قوله : ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن والأمر، أي: وإن الشأن أو الأمر كان كفار مكة ليقولون كيت وكيت، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية.
وقوله: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿ذِكْرًا﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة لـ ﴿ذِكْرًا﴾.
وقوله: ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (هم) فَصْلٌ أو مبتدأ.
وقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ الجمهور على فتح النون والزاي على إسناد الفعل إلى العذاب، يدل عليه قوله قبله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، وقرئ: (نُزِلَ) بضم النون وكسر الزاي (١)، على إسناده إلى الجار والمجرور، كقولك: ذُهِبَ بزيدٍ، ونُزِلَ على عَمْروٍ.
وقوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ المقصود بالذم محذوف، أي: بئس صباح الكفار المنذرين صباحهم، فحذف الموصوف، واللام في ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للجنس، لأن باب نعم وبئس يقتضي ذلك.
هذا آخر إعراب سورة الصافات
والحمد لله وحده
стр. 3117
إعراب سورة ص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾:
قوله : ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ الجمهور على إسكان الدال، وهو الوجه لما ذكر فيما سلف من الكتاب أَنَّ هذه الحروف التي في أوائل السور حقها أن يوقف على كل حرف منها، لأنها ليست بخبر لما قبلها، ولا عُطف بعضُها على بعض، وقرئ (صَادِ) بكسرها (١)، وفيه أوجهٌ: أن يكون لالتقاء إلساكنين، وأن يكون مقسمًا به بحذف حرفه، كقولهم: اللهِ لأَفْعَلَنَّ، بالجر على إعمال الجار وهو محذوف لكثرة الحذف في باب القسم، وأن يكون أمرًا من المصاداة، وهي المعارضة والمعادلة، ومنها الصدى، وهو ما يعارِضُ الصوتَ في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، والمعنى: عارضْ بالقرآن عملَك، فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه، فالواو في ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ على هذا بمعنى الباء كما في القسم. قال الشيخ أبو علي: وليس فيه أكثر من جعل الواو بمنزلة الباء في غير القسم (٢).
стр. 3118
وقرئ أيضًا: (صادَ) بفتحها (١)، وفيه أوجه أيضًا: أن يكون لالتقاء الساكنين، وأن يكون منصوبًا بحذف حرف القسم وإيصال فعله، كقولهم: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، بالنصب، وأن يكون بإضمار حرف القسم لقولهم: اللهِ لأَفْعَلَنَّ، بالجر وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث على أنها عَلَمٌ للسورة، فالفتحة على هذا فتحة إعراب. وأن يكون مفعولًا به على تأويل: اقرأ، أو اتل (صادَ). وأن يكون فعلًا ماضيًا من صَادَ يَصِيد، على معنى: صادَ محمدٌ ﷺ قلوبَ العبادِ (٢).
وقرئ أيضًا: (صادٍ) بالجر والتنوين (٣)، على إضمار حرف القسم، كقولهم: (اللهِ لأفعلنَّ) بالجر. وقيل: على التشبيه بالأصوات التي تنون للفرق بين المعرفة والنكرة (٤).
وقد اختلف في ﴿ص﴾ فقيل: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقيل: اسم للسورة أقسم بها. وقيل: حرف هجاء أقسم به جل ذكره. وقيل: اسم بحر تحت عرش الرحمن (٥).
فإن قلتَ: ما محله من الأعراب على قراءة الجمهور؟ قلت: يحتمل أوجهًا: أن يكون مجرور المحل على حذف حرف القسم. وأن يكون منصوب المحل على حذف حرفه وإيصال فعله. وأن يكون مرفوع المحل بخبر
стр. 3119
مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة، أي: هذه صاد التي أعجزت العرب. أو منصوبًا على معنى اقرأ، أو اتل.
﴿وَالْقُرْآنِ﴾ إما عطف، أي: أقسم بصاد والقرآن، أو مقسم به.
واختلف في جواب القسم، فقيل: محذوف، أي: لتبعثن، أو أنه لكلام معجز ونحوهما. وقيل: جوابه ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ﴾ (١) وقيل: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ (٢). وقيل: ما الأمر كما زعم الكفار، دل عليه ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقيل: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو الجواب. وقيل: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، واللام محذوف، أي: لَكَمْ أهلكنا، وهو قول الفراء، وأُنكر عليه لأن (كم) مفعول واللام لا تدخل على المفعول. وقيل: غير هذا، والله تعالى أعلم بكتابه (٣).
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾:
قوله : ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ في (لات) وجهان:
أحدهما: أصلها (لا) ثم فيها مذهبان:
أحدهما- وهو مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٤) -أنها هي المشبهة بليس، كقوله:
٥٤١ - .................... أَنَا ابنُ قيسٍ لا بَراحُ (٥)
زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رُبَّ وثُمَّ للتوكيد، فقيل: رُبَّتَ وثُمَّتَ، وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا
стр. 3120
أحد مقتضيها إما الاسم وإما الخبر، وعليه جمهور القراء، واسمها محذوف، والتقدير: ولات الحينُ حينَ مناصٍ، ولا يقال: هو مضمر كما زعم بعض المعربين (١)، لأنها حرف بالإجماع، والحروف لا يضمر فيها (٢)، وجاز الحذف هنا وإن كان ارتفاع المحذوف بها كارتفاع الفاعل، والفاعل لا يحذف، لأن أصل هذا الكلام بعد (لات) الابتداء والخبر، فكما جاز حذف الابتداء كذلك جاز حذف هذا.
وحَكَى صاحب الكتاب: أن مِن العرب مَن يرفع الحينَ بعدها ويقدر الخبر، والتقدير: ولات حينُ مناصٍ حاصلًا لهم (٣)، وبالرفع قرأ جماعة منهم الجحدري وابن يعمر وغيرهما (٤).
والثاني -وهو مذهب الأخفش (٥) -: أنها التي لنفي الجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان، و ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ اسمها، وخبرها محذوف، كقولك: لا بأس. وقوله جل ذكره: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ (٦) والتقدير: ولاتَ حينَ مناصٍ لهم، وعنه: أن ما ينتصب بعده بفعل مضمر، والتقدير: ولا أرى حينَ مناص، ويرتفع على مذهبه على قول من رفعه بالابتداء والخبر محذوف، والتقدير: ولات حينُ مناصٍ حاصلٌ أو كائنٌ لهم.
والثاني: أن أصل (لات): ليس، قلبت الياء ألفًا، والسين تاء، فلك أن تقول على هذا: اسمها مضمر لا محذوف، لأن الأفعال يضمر فيها
стр. 3121
بخلاف الحروف، والوجه ما عليه الجمهور وهو أن (لات) أصلٌ بنفسها هي (لا) زيدت عليها التاء، كما زيدت على رُبَّ وثُمَّ حين قيل: رُبَّتَ وثُمَّتَ تأكيدًا لتأنيث الكلمة، وأكثر العرب على تحريك هذه التاء بالفتح في الدرج، وأما في الوقف: فمنهم من يقف بالتاء كما يقف على الفعل الذي يتصل به تاءُ التأكيد، وأيضًا فإن التغيير في الحروف قليل، وهو مذهب صاحب الكتاب ﵀ وغيره من النحاة (١)، وعليه خط المصاحف. ومنهم من يقف عليها بالهاء كما يقف على الأسماء المؤنثة، وهو فذهب الكسائي وغيره (٢).
