقال: أصرخه، إذا أغاثه، وصريخ، إذا استغاث، ويأتي بمعنى أغاث، والصارخ: المستغيث والمغيث، وهو من الأضداد، أي لا مغيث لهم. والصريخ أيضًا: صوت المستصْرخ، يقال: أتاهم الصريخ. أي: لا إغاثة لهم. وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ مفعول له، ﴿وَمَتَاعًا﴾ عطف عليها، أي: ولا ينقذهم من الغرق أحد إذا أردنا تفريقهم، إلا أن نفعل نحن ذلك الإنقاذ لرحمة صادرة، أو كائنة منا، ولتمتيعٍ بالحياة إلى حين، إلى انقضاء آجالهم، أو إلَّا أن نرحمهم رحمة، ونمتعهم تمتيعًا إلى أجل يموتون فيه، فكلاهما مصدر. وقيل: التقدير إلا برحمة. وقيل: هو استثناء منقطع (٢). ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾: قوله : (وهم يَخَصِّمُونَ) الواو للحال، وقرئ: بإدغام التاء في الصاد مع فتح الخاء وكسرها، واختلاس فتحها، وإتباع الياء الخاء في الكسر (٣). و (ويَخْصِمون) بفتح الياء وإسكان الخاء وتخفيف

стр. 3068

الصاد (١)، من خَصَمَهُ، والقول في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ ووجوهه المقروء بها. كالقول في (يَهَدِّي) وقد ذكر في "يونس" (٢) غير أن من قرأ: (يَخْصِمُونَ) احتمل أن يكون معناه: يَخْصِمُ بَعْضُهُمْ بعضًا في أمورهم، متشاغلين في متصرفاتهم، فحذف المضاف والمفعول به. وأن يكون المعنى: يخصمون مجادلهم عند أنفسهم، فحذف المفعول به. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾: قوله : ﴿فِي الصُّورِ﴾ الجمهور على إسكان الواو وفيه وجهان، أحدهما: القَرْنُ الذي يَنفخ فيه إسرافيل. والثاني: جمع صُوْرَةٍ، كصوف في صوفة (٣). وقيل: وَحَرَّكَهَا بعضهم (٤)، وهو حسن لقوله: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (٥). وقوله: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ يجوز أن يكون منادى، وأن يكون منصوبًا على المصدر والمنادى محذوف، كقوله: ﴿يَاحَسْرَةً﴾ (٦). وعن أهل الكوفة: (وَيْ) كلمة، و (لنا) جار ومجرور (٧). وقيل:

стр. 3069

الأصل ويل لنا، فحذفت اللام الأولى كراهة اجتماع المثلين. وقرئ: (يا ويلتنا) بزيادة تاء (١)، على تأنيث الويل، كقوله: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ (٢)، و ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ (٣)، فويلَةٌ كَعَيْلَةٍ (٤). وقوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (من) استفهام، أي: مَن أقامنا من موضع رُقادنا؟ وعن ابن مسعود ﵁: (من أَهَبَّنا من مرقدنا) (٥)، أي: من أيقظنا من رقودنا، أو من موضع رقودنا؟ المرقد هنا: يجوز أن يكون مكانًا، وأن يكون مصدرًا، مِن هَبَّ مِن نومه يَهُبُّ هَبًّا، إذا استيقظ، وأَهَبَّهُ غيرُهُ يهبُّهُ إِهَّبَابًا، إذا أيقظه، وأُنشد: ٥٣٢ - أَلا أَيُّهَا النُّوَّام ويَحْكموا هُبُّوا ... نُسَائِلُكُمْ: هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الْحُبُّ (٦) وقرئ: (مَنْ هَبَّنَا) بغير همزة (٧)، وفيه وجهان، أحدهما: بمعنى أَهَبَّنَا. والثاني أراد: هَبَّ بنا، بمعنى أيقظنا، فحذف الجار وأوصل الفعل، ولَعَمري هذا هو الوجه، لأن أحدًا من أهل اللغة لم يَحْكِ -فيما اطلعت عليه - هَبَّني بمعنى أيقظني، اللهم إلا أن يكون لُغية لم نطلع عليها.

