وقوله: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ استئناف، ويجوز في الكلام فتحه على حذف لام التعليل (١).
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ فعيل بمعنى فاعل، أي: رامٍ، يقال: رَمَّ العظم يَرِمُّ بالكسر رِمَّة، إذا بلي فهو رَمِيمٌ، أي: بالٍ، وإنما قال جل ذكره: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ولم يؤنث وقد وقع خبرًا لمؤنث، لأن فعيلًا وفعولًا قد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع، كصديقٍ وعدوٍ فاعرفه، ومن قال غير هذا غالطٌ مُخَلِّطٌ في كلامه.
وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ على اللفظ، ويجوز في الكلام: الخضراء على المعني (٢).
وقوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ إنما دخلت الباء ومعنى الكلام الإيجاب نظرًا إلى اللفظ، وقرئ: (يَقْدِرُ) (٣) وهو فِعْلٌ ووجهه ظاهر.
وقد مضى الكلام على نصب (فيكون) ورفعه فيما سلف من الكلام (٤).
стр. 3082
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾:
قوله : ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ملكوت فَعَلُوت من مَلَكَ والمُلْكِ، والواو والتاء فيه للمبالغة، ونظيره: الْجَبَرُوت، والرَّغَبُوت، والرَّهَبُوت مصادر بمعنىً، ومنه أيضًا: الطَّاغُوت عند أبي علي، وأصله طَغَيُوت، فَعَلُوت من الطُغْيَان، إلا أنه قُلِبَ فقدمت اللام على العين، فصارت طَيَغُوت بوزن فَلَعُوت، ثم قلبت الياء لوقوعها متحركة بين متحركتين، فبقي طاغوت كما ترى، وسبب هذا القلب: أنهم لما رأوها بعرض الحذف من حيث إن الياء التي قبل الواو في طَغَيُوت قد انفتح ما قبله مع تحركه، ومن شأنه أن يقلب ألفًا، وقلبه ألفًا يفضي به إلى الحذف لالتقائه مع الواو الساكنة، فلما كان كذلك قلبوها، بأن قدموا اللام على العين، فبقي طَيَغُوت، فَقُلِبَ الياءُ ألفًا وتحصن من الحذف (١).
وقرئ: (مَلَكَةُ كُلِّ شَيْءٍ) (٢). وحُكِيَ أيضًا: (مَمْلَكَة كُلِّ شيء) و (مُلْكُ كُلِّ شيءٍ) (٣) والمعنى واحد، غير أن قراءة الجمهور فيها من المبالغة ما ليس في تلك، ولهذا لا يطلق الملكوت إلا على الأمر العظيم الأعْظَم (٤)، يقال: مُلْكُ التَّاجِر والسَّمَّان والبَزَّاز، ولا يقال: ملكوتهم، فاعرفه.
هذا. آخر إعراب سورة يس
والحمد لله وحده
стр. 3083
إعراب سورة الصافات
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾:
قوله : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (الصافات) جَرٌّ بواو القسم، وهي جمع صافَّة، أي: جماعة صافة، أي: مصطفة، والواو بدل من الباء، والأصل والتقدير: أقسم بالصافات، أَقْسَمَ سبحانه بها تعظيمًا وتشريفًا. وقيل: التقدير برب الصافات (١)، ثم حذف الفعل لحصول العلم به، لأن الجار المتعلق به يدل عليه كدلالة (بسم الله) على بدأت، وأبدل من الباء الواو لاشتراكهما في المخرج وتقاربهما في المعنى، لأن الإلصاق والجمع متقاربان في المعنى، ولا يظهر الفعل مع الواو، لأن الباء من صلة الفعل دون الواو.
و﴿صَفًّا﴾ مصدر مؤكد، ومثله ﴿زَجْرًا﴾، وقيل: ﴿صَفًّا﴾ مفعول به، لأن الصف قد يَقَعُ على المصفوف (٢). و ﴿ذِكْرًا﴾ مفعول به.
وقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب القسم.
стр. 3084
وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، وأن يكون بدلًا من واحد، ويجوز في الكلام نصبه بإضمار أعني. أو على الصفة لاسم ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ عطف عليه، إن رَفَعْتَ رَفَعْتَ، وإن نَصَبْتَ نَصَبْتَ.
وقوله: (بزينةِ الكواكبِ) في الزينة وجهان، أحدهما: مصدر كالنِسْبَةِ والخِطْبَةِ. والثاني: اسم لما يُزَانُ به الشيء، كاللِّيْقَةِ، لما تُلاقُ به الدَّوَاةُ، فإذا فهم هذا، فقرئ: بالإضافة (١)، وفيه على الوجه الأول - وهو أن يكون مصدرًا- وجهان:
أحدهما: مضاف إلى الفاعل، أي: بأن زَيَّنَتْهَا الكواكبُ، والأصل بزينةٍ الكواكبُ.
والثاني: مضاف إلى المفعول، أي: بأن زَيَّنَّا الكواكبَ، أو بتزيننا الكواكبَ، والأصل: بزينةٍ الكواكبَ، وبه قرأ عاصم في رواية أبي بكر (٢).
وأما على الوجه الثاني -وهو أن يكون اسمًا لما يزان به- فعلى إضافة النوع إلى الجنس، كبابِ ساجٍ، وخاتمِ حديدٍ، فالكواكب بيان للزينة، لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به، كما أن المذكورَين وهما الساج والحديد كذلك.
وقرئ: (بزينةٍ الكواكبِ) بتنوين زينة وجر الكواكب (٣) على البدل من الزينة لأنها هي. و (بزينةٍ الكواكبَ) بتنوين زينة ونصب (الكواكب) (٤) على إعمال المصدر منونًا في المفعول، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (٥). وقد جوز أن ينتصب بإضمار أعني، وأن يكون
стр. 3085
بدلًا من محل ﴿بِزِينَةٍ﴾ (١).
وحكي فيه قراءة أخرى: (بزينةٍ الكواكبُ) بتنوين زينة ورفع الكواكب (٢) بالزينة على الفاعلية، أي: بأن زَانَتْهَا الكَواكِبُ، أو بأن زُينتِ بالكواكب، على أن يكون المصدر مبنيًا للمفعول، كمسألة الكتاب: عَجِبْتُ مِنْ دفْعِ النَّاس بعضهم ببعضٍ (٣)، أي: من أن دُفِعَ الناسُ بعضُهم ببعضٍ، فالناس مفعول قام مقام الفاعل. ويجوز أن يكون من قرأ: (بزينةِ الكواكبِ) بترك التنوين كقراءة من قرأ: (بزينةٍ الكواكبَ) أو (بزينةٍ الكواكبُ) بتنوين زينة ونصب الكواكب أو رفعها، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين.
﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾:
قول : ﴿وَحِفْظًا﴾ مصدر مؤكد لفعله المحذوف، أي: وحفظناها حِفْظًا، و ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ من صلة هذا الفعل، وقيل: ﴿وَحِفْظًا﴾ مما حمل على المعنى، لأن المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء، وحفظًا من الشيطان، كما قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (٤)، ويجوز أن يُقَدَّرَ الفعلُ المُعَلّلُ كأنه قيل: وحفظًا
стр. 3086
من كل شيطان زيناها بالكواكب (١). والمارد: المتمرد العاتي، وهو الذي يخرج عن الطاعة.
وقوله: (لا يسمعون) الضمير فيه لكل شيطان، جُمع حملًا على معنى ﴿كُلَّ﴾. وقرئ: بإسكان السين وتخفيف الميم (٢)، من سَمِعَ يسمع، وعُدَّي بإلى حملًا على المعنى، لأن المعنى: لا يصغون إليهم: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ (٣)، وبتشديدهما (٤)، وأصله يَتَسَمَّعُونَ، فأدغمت التاء في السين، وهو أبلغ في نفي الاستماع، لأنه إذا نَفَى عنهم التسمّعَ فقد نَفَى سمعَهم من جهة التسمع وغيره، والتسَمُّعُ: تَطَلُّبُ السَّمَاعِ، يقال: تسمَّع فَسَمِعَ، أو فلم يَسْمَعْ، وسَمِعَ واستمعَ يأتيان بمعنىً، يقال: سَمِعْتُ الشَّيءَ واسْتمَعْتُه، كما يقال: حَفَرْتُهُ واحتفرته، وشويتُه واشتويته.
واستمع يتعدى تارة بحرف وتارة بغير حرف، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ (٥) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٦) وكذا سَمِعَ، يقال فيه: سَمِعْتُ فُلانًا يِتَحْدَّثُ، وسَمِعْتُ إليه يِتَحدَّثُ، وسَمِعْتُ حَدِيثَه وإلى حَدِيثه، وفُرَّقَّ بينهما فقيل: المتعدي بنفسه يفيد الإدراك، والمتعدي بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك.
ولا محل له (٧) من الإعراب، وإنما هو كلام منقطع عما قبله مبتدأ. وقيل: محله الجر على أنه صفة لـ ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾، وأُنكر ذلك، بسبب أن
стр. 3087
الحفظ من شياطين لا يسمعون ولا يَتَسَمَّعُونَ لا معنى له. وقيل التقدير: لأن لا يسمعوا، فحذفت اللام مع أن فارتفع الفعل، كقوله:
٥٣٤ - ألا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَي ... ............................. (١)
وفيه أيضًا ما فيه لمن تأمل (٢).
وقوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا﴾ (دُحُورًا) يجوز أن يكون مصدر قولك: دَحَره يَدْحُرُهُ دحرًا ودُحُورًا، إِذا طرده وأبعده، وأن يكون جمع داحِرٍ، كَجُلوسٍ في جَالِسٍ، ويكون بمعنى مفعول، وأن يكون جمع دَحْرٍ، كَدُهُورِ في دَهْرِ. وهو ما يُرْمَى به.
فإذا فهم هذا، فانتصابه على الوجه الأول يحتمل أوجهًا:
أن يكون مصدرًا مؤكدًا إما لفعل مضمر معطوف على ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي: ويقذفون من كل جانب ويُدْحَرون دُحُورًا، أو لـ ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾، لأن القَذْفَ والطَّرْدَ متقاربان في المعنى، فكأنه قيل: ويدحرون من كل جانب دحورًا.
أو أن يكون مفعولًا له، أي: ويقذفون من كل جانب بالشُّهُب للدحور، أي: للإبعاد.
وأن يكون في موضع انحال من الضمير في ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾، أي: مدحورين.
وأما على الوجه الثاني: فانتصابه على الحال ليس إلا، أي: داحرين، بمعنى مدحورين.
وأما على الوجه الثالث: فعلى إسقاط الخافض، أي: ويُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بدُحُورٍ، فاعرفه فإنه موضع.
стр. 3088
وقرئ: (دَحُورًا) بفتح الدال (١)، على أنه مصدر كالقَبولِ والْوَلُوع. وقيل: هو نعت لمصدر محذوف، أي: قَذْفًا دَحُورًا (٢).
والواصب: الَدَّائم، وَوَصَبَ الشيء يِصِبُ وُصُوبًا، إذا دام، وقد ذكر (٣).
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ (مَن) يجوز أن يكون في موضع نصب على الاستثناء من قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ وهو من الجنس. وأن يكون في موضع رفع: إما على البدل من الضمير في ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾، أي: لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي ﴿خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ أي: اختلس الكلمة من قول الملائكة. والاختطاف: الاستلاب بسرعة. وقيل: ﴿خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ استمع الاستماعة، وقيل: وثب الوثبة (٤).
أو على أنه مبتدأ، والخبر ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾، ودخول الفاء في خبر المبتدأ الموصول بالفعل سائغ في كلام القوم، والاستثناء على هذا منقطع، أي: لكن من خطف الخطفة فلحقه شهابٌ ثَاقب، أي: مُضيء.
وقرئ: (خِطِّفَ) بكسر الخاء والطاء مع تشديدها (٥). وقرئ: كذلك إلا أنه بفتح الخاء (٦)، وأصلهما اختطف، وقد مضى الكلام عليه في البقرة
стр. 3089
عند قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ بأشبع ما يكون (١). والخطفة: مصدر، والألف واللام فيها للجنس. و ﴿خَلْقًا﴾ منصوب على التمييز.
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾:
قوله : ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ قرئ: بفتح التاء، على معنى: بل عَجِبْتَ يا محمد من كفرهم وتكذيبهم مع ث ضوح الآيات. و (بل عَجِبْتُ) بضمها (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مسند إلى رسول الله ﷺ أيضًا على إضمار القول، أي: قل أو قال: بل عَجِبْتُ.
والثاني: مسند إلى الله جل ذكره على معنى: بَلَغَ مِنْ عِظَمِ آياتي وكَثْرَةِ خلائقي أني عَجِبْتُ منها، فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون من آياتي؟ وفي الحديث: "عجب رَبُّكُمْ مِنْ شَابًّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوةٌ" (٣) وفيه: "عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ ألّكُم وقُنُوطِكمْ" (٤). فُسِّرَ الأول على معنى الاستحسان،
стр. 3090
والثاني: على معنى الإنكار، والأَلّ: الأنين. وقيل: المعنى. بل خلقت ما يتعجب منه، والله تعالى يخاطب الخلق بما يألفون ويعرفون من خطابهم، والعجب منه على خلافه منهم كما قال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١)، و ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٢)، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٣) وقيل: الفعل مسند إلى كل من بلغه إنكار المشركين البعث وتكذيبهم المُرْسَلَ ﷺ ، وغير ذلك مما يتعجب منه، على: أن هذا عَظُمَ عندي حتى بلغ منزلة يقال فيه: عجبت منه (٤).
وقوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ أي: أَنُبْعَثُ إذا متنا؟ دَلَّ عليه ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾، ولا يجوز أن يكون (إذا) معمولَ ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ لما ذكر في غير موضع: أن ما بعد إن لا يعمل فيما قبله (٥).
وقوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ عَطْفٌ على موضع (إنّ) واسمها، أو على الضمير في ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾، وجاز ذلك من غير تأكيد، لأجل الفصل بهمزة الاستفهام، والتقدير: أَيُبْعَثُ أيضًا آباؤنا؟
وقرئ: بفتح الواو على أنه واو العطف، وبإسكانه (٦)، على أنه أو الذي هو لأحد الشيئين أو الأشياء، أي: أَنُبْعَثُ نحن أو آباؤنا؟ مبالغة في الإنكار وزيادة في الاستبعاد، لأنهم أقدم، فَبَعْثُهم أبعد.
﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 3091
﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي﴾ (الذي) يجوز أن يكون صفة اليوم، وأن يكون صفة الفصل.
﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: عطف على ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وقيل: الواو بمعنى مع (١)، وليس بشيء، لأن شرط هذا الباب عند النحاة أن يكون الفعل لازمًا، نحو: استوى الماءُ والخشبةَ، وجاء البرد والطيالسةَ (٢). وحُكي الرفع في (وأزواجهم) (٣) عطفًا على الواو في ﴿ظَلَمُوا﴾.
وقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ (ما) استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿لَكُمْ﴾، و ﴿لَا تَنَاصَرُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾ أي: وما لكم غير متناصرين؟ والاستفهام بمعنى التوبيخ والتقريع. وكذا ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ في موضع الحال.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ
стр. 3092
﴿الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾:
قوله : ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (إذا) نصب بـ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: إنهم كانوا يسكتبرون إذا قيل لهم: لا إله إلا الله.
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ﴾ الجمهور على جر ﴿الْعَذَابِ﴾ بالإضافة، وهو الوجه لأجل حذف النون، وقرئ: (لذائقو العذابَ) بالنصب (١)، وهو غلط عند النحاة مردود عندهم، لأن اسم الفاعل ينصب بعد حذف النون منه إذا كان فيه الألف واللام، كبيت الكتاب:
٥٣٥ - الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيْرَةِ ........... ... ......................... (٢)
لأن النون هنا حُذف تخفيفًا لطول الاسم، وإذا كان كذلك لم يكن بحذفه تأثير في الحكم، فينتصب به على أصله، وأما إذا عري من الألف واللام وحذفت منه النون للإضافة، وجب الجر عندهم وكان النصب لحنًا، اللهم [إلا] إذا قَدَّر قارئه النون كقوله:
٥٣٦ - ..................... ... ولا ذاكرِ اللهَ إلّا قليلا (٣)
بتقدير التنوين وإلا فلا. وعن أبي الحسن: أنه سمع أعرابيًا يقرأ:
стр. 3093
(غيرُ معجزي اللَّهَ) بالنصب (١)، وذلك عندهم لحن فاحش جارٍ مجرى الغلط لما ذكر آنفًا، فاعرفه.
وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ الجمهور على أن الاستثناء منقطع، واختلف في المستنثى منه، فقيل: من الضمير في قوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ﴾، وقيل: من الضمير في قوله: ﴿لَذَائِقُو﴾.
وقوله: ﴿فَوَاكِهُ﴾ بدل من ﴿رِزْقٌ﴾، أوضح الرزق المعلوم بالفواكه.
وقوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿مُكْرَمُونَ﴾، وأن يكون حالًا من الضمير في ﴿مُكْرَمُونَ﴾، وأن يكون خبرًا بعد خبر. ومثله ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ في الأوجه.
و﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: نصب على الحال: إن شئت من المستكن في ﴿مُكْرَمُونَ﴾، وإن شئت من المستتر في ﴿جَنَّاتِ﴾، فيجوز على هذا أن يكون ﴿عَلَى سُرُر﴾ من صلة ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾. وكذا ﴿يُطَافُ﴾ في موضع الحال، أي: مَطُوفًا عليهم.
وقوله: ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ من صفة (كأس)، وكذلك ﴿بَيْضَاءَ﴾، وقيل: ﴿بَيْضَاءَ﴾ من صفة ﴿مَعِينٍ﴾، والمراد الخمر، وهي مؤنثة (٢). ﴿لَذَّةٍ﴾ صفة أخرى، وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها، أو على تأويل: ذات لذة، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ من غَالَهُ يَغُولُهُ غَوْلًا، إذَا أَهْلَكه وأَفْسَدَهُ، أي: ولا تغولُ عقولهم كخمر الدنيا، يقال: غَالَتْهُ الخمرُ واغْتالَتْهُ، إذَا آذَتْهُ وذهبت
стр. 3094
بعقله، وفي أمثالهم: "الغضب غُوْلٌ لِلْحِلْمِ والحَرْبُ غُوْلٌ للنّفُوسِ" (١).
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (عنها) من صلة ﴿يُنْزَفُونَ﴾، وقرئ: (يُنْزَفون) على البناء للمفعول (٢)، من نُزِفَ الرجلُ، إذا ذهب عقلُه، ويقال للسكران: نزيف ومنزوفٌ (٣).
و(يُنْزِفون) على البناء للفاعل (٤)، من أَنْزفَ الرجُل يُنْزِفُ، إذا ذهب عقله، وأُنشِدَ:
٥٣٧ - لَعَمْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُمُ أَو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرَا (٥)
قال أبو علي: فمقابلته له بصحوتم يدل على أنه أراد سكرتم. أو من أَنزف إذَا فني شرابه، أي صار ذا نفادٍ لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد في عقله (٦).
وعن طلحة بن مصرف: (يَنْزُفونَ) بفتح الياء وضم الزاي (٧)، من نَزُفَ الرجل يَنْزُفُ بالضم فيهما، إذا سكر.
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾:
стр. 3095
قوله : ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ الجمهور على تشديد الطاء وفتح النون، وهو مُفْتَعِلُون، من اطلع على كذا، إذا عثر عليه. وقرئ: (مُطْلِعُونَ) بإسكان الطاء (١)، إما من أَطْلَعْتُكَ على سِرِّي، على معنى: مُطْلعونَ أصحابكم، أو من أَطْلَعَ عليه، بمعنى اطَّلع عليه، فتكون بمعنى قراءة الجمهور. وقيل معناه: مقبلون، من قولهم: أَطْلَعَ، إذا أقبل.
وقرئ: (مُطْلعونِ) كذلك إلا أنه بكسر النون (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه أراد مطلعون إياي، فوضع المتصل موضع المنفصل، كقوله:
٥٣٨ - هُم الفَاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَه .... ........................... (٣)
والثاني: أنه شبه اسم الفاعل في ذلك بالفعل المضارع لما بينهما من المؤاخاة، كأنه قال: تطلعون، ونحو هذا بابه النظم دون النثر، نحو:
٥٣٩ - * أَقائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودَا (٤) *
стр. 3096
فأجرى أَقائلُنَّ مجرى أَتقولُنَّ، وذلك أنه أكد اسم الفاعل بالنون وإنما بابها الفعل، نحو: هل تضربنَّ زيدًا؟ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا﴾ (١) وأنكر أبو حاتم وغيره هذا وقال: لو كان كذلك لكان (مُطْلِعِيَّ) بقلب واو (مطلعون) ياء لوقوع ياء المتكلم بعدها، ووجهه ما ذكر آنفًا.