وقال أبو عبيد (٣): التاء في "الإمام" متصلة بالحاء لا بلا، والعرب تقول: جئتك تحين مجيئك، أي: حين مجيئك، قال أبو وجزة (٤):
٥٤٢ - العَاطِفُونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ ... والمُطْعِمُونَ زَمَانَ أيْنَ المُطْعِمُ (٥)
والوجه هو الأول وعليه جل العرب، والنحاة، وأهل التأويل. وأما ما ذكره من أن في "الإمام" كذلك، فليس بحجة، لأن "الإمام" وقعت فيه أشياء خارجة عن قياس الخط وشهرتها تغني عن ذكرها (٦).
стр. 3122
وعن عيسى بن عمر البصري أنه قرأ: (وَلَاتِ حِينِ مناصٍ) بالكسر (١)، ومثله قول أبي زبيدٍ الطائي (٢):
٥٤٣ - طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ ... فَأَجَبْنَا أَنْ لَاتَ حِينَ بَقَاءِ (٣)
فيه حذف مضاف إليه، والتقدير: ولات أوانَ صلحٍ، فلما قَطَعَ منه المضاف إليه عَوَّضَ منه التنوين وكَسَرَهُ تشبيهًا بإذ في قول أبي ذؤيب (٤):
٥٤٤ - نَهَيْتُكَ عَنْ طِلَابِكَ أُمَّ عَمْرٍ ... بعَاقبَةٍ وَأَنْتَ إِذٍ صَحِيحُ (٥)
لأنهما جميعًا للزمان.
وقرئ: أيضًا: (وَلاتِ) بكسر التاء (٦)، على البناء كجَيْرِ. والمناص: الهرب، وهو مصدر قولك: نَاصَ يَنُوصُ نَوْصًا ومَنَاصًا، إذا هرب.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ
стр. 3123
هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾:
قوله : ﴿أَنْ جَاءَهُمْ﴾ أي: لأن جاءهم.
وقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا﴾ الاستفهام هنا بمعنى التعجب، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ و ﴿إِلَهًا﴾ مفعول ثان، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير، إلا أن فيه معنى القول على سبيل الدعوى والزعم، كأنه قيل: أجعل الجماعة واحدًا في قوله؟ لأن ذلك في الفعل مُحال. والعُجاب الذي بلغ النهاية في العجب، والعجيب والعجاب واحد.
وقرئ: (عُجَّاب) بالتشديد (١)، وهو أبلغ من المخفف، ونظيره: كَرِيمٌ وَكُرَامٌ وَكُرَّامٌ، وطَوِيل وطُوَالٌ وطُوَّالٌ (٢). وقال:
٥٤٥ - جَاؤوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ مِنَ العَجَب ... أُزَيْرِقِ العَيْنِ وُطُوَّالِ الذَّنَب (٣)
وقوله: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ (أن) هنا هي المفسرة بمعنى أي، لأن انطلاقهم في ضمنه معنى القول، وقد جوز أن يراد بالانطلاق الاندفاع في القول، أي: قالوا امشوا، أي: اكثروا واجتمعوا، من قولهم: مشت المرأة تمشي مَشَاءً - ممدودًا- إذا كثر نسلها (٤). وأنكر ذلك بعض أهل اللغة، وقال: لو كان كذلك لكان (أن أَمشوا) بالقطع، لأنه من أَمْشَى، وليس بشيء لأن أَمشى
стр. 3124
ومشى في هذا المعنى لغتان فاشيتان (١)، وأُنشد:
٥٤٦ - *وَالشَّاةُ لَا تَمْشي مَعَ الهَمَلَّع (٢) *
أي: لا تَنْمِي مع الذئب، ومنه ناقة ماشية، إذا كانت كثيرة الأولاد، ولم يقولوا: ممشية، وقد جوز أبو إسحاق (٣): أن يكون المعنى: وانطلق الملأ منهم بأن امشوا، أي: بهذا القول، فتكون ﴿أَنِ﴾ في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته، وأما على الوجه الأول فعارية عن المحل.
﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾:
قوله : ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ في (جند) وجهان:
أحدهما: مبتدأ، و ﴿مَا﴾، مزيدة للتوكيد، و ﴿هُنَالِكَ﴾ يجوز أن يكون صفة لقوله: ﴿جُنْدٌ﴾، أي: جند ثابت أو مستقر هنالك، والإشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن يندب لأمر ليس من أهله: لَسْتَ هنالك. و ﴿مَهْزُومٌ﴾ خبر المبتدأ. ولك أن تجعل ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفًا لمهزوم، أي: جند مهزوم في ذلك المكان. وأما ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: فيجوز أن يكون صفة لجند أو لمهزوم، وأن يكون من صلة ﴿مَهْزُومٌ﴾.
والثاني: خبر مبتدأ محذوف، أي: هم جند، أي هؤلاء المشركون من قريش جند من الأحزاب مهزوم هنالك.
стр. 3125
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... ﴾ الآية، حذفت المفاعيل مع ما أهلكوا به للعلم بها، والتقدير: كذبت قبلهم قومُ نوحٍ نوحًا أو الرسل، بشهادة قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) فأُهلكوا بالطوفان، وعادٌ هودًا أو الرسل فأُهلكوا بالريح، وفرعونُ موسى فأُهلك ومن معه بالغرق، وثمودُ صالحًا فأُهلكوا بالصيحة، وقومُ لوطٍ لوطًا فأُهلكوا بالخسف، وقومُ شعيبٍ شعيبًا فأُهلكوا بعذاب يوم الظُلَّةِ (٢). وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب: أن التاء إنما أدخلت في كذبت لأن القوم جماعة، فأنث الفعل لتأنيث الجماعة (٣).
وقد جوز بعض المعربين الوقوف على نوح، على أن يكون ﴿وَعَادٌ﴾ مبتدأ، وما بعدها عطف عليها، والخبر ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾، وعلى عاد وعلى لوط على التأويل المذكور آنفًا (٤)، وهو من التعسف، والوجه ما ذكرت، وهو أن يكون الكل عطفًا على قوله: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾، وأن يكون ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ مستأنفًا عاريًا عن المحل، فاعرفه.
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾:
قوله : ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ الفَوَاقُ والفُوَاقُ بفتح الفاء وضمها، وقد قرئ بهما (٥): ما بين حلبتي الحالب من الوقت، لأنها تُحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لِتَدُرَّ ثم تُحْلَبُ، يقال: ما أقام عنده إلا فواقًا، أي:
стр. 3126
مقدار فواق. وفي الحديث: "العِيادةُ قَدْرُ فُوَاقِ ناقةٍ" (١).
ومعنى قوله جل ذكره: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ أي: ما لها من نظرة وراحة وإفاقة. وعن ابن عباس ﵄: "ما لها من رجوع وترداد" (٢). مِن أفاقَ المريضُ، إذا رجع إلى الصحة، وأفاقت الناقة، إذا رجع اللبن إلى ضرعها.
وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ القِطُّ: الكتاب والصك بالجائزة، وبهما فسر قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ أي: عجل لنا كتابنا، أي: كتاب حسابنا. وقيل: كتاب جوائزنا. وقيل: نصيبنا من الذي تعدنا. وقيل: عذابنا. وقيل: حظنا من الرزق، قالوا كل ذلك استهزاء (٣).
وأصل القَطِّ: القسط من الشيء، لأنه قطعة منه، من قَطَّه، إذا قطعه، ومنه قيل لصحيفة الجائزة: قِطّ، لأنها قطعة من القرطاس (٤).
﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾:
قوله : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ (داود) بدل من العبد، أو عطف بيان له، و ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: صفة له. والأيدُ: القوة، وكذلك الآد، وآد فلان يَئيد أيدًا (١) وآدًا، إذا اشتد وقوي، فهو أيّدٌ وذُو أَيْدٍ وآدٍ. وقيل: الأَيْدُ أصله الأيدي بالياء، وهي النعم، فحذفت الياء تخفيفًا واكتفاءً بالكسرة عنها،
стр. 3127
وقد أنعم الله جل ذكره على داود ﵇ نعمًا كثيرة لم ينعم بها على غيره، وشهرتها تغني عن ذكرها.
وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (يسبحن) في موضع الحال من الجبال، أي: مسبحاتٍ.
وقوله: ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: بوقت الإشراق، والإشراق مصدر قولك: أشرقت الشمس، إذا أضاءت، وَشَرَقَتْ شُرُوقًا، إِذَا طَلَعَتْ.
وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ عطف على ﴿الْجِبَالَ﴾، و ﴿مَحْشُورَةً﴾ حال من ﴿وَالطَّيْرَ﴾، أي: وسخرنا له الطير مجموعة إليه من كل ناحية. وقيل: الواو بمعنى مع، وليس بشيء، لأن شرط هذا الباب أن يكون الفعل لازمًا نحو: اسْتَوى الماءُ والخشبةَ، لأداءِ ذلك إلى اللبس، ويجوز رفع (الطير) مع (محشورة) (١) على الابتداء والخبر، ورفعه مع نصب (محشورة) عطفًا على الضمير في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾.
وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ في الضمير في (له) وجهان:
أحدهما: لداود ﵇، أي: كل واحد من الجبال والطير رَجّاع لأجل داود، أي مسبح لأجل تسبيحه، لأنها كانت تسبح بتسبيحهِ على ما فسر (٢). وقيل مطيع له (٣).
والثاني: لله ، أي: كل من داود والجبال والطير أَوَّاب لله تعالى، أي مسبح أو مطيع (٤).
стр. 3128
وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ الفصل هنا يجوز أن يكون بمعنى المفصول، كضَرْبِ الأمير، وخَلْقِ الخالق، لأنهم قالوا: كلام مُلْتبس، وفي كلامه لَبْسٌ، والملتبِسُ المختلِطُ، فقيل في نقيضه: فصل، أي: مفصول بعضه من بعض. وأن يكون بمعنى الفاصل، لأنه يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، وغير ذلك، قاله الزمخشري (١).
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ اختلف في الاستفهام هنا، فقيل: هو بمعنى النفي، أي: ما أتاك قبلُ وقد أتاك الآن. وقيل: بمعنى التنبيه على جلالة هذا النبأ، وأنه من الأنباء العجيبة التي حقها أن تشيع (٢). وقيل: بمعنى قد (٣). والنبأ: الخبر. والخصم: يقع على الواحد والجمع كالضيف، لأنه مصدر في الأصل، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، يقال: خَصَمَهُ يَخْصِمُهُ خَصْمًا، إذا غَلَبَهُ بالخصومة.
وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ... إِذْ دَخَلُوا﴾ (إذ) الأول يجوز أن يكون ظرفًا للنبأ، أو للخصم لما فيه من معنى الفعل، لا لأَتَى كما زعم بعضهم (٤)، لأن إتيان النبأ نبينا ﵊ كان في زمانه لا في زمان داود ﵇. وأما الثاني: فيجوز أن يكون بدلًا من الأول، وأن يكون ظرفًا
стр. 3129
لتسوروا، أي: تسوروا المحراب في الوقت الذي دخلوا. فيه على فى داود ﵇، ومعنى ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾: تَصَعَّدُوا سُوْرَهُ، وتَسَوَّرَ السُّوْرَ: تسلقه، والسور: الحائط المرتفع.
وقوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ أي: نحن خَصْمَانِ.
وقوله: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ الجمهور على ضم التاء وكسر الطاء من أشَطَّ في القضية، إذا جار فيها وأبعد، أي: ولا تَجُرْ ولا تُبعد، وقرئ: (لَا تَشْطُطْ) بفتح التاء وضم الطاء (١)، من شَطّتِ الدارُ تَشِطُّ وَتَشُطُّ شَطًّا وشُطوطًا، إذا بَعُدَتْ، والقراءتان راجعتان إلى معنىً، ومعناهما: البعد عن الحق. قال أبو الفتح: وهو من الشَّطِّ، وهو الجانب، ومعناه: أَخْذُ جانب الشيء وتَرْكُ وسطِهِ وأقربه، كما قيل: تَجَاوز، وهي من الجِيزة، وهي جانب الوادي، وكما قيل: تَعَدَّى، وهو من عُدْوَةِ الوادي، أي: جانبه، انتهى (٢).
و﴿سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: وسطه ومحجته، ضَرَبَهُ مَثَلًا لعين الحق ومَحْضِهِ.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ (أخي) يجوز أن يكون بدلًا من ﴿هَذَا﴾، وخبر ﴿إِنَّ﴾ ما بعده. وأن يكون خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾.
وقوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ الجمهور على كسر التاء فيهما، وقرئ: بفتحها فيهما (٣)، وهما لغتان بمعنىً، كالبِزْرِ والبَزْرِ والنَّفْطِ والنَّفْطِ، غير أن الكسر أشيع.
стр. 3130
وعلى فتح نون قوله: ﴿نَعْجَةً﴾، وقرئ: بكسرها (١)، وهما أيضًا لغتان كَالْمَهْنَةِ والمِهْنَةِ للخدمة، إلا أن المشهور الفتح، أعني (نَعجة) فاعرفه.
وقوله: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ قيل: مَلِّكْنيها، وحقيقته: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي.
﴿وَعَزَّنِي﴾ الجمهور على تشديد الزاي، ومعناه غَلَبني، وقرئ: (وَعَزَني) بتخفيفها (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما -وهو الوجه-: أنه مخفف من المشدد كراهة التضعيف، كما قالوا: ظَنْتُ، وَمَسْتُ، وَظَلْتُ، في ظَنَنْتُ، ومَسِسْتُ، وَظَلِلْتُ كراهة تلاقي المثلين.
والثاني: أنه من وَعَزَ يَعِزُ وَعْزًا، إذا تقدم، وهذا ليس بشيء لأمرين:
أحدهما: أنَّ وَعَز يتعدى بإلى، يقال: وَعَزْتُ إليه.
والثاني: ينبغي أن يكون معه العاطف فيقال: وَوَعَزنيَ.
وقرئ أيضًا: (وَعَازَّني) بألف بعد العين مع تشديد الزاي (٣)، من المُعَازّة، وهي المغالبة. و ﴿الْخِطَابِ﴾: المخاطبة. وقيل: من خِطبة المرأة (٤)، أي: دافعني عن خِطبة هذه المرأة.
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي
стр. 3131
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ جواب قسم محذوف. ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾: السؤال مصدر مضاف إلى المفعول به، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (١). ﴿إِلَى﴾ يجوز أن يكون من صلة السؤال على أنه ضُمِّن معنى الإضافة، والتقدير: والله لقد ظلمك بإضافته نعجتك إلى نعاجه، على وجه السؤال والطلب، وأن يكون من صلة محذوف، تقديره: بسؤاله إياك نعجتك ليضمها إلى نعاجه. ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي مضمومة إلى نعاجه، ثم حذف ما حذف للعلم به.
