الصفة كما في قراءة مَن جمع، لأنَّ الجمع لا يكون خبرًا عن الواحد، ﴿وَآخَرُ﴾ في الحقيقة صفة لمحذوف وهو الابتداء، وقد ذكرت آنفًا.
وأن يكون مبتدأ والخبر محذوفًا، أي: ولهم عذاب آخر، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ في موضع الصفة، وارتفاع قوله: ﴿أَزْوَاجٌ﴾ بالظرف وهو ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ على المذهبين.
قال أبو علي: ولا يجوز أن تجعل قوله: ﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ في قول من قرأ: (وأُخَر) على الجمع وصفًا وتُضمر الخبر كما فعلت ذلك في قول من وَحَّدَ، من أجل أنَّ الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع أزواج بالظرف، ولا ضمير في الظرف، والهاء في ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ لا تعود إلى (أُخر) , لأنه جمع والضمير مفرد، وإذا كان كذلك فتبقى الصفة بلا ذكر يعود منها إلى الموصوف، انتهى كلامه (١).
فأما امتناع (أُخر) من الصرف: فقد ذكر سبب ذلك في البقرة عند قوله جل ذكره: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢).
﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾:
قوله : ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ (هذا) مبتدأ و ﴿فَوجٌ﴾ خبر، و ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ صفة الخبر، و ﴿مَعَكُمْ﴾ يجوز أن يكون صفة بعد صفة، وأن يكون حالًا، إما من ﴿فَوجٌ﴾ لكونه قد وصف، والعامل فيها ما في ﴿هَذَا﴾ من معنى الفعل، أو من المنوي في ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ والعامل ﴿مُقْتَحِمٌ﴾، وأن يكون ظرفًا لمقتحم، أي: يقال لهم: هذا جَمْعٌ كثيف قد اقتحم معكم
стр. 3152
النار، أي: دخلوا النار في ححبتكم، وبهذا التأويل يصح أن يكون ظرفًا وإلا فلا، وهذا من قول الملائكة لأهل النار، والفوج: الجماعة من الناس، لفظه مفرد ومعناه الجمع، وعلى لفظه أتى ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ ولو أتى على معناه لقيل، مقتحمون، والاقتحام: الدخول في الشيء بِكُرْهٍ ومشقة.
وقوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ (مرحبًا) مصدر، وانتصابه عليه، أو على أنَّه مفعول به، أي: لا يصادفون مرحبًا، أي: سعة، والجملة مستأنفة. وقيل: حال، أي: هذا فوج مقولًا له لا مرحبًا (١)، و ﴿بِهِمْ﴾ من صلة قوله: ﴿مَرْحَبًا﴾.
وقوله: ﴿مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا﴾ (مَنْ) يجوز أن تكون موصولة ونهاية صلتها ﴿هَذَا﴾، ومحلها: إما الرفع بالابتداء، والخبر ﴿فَزِدْهُ﴾، ودخلت الفاء لما في الموصول من الإبهام، وإما النصب بفعل يفسره هذا الظاهر وهو ﴿فَزِدْهُ﴾. وأن تكون شرطية مرفوعة المحل بالابتداء لا غير، وخبره ﴿قَدَّمَ﴾ أو الجزاء وهو ﴿فَزِدْهُ﴾.
وقد جوز فيها أن تكون استفهامية بمعنى التفخيم والتعظيم، ومحلها على هذا أيضًا الرفع بالابتداء، والخبر ﴿قَدَّمَ﴾ (٢). و ﴿ضِعْفًا﴾ صفة لعذاب، أي: مضاعفًا.
وقوله: ﴿فِي النَّارِ﴾ يجوز أن يكون من صلة (زد) ومعمولًا له، وأن يكون من صله محذوف على أنَّه حال، إما من الضمير المنصوب في ﴿فَزِدْهُ﴾ [أو] من عذاب لكونه قد وصف، أو صفة له بعد صفة.
﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾:
قوله : ﴿مَا لَنَا﴾ ابتداء وخبر، و ﴿مَا﴾ استفهامية.
стр. 3153
وقوله: ﴿لَا نَرَى﴾ حال من المنوي في ﴿لَنَا﴾.
وقوله: (اتخذناهم سخريًا) قرئ: (اتَّخْذنَاهُمْ) بوصل الألف (١) وذلك يحتمل وجهين: أن يكون خبرًا، وأن يكون صفة لقوله: ﴿رِجَالا﴾ بعد صفة، كأنه قيل: مالنا لا نرى رجالا معدودين من الأشرار مسخورًا بهم. وأن يكون استفهامًا، وقد حذف حرفه لدلالة (أم) عليه. وبقطعها (٢)، وهو همزة الاستفهام، وذلك أنه لما اجتمع ألف الاستفهام وألف الوصل حذف حرف ألف الوصل لعدم اللبس. والاستفهام معناه الإنكار والتوبيخ، كأنهم أقبلوا على أنفسهم منكرين عليها وموبخين على ما صدر منها من الاستسخار بالمؤمنين. وأما ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ ففيها وجهان على القراءتين:
أحدهما: منقطعة، بمنزلة قولهم: إنها لإِبل أم شاء، و: أَزَيْدٌ عندك أم عندك عمرو؛ والتقدير: ما لنا لا نرى رجالا بهذه الصفة في النار، كأنهم ليسوا فيها، بل زاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها؟ قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجَنَّة وبين أن يكونوا من أهل النار إلَّا أنه خفي عليهم مكانهم.
والثاني: متصلة، والجملة المعادلة لأَمْ على قراءة من قرأ على الخبر، وقلنا إنه خبر محذوف والتقدير: أَمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار، وأما من قرأ على لفظ الاستفهام فعودل بأم, لأنه على لفظ الاستفهام، كما عودل بها قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (٣) لأنَّها على لفظ الاستفهام وإن لَمْ تكن استفهامًا في المعني، وهذا قول أبي علي (٤).
стр. 3154
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (لحق) خبر ﴿إِنَّ﴾ أي: كائن واقع لا محاله، ثم بين ما هو فقال: هو تخاصم أهل النار. وقيل: هو خبر بعد الخبر. وقيل: بدل منه. وقيل: عن ﴿ذَلِكَ﴾ (١)، تعضده قراءة من قرأ: (تخاصمَ أهل النار) بالنصب (٢)، والمعنى: إن ذلك الذي أخبرناكم به وحكينا عنهم واقع لا محالة، وليس ذلك بتشبيه ولا ضرب مثل.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾:
قول : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ يجوز أن يكون بدلًا منه (٣)، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رب، ويجوز نصبه على المدح.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ﴾ ابتداء وخبر. و ﴿عَظِيمٌ﴾ من صفة الخبر. وكذا ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، الجملةُ في محل الرفع على أنَّها صفة بعد الصفة، ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿مُعْرِضُونَ﴾ خبره، ﴿عَنْهُ﴾ من صلة الخبر، والضمير الذي ﴿هُوَ﴾ هو للمخبر عنه، أي: هذا الذي أخبرتكم به من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد لا شريك له خبر عظيم جليل القدر لا ينبغي لذي لُبٍّ وعقل أن يحيد عنه.
وقوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿عِلْمٍ﴾ ومعمول له.
وقوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا﴾ الجمهور على فتح (أَنما)، وفيه وجهان:
стр. 3155
أحدهما: محله الرفع لكونه القائم مقام الفاعل، على: ما يوحَى إليّ إلَّا هذا، وهو أَنْ أُنْذِرَ وأُبَلِّغَ ولا أُفَرِّطَ في ذلك.
والثاني: محله النصب لعدم الجار، وهو اللام، والتقدير: ما يوحَى إليّ إلَّا لأنما أنا نذير، أي: إلَّا للإنذار، فحذف الجار وهو غير مراد، فانتصب بإيصال الفعل إليه، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (١)، والقائم مقام الفاعل على هذا ﴿إِلَيَّ﴾.
وقرئ: (إِنَّما) بالكسر (٢) على الحكاية، أي: ما يوحى إليّ إلَّا هذا القول، وهو أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أَدَّعِي شيئًا آخر.
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ (إذ) بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، وقيل: هو معمول ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: يختصمون حين قال (٣). و ﴿مِنْ طِينٍ﴾ يجوز أن
стр. 3156
يكون من صلة ﴿خَالِقٌ﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنَّه صفة لبشر. و ﴿فَقَعُوا﴾ أمر، و ﴿سَاجِدِينَ﴾ حال، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
قوله : ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ الجمهور على فتح ياء النفْس في قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ وهو الوجه، وقرئ: (بيديِّ) بكسرها (٢) وهو لغية، وقد مضى الكلام عليه في سورة إبراهيم عند قوله جل ذكره: (بِمُصْرِخِيِّ) على قراءة حمزة بأشبع ما يكون (٣).
وعلى القطع والاستفهام في ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾، وأم معادلة لهمزة الاستفهام، وقرئ: (استكبرت) بوصل الألف (٤) على الخبر، ﴿أَمْ﴾ على هذه منقطعة، ويجوز أن تكون متصلة، وتكون همزة الاستفهام محذوفة، وجاز حذفها لدلالة ﴿أَمْ﴾ عليها.
﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْآلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾:
قوله : (قال فالحَقَّ والحَقَّ أقول) قرئ: (الحقّ) الأول بالنصسب والرفع (٥)، فأما النصب: ففيه أوجه:
أن يكون على الإغراء، أي: فالزموا الحق، أو: فاتبعوا الحق. وأن يكون على تقدير: فأحقُّ الحقَّ. وأن يكون مُقْسَمًا به، كاللَّهِ في قولك: اللهِ
стр. 3157
لأَفْعَلَنَّ، أي: بالله لأفعلن، و ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب القسم، أي: فبالحق لأملأن، ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ اعتراضٌ بين المقسم به والمقسم عليه. وأن يكون قسمًا، أي: حقًا لأملأن، كقولك: حقًا لأفعلن كذا، والمعنى: أحق حقًا لأملأن، وما بينهما اعتراض.
وأمما الرفع: فيجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: فأنا الحق، كقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (١) وأن يكون بالعكس، أي: فالحق قسمي لأملأن، كقوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٢) أو فالحق مني، كقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣)، وقد جوز أن يكون (الحقُّ) هنا هو الله ، كما قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾، وأن يكون الذي هو نقيض الباطل، عَظّمه الله بإقسامه به إن قلنا مقسم به.
وأما (الحَقَّ) الثاني: فالجمهور على نصبه، ونصبه بقوله: ﴿أَقُولُ﴾، أي: أقول الحق. وقرئ: بالرفع (٤)، ورفعه إما على حذف مفعول أقول، أي: أقوله، كقوله:
٥٥٣ - ........... ... ........ كُلُّه لَمْ أَصْنَعِ (٥)
وإما على إضمار مبتدأ، أي: فأنا الحق، وقولي الحق، و ﴿أَقُولُ﴾ على هذا متصل بما بعده، أي: أقول والله لأملأن، وقد جوز أن يكون الحق الثاني هو الأول كُرّر على معنى التوكيد (٦). وقد حُكي فيهما الجر، عَزْوًا إلى
стр. 3158
بعض القراء (١)، على أن الأول مقسم به، وقد أضمر حرف قسمه، كقولك: اللهِ لأَفْعَلَنَّ، أجازه صاحب الكتاب رحمه الله تعالى (٢)، والثاني: عطف عليه، وواوه للعطف، كما لقول: بالله والله لأقومَنَّ، ومعناه: التوكيد والتشديد. وقيل: الفاء بدل من واو القسم (٣).
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (أجمعين) يجوز أن يكون توكيدًا للكاف في ﴿مِنْكَ﴾ وللمجرور بمنْ، أي: لأملأن جهنم منك يا إبليس وممن تبعك من بني آدم أجمعين لا أترك أحدًا من المتبوعين والتابعين. وأن يكون توكيدًا للضمير المجرور بمن في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾. وأن يكون توكيدًا للكل لا تفاوت في ذلك بين قوم وقوم بعد وجود ما لا يجوز منهم، وهو الإغواء والتَّبعُ.
وقوله: ﴿عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ للقرآن، أو للوحي، أو للتبليغ.
وقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ العلم هنا: يجوز أن يكون على بابه، فيكون الظرف مفعولًا ثانيًا، وأن يكون بمعنى العرفان فيتعدى إلى مفعول واحد وهو ﴿نَبَأَهُ﴾، فاعرفه، والله أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة ص
والحمد لله وحده
стр. 3159
إعراب سُورَةُ الزُّمَرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾:
قوله : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ القُرَّاء على رفعه، وفيه وجهان، أحدهما: مبتدأ والظرف خبره وهو ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. والثاني: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا تنزيل الكتاب، والظرف على هذا يحتمل أوجهًا: أن يكون من صلة الخبر. وأن يكون خبرًا بعد خبر. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا من الله، وأن يكون حالًا إما من التنزيل والعامل فيها ما في هذا من معنى الفعل، وإما من الكتاب والعامل فيها التنزيل، كأنه قيل: نُزِّل الكتابُ من الله، أي: كائنًا منه.