وقوله: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ الجمهور على تشديد الطاء وفتح اللام على لفظ الماضي، قال أبو إسحاق: طَلَعَ وأَطْلَعَ واطَّلَعَ بمعنى (٢). وقرئ: (فأطْلِع) بضم الألف وإسكان الطاء وكسر اللام (٣)، وذلك يحتمل وجهين:
أن يكون ماضيًا مبنيًا للمفعول مسندًا إلى مصدره، أي: فأُطلع الإطلاعُ، كما تقول: قِيم، وقُعد، على معنى: قيم القيام، وقعد القعود، هذا إذا جعلته لازمًا بمعنى طَلَعَ، وإن جعلته متعديًا من أطلعه غيره فوجهه ظاهر.
وأن يكون مستقبلًا منصوبًا على الجواب بالفاء، لأنه جواب استفهام لازمًا كان أو متعديًا، أي: فأطلع أنا، أو فأطلع غيري عليه، فاعرفه فإن فيه بعض غموض.
وقوله: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (إن) مخففة من الثقيلة، وهي تدخل على كاد كما تدخل على كان لما بينهما من المؤاخاة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والإرداء: الإهلاك، والردَى: الهلاك، رَدِيَ فلانٌ وأرديته.
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ
стр. 3097
شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: منصوب على الاستثناء، وإلا بمعنى: سوى، أي سوى ما وقع بنا في الدنيا من الموت.
والثاني: منصوب ﴿بِمَيِّتِينَ﴾ نصب المصدر بالفعل الواقع قبله، كقولك: ما ضربت زيدًا إلا ضربةً واحدة، كأنه قيل: أفما نحن نموت إلا موتتنا الأولى؟
وقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ انتصاب قوله: ﴿نُزُلًا﴾ على التمييز، وقد مضى الكلام على النُّزُل فيما سلف من الكتاب (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا﴾ أي: معها، أو بعدها. والشَّوْبُ بالفتح: الخلط، وهو على بابه (٢). وقيل: هو بمعنى مشوب، تسميةً للمفعول بالمصدر (٣). وقرئ: (لَشُوبًا) بالضم (٤)، وفيه وجهان، أحدهما: لغة في الشَّوْبِ، كالفَقْر والفُقْر، والضَّر والضُّر. والثاني: هو اسم ما يُشاب به.
و﴿ضَالِّينَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أَلْفَوْا﴾ وقيل: حال، والأول هو الوجه.
стр. 3098
﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾، قيل: اللام الداخلة على نِعم جواب قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف، والتقدير: فوالله لنعم المجيبون نحن. و ﴿هُمُ﴾: فصل.
وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ اختلف في مفعول (تَرَكْنَا):
فقيل: محذوف تقديره: وتركنا عليه في الآخرين ثناءً حسنًا، فحذف المفعول به، وبه تم الكلام, ثم ابتدأ جل ذكره فقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. (سلام على نوح) تفسير للمفعول (١).
وقيل: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ هو مفعول (تَرَكْنَا) (٢)، فـ ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، و ﴿عَلَى نُوحٍ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بتركنا، أي: وتركنا عليه في الآخرين من الأمم هذه الكلمة وهي: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾، يعني: يسلمون عليه تسليمًا ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ﴾ (٤).
وقيل: معنى تركنا: قلنا (٥).
стр. 3099
وقيل: القول مقدر، أي: يقال سلام على نوح (١).
وعن ابن مسعود ﵁: و (سلامًا على نوح) بالنصب (٢)، على أنه مفعول (تَرَكْنَا)، أي: تركنا عليه ثناء حسنًا، وكذا ما في هذه السورة من سائر القصص.
وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ الكاف في موضع النصب نعت لمصدر محذوف، أي: جزاءً مثل ذلك الجزاء.
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾:
قوله : ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾ أحد الشيئين، إما ما في الشيعة من معنى الفعل، أي: وإن ممن شايع، أي: تابع نوحًا أو محمدًا عليهما الصلاة والسلام على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لَإِبراهيمَ. والشيعة: الجماعة يتبعون كبراءهم وسادتهم، من قولهم: شاعَكَ فلانٌ، إذا اتبعك. وقيل: الشيعة: الأعوانُ من الشياع، وهو الحطب الصغار تُشْعَلُ به النار (٣). وإما محذوف وهو اذكر، فعلى الأول ظرف، وعلى الثاني مفعول به.
و(إبراهيم) اسم أعجمي، ومعنماه بالسريانية أب رحيم (٤).
стр. 3100
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ (إذ) هذه بدل من الأولى، ويجوز أن تكون معمولة ﴿جَاءَ﴾ أو ﴿سَلِيمٍ﴾. وقوله: ﴿مَاذَا﴾ يجوز أن تكون (ما) استفهامية و (ذا) بمعنى الذي، وأن يكون كلاهما اسمًا واحدًا، وقد مضى نظائره في غير موضع (١).
وقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (إفكًا) مصدر قولك: أَفَكَ فُلانٌ يَأْفكُ أَفْكًا وإِفْكًا (٢)، إذا كذب، وانتصابه يحتمل أوجهًا:
أن يكون مفعولًا به لتريدون، والتقدير: أتريدون إفكًا، ثم أوضح الإفك بقوله: ﴿آلِهَةً﴾ فأبدل منه على أنها إِفْكٌ في نفسها، ولك إن تقدر في الكلام حذف مضاف، والتقدير: أتريدون إفكًا عبادةَ آلهةٍ؟ فحذف المضاف، وإنما احتيج إلى هذا لأن ﴿أَئِفْكًا﴾ معنى و ﴿آلِهَةً﴾ عين، والموضِح ينبغي أن يكون مثل الموضَح.
وأن يكون في موضع الحال، إما من الفاعلين، وإما من المفعولين، وآلهة مفعول ﴿تُرِيدُونَ﴾، والتقدير: أتريدون آلهة من دون الله آفكين، أو مأفوكًا فيها؟
وأن يكون مفعولًا له، أي: أتريدون آلهة من دون الله إفكًا؟ أي للإفك، قيل: وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية، وقدم المفعول له على المفعول به، لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، فاعرفه فإنه موضع (٣).
والإفك: أسوأ الكذب، عن محمد بن يزيد وغيره (٤).
و﴿مُدْبِرِينَ﴾: حال.