وقوله: ﴿لَيَبْغِي﴾ الجمهور على إثبات الياء ساكنة وهو الأصل، واللام للتأكيد، وقرئ: (لَيَبْغِيَ) بفتح الياء (٢)، على تقدير النون الخفيفة وحذفها، أي: لَيَبْغِيَنْ، كقوله:
٥٤٧ - اضْرِبَ عَنْكَ الْهُمُومَ طَارِقَهَا ... ......................... (٣)
أراد: اضربَنْ، واللام على هذا جواب قسم محذوف.
وقرئ أيضًا: (لَيَبْغِ) بحذف الياء (٤) اكتفاء منها بالكسرة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نصب على الاستثناء، والمستنثى منه ﴿بَعْضُهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ في (ما) وجهان، أحدهما: مزيدة، و ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿وَقَلِيلٌ﴾ خبره. والثاني: موصولة، والتقدير: وقليل الذين هم
стр. 3132
كذلك، فهم مبتدأ، وخبره محذوف وهو كذلك، والمعنى: أن الموصوفين بهذه الصفة وهي الإيمان وإصلاح العمل قليلون.
وقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ الظن هنا بمعنى العلم واليقين.
والجمهور على تشديد نون ﴿فَتَنَّاهُ﴾، ومعناه: ابتليناه واختبرناه، من قولهم: فتنتُ الذهبَ، إذا أدخلتَهُ النار لتنظر جودته، وقرئ: (فَتَّنَّاهُ) بتشديد التاء والنون (١) للمبالغة. و (أَفْتَنَّاهُ) بألف قبل الفاء (٢)، وهما لغتان، أعني فتنت وأفتنت، وأنشد أبو عبيدة لأعشى همدان (٣):
٥٤٨ - لئن فَتَنَتْنِي لَهي بالأمس أَفْتَنَتْ ... سَعِيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسْلِمِ (٤)
وأنكر الأصمعي: أَفْتَنْتُ بالألف (٥). والفعل لله جل ذكره في هذه القراءة. و (فَتَنَاهُ) بالتخفيف (٦)، على أن الألف ضمير المَلَكَيْنِ، وهما الخصمان اللذان اختصما إليه في قوله: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ (٧) أي: علم وأيقن أنهما اختبراه فخبّراه بما ركبه من التماسه امرأة صاحبه (٨).
стр. 3133
﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (راكعًا): حال، والإنابة: التوبة، وهي من الرجوع، أي: رجع إلى الله بالتوبة.
وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ (ذلك): مفعول (غفرنا)، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وهو الذي أشير إليه في القصة. وعن بعض القراء: الوقوف على ﴿لَهُ﴾، على: الأمر ذلك (١).
قوله : ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، (فيضلك) منصوب على جواب النهي. وقيل: هو مجزوم عطفًا على النهي، وفتحت اللام لالتقاء الساكنين (٢). والمنوي في ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ للهوى. وقيل: لاتّباع الهوى، دل عليه: ولا تتبع (٣).
﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ﴾ القراءة بفتح الياء لا أعرف فيه خلافًا (٤)، ويجوز في الكلام رفعه (٥)، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به، لأن
стр. 3134
القراءة سنة متبعة لا يجوز فيها القياس ولا الاختيار.
وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (يوم) يجوز أن يكون من صلة ﴿نَسُوا﴾ ومعمولًا له، على أنه مفعول به، و (ما) مصدرية، أي: لهم عذاب شديد بنسيانهم يوم الحساب، أي: بتركهم تَذَكُّرَهُ. وأن يكون ظرفًا للظرف وهو ﴿لَهُمْ﴾، أي: لهم عذاب شديد في ذلك اليوم بسبب نسيانهم العمل بما يرضي خالق العمل.
وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا له، وأن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: خلقًا باطلًا، وأن يكون في موضع الحال، إما من الفاعل، أي: ذوي باطل، أو من المفعول، أي: عاريًا عن الحكمة، والباطل مصدر كالعافية والعاقبة، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١). و ﴿أَمْ﴾ في الموضعين منقطعة، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار.
وقوله: ﴿مُبَارَكٌ﴾ نعت بعد نعت لـ ﴿كِتَابٌ﴾، أي: هذا كتاب مُنْزَلٌ مبارك، وحكي فيه النصب (٢)، ونصبه على الحال من الضمير المفعول في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾.
وقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصله: لِيَتَدَبَّرُوا، فأدغم التاء في الدال للقرب، وبالأصل قرأ بعض القراء (٣). وقرئ أيضًا: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ بتاء واحدة على الخطاب (٤)، والأصل: لتتدبروا بتاءين، فحذف إحداهما كراهة اجتماعهما.
وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ القراءة بياء وتاء، ويجوز في الكلام إدغام التاء في
стр. 3135
الذال، ولا تجوز القراءة به إذ لم تثبت به رواية.
﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾:
قوله : ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ المخصوص بالمدح محذوف، وهو سليمان أو داود ﵇، والأول أمتن لكونه أقرب وعليه الأكثر، ولأن قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ﴾ ظرف لقوله: ﴿أَوَّابٌ﴾ أو لقوله: ﴿نِعْمَ﴾ والذي عرض عليه الخيل سليمان ﵇. والأواب: الرجاع إلى ربه بالتوبة. وقيل: هو المُسَبِّحُ المؤوّب للتسبيح المُرَجِّعُ له.
وقوله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ (الصافنات) الخيل، واحدها صافن، والصافن الذي يقوم على ثلاث قوائم ويرفع قائمة عن الأرض مع إصابة طرف سُنْبُكِها الأرضَ، يقال: صفَنَ الفرس يَصْفِنُ صفُونًا فهو صَافِنٌ، وقيل: الصافن من الخيل: القائم بأي وصف كان (١). والجياد: جمع جَوَاد، وهو الذي يجود بالعدو، وقيل: جمع جَوْد، كسِياط وحِياض في سَوْطٍ وحَوضٍ، والجَوْدُ: الكثير الجَرْيِ، مُشَبَّهٌ بالمطر الجَوْدِ. وقيل: الجياد الطوال الأعناق، من الجيد وهو العنق (٢).
وقوله: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ اختلف في معنى ﴿أَحْبَبْتُ﴾، فقيل: معناه آثرت، والاستحباب في معناه، وفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ (٣) أي: يؤثرونها عليها. وقيل: هو على بابه من المحبة، يقال: أَحبّه فهو مُحَبّ. وحَبّه يَحِبّه بالكسر فهو محبوب، قال:
стр. 3136
٥٤٩ - أُحِبُّ أَبَا مَرْوَانَ مِنْ أَجْلِ تَمْرِهِ ... ..................... (١)
ثم قال:
وَواللهِ لولا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ... .............................. (٢)
فجمع بينهما كما ترى. وقيل: أحببت بمعنى قعدت ولزمت، من أَحَبَّ البعيرُ، إذا برك، والإحبابةُ في الإبل كالحِرانِ في الخيل (٣)، قال الشاعر:
٥٥٠ - * ضَرْبَ البَعِيرِ السَّوْءِ إِذْ أَحَبَّا (٤) *
فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ على الوجه الأول مفعول به، و ﴿عَنْ﴾ بمعنى على، وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض.
وعلى الوجه الثاني: يجوز أن يكون مصدرًا لأحببت على حذف الزيادة، كقوله: جل ذكره: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٥) على أحد الوجهين، وقوله:
٥٥١ - ..................... ... بَعْدَ عَطَائِكَ المائةَ الرِّتَاعَا (٦)
وأن يكون مصدر حَبَبْتُهُ من المحبة، ومفعول الإحباب على هذين التقديرين مؤخر، والتقدير أحببت الخير حبًا، ثم أخَّرَ الخيرَ وأضاف حبًا إليه، فهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول به، ودلت إضافته إليه على إرادة تعدي الفعل إليه.