ويجوز في الكلام نصبه (١) على إضمار فعل، أي: اقرأ أو ألزم، أو ما أشبه هذا.
وقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ على الحال من المنوي في ﴿فَاعْبُدِ﴾، و ﴿الدِّينَ﴾ منصوب به، أعني: بمخلص، ﴿ولَهُ﴾ من صلة مخلص. وعن الفراء: (له الدينُ) بالرفع على الاستئناف (٢)، والوجه النصب، لأنك إذا
стр. 3160
قلت: لله الدينُ، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، كان تكرارًا من غير فائدة، بخلاف النصب، فاعرفه.
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ في موضع رفع، إما بالابتداء وخبره إما (يقولون) وهو محذوف، أو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، (ويقولون) على هذا حال من الضمير في ﴿اتَّخَذُوا﴾، أي: قائلين ذلك، وقد جوز أن يكون بدلًا من الصلة، [أعني: (يقولون)، فإذًا هو عارٍ عن المحل بخلاف النصب فاعرفه] (١)، كما أن البدل منه كذلك. وإما بفعل مضمر (٢)، أي: ويقول الذين اتخذوا (٣)، والأول أمتن، لأن صاحب الكتاب ﵀ لم يجوز إضمار الفعل في كل موطن (٤).
وعن بعض القراء: (نُعْبُدُهم) بضم النون (٥) إتْباعًا للعين، كما تتبعها الهمزة في الأمر في اُدْخُل، والتنوين نحو: ﴿عَذَابِنُ ارْكُضْ﴾ (٦).
стр. 3161
و ﴿زُلْفَى﴾: مصدر مؤكِّد وعليه نصبه، كأنه قيل: يقربونا إلى الله تقريبًا، و [يُكَوِّر] (١) يجوز أن يكون في موضع الحال.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾:
قوله : ﴿خَلْقًا﴾ مصدر مؤكد لفعله. وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ (ذلكم) مبتدأ، و ﴿اللَّهُ﴾ خبره، أو عطف بيان له، والخبر ﴿رَبُّكُمْ﴾، أو ﴿اللَّهُ﴾ فَي خبر مبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره خبر عن المبتدأ الأول، و ﴿رَبُّكُمْ﴾ صفة لاسم الله، أي: ذلكم الذي خلق هذه الأشياء هو الله ربكم.
وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون هو الخبر، و ﴿اللَّهُ﴾ بدل من ذلك، أو عطف بيان له، وأن يكون في موضع الحال من اسم الله، والعامل فيها ما في (ذا) من معنى الفعل، أي: ثابتًا أو مستقرًا له الملك.
وكذا قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إن شئتَ كان في موضع الحال إما من اسم الله، أو من المنوي في ﴿لَهُ﴾ إن جعلت ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ حالًا، أي: منفردًا بالوحدانية ولم يزل كذلك، كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال.
стр. 3162
وقوله: ﴿يَرْضَهُ﴾ قرئ: بإسكان الهاء وبضمها موصولًا وغير موصول (١)، وقد أوضحت ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة.
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلَا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْالْبَابِ (٩)﴾:
قوله : ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ (منيبًا) حال من المنوي في ﴿دَعَا﴾.
وقوله: ﴿خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ (منه) يجوز أن يكون من صلة ﴿خَوَّلَهُ﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة لنعمة، وخوله: أعطاه.
وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ قُرِئ: (أَمَنْ) بالتخفيف (٢) على إدخال همزة الاستفهام على (مَنْ)، و (مَنْ) موصول في موضع رفع بالابتداء، و ﴿هُوَ قَانِتٌ﴾ صلته، والخبر والمعادل محذوفان، أي: الذي من صفته كيت وكيت خير أم من هو جاحد؟ ودل على هذا المحذوف شيئان: جَرْيُ ذِكْرِ الكافرِ قبله، وقوله بعده: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ... ﴾ الآية. وقيل: الهمزة للنداء بمعنى (يا)، أي: يا من نعته كيت وكيت أبشر فإنك من أصحاب الجَنَّة (٣). وأنكر
стр. 3163
أبو علي هذا وقال: لا وجه للنداء هنا، لأن هذا موضع معادلة لدلالة ما قبله وما بعده (١).
وبالتشديد (٢)، على إدخال (أم) عليه، والأصل: أَمْ مَنْ، و (مَنْ) موصول أيضًا مبتدأ والجملة المعادلة لِأَمْ مع الخبر كلاهما محذوف، أي: الجاعل لله أندادًا خير أمن هو قانت؟ ودل على هذا المحذوف الشيئان المذكوران آنفًا، أي: أيهما خير. وقيل: أم منقطعة، أي: بل أمن هو قانت آناء الليل كمن هو بضده (٣).
والقانت: القائم بما يجب عليه من الطاعة. و ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾: حالان من المنوي في ﴿قَانِتٌ﴾، وقد حكي فيهما الرفع (٤) على أنَّه خبر بعد خبر، و ﴿يَحْذَرُ﴾: في موضع الحال أيضًا، وكذا قوله: ﴿وَيَرْجُوا﴾ أي: حَذِرًا وراجيًا.
﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾:
قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ (حَسَنَةٌ) مبتدأ وخبره ما قبله، و ﴿فِي﴾: مِن صلة ﴿أَحْسَنُوا﴾ وفي الكلام حذف، والتقدير: للذين أحسنوا الأعمال في هذه الدنيا فلهم مجازاة حسنة في الآخرة، وهي دخول الجَنَّة، فسمى جزاء الحسنة حسنة، ولك أن تجعل
стр. 3164
﴿فِي﴾ من صلة محذوف على أنه في الأصل صفة لحسنة، ومحله الآن نصب على الحال لما ذكر فيما سلف من الكتاب (١) أنّ صفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت على الحال، كقوله:
٥٥٤ - لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمٌ ... ... ........................ (٢)
وفسرت الحسنة على هذا بالصحة والعافية، أي: للذين أحسنوا الأعمال حسنة ثابتة في هذه الدنيا.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (أجرهم) مفعول ثان، و ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ في موضع نصبٍ على الحال إما من الأجر على معنى مُوَفَّرًا، وإما من ﴿الصَّابِرُونَ﴾ على معنى غير محاسَبين، أي: أضعافًا مضاعفة. قيل: بالواحدِ عَشْرٌ. وقيل: سبعُمِائةٍ وأكثر من ذلك (٣).