стр. 3101
وقوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ انتصاب قوله: ﴿ضَرْبًا﴾ على المصدر إما من (راغ) حملًا على المعنى، كأنه قالَ: فَضَرَبَهُمْ ضربًا، لأنّ (راغ عليهم) في معنى ضربهم، وإما من مضمر، أي: فراغ عليهم يضربهم ضربًا، وهو في كلا التقديرين مصدر مؤكد لفعله، ولك أن تجعله في موضع الحال من المنوي في الفعل أي: ضاربًا. ومعنى راغ: مال عليهم في السر، ولذلك عُدِّي بعلى حيث كان في السر، يقال: مال فلان على فلان بالسيف يضربه، وإذا لم يكن في السر فيُعدّى بإلى.
وقرئ: (صَفْقًا) و (سَفْقًا) بالصاد والسين (١)، يقال: صَفَقْتُ البابَ وسَفَقْتهُ بمعنىً، ومعناهما الضرب.
﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾:
قوله : ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قرئ: بفتح الياء، من زَفَّ يَزِفُّ زَفًّا وزَفِيفًا، إِذا أسرع. و (يُزِفُّونَ) بضمها (٢)، إما من أَزَفَّ، إذا دخل في الزفيف، أو من أزفه، إذا حمله على الزفيف، فالمفعول على هذا محذوف، أي: يُزِفّ بعضُهم بعضًا، أي: يحمل بعضهم بعضًا على الزفيف. قال الأصمعي: يقال: أَزْفَفْتُ الإبل، إذا حملتَها على أن تزفَّ، وهو سرعة الخطو، ومقاربة المشي (٣). وقيل: إنهما لغتان بمعنىً، يقال: زَفَّ القومُ
стр. 3102
وأَزَفُّوا، كما قالوا زَفَفْتُ العروس وأزْفَفْتُها (١).
وقرئ: أيضًا: (يَزِفُونَ) بفتح الياء وتخفيف الفاء (٢)، من وَزَفَ يَزفُ، إذا أسرع. ويجوز أن يكون أصلها يَزِفُّونَ، فخفف كراهة التضعيف، والفعل في موضع الحال في الأوجه، أي: مسرعين.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ في (ما) أوجه:
أن تكون مصدرية منصوبة المحل عطفًا على الكاف والميم في ﴿خَلَقَكُمْ﴾، أي: والله خلقكم وعملكم، وهذا وجه حسن لما فيه من الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى خيرًا كان أو شرًا.
وأن تكون موصوله في موضع نصب أيضًا عطفًا على المذكور آنفًا، على معنى: والله خلقكم والذين تعملون منه الأصنام، يعني الخشب والحجارة وغيرهما، وتبقى الأعمال والحركات غير داخلة في خلق الله تعالى، وبهذا التأويل يصح أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة، لا على أن تكون تعم جميع الأشياء كما ذهبت إليه المعتزلة الضُّلَّالُ (٣)، وكفاك دليلًا قوله ﵊ في "الأنبياء" (٤): ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ (٥) يعني الأصنام.
وأن تكون استفهامية منصوبة المحل بقوله تعالى: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ توبيخًا لهم وتحقيرًا لعملهم.
стр. 3103
وأن تكون نكرة موصوفة، وحكمها في الإعراب والتقدير حكم الموصولة.
وأن تكون نافيه، على معنى: وما تعملون ذلك لكن الله خالقه.
و﴿بُنْيَانًا﴾ مفعول به. و ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ مفعول ثان وفيه وجهان:
أحدهما: للتفضيل، أي: الأسفلين من سافلين وغيرهم، ولم يُرِدْ من إبراهيم ﵇، لأنه لم يكن في إبراهيم سَفَالٌ.
والثاني: ليس أفعل للتفضيلَ بل للمبالغة، كقوله: "الله أكبر"، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١) على أحد الوجهين (٢).
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾:
стр. 3104
قوله : ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: ولدًا منهم، فحذف الموصوف.
وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (السعي) مفعول ﴿بَلَغَ﴾، أي: بلغ الحد الذي يَقْدِرُ فيه أن يسعى مع أبيه، وأما (مع) فمفعولُ محذوفٍ دل عليه معنى الكلام، كأنه لما قال: فلما بلغ السعيَ، قيل: مع مَن؟ فقال: مع أبيه، ومُنِعَ أن يكون معمول ﴿بَلَغَ﴾ كما زعم بعضهم، لاقتضائه بلوغهما معًا حد السعي، ولا معمول ﴿السَّعْيَ﴾، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
وقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ قرئ: بفتح التاء والراء (١)، على أنه مضارع رأيت، وهو من الرأي الذي هو الاعتقاد في القلب على وجه المشاورة، ليعلم ما عنده فيما نزل به، لأنه لا يخلو إما أن يكون من رؤية العين، أو من رؤية القلب المتعدية إلى مفعولين، أو من الرأي الذي هو الاعتقاد في القلب، فلا يجوز أن يكون من رؤية العين؛ لأنه لم يأمره أن يبصر شيئًا بِبَصَرِهِ (٢)، إنما أمره أن يدبر أمرًا عرضه عليه يقول فيه برأيه وهو الذبح، ولا يجوز أن يكون أيضًا من يرى الذي بمعنى العلم، لأنه ليس يكلفه أن يقطع له بصريح الحق وجَلِيّه اليقين، وإنما يسأله عما يحضره إياه رأيه ويبديه قوله، وإذا بطل ذلك، فبقي أن يكون من الرأي الذي هو الاعتقاد، كقولك: فلان يرى رَأْيَ الخوارجِ، ويرى رأي أبي حنيفة ﵀، فهو يتعدى إلى مفعول واحد، وهو ﴿مَاذَا﴾ إن جعلتهما اسمًا واحدًا، أي: فانظر أي شيء ترى؟ وإن جعلت (ما) مبتدأ (وذا) بمعنى الذي خبره، كان مفعوله محذوفًا وهو العائد إلى الذي، أي: ما الذي تراه؟
وقرئ: (ماذا تُرِي) بضم التاء وكسر الراء (٣)، وهو من الرأي المذكور
стр. 3105
آنفًا، إلا أنه نُقل بالهمزة فتعدى إلى مفعولين، وهو مضارع أَرَيْت، أي: ماذا تُرِي أباك وتبديه من صبرك أو جزعك؟ فماذا مفعول أول وأباك ثانٍ، هذا إذا جعلت ﴿مَاذَا﴾ اسمًا واحدًا، وإن جعلت (ما) مبتدأ و (ذا) بمعنى الذي خبره، كان التقدير: ما الذي تريه أباك، أو ما الذي ترينيه؟ وقيل معناه: ماذا تشير؟ ماذا تأمر؟ (١) وقال أبو إسحاق: ماذا تُبيْنُ (٢).
وقرئ أيضًا: (ماذا تُرَى) بضم التاء وفتح الراء على البناء للمفعول (٣)، على: ماذا تريك نفسُكَ من الرأي؟ ثم ماذا تُرَى؟
وقوله: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: ما تؤمر به من ذبحي، لأني أعلم أن هذه الرؤيا وحي إليك، وأمر لك بذبحي، فحذف الجار فبقي ما تؤمره، ثم ما تؤمر، فـ ﴿مَا﴾ على هذا موصولة، ويجوز أن تكون مصدرية فلا حذف إذن، أي: افعل أمرك، أي: مأمورك.