стр. 3137
وعلى الثالث: مفعول له، أي: قعدت وتأخرت عن ذكر ربي حبًا للخير، أي: لأجل حب الخير. وأما ﴿عَنْ﴾ على الوجه الأول فمن صلة ﴿أَحْبَبْتُ﴾. وأما على الثاني: فيجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف على: أحببت حب الخير فسهوت عن ذكر ربي، وأن يكون في موضع الحال، أي: معرضًا عن ذكر ربي، ولك أن تعلقه بعين ﴿أَحْبَبْتُ﴾ على تضمنه معنى فعل يتعدى بعن أي: أنَبْتُ حب الخير عن ذكر ربي، أو جعلت حب الخير مُجزيًا أو مُغنيًا عن ذكر ربي. وكذا على الوجه الثالث: يجوز أن يكون من صلة ﴿أَحْبَبْتُ﴾ وقد ذكرته مقدرًا، وأن يكون في موضع الحال، أي: مُعرضًا عن ذكر ربي، وقد ذكر أيضًا، فاعرفه فإنه موضع.
و﴿ذِكْرِ رَبِّي﴾ مضاف إلى المفعول، أي: عن أن أذكر ربي، أو إلى الفاعل، أي: عن أن يذكرني ربي، أو أن ذكرني ربي، وهو أَنْ ذَكَرَهُ في التوراة بإقامة الصلاة على ما فسر. واختلف في الخير، فقيل: الخيل، قال الفراء: العرب تسمى الخيلَ: الخيرَ (١)، لأن الخير يجيء من جهتها. وقيل: المال (٢)، كقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٣) ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٤) والمال الخيل التي شغلته.
وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ المنوي في توارت للشمس، دَلَّ عليها مرور ذكر العشي، لأن المضمر لا بد له من جري ذكر أو دليل ذكر في الأمر العام، وله في التنزيل نظائر (٥). وقيل: الضمير للصافنات، أي: إلى أن غابت
стр. 3138
واستترت عن بصري بحجاب الليل (١)، يعني: الظلام. وقيل: توارت عني في الاصطبلات (٢).
وقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ الضمير المنصوب في ﴿رُدُّوهَا﴾ للجياد، والخطاب لمن حوله. وقيل: الضمير للشمس والخطاب للملائكة، وذلك أن سليمان ﵇ تضرع إلى الله وسأله رد الشمس له ليصلي، فأمره بأن يقول للملائكة حتى يردوها له، فقال للملائكة: ردوها علي، فردوها فصلى العصر على ما فسر، وليس بذاك (٣). ومعنى طَفِقَ: أخذ وجعل. و ﴿مَسْحًا﴾ مصدر، أي: فجعل يمسح مسحًا، ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي: ماسحًا. والسوق: جمع ساق. والأعناق: جمع عنق. والمعنى: يمسح السيف بسوقها وأعناقها، أي يقطعها، والعرب تقول: مسح عِلاوته، إذا ضرَبَ عنقه (٤)، ومسح قوائم البعير، إذا عقرها. وقيل: مسحها بيده استحسانًا لها وإعجابًا بها (٥). وقرئ: (بالسُّؤوق) بهمز الواو، لضمها كما في أَدْؤُر، ونظيره: الغُؤور، في مصدر غارت عينه. وقرئ أيضًا: (بالسُّؤْق) بهمزة ساكنة (٦)، على جعل الضمة في السين كأنها في الواو للقرب، والعرب تهمز نحو هذا لما ذكرت فتقول: مُؤسَى ومُؤقد.
стр. 3139
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ في نصب قوله: ﴿جَسَدًا﴾ وجهان: أحدهما: هو مفعول ﴿وَأَلْقَيْنَا﴾، وجاء في التفسير: أن سليمان ﵇ مرض مرضًا شديدًا امتحنه الله به حتى صار جسده مطروحًا على كرسيه، كأنه لا روح فيه من شدة مرضه، وقد يوصف المريض الذي اشتد مرضه بأنه جسد بلا روح. وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: عاد إلى الصحة (١). وقيل: أذنب ذنبًا فسلبه الله بسبب ذلك الذنب ملكه أربعين يومًا، وأجلس مكانه شيطانًا، وكان خاتمه ضاع فوجده، فعاد إلى مكانه (٢). وقيل: أُلقي على كرسيه من السحاب ولد ميت (٣).
والثاني: حال من مفعول محذوف، أي: ألقيناه جسدًا، وهذا الضمير المفعول لأحد المذكورين آنفًا.
وقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (تجري) في موضع الحال من الريح، أي: جارية، ورخاء حال، إما من الريح، أو من المنوي في ﴿تَجْرِي﴾، أي: سهلةً لينةً، من الشيء الرخو، وقيل: طيبة (٤).
стр. 3140
و ﴿حَيْثُ﴾ يجوز أن يكون معمول (سَخَّرنَا)، وأن يكون معمول تجري.
و﴿أَصَابَ﴾: قصدَ وأرادَ في لغة حمير (١)، يقولون: أصاب الصواب وأخطأ الجواب (٢). وعن رؤبة: أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة، فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا، ورجعا (٣).
وقوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾
(والشياطين) عطف على الريح، أي: وسخرنا له كل بَنّاء وغواص من الشياطين. ﴿وَآخَرِينَ﴾ عطف على ﴿كُلَّ﴾ داخل في حكم البدل، وهو بدل الكل من الكل. و ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ صفة لآخرين، كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، كقوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ (٤) ويغوصون له فيستخرجون له من اللؤلؤ. والأصفاد: جمع صَفَد، وهو القيد.
وقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ اختلف في الباء في ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: فقيل: من صلة ﴿عَطَاؤُنَا﴾. وقيل في موضع الحال، وفي ذي الحال وجهان:
أحدهما: ﴿عَطَاؤُنَا﴾، أي: هذا عطاؤنا كثيرًا واسعًا، وتعضد الوجهين قراءة من قرأ: (هَذَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ عطاؤنَا بغير حساب) أعني تعلقه بـ ﴿عَطَاؤُنَا﴾ أو حالًا منه، وهو ابن مسعود ﵁ (٥).
والثاني: المنوي في ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾، أي: غير محاسَبٍ.
стр. 3141
وقوله: ﴿فَامْنُنْ﴾ إما من المن وهو الإنعام، أي: فأَعْطِ مَن شئتَ منه وامنع من شئت، ليس عليك في ذلك حرج، أو من المِنَّةِ، على معنى: هذا التسخير الذي (١) جعلناه لك في الشياطين عطاؤنا، فامنن على من شئت منهم بالإطلاق، وأمسك من شئت منهم في الوثاق غيرَ محاسَبٍ.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى﴾ (عبدنا) مفعول ﴿وَاذْكُرْ﴾، و ﴿أَيُّوبَ﴾ بدل منه أو عطف بيان، و ﴿إِذْ﴾ بدل منه وهو بدل الاشتمال، والتقدير: واذكر يا محمد عبدنا أيوب زمن مناداته رَبَّه. ولا يجوز أدن يكون ﴿إِذْ﴾ معمول ﴿وَاذْكُرْ﴾ كما زعم بعضهم، لأن الأمر بالذكر لم يكن في ذلك الوقت.
و﴿أَنِّي مَسَّنِيَ﴾ حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال: بأنه مسه، لأنه غائب (٢).