стр. 3070

وقرئ (مِنْ بَعْثِنَا) بكسر الميم والثاء (١)، على أن (مِن) الجارة والمجرورُ بها المصدرُ، وهي من صلة الويل، أو حال منه، فتكون من صلة محذوف، أي: صادرًا أو كائنًا من بعثنا، وجاز أن يكون الجار حالًا منه كما يجوز أن يكون خبرًا عنه في قولك: ويلي منْك. وقول الأعشى: ٥٣٣ - .................... ... وَيْلِي عَلَيْكَ وَوَيْلِي مِنْكَ يَا رَجُلُ (٢) وأما (مِن) في قوله: (مِنْ مَرقدنا) من صلة المصدر الذي هو البعث. وقوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ابتداء وخبر، و (ما) مصدرية أو موصولة، أي: هذا الذي ترونه وَعْدُ الرحمن وصِدْقُ المرسلين، أي: موعوده، تسميةً للمفعول بالمصدر، كضَرْبِ الأميرِ، وصَيْدِ الصائدِ، أو الذي وَعَدَ به الرحمنُ وصَدق فيه المرسلون، ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ خبره، ويجوز أن يكون ﴿هَذَا﴾ صفة للمرقد، تعضده قراءة من وقف على ﴿هَذَا﴾ وهو حفص عن عاصم (٣)، ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، أو هذا وَعْدُ الرحمن، أو بالعكس، أي: ما وَعَدَ الرحمنُ حَقٌّ. وقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً﴾ أي: ما كانت إعادتهم أو بعثهم أو

стр. 3071

الفعلة إلا صيحة، وحُكي فيها الرفع (١)، أي: ما وقعت إلا صيحةٌ، وقد مضى الكلام عليها بأشبع من هذا قبيل في السورة (٢). ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ (فاكهون) خبر لـ ﴿إِنَّ﴾ والظرف الذي هو ﴿فِي شُغُلٍ﴾ لَغْوٌ من صلة الخبر، ويجوز أن يكون مستقرًا، و ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر بعد خبر. وقرئ: (فاكهين) بالنصب (٣) على الحال من المنوي في الظرف، والظرف على هذا مستقر ليس إلا، و ﴿الْيَوْمَ﴾ معمول ﴿فَاكِهُونَ﴾، أو الظرف. وقرئ: (في شُغُل) بضمتين، وضمة وسكون، وفتحتين، وفتحة وسكون (٤)، كلهن لغات بمعنىً. وقرئ: (فكهون) بغير ألف (٥)، والفاكِهُ والفَكِهُ: المتنعم المتلذذ، ومنه الفاكهة، لأنها مما يُتَلَذَّذُ به، ومنه الفُكاهةُ، وهي المُزاحَةُ، ومن أمثالهم:

стр. 3072

"الفُكَاهَةُ مَقْوَدَةٌ إلى الأَذَى" (١). وحكي أيضًا أنه قرئ: بضم الكاف بألف وبغير ألف (٢)، وهما لغتان بمعنىً، كقولهم: رجل حَدِثٌ وحَدُثٌ، ويَقِظٌ وَيَقُظٌ. وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ (هم) يجوز أن يكون مبتدأ، و (أَزُوَاجُهُمْ) عطف عليه، والخبر إما ﴿فِي ظِلَالٍ﴾، أي: وهم وحلائلهم اللواتي كن لهم في الدنيا أو الحور العين، أو جميعهن -على ما فسر- ثابتون أو مستقرون في ظلال (٣). وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا بعد خبر، تعضده قراءة من قرأ: (متكئين) بالنصب على الحال من المنوي في الخبر الذي هو ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ , لأن الحال ضرب من الخبر، وهو ابن مسعود ﵁ (٤). و ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ من صلة ﴿مُتَّكِئُونَ﴾. [وأما متكئون] (٥) و ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ في موضع الحال من المستكن في ﴿مُتَّكِئُونَ﴾. وقيل: بل الخبر ﴿فَاكِهُونَ﴾ قبله، وفي ظلال من صلة ﴿فَاكِهُونَ﴾ و ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبر آخر، و ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ من صلة ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ أي: هم وأزواجهم فاكهون في ظلال متكئون على الأرائك. وأن يكون تأكيدًا للضمير الذي ﴿فِي شُغُلٍ﴾ إن جعلته مستقرًا، أو من المنوي في ﴿فَاكِهُونَ﴾. و (أَزْوَاجُهُمْ) على هذا عطف على الضمير المؤكد إما في الظرف، أو في اسم الفاعل، على أن أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على