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾: اختُلف في جواب (لما) فقيل: محذوف، أي: فلما استسلما لأمر الله وأطاعاه، كان ما كان مما تنطق به الحال ولا يحيط الوصف، من استبشارهما، واغتباطهما، وحمدهما لله، وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله. وقيل: ﴿وَتَلَّهُ﴾ أو ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾، والواو صلة (٤).
стр. 3106
وقرئ: (سَلَّما) بغير ألف قبل السين وتشديد اللام (١)، من التسليم، على معنى: سَلّما أنفسهما وآراءهما لما أُمرا به، كالتسليم باليد، قال أهل التأويل: يقال: سَلَّم لأمر الله، وأسلم، واستسلم بمعنىً واحدٍ، إذا انقاد له وخضع، وأصلها من قولك: سَلِمَ هذا لفلان، إذا خلص له، ومعناه: سلم من أن ينازع فيه، وقولهم: سَلَّمَ لأمر الله، وأَسْلَمَ له، منقولان منه (٢).
قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ انتصاب قوله: ﴿نَبِيًّا﴾ على الحال من (إسحاق)، وهي حال مقدرة، وكذا ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حال ثانية، أي: كائنًا منهم، ويجوز أن يكون صفة لقوله: ﴿نَبِيًّا﴾.
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾:
قوله : ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾ الجمهور على كسر الهمزة وإثباتها في الدَّرْجِ وهو الوجه، لأن الهمزة فيه أصل، وهي مكسورة وليست التي تصحب حرف التعريف، بدليل قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (٣) وأصله: إلياسيِّين، فحذف ياء النسب، فَكَسْرُ الهمزة وقَطْعُها يدل على أنها ليست بالتي تصطحب حرف التعريف، ثم إن ﴿إِلْيَاسَ﴾ اسم عبراني وليس بعربي، ولم يكن إلياس ﵇ هذا من العرب، وإنما هو من بني إسرائيل على ما نقل (٤).
стр. 3107
وقرئ: على لفظ الوصل (١) وفيه وجهان:
أحدهما: وهو الوجه عندي أن تكون الهمزة حذفت حذفًا تخفيفًا، كما حذفت في قوله تعالى في قراءة من قرأ: (إنها لَحْدَى الكُبَرِ) (٢) بطرح الهمزة من (لإحدى) وهو ابن محيصن (٣): وقوله:
٥٤٠ - * إنْ لَمْ أُقَاتِلْ فَالْبِسُونِي بُرْقُعَا (٤) *
والثاني: أن اسمه (ياس)، ثم لحقه لام التعريف.
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ (إذ) ظرف لمحذوف، أي: مرسل من المرسلين حين قال لقومه.
وقوله: (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) قرئ: بالرفع على الابتداء والقطع مما قبله، وبالنصب (٥) على البدل من ﴿أَحْسَنَ﴾، أو على إضمار أعني.
﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
стр. 3108
الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾:
قوله : ﴿عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ قرئ: بهمزة مكسورة وإسكان اللام موصولة بالياء (١)، وفيه وجهان:
أحدهما: اسم واحد، على أن له ﵇ اسمين: إلياس وإلياسين، كميكال وميكائيل.
والثاني: جمع، وفيه وجهان، أحدهما: جمع إلياس عار عن ياء النسب، جُعل أصحابه كأن كل واحد منهم إلياس. والثاني: هو جمع على معنى النسب، واحدهم إلياسيّ، ثم خفف في الجمع، كما حَكَى عنهم صاحب الكتاب ﵀: الأَشْعَرُونَ (٢)، ومثله: الأَعْجَمُونَ، والأصل الأَشْعَرِيُّونَ والأَعْجميُّونَ، ولولا ذلك لم يجمع بالواو والنون، كما لا يجمع أحمر كذلك إذا كان صفة، وإنما حذفت ياء النسب في الجمع المُسَلَّم لثقلها وثقل الجمع، كما حذفت في الجمع المكسّر في قولهم: المهالبة والمسامعة لذلك. والواحد مهلبي ومسمعي.
وقرئ: (على آلِ ياسين) بهمزة مفتوحة بعدها ألف واللام مكسورة منفصلة من الياء (٣)، وفيه أوجه:
أحدها: أن ياسينَ اسمُ أبي إلياس أضيف إليه الآل.
стр. 3109
والثاني: أن (آل) صلة و (ياس) و (إلياس) واحد، والتقدير: سلام على ياسين، أي على ياسين وأصحابه.
والثالث: أنه على حذف النسب على ما ذكر آنفًا.
والرابع: أن (يَاسَ) و (ياسين) واحدٌ وكلاهما اسم (إلياس) ﵊، و (آل) غير صلة، والمعنى: سلام على أصحاب إلياس، يعني: من آمن به.
والخامس: أن ياسين اسم للقرآن، والمعنى: سلام على أهل القرآن، وهم المؤمنون.
والسادس: أن ياسين اسم محمد ﷺ ، والمعنى: سلام على آل محمد ﷺ ، والله تعالى أعلم بكتابه.
وقوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ نصب على الحال، أي: داخلين في الصباح.
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾:
قوله : ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المغلوبين، والمدحض: المغلوب المقروع، قيل: وحقيقته المُزْلَقُ عن مقام الظفر والغلبة (١).
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ الواو للحال. ومثله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ﴾ (أنه) مبتدأ، ولذا فتحت (أن)، والخبر محذوف.
стр. 3110
وقوله: ﴿فِي بَطْنِهِ﴾ يجوز أن يكون من صلة (لبث)، وأن يكون حالًا من المنوي فيه. وكذا ﴿إِلَى﴾ يجوز أن يكون من صلة (لبث)، وأن يكون من صلة محذوف على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: لبثًا كائنًا إلى يوم يبعثون.
وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (أو) هنا عند المحققين من أصحابنا على بابه (١)، ومعناه الإبهام في مرأى الناظر، أي إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو أكثر، والغرض: الوصف بالكثرة. وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى بل. وقيل: بمعنى الواو، والوجه هو الأول (٢).
و﴿يَزِيدُونَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: أو هم يزيدون. وقرئ: (ويزيدون) بالواو (٣)، أي: وهم يزيدون على المائة، فالواو عاطفة جملة على جملة، ولا يجوز أن تعطف على ﴿مِائَةِ﴾، لأن ﴿إِلَى﴾ لا تعمل في ﴿يَزِيدُونَ﴾، ولا يجوز أن تعطف على ما تعمل فيه (إلى)، كما لا يجوز أن تقول مررت بقائم ويقعد، وأنت تريد بقائم وقاعد، فكذلك لا يجوز أن تعطف ﴿يَزِيدُونَ﴾ على ﴿مِائَةِ﴾ على أن يكون المعنى: وأرسلناه إلى مائة وزائد، ولا يجوز أيضًا أن يحمل على تقدير حذف موصوف على: وأرسلناه إلى مائة ألف وجمعٍ يزيدون، لفساد المعنى، وذلك أن المعنى يصير: وأرسلناه إلى جَمْعَيْنِ أحدهما: مائةُ ألفٍ، والآخر زائد على مائة ألف، وليس المعنى على ذلك، ولا جاء هذا عن أحد من أهل التأويل (٤).