وقوله: ﴿بِنُصْبٍ﴾ الجمهور على ضم النون وإسكان الصاد، وقرئ: بضمهما (٣)، وفتحهما (٤)، وبفتح النون وإسكان الصاد (٥). وكلها لغات بمعنىً، وهو التعب والمشقة.
стр. 3142
وقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حكاية ما أجيب به أيوب ﵇. ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ اختلف في المغتسل، فقيل: هو الماء الذي يغتسل به. وقيل: هو موضع الاغتسال، ففي الكلام على هذا حذف مضاف تمديره: هذا ماء مغتسل بارد وشراب، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى﴾ مفعول لهما، أي: فعلنا به ذلك للرحمة ولتذكرة ذوي العقول (١).
وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ عطف على ﴿ارْكُضْ﴾. والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش، أو أغصان شجر، أو شماريخ، أو غير ذلك، عن أبي عبيدة وغيره (٢).
وقوله: ﴿وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (صابرًا) مفعول ثان، كقولك: وجدت زيدًا ذا الحفاظ، أي: علمناه صابرًا.
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾:
قوله : ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ قرئ: (عِبادنا) على الجمع، و (عَبْدَنا) على الإفراد (٣). مَن جَمَعَ جعل ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ بدلًا منه، أو عَطْفَ بيان له، ومن أفرد جعل ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ وحده بدلًا منه أو عَطْفَ بيان له ثم عَطَفَ ما بعده عليه، أعني: على (عَبْدَنا)، فيكون ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ وحده داخلًا في العبودية والذكر، وذريته -وهي إسحاق ويعقوب- داخلين في الذكر ليس إلا، وهما داخلان في العبودية في غير هذه الآية.
وقوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ الجمهور على إثبات الياء في
стр. 3143
﴿الْأَيْدِي﴾ وهو الوجه، لأنها جمع اليد، والمراد باليد هنا القوة، لا التي هي الجارحة، وإنما عبر عن القوة باليد، لأن بها البطش والعمل. وقيل: الأيدي النِّعم، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عليهم بها (١).
وقرئ: (أولي الأيدِ) إما على حذف الياء (٢) والاجتزاء بالكسرة وهو الوجه، وله نظائر في التنزيل، أو على أن المراد بها القوة، كقوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ (٣).
وقرئ: (أولي الأيادي) على جمع الجمع (٤)، وهذه القراءة تعضد قراءة الجمهور والوجهَ المختارَ.
﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: الفقه في الدين، والعلم بكتاب الله.
﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى﴾ (خالصة) مصدر على فاعلة، كالعاقبة والعافية، ثم بعدُ، يجوز أن يكون من خلص، وأن يكون من أخلص على طرح الزيادة، كـ:
٥٥٢ - * ................ دَلْوُ الدال (٥) *
стр. 3144
وعطاء المعطي، ﴿ذِكْرَى﴾ أيضًا مصدر، فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قرئ: بتنوين (خالصةٍ) وبتركها على الإضافة (١)، مَن نَوَّنَ فـ ﴿ذِكْرَى﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على الفاعلية، على: بأن خلصت لهم ذكرى الدار. وأن يكون في موضع نصب على المفعولية، أي: بأن خلصوا ذكرى الدار. وتعضد هذا الوجه قراءة من قرأ: (بخالصتهم ذكرى الدار) وهو الأعمش (٢). ومن أضاف كان في ﴿ذِكْرَى﴾ الوجهان المذكوران آنفًا، أما الرفع فعلى إضافة المصدر إلى الفاعل، وأما النصب فعلى إضافته إلى المفعول، كقوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٣) و ﴿دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٤).
وقيل: (بخالصة)، أي: بنعمة خالصة، أو بخصلة خالصة لا شوب فيها، فهي صفة حذف موصوفها، ثم فسرها بـ ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ شهادةً لذكرى الدار بالخلوص والصفاء وانتفاء الكدورة عنها، فـ ﴿ذِكْرَى﴾ على هذا في موضع جر على البدل منها، أو رفع على: هي ذكرى الدار. أو نصب على إضمار أعني. ووجه الإضافة على هذا الوجه ظاهر، وهي من إضافة الشيء إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، لأن النعمة أو الخصلة الموصوفة بها قد تكون ذكرى الدار وغيرها.
وقيل: ﴿بِخَالِصَةٍ﴾ اسم فاعل (٥) كجالسة، أي: بما خلص من ذكرى
стр. 3145
الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بِهَمٍّ آخر، إنما همهم ذكرى الدار لا غير.
وأما إضافة ﴿ذِكْرَى﴾ إلى ﴿الدَّارِ﴾ فيجوز أن تكون من إضافة المصدر إلى المفعول به، أي: أخلصناهم بسبب ذكراهم الآخرة، وذكرهم لها، وَوَجَلُ قلوبهم منها ومما يكون فيها مما لا يحصى، وأن تكون من إضافته إلى المفعول به على السعة وهو ظرف في المعنى، والمفعول به محذوف، أي: ذِكْرُهُم الوقوف، أو الحساب، أو غير ذلك فيها، وفي الكلام على هذا حذفان، حذفُ المفعول به، وحذف الجار، كذهبتُ الشامَ، عند صاحب الكتاب ﵀ (١). وقيل: المراد بالدار الدنيا، على معنى: أبقينا عليهم الثناء الجميل في الدنيا (٢)، فالدار على هذا أيضًا: ظرف كالوجه المذكور آنفًا، فاعرفه.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (عندنا) يجوز أن يكون من صلة الخبر، وأن يكون من صلة محذوف دل عليه الخبر وهو ﴿لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾. أي: وإنهم مصطفون عندنا، ولا يجوز أن يكون من صلة هذا الظاهر، لأنه في صلة الألف واللام، وما كان في الصلة لا يتقدم على الموصول.
وحذفت الألف من المصطفين لسكونها وسكون ياء الجمع بعدها، وكانت أولى بالحذف، لأن قبلها فتحة تدل عليها، وأصل مصطفى: مصتفى، لأنه من الصفاء والصفوة، فأبدلت من التاء إلى الطاء لكونها من مخرجها، لتوافق الصاد في الإطباق والجهر.
و﴿الْأَخْيَارِ﴾: جمع خَيِّر، أو خَيْر على الحذف للتخفيف، كأموات في جمع مَيِّتْ أو مَيْتِ.
стр. 3146
وقد مضى الكلام على (اليَسَعَ) في سورة الأنعام (١).
﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾:
قوله : ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ الجمهور على نصب ﴿جَنَّاتِ﴾، ونصبها على البدل من اسم إن وهو ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾. واختلف في ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فقال قوم: هي معرفة بشهادة قوله جل ذكره: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ (٢)، فوصفها بالتي كما ترى فدل على أنها معرفة (٣). قال آخرون: هي نكرة (٤)، إذ ليس ﴿عَدْنٍ﴾ بِعَلَمٍ، وإنما هو كقولك: جنات إقامة، كقولهم: مَطِيَّةُ حَرْبٍ، والعَدْن في اللغة: الإقامة، يقال: عَدَنَ بالمكان، إذا أقام به.
فإذا فهم هذا، فقوله تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ انتصابها على الحال من المنوي في الظرف وهو ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، والعامل فيها نفس الظرف وعينه، لا من ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ كما زعم بعضهم لعدم العامل، لأن (إن) لا يعمل في الأحوال. فإن قلت: جَعْلُكَ ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالًا على المذهبين أو على مذهب من قال: إن جنات معرفة؟ قلت: لا، بل على المذهبين، لأني أجعلها حالًا من ضميرها لا من عينها. ولك أن تجعل ﴿مُفَتَّحَةً﴾ صفة لجنات على قول من جعلها نكرة، وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضمير الجنات ولذلك أُنث، كما تقول: مررت بجنات مفتحه.