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾:
قوله : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ اسم الله منصوب بقوله: ﴿أَعْبُدُ﴾ و ﴿مُخْلِصًا﴾ حال من المنوي فيه، و ﴿دِينِي﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾، و ﴿لَهُ﴾ من صلته.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ﴾ أي: هم الذين خسروا، ولك أن تجعل ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للخاسرين، والخبر ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾، أو محذوفًا، دل عليه ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
стр. 3165
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْالْبَابِ (١٨)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ مبتدأ ونهاية صلته ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، والخبر ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ والبشرى يرتفع بلهم لجريه خبرًا على المبتدأ، و ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في موضع نصب على البدل من الطاغوت، وهو بدل الاشتمال، أي: اجتنبوا عبادتها، والاجتناب: التباعد عن الشيء، وهو أن يكون في جانب غير جانب ذلك الشيء.
وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن ﴿الطَّاغُوتَ﴾ مقلوب، وأن وزنه (فَلَعُوتٌ) (١) من طغيت، وقالوا أيضًا: طَغَوْتُ، وقولهم: طغيان دليل على أن اللام ياء، فأصله إذن طَغَيوت، مصدر كالملكوت والرحموت، ثم قدمت اللام على العين فبقي طَيَغوت، فصارت الياء لتحركها وانفتاح ما قبلها ألفًا (٢).
وقرئ: (الطَّوَاغِيتَ) (٣) وكان قياسه إذا كُسِّر أن يقال: طياغيت، إلَّا أنه يحتمل أن يكون الطواغيت، أتى على لغة من قال: طَغَوت. وهو يُذكّر ويؤنث، وقد ورد الكتاب العزيز بهما (٤).
وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما النصب على الوصف، أو بإضمار فعل. وإما الرفع على الابتداء والخبر ﴿أُولَئِكَ﴾، أو على: هم الذين.
стр. 3166
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾:
قوله : ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ﴾ (مَنْ) هنا يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون شرطية، ومحلها الرفع على الابتداء على كلا التقديرين، والخبر ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾، أو الجواب وهو ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ إن جعلت مَنْ شرطية، والعائد محذوف، أي: أفأنت تنقذه، أو أفأنت تنقذ من في النار منهم، حُذف للعلم به. واختلف في الهمزة الثانية:
فقيل: مزيدة, لأنه لا يجوز أن تأتي بهمزة الاستفهام في الاسم المبتدأ وهمزة أخرى في الخبر، وكذلك لا يجوز أن تأتي بها في الشرط وتعيدها في الجواب، لأن الفاء في ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فاء الجزاء.
وقيل: هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد لما طال، ولولا طوله لما جاز الإتيان بها لما ذكرت آنفًا.
وقيل: الخبر محذوف تقديره: تنقذه أنت، وإنما حذف لأن ما بعده يدل عليه، وهو قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾.
وقيل: الاستفهامان كل واحد منهما في موضعه وداخل على كلام تام، والآية على كلامين، فالتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب كمن يهديه الله أو كمن نجا (١)، فحُذف الخبرُ، ثم استَأنف كلامًا آخر فقال: أفأنت تنقذ من في النار، والاستفهام في موضعه ومعناه النفي، أي: أنت لا تنقذ من في النار، أي: ليس إليك ذلك، والإنقاذ: التخليص (٢).
стр. 3167
وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لفعله، وفعله محذوف دل عليه ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾، والتقدير: وعدهم الله تلك الغرف، ثم حذف الفعل مع فاعله، وجيء بالمصدر توكيدًا مضافًا إلى فاعل الفعل وهو الله سبحانه.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا الْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْالْبَابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ (فسلكه) عطف على ﴿أَنْزَلَ﴾، أي: فأدخله. وسَلْكُ الشيء في الشيء إدخاله فيه. و ﴿يَنَابِيعَ﴾ جمع يَنْبُوعٍ، وهو يفعول من نَبَعَ ينبعُ (١) نُبُوعًا، إذا خرج.
واختلف في اليَنبوع هنا فقيل: ما جاش من الماء ونبع. وقيل: هو الموصْع الذي يخرج منه كالعين. فانتصاب ﴿يَنَابِيعَ﴾ على الحال على الوجه الأول، أي: فأدخله في الأرض نابعًا أو ثائرًا. وعلى المفغول به على الوجه الثاني على إسقاط الجار وإيصال الفعل، أي في ينابيع.
و﴿مُخْتَلِفًا﴾: صفة لقوله: ﴿زَرْعًا﴾ وفِعْلٌ للألوان (٢). ﴿مُصْفَرًّا﴾: حال، لأن الرؤية من رؤية البصر.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ﴾ الجمهور على رفع اللام وهو الوجه، وقرئ: (يجعلَه) بنصبها (٣) عطفًا على ﴿أَنْزَلَ﴾ مَيلًا وانحرافًا عن اللفظ إلى المعنى؛ لأن معنى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ﴾ الم تر إنزالَ الله، ثم جَعْلهُ،
стр. 3168
على إضمار أَنْ معه حكمًا وتقديرًا، فلفظه لفظ الفعل، ومعناه المصدر كقولهم: "تسمعُ بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه" (١) أي: سَماعُكَ، لأن الفعل لا يخبر عنه، وقريب منه قوله : (فشربوا منها إلَّا قليلٌ منهم) على قراءة من رفع (٢) حملًا على المعني، لأن معنى قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾: لم يطيعوه، فحمل عليه وأبدل منه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلَّا قليل منهم، فاعرفه فإنه موضع. وقيل: انتصابها إتباعٌ، يعني أتبع اللام العين (٣).
قوله : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، [في الكلام حذف، أي: أفمن شرح الله صدره للإسلام] (٤) كمن أَقْسَى قلبه عن الإيمان. و ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ رفع بـ (القاسية) على الفاعلية.
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدًى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾:
قوله : ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (كتابًا) بدل من ﴿أَحْسَنَ﴾، و ﴿مُتَشَابِهًا﴾ نعت لكتاب، وكذا ﴿مَثَانِيَ﴾ وكذا ﴿تَقْشَعِرُّ﴾. قيل: والمثاني جمع مُثَنَّي، بمعنى مردّد ومكرّر لما ثُنِّي من
стр. 3169
قصصه، وأنبائه، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه وغير ذلك (١). وقيل: لأنه يُثَنَّى في التلاوة فلا يُمَلّ (٢). وقد جوز أن يكون جمع مَثْنَي، مَفْعل من التثنية، بمعنى التكرير والإعادة.
وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في الكلام أيضًا حذف، أي: كمن يدخل الجَنَّة، أو كمن هو في الراحة والنعيم.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلَا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلَا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ انتصاب قوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾؛ على الحال من القرآن، و ﴿قُرْآنًا﴾ توكيد له، كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا وإنسانًا عاقلَا، فقولك: صالحًا وعاقلَا هو الحال، ورجلَا وإنسانًا توكيد، قاله أبو إسحاق (٣).