стр. 3073

الأرائك تحت الظِّلال. و﴿ظِلَالٍ﴾ يجوز أن يكون جمع ظِلٍّ، كفِلٍّ وفِلال (١)، وأن يكون جمع ظُلَّةٍ، كَقُبَّة وَقِبَابٍ، وقُلَّة وقِلال. وقرئ: (في ظُلَلٍ) بضم الظاء من غير ألف (٢)، وهو جمعَ ظُلَّةٍ، كَحُلَلٍ فِي حُلَةٍ. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾: قوله : ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (ما) يجوز أن تكون موصولة، و ﴿يَدَّعُونَ﴾ صلتها، وعائدها محذوف، وأن تكون موصوفة بمعنى شيء، و ﴿يَدَّعُونَ﴾ صفة لها، كأنه قيل: ولهم شيء مُدَّعَى، وأن تكون مصدرية. ومحلها على الأوجه: الرفع إما بالابتداء والخبر ﴿لَهُمْ﴾، أو بِلَهم على الفاعلية على رأي أبي الحسن. و﴿يَدَّعُونَ﴾ يَفْتَعِلُونَ من الدعاء، وأصله يَدْتَعِيُونَ، فاستثقلت الحركة على الياء فأزيلت عنها بأن ألقيت على ما قبلها بعد إزالة حركة ما قبلها، لأنها لا تتحرَّك بحركة وهي متحركة بأخرى، أو حذفت حذفًا ثم حذفت الياء لسكونها وسكون واو الجمع بعدها، وضمت العين لتستقر الواو بعدها، فبقي يدتعون بوزن يفتعون، ثم أدغمت الدال في التاء بعد قلبها دالًا فبقي ﴿يَدَّعُونَ﴾ كما ترى. واختلف في معناه، فقيل: المعنى ولهم ما يتمنون، من قولهم: ادَّعِ

стр. 3074

عَليَّ مَا شِئْتَ، أي: تَمَنَّ عَليَّ مَا شِئْتَ، وفلان في خير ما ادعى، أي: في خير ما تمنى، قال أبو إسحاق: وهو مأخوذ من الدعاء، المعنى: كل ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم (١). أبو عبيدة: مثله (٢). وقد جوز أن يكون بمعنى يتداعونه، كقولك: ارتموه وتراموه. وأما قوله: ﴿سَلَامٌ﴾ فالجمهور على رفعه، وفيه أوجه: أحدهما: بدل من ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ كأنه قال: ولهم سلام. والثاني: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، أو ذلك سلام لا ينازعهم فيه منازع. والثالث: صفة لـ ﴿مَا﴾ بعد صفة، كأنه قيل: ولهم شيء مُدَّعًى مُسَلَّمٌ. والرابع: ﴿لَهُمْ﴾ خبر عن ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، و ﴿سَلَامٌ﴾ خبر بعد خبر، على معنى: أن لهم ذلك خالص لا يزاحمهم فيه أحد، لأن الشيء قد يملكه شخص وهو فيه مزاحم. والخامس: هو الخبر عن ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ و ﴿لَهُمْ﴾ من صلته، وليس بمصدر على هذا الوجه، بل بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، أي: ما يدعون مُسالم لهم، أو مُسَلَّم لهم. وإنما لم يكن بمعنى المصدر على هذا الوجه، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه. وقرئ: (سلامًا) بالنصب (٣)، ونصبه إما على المصدر على: يسلم عليهم الله في الجنة سلامًا إكرامًا لهم على ما فسر (٤). وإما على الحال: إما