و﴿الْأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب، لأنك تقول: فُتِحَت الجِنانُ، إذا فُتِّحَتْ أبوابُها، وفي التنزيل: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ
стр. 3147
فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ (١)، فهو كقولهم. ضُرب زيدٌ اليدُ والرِّجْلُ، فإن قلت: ما هذا البدل؟ قلت: قد جوز أن يكون بدل البعض من الكل، وأن يكون بدل الاشتمال، لأن الأبواب بعض الجنات وهي مشتملة عليها، وهذا مذهب الشيخِ أبي علي ﵀ وموافقيه، وهو كون ﴿الْأَبْوَابُ﴾ بدلًا من الضمير في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ (٢).
وذهب الفراء وموافقوه (٣): إلى أن الأبواب مرتفعة بـ ﴿مُفَتَّحَةً﴾، وأن الألف واللام سدًّا مسد الضمير العائد من الصفة، والتقدير: مُفتحةً لهم أبوابها، وأنكر ذلك أصحابنا البصريون (٤)، لأن الحرف لا يكون عوضًا من الاسم ولا يقوم مقامه. قال أبو علي: لو جاز ذلك لم يقولوا: هند حسنة الوجه، ولقالوا: هند حَسَنُ الوجْهِ، كما قالوا هند حَسَنٌ وجهُها، ففي قولهم: هند حسنة الوجه، دلالة على أن الألف واللام لا يسدان مسد الضمير في اللفظ وإن كان المعنى على ذلك، انتهى كلامه (٥).
وقيل التقدير: مفتحة لهم الأبواب منها، فحذف (منها) كما حذف (منه) في قولهم: السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم، وردّ أبو علي ذلك وقال: ليس هو كقولهم: السمن مَنَوان بدرهم، لأن خبر المبتدأ قد يحذف بأسره، وإذا جاز أن يحذف جميعه جاز أن يحذف بعضه، وليست الصفة كذلك، لأنه موضع تخصيص، ولو استحسنوا هذا الحذف من الصفة كما استحسنوا من الخبر وغيره لما قالوا: مررت بامرأة حسنة الوجه.
стр. 3148
وقرئ: (جناتُ عدن مفتحةٌ) بالرفع فيهما (١)، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف، أي: هو جناتُ عدنٍ هي مفتحةٌ (٢).
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾:
قوله : ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ منصوب على الحال، وفي ذي الحال وجهان، أحدهما: الضمير المجرور باللام في قوله: ﴿لَهُمُ﴾ والعامل ﴿مُفَتَّحَةً﴾. والثاني: الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ وجاز ذلك لأن العامل متصرف.
وقوله: ﴿وَشَرَابٍ﴾ أي: وشراب كثير، فحذفت اكتفاء بالأول.
وقرئ: (توعدون) بالتاء النقط من فوقه، على معنى: قل يا محمد هذا ما توعدون. وبالياء (٣) على الغَيْبَةِ والضمير لهم.
وقوله: ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: لأجل يوم الحساب. وقيل: اللام بمعنى (في)، وهو من التعسف (٤).
وقوله: ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (من): صلة، أي: ماله نفاد. ومحل الجملة النصب على الحال من الرزق، أي: دائمًا، والعامل فيها ما في ﴿هَذَا﴾ من معنى الفعل.
стр. 3149
وقوله: ﴿هَذَا﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر هذا، أو بالعكس، أي: هذا ما لأهل الجنة، أو هذا كما ذكر.
وقوله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ (جهنم) بدل من ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾، و ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ في موضع الحال من (الطاغين)، والعامل فيها الاستقرار.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: فبئس الفراش الممهدُ لهم جهنمُ. وقيل: المخصوص بالذم هو ﴿هَذَا﴾، أي: فبئس المهاد هذا المذكور، والوجه ما عليه الجمهور وهو ما ذكر آنفًا إن شاء الله.
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾:
قوله : ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ اختلف في محل ﴿هَذَا﴾.
فقيل: محله النصب بإضمار فعل يفسره ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ بمثابة قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (١) أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقولك: زيدًا فاضربه، ثم ابتدأ فقال: ﴿حَمِيمٌ﴾، أي: هو حميم.
وقيل: محله الرفع وفيه وجهان، أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي: العذاب هذا فليذوقوه. والثاني: مبتدأ وفي خبره وجهان:
أحدهما: ﴿حَمِيمٌ﴾، أي: هذا حميم فليذوقوه، فهذا مبتدأ، وحميم خبره، : ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ عطف على الخبر، وقوله: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ اعتراض، كما تقول: زيد فاعرفه رجل صالح.
والثاني: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في ﴿هَذَا﴾، و ﴿حَمِيمٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو حميم. وقال الفراء: ﴿حَمِيمٌ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: منه حميمٌ ومنه غساق (٢)، أو لهم حميم
стр. 3150
ولهم غساق. وقيل: ﴿حَمِيمٌ﴾ خبر بعد خبر (١).
وقرئ: (غَسَاقٌ) بالتخفيف والتشديد (٢)، وهما لغتان في هذه الكلمة، غير أن التشديد فيه معنى التكثير، كضَرّاب وقَتَّالٍ. أي: الكثير السيلان، وهو ما يسيل من صديد أهل النار، يقال: غَسَقَت العينُ، إذا سال دمعها.
وقوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قرئ: (وأُخَرُ) بضم الهمزة من غير مَدٍّ على الجمع (٣)، وهو مبتدأ، وقوله: ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ في موضع وَصْفِهِ، وفيه ذكر مرتفع به يعود على المبتدأ، و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ خبر المبتدأ، والضمير المجرور بالإضافة في قوله: ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ يعود إلى الحميم أو إلى المذوق، دل عليه ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾، ولا يجوز أن يعود إلى (وأُخَرُ) لأنه جمع والضمير مفرد، ومعنى: ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾: مِن ضَرْبِهِ وَمِثْلِهِ في الشدة والفظاعة، ومعنى قوله: ﴿أَزْوَاجٌ﴾: أجناس وأصناف، والزوج: الصنف والنوع.
وقرئ: (وآخَرُ) بفتح الهمزة مع المد على الإفراد (٤)، وذلك يحتمل أوجها:
أن يكون عطفًا على قوله: ﴿حَمِيمٌ﴾، أي: وعذاب آخر، أو ومذوق آخر.
وأن يكون مبتدأ و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ مبتدأ ثانيًا، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، ولا يجوز أن يكون ﴿أَزْوَاجٌ﴾ هو الخبر، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾
стр. 3151
الصفة كما في قراءة مَن جمع، لأنَّ الجمع لا يكون خبرًا عن الواحد، ﴿وَآخَرُ﴾ في الحقيقة صفة لمحذوف وهو الابتداء، وقد ذكرت آنفًا.
وأن يكون مبتدأ والخبر محذوفًا، أي: ولهم عذاب آخر، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ في موضع الصفة، وارتفاع قوله: ﴿أَزْوَاجٌ﴾ بالظرف وهو ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ على المذهبين.