أبو الحسن: ﴿قُرْآنًا﴾ هو الحال و ﴿عَرَبِيًّا﴾ نعت له (٤).
ولك أن تنصبه على المدح (٥). وقيل: انتصابه بقوله: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٦). و ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ نعت بعد نعت، أي: مستقيمًا عاريًا عن التناقض والاختلاف.
стр. 3170
وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ (مثلًا) مفعول ﴿ضَرَبَ﴾، و ﴿رَجُلًا﴾ بدل من قوله: ﴿مَثَلَا﴾، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: مَثَلًا مَثَلَ رَجُلٍ، فحذف المضاف، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (١). و ﴿شُرَكَاءُ﴾ مرتفع بالابتداء، والخبر ﴿فِيهِ﴾، أو بـ ﴿فِيهِ﴾ وهو الجيد، والجملة صفة لرجل، و ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ صفة لشركاء، والتشاكس: الاختلاف.
وقوله: (ورجلًا سالمًا) (٢) عطف على رجل الأول، والتقدير: ومَثَلَ رجلٍ سالم، فحذف المضاف أيضًا، و (سالمًا) صفة لرجل، أي: خالصًا، وهو اسم الفاعل.
وقرئ: (سَلَمًا) بفتح الفاء والعين (٣)، و (سِلْمًا) بكسر الفاء وإسكان العين (٤)، وهما مصدران لِسَلِمَ، يقال: سَلِم يَسْلَمُ سَلَمًا وسِلْمًا وسَلَامةً أيضًا، وفَعَلٌ وفِعْلٌ وفَعَالةٌ كثير في المصادر، والمعنى: ذا سلمٍ لرجل، أي: ذا خلوص له من الشركة، من قولهم: سلم له كذا، إذا خَلص له. وحكي فيه الرفع (٥)، على: وهناك رجلٌ سالمٌ لرجل.
وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلَا﴾ (مثلًا) منصوب على التمييز. قيل: وإنما اقتُصرَ في التمييز على الواحد لبيان الجنس (٦). وقرئ: (مَثَلين) (٧)، كقوله:
стр. 3171
﴿أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلَادًا﴾ قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْكُم (١) قُوَّةً﴾ (٢).
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾: الجمهور على تشديد الياء، وهو فَيْعِل من مَاتَ يَمُوتُ، فَأُدْغم بعد القلب. وقرئ: (مائت) و (مائتون) (٣) وفُرقَ بينهما فقيل: الميت صفة لازمة كالسيد، وأما المائت فصفة حادثة، تقول: زيد مائت غدًا، كما تقول: سائد غدًا، أي: سيموت وسيسود، وإذا قلت: ميت فكما تقول: حي في نقيضه فيما يرجع إلى اللزوم والثبوت.
وقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ قيل: يقال: كذب به وكذبه بمعنىً، وقيل: المفعول به محذوف والباء للسبب، أي: كذَّب محمدًا ﷺ بسبب القرآن. وقيل: الصدقُ بمعنى الصادق، وهو رسول الله ﷺ (٤).
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ (الذي) هنا لفظه واحد ومعناه
стр. 3172
الجمع على أنه جنس، بشهادة خبره لأنه جمع، وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وقراءة من قرأ: (والذين جاؤوا بالصدق وصدَّقوا به) وهو ابن مسعود ﵁ (١)، وقيل: بل حذفت النون من (الذين) لطول الاسم (٢). وقيل: المرادُ بالذي رسولُ الله ﷺ (٣).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ خبر عنه وعن كل من فعل فعله. وقيل: بل جُمع الخبر إجلالا وتعظيمًا له ﵊، كقوله: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ (٤) على قول من جعل الضمير عائدًا على فرعون.
وقوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الجمهور على تشديد الدال وهو ظاهر، وقرئ: بتخفيفها (٥)، وفيه وجهان، أحدهما: صَدَقَ الناس (٦) به ولم يكذبهم به، على معنى: أنه أدَّاه إليهم كما نزل عليه، من غير تبديل ولا تحريف. والثاني: صار صادقًا به، أي: بسببه، لأنَّ القرآن معجزة (٧).
وقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: أحسنوا عملهم لذلك، وأن يكون من صلة قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾، أي: أعطاهم ما يشاؤون لِيُكَفِّرَ عنهم، أي: ليكون ما أعطاهم تكفيرًا لذنوبهم.
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ
стр. 3173
اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾:
قوله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ قرئ: (عبده) بالتوحيد وهو النَّبِيّ ﷺ ، و (عباده) بالجمع (١)، وهم الأنبياء ﵈، والمعنى: فهو كافيك كما كفاهم.
وقوله: (كاشفاتٌ ضُرَّهُ) ... (مُمْسِكاتِّ رحمتَهُ) قُرِئا بالتنوين ونصب ما بعدهما بهما على الأصل، وبالإضافة تخفيفًا (٢)، والتنوين مراد إذ لَمْ يقع (٣).
قوله : ﴿بِالحَقِّ﴾ يجوز أن يكون الباء للحال، وذو الحال الفاعل أو المفعول، وأن يكون للسبب، أي: أنزلناه بسبب بيان الحق، وهو ما فيه مما يُحتاج إليه.
стр. 3174
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾.
قوله : ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ محل (التي) النصب عطفًا على ﴿الْأَنْفُسَ﴾، والتقدير: وَيتوفى الأنفس التي لَمْ تمت في منامها، فحذف الناصب والموصوف لدلالة ما تقدم، و ﴿فِي مَنَامِهَا﴾ من صلة هذا الفعل المقدر، أي: ويتوفاها في وقت منامها، كقولك: لآتينك (١) مقدمَ الحاج، وخفوقَ النجم، ولا يجوز أن يكون من صلة هذا الظاهر, لأنه قد تعدى إلى واحد من ظرف الزمان وهو قوله: ﴿حِينَ مَوْتِهَا﴾ فلا يتعدى إلى آخر من الزمان. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي﴾ أي: الأنفس التي، ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ أي الأنفس الأخرى.
وقرئ: ﴿قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ على البناء للفاعل، لقوله: ﴿وَيُرْسِلُ﴾، و (قُضِيَ عليها الموتُ) على البناء للمفعول (٢)، وهو في المعنى مثل الأول.
قوله : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ (أم) هي المنقطعة، وقيل: هي المتصلة والمعادلة محذوفة، أي: أَعَبَدُوا الأوثان لكونها خالقة للسفوات والأرض أم لكونها تشفغ لهم؟
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ انتصاب قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال إما من المنوي في الظرف على مذهب صاحب الكتاب، أو من الشفاعة
стр. 3175
على رأي أبي الحسن، وجاز ذلك لأن الشفاعة مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع.