стр. 3075

من المنوي في ﴿لَهُمْ﴾ على مذهب صاحب الكتاب، أو من ﴿مَا﴾ على رأي أبي الحسن، أو من الراجع المحذوف على المذهبين، أو (١) مُسَالمًا أو مُسَلِّمًا، أي: خالِصًا أو مخلَصًا، أو ذا سلام، أو ذا سلامة. وقرئ أيضًا: (سِلْمٌ) بكسر السين وإسكان اللام (٢)، وهو هنا بمعنى السلام. وأما ﴿قَوْلًا﴾ فمنصوب على المصدر، وهو مصدر مؤكد، أي: قال الله ذلك قولًا، أو يقال ذلك قولًا، ودل على الفعل المحذوف لفظ مصدره. و ﴿مِنْ رَبٍّ﴾ في موضع الصفة لقوله: ﴿قَوْلًا﴾. وقيل: انتصابه على الاختصاص (٣). ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾: الجمهور على فتح الهمزة والهاء وهو الأصل، وماضيه عهِد بالكسر، ومضارعه يَعْهَدُ عَهْدًا، والعهد هنا الوصية، وقد عَهِدت إليه، أي: أوصيت إليه، ومنه اشتُقَّ العهدُ الذي يُكتَب للولاة، وقرئ: (إِعْهَد) بكسر الهمزة (٤)، لأن ماضيه فَعِل، وكسر حروف المضارعة في باب فَعِل لغية ما عدا الياء، وقد ذكر في الفاتحة بأشبع من هذا (٥).

стр. 3076

و (أَعْهِد) بكسر الهاء (١)، وقد جوز أبو إسحاق فيه وجهين: أن يكون من باب فَعِل يَفْعِل بالكسر فيهما كَنَعِمَ يَنْعِمُ، وأن يكون من باب فَعَل يفعِل بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر، كَجَذَبَ يَجْذِبُ (٢). وقوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ عطف على ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ داخل في ضمن العهد. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا﴾ في ﴿جِبِلًّا﴾ لغات: (جُبُلًا) بضمتين مع تخفيف اللام، و (جُبْلًا) بضمة وسكون، و (جِبِلًّا) بكسرتين وتشديد اللام، و (جُبُلًّا) بضمتين وتشديد اللام، و (جبْلًا) بكسرة وسكون، وهذه كلها لغات بمعنى الخَلْقِ، وقد قرئ بهن جُمَعَ (٣). ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾: قوله : ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ﴾ الجمهور على رفع الفعلين عطفًا على ﴿نَخْتِمُ﴾، وقرئ: (ولِتُكَلّمَنا أيديهم ولِتَشْهَدَ) بلام كي في الفعلين والنصب (٤) حملًا على محذوف دل عليه ﴿نَخْتِمُ﴾، أي: ولذلك ختمنا على

стр. 3077

أفواههم. ولك أن تجعل الواو الأولى صلة على قول من جوز ذلك، فتكون اللام من صلة هذا الفعل، أي: نَخْتِمُ لتكلمَنا، وَأَمَّا الْواو الثانية فللعطف ليس إلا. وقرئ أيضًا: (وَلْتُكَلِّمْنَا أيديهم وَلْتَشْهَدْ أرجلهم) بلام الأمر فيهما والإسكان (١)، على أن الله جل ذكره يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ما) موصولة أو مصدرية. وقوله: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ قيل: لا يخلو من أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل، والأصل: فاستبقوا إلى الصراط، أو يُضمَّنُ معنى ابتدروا، ويجعل الصراط مسبوقًا لا مسبوقًا إليه، أو ينتصب على الظرف. وقوله: ﴿مُضِيًّا﴾ الجمهور على ضم ميمه وهو الأصل، وأصله: مُضُوْيٌ على فُعُول، وقد ذكر نظيره (٢)، وقرئ: (مِضِيًّا) بكسر الميم (٣) إتباعًا للعين، كما قيل: (عُتِيًا) و (عِتِيًّا) (٤)، والمعنى: لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء. وقوله: (نَنْكُسْهُ) قرئ: بفتح النون الأولى وإسكان الثانية وتخفيف الكاف مع الضم، وبضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الكاف مع الكسر (٥)، وهما لغتان بمعنىً، يقال: نَكَسْتُهُ أَنْكُسُهُ نَكْسًا، ونَكَّسْتُهُ، أُنَكِّسُهُ تنكيسًا،