стр. 3111
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾:
قوله : ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾ في (أم) هنا وجهان:
أحدهما: منقطعة، أي: بل أخَلَقْنا الملائكة إناثًا وهم حاضرون خَلْقنا إياهم.
والثاني: متصلة، ومعناها السؤال عن أحد الشيئين، والمعنى على إضمارٍ، والتقدير: أَحَصَل لهم العلم بدليل العقل بانفرادنا بالبنات دون البنين أم خلقنا الملائكة إناثًا وهم شاهدون؟ و ﴿إِنَاثًا﴾ حال، وهي جمع أنثى. وكذا ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ في موضع الحال.
وقوله: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ أي يقولون: وَلَد اللهُ أولادًا هم الملائكة. وقرئ: (وَلَدُ اللهِ) برفع الدال وجر الجلالة بالإضافة (١)، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الملائكة وَلَدُهُ، والوَلَدُ: يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، يقال: هذه وَلَدِي، وهؤلاء وَلَدِي، هو فَعَلٌ بمعنى مفعول.
وقوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ الجمهور على فتح الهمزة، وهي استفهام على وجه الإنكار والاستبعاد، كقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (٢)، وحذفت همزة الوصل اكتفاء بهمزة الاستفهام لعدم اللبس، وقرئ: (اِصطفى) بكسر الهمزة على الخبر (٣)، وذلك يحتمل أوجهًا: أن
стр. 3112
يكون من كلام الكفرة بدلًا من قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾، لأن ولادةَ البناتِ واتخاذَهن اصطفاءٌ لهن، فأُبدل مثال الماضي من مثال الماضي. وأن يكون تفسيرًا للكذب الذي نسب إليهم في قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، كما أن قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ تفسير للوعد (١). وأن يكون على معنى: اصطفى البنات فيما يقولون، وأن يكون على إضمار القول، أي: وإنهم لكاذبون قالوا: اصطفى البنات على البنين، وأن يكون عطفًا على ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ وحُذف العاطف، لأن في الجملة الثانية ذكرًا من الأولى والتباسًا بها، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (٣) على قراءة من حذف العاطف وهو ابن عامرٍ (٤)، والوجه قراءة الجمهور، لأجل أن الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها، وذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فجاعلها خبرًا مُوقِعٌ دخيلًا بين نَسِيْبَيْنِ، وذلك غير مألوف في كلام القوم (٥).
وقرئ: (آصطفى البنات) بالمد (٦)، على إبدال التي للوصل مَدَّةً، كما فعل الجمهور بالتي مع حرف التعريف، نحو: آلقوم عندك؟ ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٧)، وهو بعيد، وقياس فاسد، لأن البدل مع حرف التعريف لازم لأداء حذفها إلى الإلباس، بخلاف غيرها وهي المكسورة، نحو: ابنُ زيدٍ قام، والمضمومة نحو: انْطُلق بزيدٍ، فالحذف هنا واجب لعدم اللبس لأجل اختلاف حركتها، والقلب مع حرف التعريف لازمٌ لاتفاق حركتهما، فاعرف الفرقان بينهما (٨).
стр. 3113
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ نصب على الاستثناء المنقطع، واختلف في المستنثى منه، فقيل: من ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ على: ولكنّ المخلصين ناجون. وقيل: من الواو في ﴿وَجَعَلُوا﴾، و ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ على هذا اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه. وقيل: من الواو في ﴿يَصِفُونَ﴾، على معنى: يصفه هؤلاء بذلك ولكن المخلصين بُرآء من أن يصفوه به (١).
وقوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (وما تعبدون) الواو عاطفة، و (ما) موصولة منصوبة المحل عطفًا على اسم (إن). و ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (ما) نافية، و (أنتم) اسمها، و ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ خبرها، و ﴿عَلَيْهِ﴾ من صلة الخبر، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ لله جل ذكره.
و﴿مَنْ﴾: موصولة أو موصوفة ومحلها النصب ﴿بِفَاتِنِينَ﴾، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و ﴿صَالِ﴾ خبره، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفة له، و ﴿مَا﴾ وما اتصل بها في موضع رفع بخبر إنّ، والمعنى: فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعًا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنكم داخلوها، والفتنة هنا بمعنى الإضلال.
الزمخشري: يجوز أن يكون الواو في ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى (مع) مثلها في قولهم: كُلُّ رَجُلٍ وضيْعَتُهُ (٢)، فكما جاز السكوت على "كل رجل وضيعته" وإنّ كُلَّ رَجُلٍ وضيعته، جاز أن يسكت على قوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا
стр. 3114
تَعْبُدُونَ﴾، لأن قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ساد مسد الخبر، لأن معناه: فإنكم مع ما تعبدون، والمعنى: فإنكم مع آلهتكم، أي: فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تبرحون تعبدونها، ثم قال: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال إلا من هو ضَالٌّ منكم، انتهى كلامه (١).
والجمهور على كسر لام ﴿صَالِ﴾، وأصلها صالي بوزن فاعل، فسقطت الياء في الدرج لالتقاء الساكنين، فحذفها الكاتب من الخط على لفظ الوصل، وقرئ: (صَالُ الجحيم) بضم اللام (٢)، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون جمع صال، والأصل: صالون، فحذفت نونه للإضافة، وواوه لالتقاء الساكنين هي ولام التعريف، وجاز جمعه مع قوله: ﴿مَنْ هُوَ﴾ حملًا على (مَنْ)، لأنَّ (مَنْ) مفرد اللفظ مجموع المعنى، فحمل ﴿هُوَ﴾ على لفظه، والصالون على معناه، كما حمل في مواضع مِن التنزيل على لفظ (مَن) ومعناه في آية واحدة، نحو قوله جل ذكره: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤).
والثاني: أن يكون مفردًا إلا أنه مقلوب، قلبت اللام إلى موضع العين فصار من صالي إلى صايل، ثم حذفت الياء فبقيت اللام مضمومة، كقولهم: شاك في شايك، وهار في هاور.
стр. 3115
والثالث: أن يكون مفردًا أيضًا إلا أنه حذف لامه تخفيفًا وأُجْري الإعراب على عينه، كما حذف لام البالية من قولهم: ما بَالِيتُ بِهِ بَالَةً (١)، على قول الخليل ﵀، وأصلها بالية من بالَى، كعافية من عافَى، ولام الحانة، وهي فاعلة بشهادة قولهم: حانوي، وتعضد هذا الوجه قراءة من قرأ: (وَلَهُ الجَوَارُ) (٢)، (وجَنَى الجَنَّتَيْنِ دَانُ) (٣) برفع الراء والنون (٤)، على إجراء الإعراب على العين بعد حذف اللام.
وقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ على حذف الموصوف عند أهل البصرة، والتقدير: وما منا أحد إلا له مقام معلوم، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مُقامه، والضمير في (له) يعود إليه. وعلى حذف الموصول عند أهل الكوفة، أي: وما منا إلا من له، فحذف الموصول وأبقيت الصلة، وقد مضى الكلام على نظيره فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٥).
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾:
стр. 3116
قوله : ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن والأمر، أي: وإن الشأن أو الأمر كان كفار مكة ليقولون كيت وكيت، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية.
وقوله: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿ذِكْرًا﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة لـ ﴿ذِكْرًا﴾.
وقوله: ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (هم) فَصْلٌ أو مبتدأ.
وقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ الجمهور على فتح النون والزاي على إسناد الفعل إلى العذاب، يدل عليه قوله قبله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، وقرئ: (نُزِلَ) بضم النون وكسر الزاي (١)، على إسناده إلى الجار والمجرور، كقولك: ذُهِبَ بزيدٍ، ونُزِلَ على عَمْروٍ.
وقوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ المقصود بالذم محذوف، أي: بئس صباح الكفار المنذرين صباحهم، فحذف الموصوف، واللام في ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للجنس، لأن باب نعم وبئس يقتضي ذلك.
هذا آخر إعراب سورة الصافات
والحمد لله وحده
стр. 3117
إعراب سورة ص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾:
قوله : ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ الجمهور على إسكان الدال، وهو الوجه لما ذكر فيما سلف من الكتاب أَنَّ هذه الحروف التي في أوائل السور حقها أن يوقف على كل حرف منها، لأنها ليست بخبر لما قبلها، ولا عُطف بعضُها على بعض، وقرئ (صَادِ) بكسرها (١)، وفيه أوجهٌ: أن يكون لالتقاء إلساكنين، وأن يكون مقسمًا به بحذف حرفه، كقولهم: اللهِ لأَفْعَلَنَّ، بالجر على إعمال الجار وهو محذوف لكثرة الحذف في باب القسم، وأن يكون أمرًا من المصاداة، وهي المعارضة والمعادلة، ومنها الصدى، وهو ما يعارِضُ الصوتَ في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، والمعنى: عارضْ بالقرآن عملَك، فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه، فالواو في ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ على هذا بمعنى الباء كما في القسم. قال الشيخ أبو علي: وليس فيه أكثر من جعل الواو بمنزلة الباء في غير القسم (٢).
стр. 3118
وقرئ أيضًا: (صادَ) بفتحها (١)، وفيه أوجه أيضًا: أن يكون لالتقاء الساكنين، وأن يكون منصوبًا بحذف حرف القسم وإيصال فعله، كقولهم: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، بالنصب، وأن يكون بإضمار حرف القسم لقولهم: اللهِ لأَفْعَلَنَّ، بالجر وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث على أنها عَلَمٌ للسورة، فالفتحة على هذا فتحة إعراب. وأن يكون مفعولًا به على تأويل: اقرأ، أو اتل (صادَ). وأن يكون فعلًا ماضيًا من صَادَ يَصِيد، على معنى: صادَ محمدٌ ﷺ قلوبَ العبادِ (٢).
وقرئ أيضًا: (صادٍ) بالجر والتنوين (٣)، على إضمار حرف القسم، كقولهم: (اللهِ لأفعلنَّ) بالجر. وقيل: على التشبيه بالأصوات التي تنون للفرق بين المعرفة والنكرة (٤).
وقد اختلف في ﴿ص﴾ فقيل: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقيل: اسم للسورة أقسم بها. وقيل: حرف هجاء أقسم به جل ذكره. وقيل: اسم بحر تحت عرش الرحمن (٥).
فإن قلتَ: ما محله من الأعراب على قراءة الجمهور؟ قلت: يحتمل أوجهًا: أن يكون مجرور المحل على حذف حرف القسم. وأن يكون منصوب المحل على حذف حرفه وإيصال فعله. وأن يكون مرفوع المحل بخبر
стр. 3119
مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة، أي: هذه صاد التي أعجزت العرب. أو منصوبًا على معنى اقرأ، أو اتل.
﴿وَالْقُرْآنِ﴾ إما عطف، أي: أقسم بصاد والقرآن، أو مقسم به.
واختلف في جواب القسم، فقيل: محذوف، أي: لتبعثن، أو أنه لكلام معجز ونحوهما. وقيل: جوابه ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ﴾ (١) وقيل: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ (٢). وقيل: ما الأمر كما زعم الكفار، دل عليه ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقيل: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو الجواب. وقيل: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، واللام محذوف، أي: لَكَمْ أهلكنا، وهو قول الفراء، وأُنكر عليه لأن (كم) مفعول واللام لا تدخل على المفعول. وقيل: غير هذا، والله تعالى أعلم بكتابه (٣).
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾:
قوله : ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ في (لات) وجهان:
أحدهما: أصلها (لا) ثم فيها مذهبان:
أحدهما- وهو مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٤) -أنها هي المشبهة بليس، كقوله:
٥٤١ - .................... أَنَا ابنُ قيسٍ لا بَراحُ (٥)
زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رُبَّ وثُمَّ للتوكيد، فقيل: رُبَّتَ وثُمَّتَ، وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا
стр. 3120
أحد مقتضيها إما الاسم وإما الخبر، وعليه جمهور القراء، واسمها محذوف، والتقدير: ولات الحينُ حينَ مناصٍ، ولا يقال: هو مضمر كما زعم بعض المعربين (١)، لأنها حرف بالإجماع، والحروف لا يضمر فيها (٢)، وجاز الحذف هنا وإن كان ارتفاع المحذوف بها كارتفاع الفاعل، والفاعل لا يحذف، لأن أصل هذا الكلام بعد (لات) الابتداء والخبر، فكما جاز حذف الابتداء كذلك جاز حذف هذا.
وحَكَى صاحب الكتاب: أن مِن العرب مَن يرفع الحينَ بعدها ويقدر الخبر، والتقدير: ولات حينُ مناصٍ حاصلًا لهم (٣)، وبالرفع قرأ جماعة منهم الجحدري وابن يعمر وغيرهما (٤).
والثاني -وهو مذهب الأخفش (٥) -: أنها التي لنفي الجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان، و ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ اسمها، وخبرها محذوف، كقولك: لا بأس. وقوله جل ذكره: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ (٦) والتقدير: ولاتَ حينَ مناصٍ لهم، وعنه: أن ما ينتصب بعده بفعل مضمر، والتقدير: ولا أرى حينَ مناص، ويرتفع على مذهبه على قول من رفعه بالابتداء والخبر محذوف، والتقدير: ولات حينُ مناصٍ حاصلٌ أو كائنٌ لهم.
والثاني: أن أصل (لات): ليس، قلبت الياء ألفًا، والسين تاء، فلك أن تقول على هذا: اسمها مضمر لا محذوف، لأن الأفعال يضمر فيها