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿وَحْدَهُ﴾ مصدر في موضع الحال.
وقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ﴾ العامل في ﴿إِذَا﴾: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ﴾ كلاهما منادى مضاف.
وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ حال إما من المنوي في ﴿لِلَّذِينَ﴾، أو مما في الأرض، ولا يجوز أن يكون حالًا ﴿مَا﴾ لعدم العامل. و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف لقوله: ﴿لَافْتَدَوْا﴾.
وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (ما) يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة.
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾:
стр. 3176
قول : ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ يجوز أن تكون (ما) كافة. وذُكِّر الضمير في ﴿أُوتِيتُهُ﴾ حملَا على المعني، لأن المراد بالنعمة الإنعام، أو شيء منها، وأن تكون موصولة والضمير على هذا لـ (ما)، أي: إن الذي أوتيته على علم عندي، أي: على علم مني بوجوه المكاسب.
وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ الضمير للنعمة، أي: بل هي هذه النعمة التي خولناهُ إياها (١) فتنة، أي: اختبار وامتحان أيشكر أم يكفر؟ أو للمقالة وهي: إنما أوتيته على علم, لأنه يُعَذَّبُ على مقالته هذه، أو للحالة.
وقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ أي: قال هذه المقالة أو هذه الكلمة. ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ما) يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة.
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾:
قوله : ﴿بَغْتَةً﴾ مصدر في موضع الحال من العذاب، أي: من قبل أن يأتيكم العذاب مباغتًا.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ مفعول له، أي: بادروا إلى المأمور به مخافةَ أو حَذَرَ أن تقول نفس، عن المبرد (٢). وقال أبو إسحاق: اتبعوا القرآن
стр. 3177
خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا القول (١).
وقوله: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾ الأصل: يا حسرتي، والألف بدل من ياء النفس، كقولك: يا غلامًا، ويا صاحبًا، وأنت تريد يا غلامي ويا صاحبي، وإنما أبدلوا الألف من الياء هربًا إلى خفة الألف من [ثقل] (٢) الياء، ونوديت الحسرة لتمكنها من صاحبها، أي: هذا من إِبَّانِكِ وأوانك فاحضري (٣)، يقال ذلك عند شدة الأمر.
وعن ابن القعقاع: (يا حسرتايَ) أي: بياء مفتوحة بعد الألف (٤)، على الجمع بين العِوَض والمعوّض منه، كما جمع الفرزدق بينهما في قوله:
٥٥٥ - هما نَفَثا في فيَّ مِن فَمَوَيْهِما ... ......................... (٥)
فجمع بين الميم والواو كما تري، والميم بدل من الواو، وجمع الآخر في قوله -أنشده أبو زيد-:
٥٥٦ - إنِّي إذا ما حَدَثٌ أَلَمَّا ... أقولُ يا اللهُمَّ يا اللهُمَّا (٦)
فجمع بين الياء والميم كما تري، والميم في آخر الاسم إنما هي عوض من (يا) في أوله.
стр. 3178
وعنه أيضًا: (يا حسرتايْ) بإسكان الياء (١) استثقالًا للحركة عليها.
وقرئ أيضًا: (يا حَسْرَتِيْ) بكسر التاء مع ياء النفْس ساكنة على الأصل (٢).
وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (ما) مصدرية كالتي في قوله: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ (٣) أي: على تفريطي. والجنب في اللغة: الجانب، والمعنى: فرطت في جانب أمر الله، أو طاعته، أو رضاه، وما أشبه هذا، أي: قصدت، ولا بد من تقدير مضافٍ محذوف.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، واسمها مضمر، وهو ضمير الشأن أو الأمر. فإن قلتَ: ما محل الجملة من الإعراب؟ قلت: قيل: النصب على الحال، كأنه قال: فرطت وأنا ساخر، أي: فرطت في حال سخريتي (٤).
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ
стр. 3179
وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾:
وقولى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ﴾ لك أن تنصب ﴿فَأَكُونَ﴾ على جواب التمني الذي أداه معنى ﴿لَوْ﴾، كأنه قال: ليت لي كَرّةً فأكون، وانتصابه بإضمار أن. وأن تنصبه بالعطف على ﴿كَرَّةً﴾، لأن الفاء، إنما تنصب بإضمار (أنْ) وأن مع الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: لو أن لي كرةً فَكَوْنًا من المحسنين.
وقولى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ﴾ الجمهور على فتح الكاف والتاء في الأفعال الثلاثة على مخاطبة الشخص أو الإنسان، لأن النفس في المعنى شخص وإنسان، فحمل على المعنى. وقرئ: بكسر الكاف والتاء فيهن (١)، على مخاطبة النفس، وكلاهما شائع في كلام القوم.
وقوله: ﴿بَلَى﴾ جواب لقوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ على المعني، لأن معناه: ما هداني، لا بد من هذا التقدير، لأن ﴿بَلَى﴾ لا يكون جوابًا لغير منفي (٢).
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (وجوههم): مبتدأ، و ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾ خبره، والجملة في موضع الحال من ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ (٣) لأن ﴿تَرَى﴾ من رؤية البصر، وإنما خَلَتْ عن الواو الرابطة لأجل الضمير العائد، وقد جوز الزمخشري أن تكون من رؤية القلب، فتكون الجملة مفعولًا ثانيًا (٤)، والوجه هو الأول.
стр. 3180
ويجوز في الكلام (وجوهَهم مسودةً) بنصب الجزأين (١)، على أن تكون (وجوهَهم) بدلًا من ﴿الَّذِينَ﴾، وتكون (مسودةً) حالًا منها.
وقوله: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرئ على التوحيد (٢)، لكونه مصدرًا كالفوز، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وينجيهم بأعمالهم التي هي سبب فوزهم. وعلى الجمع (٣)، لأن لكل مُتَّقٍ مفازةً مختلفةً، والمصادر إذا اختلفت أجناسها جاز جمعها بلا مقال.
و﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾: يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا.
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾:
قوله : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ نَصبُ قوله: ﴿أَفَغَيْرَ﴾ يَحْتَمِلُ أوجهًا:
أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿أَعْبُدُ﴾، ويكون قوله: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾: اعتراضًا بين العامل والمعمول، والتقدير: أعبد غير الله بأمركم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه.
وأن يكون منصوبًا بمضمر هو أعبد، دل عليه هذا الظاهر، والتقدير: أعبد غير الله، ثم قال: تأمروني أن أعبد غيره، فهذا على هذا تفسير للمضمر وتبيين له.