стр. 3078

وأَنْكَسْتُهُ أُنْكِسُهُ إنكاسًا بمعنىً، غير أن التشديد فيه معنى التكثير، لأن الأحوال التي تنقلب على الإنسان في حال خلقه كثيرة، والتخفيف يحتملها. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾: قوله : ﴿إِنْ هُوَ﴾ الكناية عن المُعَلَّمِ، دل عليه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾، أي: قول الشعر أو صناعته، لأنه ﵊ لم يكن شاعرًا، وأما قوله ﷺ : أنا النبيُّ لا كذِبْ ... أنا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ (١) وقوله: هَلْ أنت إلا إصبع دَمِيتِ ... وَفي سَبِيل اللهِ مَا لَقِيتِ (٢) ففيه أوجه: أحدها: أن الشعر ما قصد ناظمه إلى وزنه وإخراجه عن المنثور إلى حد الموزون، فأمّا ما وقع في خلال الكلام مما يوافق وزن الشعر من غير قصد فليس بشعر، وقد يجري ذلك على ألسنة العامة الذين ليسوا من العرب ولا لهم علم بوزن الشعر اتفاقًا، فلا يسمى شعرًا، ولا قائله شاعرًا، وكذلك قال أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بكلام القوم في هذا النوع: إنه شيء وافق وزنه

стр. 3079

وزن الشعر ولم يقصد به الشعر. والثاني: أن هذا رجز، والرجز غير الشعر، والراجز غير الشاعر، وكان الخليل ﵀ ما كان يعد الرجز من الشعر (١). والثالث: أنه إنما قال ﵊: "أنا النبي لا كذبَ" بالفتح، "أنا ابن عبد المطلبِ" بالكسر، وكذلك (دميتِ) بالكسر من غير إشباع، و (لقيتْ) بالسكون للوقف، فلا يكون موزونًا. وقد رَوى بعضُهم: (لَقِيَتْ دَمِيَتْ) بتاء التأنيث الساكنة على الإخبار عن الإصبع، فلا يكون أيضًا موزونًا، وإذا كان كذلك فبطل ما اعترض به أهل الإِلحاد وادعوه عليه ﵊ وعلى كلام الله جل ذكره من الاستحالة والفساد. وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ من صلة محذوف دل عليه (إنْ هو إلا ذكر)، وقرئ: بالياء النقط من تحته (٢)، والمنوي فيه للقرآن أو لرسول الله ﷺ . وبالتاء النقط من فوقه (٣)، على الخطاب له ﵊، أو للمُنْزِلِ جَلّ ذكره. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾: قوله : ﴿أَنْعَامًا﴾ مفعول ﴿خَلَقْنَا﴾، وهي الإبل والبقر والغنم، واحدها: نَعَمٌ.

стр. 3080

وقوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الجمهور على فتح راء ﴿رَكُوبُهُمْ﴾، وقرئ: (رُكوبهم) بضمها (١). و (رَكوبتهم) بفتح الراء وزيادة تاء (٢). أما الرَّكوب: فهو ما يركب، فعول بمعنى مفعول، كالحلوب بمعنى المحلوب، أي: فمنها مركوبهم، والركوب يكون واحدًا وجمعًا، وهو هنا جمع، وكذلك الحَلُوب يكون واحدًا وجمعًا، وحذفت منه التاء عند أهل البصرة على النسب، أي ذو رَكوبٍ، والأصل ركوبتهم، وإدخال التاء عليه هو الأصل عند أهل الكوفة (٣)، ليفَرق بها بين ما هو فاعل ومفعول، نحو: امرأة صبور وشكور، هذا بمعنى فاعل، وناقة حلوبة وركوبة، هذا بمعنى مفعول، وكذلك الركوبة ما يركب، يقال: ما له رَكوبةٌ ولا حَمولةٌ ولا حَلوبةٌ، ما يركبه ويحمل عليه ويحلبه. وأما الرُّكُوب بضم الراء: فهو مصدر، وفي الكلام حذف مضاف، أي: فمنها ذو ركوبهم، وذو الركوب وهو المركوب، أو فمن منافعها ركوبهم، كما تقول لصاحبك: من منافعك إعطاؤك لي، فحذف المضاف من أول الكلام، أو يكون المصدر بمعنى المفعول، كخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأمير، وصَيْدِ الصائد، فلا حذف على هذا في الكلام ويرجع إلى معنى قراءة الجمهور. و﴿وَمَشَارِبُ﴾ جمع مشرب، وهو موضع الشرُبِ، أو الشرْب، جُمِع لاختلاف أنواعه. وقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي قولهم في الله: إِنَّ له شريكًا وولدًا، وإنك شاعر مجنون على ما فسر (٤).