قال أبو علي: ولا يجوز أن تجعل قوله: ﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ في قول من قرأ: (وأُخَر) على الجمع وصفًا وتُضمر الخبر كما فعلت ذلك في قول من وَحَّدَ، من أجل أنَّ الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع أزواج بالظرف، ولا ضمير في الظرف، والهاء في ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ لا تعود إلى (أُخر) , لأنه جمع والضمير مفرد، وإذا كان كذلك فتبقى الصفة بلا ذكر يعود منها إلى الموصوف، انتهى كلامه (١).
فأما امتناع (أُخر) من الصرف: فقد ذكر سبب ذلك في البقرة عند قوله جل ذكره: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢).
﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾:
قوله : ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ (هذا) مبتدأ و ﴿فَوجٌ﴾ خبر، و ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ صفة الخبر، و ﴿مَعَكُمْ﴾ يجوز أن يكون صفة بعد صفة، وأن يكون حالًا، إما من ﴿فَوجٌ﴾ لكونه قد وصف، والعامل فيها ما في ﴿هَذَا﴾ من معنى الفعل، أو من المنوي في ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ والعامل ﴿مُقْتَحِمٌ﴾، وأن يكون ظرفًا لمقتحم، أي: يقال لهم: هذا جَمْعٌ كثيف قد اقتحم معكم
стр. 3152
النار، أي: دخلوا النار في ححبتكم، وبهذا التأويل يصح أن يكون ظرفًا وإلا فلا، وهذا من قول الملائكة لأهل النار، والفوج: الجماعة من الناس، لفظه مفرد ومعناه الجمع، وعلى لفظه أتى ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ ولو أتى على معناه لقيل، مقتحمون، والاقتحام: الدخول في الشيء بِكُرْهٍ ومشقة.
وقوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ (مرحبًا) مصدر، وانتصابه عليه، أو على أنَّه مفعول به، أي: لا يصادفون مرحبًا، أي: سعة، والجملة مستأنفة. وقيل: حال، أي: هذا فوج مقولًا له لا مرحبًا (١)، و ﴿بِهِمْ﴾ من صلة قوله: ﴿مَرْحَبًا﴾.
وقوله: ﴿مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا﴾ (مَنْ) يجوز أن تكون موصولة ونهاية صلتها ﴿هَذَا﴾، ومحلها: إما الرفع بالابتداء، والخبر ﴿فَزِدْهُ﴾، ودخلت الفاء لما في الموصول من الإبهام، وإما النصب بفعل يفسره هذا الظاهر وهو ﴿فَزِدْهُ﴾. وأن تكون شرطية مرفوعة المحل بالابتداء لا غير، وخبره ﴿قَدَّمَ﴾ أو الجزاء وهو ﴿فَزِدْهُ﴾.
وقد جوز فيها أن تكون استفهامية بمعنى التفخيم والتعظيم، ومحلها على هذا أيضًا الرفع بالابتداء، والخبر ﴿قَدَّمَ﴾ (٢). و ﴿ضِعْفًا﴾ صفة لعذاب، أي: مضاعفًا.
وقوله: ﴿فِي النَّارِ﴾ يجوز أن يكون من صلة (زد) ومعمولًا له، وأن يكون من صله محذوف على أنَّه حال، إما من الضمير المنصوب في ﴿فَزِدْهُ﴾ [أو] من عذاب لكونه قد وصف، أو صفة له بعد صفة.
﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾:
قوله : ﴿مَا لَنَا﴾ ابتداء وخبر، و ﴿مَا﴾ استفهامية.
стр. 3153
وقوله: ﴿لَا نَرَى﴾ حال من المنوي في ﴿لَنَا﴾.
وقوله: (اتخذناهم سخريًا) قرئ: (اتَّخْذنَاهُمْ) بوصل الألف (١) وذلك يحتمل وجهين: أن يكون خبرًا، وأن يكون صفة لقوله: ﴿رِجَالا﴾ بعد صفة، كأنه قيل: مالنا لا نرى رجالا معدودين من الأشرار مسخورًا بهم. وأن يكون استفهامًا، وقد حذف حرفه لدلالة (أم) عليه. وبقطعها (٢)، وهو همزة الاستفهام، وذلك أنه لما اجتمع ألف الاستفهام وألف الوصل حذف حرف ألف الوصل لعدم اللبس. والاستفهام معناه الإنكار والتوبيخ، كأنهم أقبلوا على أنفسهم منكرين عليها وموبخين على ما صدر منها من الاستسخار بالمؤمنين. وأما ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ ففيها وجهان على القراءتين:
أحدهما: منقطعة، بمنزلة قولهم: إنها لإِبل أم شاء، و: أَزَيْدٌ عندك أم عندك عمرو؛ والتقدير: ما لنا لا نرى رجالا بهذه الصفة في النار، كأنهم ليسوا فيها، بل زاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها؟ قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجَنَّة وبين أن يكونوا من أهل النار إلَّا أنه خفي عليهم مكانهم.
والثاني: متصلة، والجملة المعادلة لأَمْ على قراءة من قرأ على الخبر، وقلنا إنه خبر محذوف والتقدير: أَمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار، وأما من قرأ على لفظ الاستفهام فعودل بأم, لأنه على لفظ الاستفهام، كما عودل بها قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (٣) لأنَّها على لفظ الاستفهام وإن لَمْ تكن استفهامًا في المعني، وهذا قول أبي علي (٤).
стр. 3154
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (لحق) خبر ﴿إِنَّ﴾ أي: كائن واقع لا محاله، ثم بين ما هو فقال: هو تخاصم أهل النار. وقيل: هو خبر بعد الخبر. وقيل: بدل منه. وقيل: عن ﴿ذَلِكَ﴾ (١)، تعضده قراءة من قرأ: (تخاصمَ أهل النار) بالنصب (٢)، والمعنى: إن ذلك الذي أخبرناكم به وحكينا عنهم واقع لا محالة، وليس ذلك بتشبيه ولا ضرب مثل.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾:
قول : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ يجوز أن يكون بدلًا منه (٣)، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رب، ويجوز نصبه على المدح.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ﴾ ابتداء وخبر. و ﴿عَظِيمٌ﴾ من صفة الخبر. وكذا ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، الجملةُ في محل الرفع على أنَّها صفة بعد الصفة، ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿مُعْرِضُونَ﴾ خبره، ﴿عَنْهُ﴾ من صلة الخبر، والضمير الذي ﴿هُوَ﴾ هو للمخبر عنه، أي: هذا الذي أخبرتكم به من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد لا شريك له خبر عظيم جليل القدر لا ينبغي لذي لُبٍّ وعقل أن يحيد عنه.
وقوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿عِلْمٍ﴾ ومعمول له.
وقوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا﴾ الجمهور على فتح (أَنما)، وفيه وجهان:
стр. 3155
أحدهما: محله الرفع لكونه القائم مقام الفاعل، على: ما يوحَى إليّ إلَّا هذا، وهو أَنْ أُنْذِرَ وأُبَلِّغَ ولا أُفَرِّطَ في ذلك.
والثاني: محله النصب لعدم الجار، وهو اللام، والتقدير: ما يوحَى إليّ إلَّا لأنما أنا نذير، أي: إلَّا للإنذار، فحذف الجار وهو غير مراد، فانتصب بإيصال الفعل إليه، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (١)، والقائم مقام الفاعل على هذا ﴿إِلَيَّ﴾.
وقرئ: (إِنَّما) بالكسر (٢) على الحكاية، أي: ما يوحى إليّ إلَّا هذا القول، وهو أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أَدَّعِي شيئًا آخر.
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ (إذ) بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، وقيل: هو معمول ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: يختصمون حين قال (٣). و ﴿مِنْ طِينٍ﴾ يجوز أن