стр. 3181
وأن يكون منصوبًا بقوله. ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، وذلك أن ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ يقتضي مفعولين، فالياء المفعول الأول و (غيرَ) الثاني، والتمدير: أتأمروني بغير الله، أي: بعبادة غير الله، فحذف الجار وهو الباء وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه.
وقوله: ﴿أَعْبُدُ﴾ على إضمار (أنْ) فلما حذف أن ارتفع (أعبدُ)، كما في قوله:
٥٥٧ - أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِريّ أحْضرُ الوَغَى ... ........................ (١)
ثم تكون أن معه في موضع نصب على البدل من غير، وهذا من بدل الاشتمال، ومن باب:
٥٥٨ - أَمَرْتُكَ الخيرَ ... ... .................................. (٢)
ومُنع انتصاب (غَيْرَ) بأعبد على هذا، وهو أن تقدر معه أنْ، وذلك أن (غير) إذا كان مفعول (أعبد) وأعبد في تقدير أن أعبد، فيصير كل ذلك في صلة أن، وما كان في الصلة لا يتقدم على الموصول، فأجاب عن هذا أبو سعيد (٣) وزعم أنَّ (أنْ) ههنا لما حذفت بطل حكمها، ألا ترى أن الفعل قد ارتفع، ولو كان حكم (أنْ) ثابتًا لوجب (أعْبُدَ)، فلما لَمْ يقرأ أحدٌ (أعبدَ) بالنصب لَمْ يَنْبَغِ أن يكون (غير) في حلتها، قلت: وحكى الزمخشري النصب فيه (٤)، فعلى هذه القراءة يكون حكم (أنْ) ثابتًا فاعرفه.
стр. 3182
وقرئ: (تأمرونني) بنونين على الأصل، وبنون مشددة على إدغام إحداهما في الأخري، وبنون خفيفة (١)، على حذف إحداهما وهي التي تصحب ياء النفْس لا التي هي علامة الرفع، لأنَّ تلك لا تحذف إلَّا بناصب أو جازم.
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ اسم الله جل ذكره منصوب عند جمهور النحاة بقوله: ﴿فَاعْبُدْ﴾ والفاء للمجازاةْ عند أبي إسحاق (٢)، قال الزمخشري: كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إنْ كنت عاقلًا فاعبد الله، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضًا منه (٣). وصلة عند الأخفش (٤). وعن الفراء والكسائي: أن نصبه بفعل مُضْمَرٍ (٥) هذا معطوف عليه، تقديره: بل الله اعبد فاعبد (٦).
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾:
قوله : ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ منصوب على المصدر.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الأرضُ) مبتدأ، والخبر ﴿قَبْضَتُهُ﴾، و ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال، والتقدير: والأرض ثبتت جميعًا في ح بضته، كقولك: هنيئًا مريئًا، أي: ثَبَتَ ذلك أو صادفت
стр. 3183
ذلك، وقرائن الأحوال تدل على ذلك، وتدل على صحة ما ذكرتُ قراءةُ من قرأ: (قبضتَهُ) بالنصب (١)، على إرادة الجار وهو (في)، وذَكَرَ هذه القراءةَ الزمخشريُّ وقال: جَعَلَها ظرفًا مشبهًا للمؤقت بالمبهم (٢).
وقال المبرد: التقدير: والأرض قبضته إذا كانت جميعًا، كقولهم: "هذا بُسْرًا أطيبُ منه تمرًا" (٣). أي: إذا كان. وأنشد:
٥٥٩ - إِذَا المَرْءُ أَعْيَتْهُ المُرُوءَةُ نَاشِئًا ... فَمَطْلَبُهَا كَهْلَا عَلَيْهِ بَعِيدُ (٤)
أي: إذا كان كهلًا.
وقال أبو علي في الحجة: التقدير: والأرضُ ذاتُ قبضتِهِ (٥) إذا كانت مجتمعةً. وقال في "الحلبيات": التقدير: والأرضُ مقبوضة إذا كانت مجتمعة. والقَبْضَةُ: المرة من القَبْضِ، والقَبْضَةُ تكون بمعنى القُبْضَة تسمية للمفعول بالمصدر، كخلق الله، وصيد الصائد. والقُبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف، والمراد بالأرض: الأرضون السبع، بشهادة قوله: ﴿جَمِيعًا﴾. و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف للقبضة.
وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ لأي ابتداء وخبر. و ﴿بِيَمِينِهِ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، تعضده قراءة من قرأ: (مطوياتٍ) بالنصب (٦) على
стр. 3184
الحال، وذو الحال المنوي في الخبر وهو ﴿بِيَمِينِهِ﴾، وقيل: الخبر محذوف، أي: والسماوات قبضته، ليكون نظم السماوات في حكم الأرض بدخولها تحت القبضة. وأن يكون من صلة الخبر، أعني ﴿بِيَمِينِهِ﴾. وأن يكون من صلة محذوف على أن يكون حالًا من المستكن في الخبر. ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ كائنات أو مستقرات بيمينه، فاعرفه.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾ أي: في الصور ﴿أُخْرَى﴾: أي: نفخةٌ أخرى [أو نفخةً أخرى]، فقوله: ﴿أُخْرَى﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع، بشهادة قراءة الجمهور: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (١) وأن يكون في موضع نصب بدلالة قراءة من قرأ: (نفخةً واحدةً) بالنصب (٢). والتقدير هنا: ونُفخ في الصور نفخةٌ واحدةٌ ثم نفخ فيه أخري، وإنما حذفت لدلالة (أخرى) عليها مع التصريح بها في غير هذا المكان.
قوله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾ الجمهور على البناء للفاعل، أي: أضاءت أرضُ الموقفِ بنور ربها، وقرئ: (وَأُشْرِقَت) على البناء للمفعول (٣)، على أنها منقولة من شَرَقَتِ الشمسُ تَشْرُقُ شُروقًا وشَرْقًا، إذا طلعت، أو من شَرِقت بالضوء تَشْرَقُ، إذا امتلأت به، وأشرقها الله.
стр. 3185
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾.
وانتصاب قوله: ﴿زُمَرًا﴾ في الموضعين على الحال، أي: جماعاتٍ، والزمر: الجماعات في تفرقه، الواحدة زمرة. قيل: هم الذين لهم صوت كصوت المزمار (١).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ دخول الواو في قصة أهل الجَنَّة وحذفها في قصة أهل النار، قيل: هما سواء، فحذفها للضمير العائد، وإثباتها لعطف جملة على جملة. وقيل: لأن أبواب جهنم سبعة، وأبواب الجنة ثمانية. ففرق بينهما بزيادة"الواو ليكون إيذانًا بذلك. وقيل: أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها, لأنهم يوقفون عليها زيادة في إذلالهم وحزنهم وترويعهم، وأما أبواب الجَنَّة فمفتحة قبل مجيء أهلها إكرامًا لهم، بشهادة قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (٢) فلذلك جيء بالواو، كأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها، على أنَّ الواو واو الحال (٣).