стр. 3081

وقوله: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ استئناف، ويجوز في الكلام فتحه على حذف لام التعليل (١). ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾: قوله : ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ فعيل بمعنى فاعل، أي: رامٍ، يقال: رَمَّ العظم يَرِمُّ بالكسر رِمَّة، إذا بلي فهو رَمِيمٌ، أي: بالٍ، وإنما قال جل ذكره: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ولم يؤنث وقد وقع خبرًا لمؤنث، لأن فعيلًا وفعولًا قد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع، كصديقٍ وعدوٍ فاعرفه، ومن قال غير هذا غالطٌ مُخَلِّطٌ في كلامه. وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ على اللفظ، ويجوز في الكلام: الخضراء على المعني (٢). وقوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ إنما دخلت الباء ومعنى الكلام الإيجاب نظرًا إلى اللفظ، وقرئ: (يَقْدِرُ) (٣) وهو فِعْلٌ ووجهه ظاهر. وقد مضى الكلام على نصب (فيكون) ورفعه فيما سلف من الكلام (٤).

стр. 3082

﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾: قوله : ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ملكوت فَعَلُوت من مَلَكَ والمُلْكِ، والواو والتاء فيه للمبالغة، ونظيره: الْجَبَرُوت، والرَّغَبُوت، والرَّهَبُوت مصادر بمعنىً، ومنه أيضًا: الطَّاغُوت عند أبي علي، وأصله طَغَيُوت، فَعَلُوت من الطُغْيَان، إلا أنه قُلِبَ فقدمت اللام على العين، فصارت طَيَغُوت بوزن فَلَعُوت، ثم قلبت الياء لوقوعها متحركة بين متحركتين، فبقي طاغوت كما ترى، وسبب هذا القلب: أنهم لما رأوها بعرض الحذف من حيث إن الياء التي قبل الواو في طَغَيُوت قد انفتح ما قبله مع تحركه، ومن شأنه أن يقلب ألفًا، وقلبه ألفًا يفضي به إلى الحذف لالتقائه مع الواو الساكنة، فلما كان كذلك قلبوها، بأن قدموا اللام على العين، فبقي طَيَغُوت، فَقُلِبَ الياءُ ألفًا وتحصن من الحذف (١). وقرئ: (مَلَكَةُ كُلِّ شَيْءٍ) (٢). وحُكِيَ أيضًا: (مَمْلَكَة كُلِّ شيء) و (مُلْكُ كُلِّ شيءٍ) (٣) والمعنى واحد، غير أن قراءة الجمهور فيها من المبالغة ما ليس في تلك، ولهذا لا يطلق الملكوت إلا على الأمر العظيم الأعْظَم (٤)، يقال: مُلْكُ التَّاجِر والسَّمَّان والبَزَّاز، ولا يقال: ملكوتهم، فاعرفه. هذا. آخر إعراب سورة يس والحمد لله وحده