стр. 3186
وجواب ﴿إِذَا﴾ مضمر سأذكره لك إن شاء الله تعالى (١).
و﴿حَتَّى﴾ في الموضعين هنا هي التي يُحكَى بعدها الجمل، والجملة المحكية بعدها هي ﴿إِذَا جَاءُوهَا﴾ إلَّا أن جوابها في قصة أهل النار ﴿فُتِحَتْ﴾. وقد اختلف في جوابها في قصة أهل الجَنَّة، فقيل: محذوف، أي: دخولها (٢)، أو آمنوا وشبههما، وحق موقعه أن يكون بعد قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، قيل: وإنما حذف لأنه في صفة ثواب أهل الجَنَّة، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف. وقيل: التقدير: حتى إذا جاؤوها جاؤوها وفتحت أبوابها، فالواو على هذا للحال، أي: وقد فتحت. وقيل: الواو صلة (٣)، وجواب ﴿إِذَا﴾: ﴿فتُحَت﴾ كالآية الأخري، والاختيار: الوجهان الأولان.
وقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (خالدين) حال من ضمير المأمورين، أي: مقدرين الخلود، ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿جَهَنَّمَ﴾، وإن كان في الصفة ما يعود إليها, لأنَّها لو كانت منها لبرز (أنتم) لكون الصفة جارية على غير من هي له، وقد ذكر مُوَضَّحًا فيما سلف من الكتاب، ومثلها ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ اللام في ﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ للجنس، لأن ﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ فاعل (بئسَ)، وبئس ونعم فاعلهما إما اسم مُعَرَّفٌ بلام الجنس، أو مضاف إلى ما فيه لام الجنس. والمخصوص بالذم محذوف وهو جهنم، حذف للعلم به، أي: فبئس مثوى المتكبرين جهنم، ومثله ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: و ﴿وَعْدَهُ﴾ مفعول ثان، و ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ في موضع الحال، و ﴿حَيثُ﴾ مفعول به هنا (٤) , لأنه هو المتَّخَذُ. وقيل: ظرف.
стр. 3187
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ انتصاب ﴿حَافِّينَ﴾ على الحال، لأن الرؤية من رؤية العين، أي: مطيفين بالعرش محدقين به من حفافيهِ، أي: من جانبيه، يقال: حفى (١) القوم بفلان، إذا أطافوا به. و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية على معنى: أن ابتداءْ حُفُوفهم من حول العرش إلى حيث شاء صاحب العرش، وواحد حافّين: حافّ. وعن الفراء: لا واحد لهم، لأنَّ الاسم لا يقع لهم إلَّا مجتمعين (٢).
وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (يُسَبِحُونَ) في موضع الحال من الملائكة، أو من المنوي في ﴿حَافِّينَ﴾. وكذا: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ في موضع الحال أيضًا، أي: مسبحين اللَّهَ حامدين له. قيل: يقولون ذلك متلذذين لا متعبدين (٣).
والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الزمر.
والحمد لله وحده
стр. 3188
إعراب سُورَة الْمُؤْمِنُ (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾:
قوله : ﴿حم﴾ قرئ: بإضجاع ألف حاميم تنبيهًا على أنَّها اسم، وبتفخيمها وهو الأصل (٢). وبإسكان الميم، وعليه الجمهور، وهو الوجه لما ذكرت فيما سلف من الكتاب أن هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور حقها أن يوقف على كلّ حرف منها. وفتحِها (٣)، وفيه أوجه:
стр. 3189
أن يكون لالتقاء الساكنين، واختير الفتح لكونه أخف الحركات، وأن يكون منصوبًا بإضمار اقرأ أو الزم، وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث على أنَّها اسم للسورة، أو للتعريف وأنها على زنة الأعجمي، نحو قابيلَ وهابيلَ، على قول من قال: هو اسم من أسماء الله تعالي، أو اسم للقرآن (١)، وأن يكون منصوبًا بحذف القسم وإيصال فعله، كقولهم: اللَّهِ لأفعلنَّ، يعضده قول ابن عباس ﵄: هو اسم من أسماء الله تعالى أقسم به (٢). وبكسرها (٣)، على أصل التقاء الساكنين.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يحتمل رفعه أوجهًا: أن يكون مبتدأ وخبره الظرف، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا تنزيل الكتاب، والظرف صلته، أو خبرٌ بعد خبرٍ، أو حال من التنزيل والعامل فيها معنى الإشارة، وأن يكون خبر ﴿حم﴾.
ويجوز في الكلام نصبه على: اقرأ أو الزم (تنزيلَ الكتابِ).
وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ صفتان لله جل ذكره، والإضافة حقيقية لأنه -سبحانه- لَمْ يزل غافر ذنوب عباده وقابل توبتهم، لا أنه يغفر ذنوبهم ويقبل توبتهم الآن أو غدًا، حتى تكونا في تقدير الانفصال فيكون ذلك: بدلًا كما زعم بعضهم (٤).
وأما ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: فإضافته غير حقيقية، والأصل: شديد عقابُهُ، ولذلك قال أبو إسحاق: وأما خفض ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ فعلى البدل, لأنه مما يوصف به النكرة (٥). وقد جوز أن يكون صفة أيضًا، وحذف منه حرف
стр. 3190
التعريف ليزاوج ما قبله وما بعده لفظًا. وأما ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فصفة كالمذكورين.
والتوب والتوبة والمتاب مصادر تاب. وقيل: التوب جمع توبة (١)، فيكون اسمًا لا مصدرًا، لأن المصدر لا يجمع إلَّا بشرط اختلاف أنواعه.
وقوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أن) وما عملت يجوز أن يكون في محل الرفع على البدل من ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، أي: حق أنهم أصحاب النار. وأن يكون في محل النصب لعدم الجار، أي: لأنهم أو بأنهم، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٢).
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾:
قوله : ﴿﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ الذين مبتدأ ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾: (مَنْ) موصول، ومحله الرفع أيضًا على الابتداء، وخبره ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، ومحل الجملة النصب على الحال، وأما خبر المبتدأ الأول فمحذوف دل عليه ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ربنا، ولك أن تعطف ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ على ﴿الَّذِينَ﴾ وتجعل خبر ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، ويكون محل هذا المضمر النصب على الحال، أي: قائلين ذلك. والباء في ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للحال، أي: ينزهونه حامدين له.