стр. 3083

إعراب سورة الصافات ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾: قوله : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (الصافات) جَرٌّ بواو القسم، وهي جمع صافَّة، أي: جماعة صافة، أي: مصطفة، والواو بدل من الباء، والأصل والتقدير: أقسم بالصافات، أَقْسَمَ سبحانه بها تعظيمًا وتشريفًا. وقيل: التقدير برب الصافات (١)، ثم حذف الفعل لحصول العلم به، لأن الجار المتعلق به يدل عليه كدلالة (بسم الله) على بدأت، وأبدل من الباء الواو لاشتراكهما في المخرج وتقاربهما في المعنى، لأن الإلصاق والجمع متقاربان في المعنى، ولا يظهر الفعل مع الواو، لأن الباء من صلة الفعل دون الواو. و﴿صَفًّا﴾ مصدر مؤكد، ومثله ﴿زَجْرًا﴾، وقيل: ﴿صَفًّا﴾ مفعول به، لأن الصف قد يَقَعُ على المصفوف (٢). و ﴿ذِكْرًا﴾ مفعول به. وقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب القسم.

стр. 3084

وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، وأن يكون بدلًا من واحد، ويجوز في الكلام نصبه بإضمار أعني. أو على الصفة لاسم ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ عطف عليه، إن رَفَعْتَ رَفَعْتَ، وإن نَصَبْتَ نَصَبْتَ. وقوله: (بزينةِ الكواكبِ) في الزينة وجهان، أحدهما: مصدر كالنِسْبَةِ والخِطْبَةِ. والثاني: اسم لما يُزَانُ به الشيء، كاللِّيْقَةِ، لما تُلاقُ به الدَّوَاةُ، فإذا فهم هذا، فقرئ: بالإضافة (١)، وفيه على الوجه الأول - وهو أن يكون مصدرًا- وجهان: أحدهما: مضاف إلى الفاعل، أي: بأن زَيَّنَتْهَا الكواكبُ، والأصل بزينةٍ الكواكبُ. والثاني: مضاف إلى المفعول، أي: بأن زَيَّنَّا الكواكبَ، أو بتزيننا الكواكبَ، والأصل: بزينةٍ الكواكبَ، وبه قرأ عاصم في رواية أبي بكر (٢). وأما على الوجه الثاني -وهو أن يكون اسمًا لما يزان به- فعلى إضافة النوع إلى الجنس، كبابِ ساجٍ، وخاتمِ حديدٍ، فالكواكب بيان للزينة، لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به، كما أن المذكورَين وهما الساج والحديد كذلك. وقرئ: (بزينةٍ الكواكبِ) بتنوين زينة وجر الكواكب (٣) على البدل من الزينة لأنها هي. و (بزينةٍ الكواكبَ) بتنوين زينة ونصب (الكواكب) (٤) على إعمال المصدر منونًا في المفعول، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (٥). وقد جوز أن ينتصب بإضمار أعني، وأن يكون

стр. 3085

بدلًا من محل ﴿بِزِينَةٍ﴾ (١). وحكي فيه قراءة أخرى: (بزينةٍ الكواكبُ) بتنوين زينة ورفع الكواكب (٢) بالزينة على الفاعلية، أي: بأن زَانَتْهَا الكَواكِبُ، أو بأن زُينتِ بالكواكب، على أن يكون المصدر مبنيًا للمفعول، كمسألة الكتاب: عَجِبْتُ مِنْ دفْعِ النَّاس بعضهم ببعضٍ (٣)، أي: من أن دُفِعَ الناسُ بعضُهم ببعضٍ، فالناس مفعول قام مقام الفاعل. ويجوز أن يكون من قرأ: (بزينةِ الكواكبِ) بترك التنوين كقراءة من قرأ: (بزينةٍ الكواكبَ) أو (بزينةٍ الكواكبُ) بتنوين زينة ونصب الكواكب أو رفعها، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين. ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾: قول : ﴿وَحِفْظًا﴾ مصدر مؤكد لفعله المحذوف، أي: وحفظناها حِفْظًا، و ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ من صلة هذا الفعل، وقيل: ﴿وَحِفْظًا﴾ مما حمل على المعنى، لأن المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء، وحفظًا من الشيطان، كما قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (٤)، ويجوز أن يُقَدَّرَ الفعلُ المُعَلّلُ كأنه قيل: وحفظًا
следующие страницы →