وجواب ﴿إِذَا﴾ مضمر سأذكره لك إن شاء الله تعالى (١).
و﴿حَتَّى﴾ في الموضعين هنا هي التي يُحكَى بعدها الجمل، والجملة المحكية بعدها هي ﴿إِذَا جَاءُوهَا﴾ إلَّا أن جوابها في قصة أهل النار ﴿فُتِحَتْ﴾. وقد اختلف في جوابها في قصة أهل الجَنَّة، فقيل: محذوف، أي: دخولها (٢)، أو آمنوا وشبههما، وحق موقعه أن يكون بعد قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، قيل: وإنما حذف لأنه في صفة ثواب أهل الجَنَّة، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف. وقيل: التقدير: حتى إذا جاؤوها جاؤوها وفتحت أبوابها، فالواو على هذا للحال، أي: وقد فتحت. وقيل: الواو صلة (٣)، وجواب ﴿إِذَا﴾: ﴿فتُحَت﴾ كالآية الأخري، والاختيار: الوجهان الأولان.
وقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (خالدين) حال من ضمير المأمورين، أي: مقدرين الخلود، ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿جَهَنَّمَ﴾، وإن كان في الصفة ما يعود إليها, لأنَّها لو كانت منها لبرز (أنتم) لكون الصفة جارية على غير من هي له، وقد ذكر مُوَضَّحًا فيما سلف من الكتاب، ومثلها ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ اللام في ﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ للجنس، لأن ﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ فاعل (بئسَ)، وبئس ونعم فاعلهما إما اسم مُعَرَّفٌ بلام الجنس، أو مضاف إلى ما فيه لام الجنس. والمخصوص بالذم محذوف وهو جهنم، حذف للعلم به، أي: فبئس مثوى المتكبرين جهنم، ومثله ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: و ﴿وَعْدَهُ﴾ مفعول ثان، و ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ في موضع الحال، و ﴿حَيثُ﴾ مفعول به هنا (٤) , لأنه هو المتَّخَذُ. وقيل: ظرف.
стр. 3187
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ انتصاب ﴿حَافِّينَ﴾ على الحال، لأن الرؤية من رؤية العين، أي: مطيفين بالعرش محدقين به من حفافيهِ، أي: من جانبيه، يقال: حفى (١) القوم بفلان، إذا أطافوا به. و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية على معنى: أن ابتداءْ حُفُوفهم من حول العرش إلى حيث شاء صاحب العرش، وواحد حافّين: حافّ. وعن الفراء: لا واحد لهم، لأنَّ الاسم لا يقع لهم إلَّا مجتمعين (٢).
وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (يُسَبِحُونَ) في موضع الحال من الملائكة، أو من المنوي في ﴿حَافِّينَ﴾. وكذا: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ في موضع الحال أيضًا، أي: مسبحين اللَّهَ حامدين له. قيل: يقولون ذلك متلذذين لا متعبدين (٣).
والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الزمر.
والحمد لله وحده
стр. 3188
إعراب سُورَة الْمُؤْمِنُ (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾:
قوله : ﴿حم﴾ قرئ: بإضجاع ألف حاميم تنبيهًا على أنَّها اسم، وبتفخيمها وهو الأصل (٢). وبإسكان الميم، وعليه الجمهور، وهو الوجه لما ذكرت فيما سلف من الكتاب أن هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور حقها أن يوقف على كلّ حرف منها. وفتحِها (٣)، وفيه أوجه:
стр. 3189
أن يكون لالتقاء الساكنين، واختير الفتح لكونه أخف الحركات، وأن يكون منصوبًا بإضمار اقرأ أو الزم، وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث على أنَّها اسم للسورة، أو للتعريف وأنها على زنة الأعجمي، نحو قابيلَ وهابيلَ، على قول من قال: هو اسم من أسماء الله تعالي، أو اسم للقرآن (١)، وأن يكون منصوبًا بحذف القسم وإيصال فعله، كقولهم: اللَّهِ لأفعلنَّ، يعضده قول ابن عباس ﵄: هو اسم من أسماء الله تعالى أقسم به (٢). وبكسرها (٣)، على أصل التقاء الساكنين.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يحتمل رفعه أوجهًا: أن يكون مبتدأ وخبره الظرف، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا تنزيل الكتاب، والظرف صلته، أو خبرٌ بعد خبرٍ، أو حال من التنزيل والعامل فيها معنى الإشارة، وأن يكون خبر ﴿حم﴾.
ويجوز في الكلام نصبه على: اقرأ أو الزم (تنزيلَ الكتابِ).
وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ صفتان لله جل ذكره، والإضافة حقيقية لأنه -سبحانه- لَمْ يزل غافر ذنوب عباده وقابل توبتهم، لا أنه يغفر ذنوبهم ويقبل توبتهم الآن أو غدًا، حتى تكونا في تقدير الانفصال فيكون ذلك: بدلًا كما زعم بعضهم (٤).
وأما ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: فإضافته غير حقيقية، والأصل: شديد عقابُهُ، ولذلك قال أبو إسحاق: وأما خفض ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ فعلى البدل, لأنه مما يوصف به النكرة (٥). وقد جوز أن يكون صفة أيضًا، وحذف منه حرف
стр. 3190
التعريف ليزاوج ما قبله وما بعده لفظًا. وأما ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فصفة كالمذكورين.
والتوب والتوبة والمتاب مصادر تاب. وقيل: التوب جمع توبة (١)، فيكون اسمًا لا مصدرًا، لأن المصدر لا يجمع إلَّا بشرط اختلاف أنواعه.
وقوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أن) وما عملت يجوز أن يكون في محل الرفع على البدل من ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، أي: حق أنهم أصحاب النار. وأن يكون في محل النصب لعدم الجار، أي: لأنهم أو بأنهم، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٢).
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾:
قوله : ﴿﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ الذين مبتدأ ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾: (مَنْ) موصول، ومحله الرفع أيضًا على الابتداء، وخبره ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، ومحل الجملة النصب على الحال، وأما خبر المبتدأ الأول فمحذوف دل عليه ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ربنا، ولك أن تعطف ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ على ﴿الَّذِينَ﴾ وتجعل خبر ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، ويكون محل هذا المضمر النصب على الحال، أي: قائلين ذلك. والباء في ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للحال، أي: ينزهونه حامدين له.
стр. 3191
وقوله: ﴿رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ نصب على التمييز، قال الزمخشري:
والأصل: وسع كلّ شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، وأُخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم، كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كلّ شيء، انتهى كلامه (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ محل (مَنْ) النصب عطفًا على الضمير المنصوب إما في قوله: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾، أو في قوله: ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾:
قوله : ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ مبتدأ والمصدر مضاف إلى الفاعل، وخبره ﴿أَكبَرُ﴾، و ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ﴾ مِن صلة ﴿أَكبَرُ﴾، والمصدر مضاف إلى الفاعل، و ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ نصب به.
وأما ﴿إِذْ﴾ من قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ فمعمولٌ لمحذوفٍ دل عليه المَقْتُ الأول، أي: مَقَتَكُم الله إذ تدعون, لأنه لا يخلو من أن يكون معمول قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ أو معمول قوله: ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ﴾، أو معمول قوله: ﴿تُدْعَوْنَ﴾، فلا يجوز أن يكون معمول قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾، لأجل
стр. 3192
الفصل بالخبر، وذلك أن قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وهو مصدر، وخبره ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ﴾، والمصدر إذا أخبر عنه لم يجز أن يتعلق به شيء يكون في حلته، لأن الإخبار عنه يؤذِنُ بتمامه، وما يتعلق به يؤذن بنقصانه، ولا يجوز أن يكون معمول قوله: ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ﴾ لاختلاف الزمانين، وذلك أنهم مقتوا أنفسهم في النار لا حين دُعوا إلى الإيمان، ولا يجوز أن يكون معمول ﴿تُدْعَوْنَ﴾، لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، وإذا بطل أن يكون معمول أحد هؤلاء ثبت أن يكون معمول المذكور.
وقال بعض الناس: ﴿إِذْ﴾ من صلة ﴿مَقْتِكُمْ﴾ والتقدير: لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم في الدنيا حين كنتم تُدْعَون إلى الإيمان فتكفرون، لأنهم لما دُعوا إلى الإيمان ولم يجيبوا إليه كانوا ماقتين لأنفسهم, لأنهم يهلكون أنفسهم بالكفر، والمعنى: فإنّ مقتكم أنفسكم بإيقاعها في الهلاك مع أن النفس محبوبة إلى الإنسان، فلأن يمقتكم الله وأنتم تعصونه وتخالفونه وتعادونه بالإشراك ونَسَب ما لا يليق به إليه أولى. والمقت: أشد البغض.
وقوله: ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: إماتتين أو موتتين اثنتين وإحياءتين أو حياتين اثنتين.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ (ذلكم) مبتدأ، والخبر ﴿بِأَنَّهُ﴾، والضمير في ﴿بِأَنَّهُ﴾ ضمير الشأن والأمر، أي: ذلكم الخلود والعذاب بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به.
و﴿وَحْدَهُ﴾: مصدر على حذف الزوائد في موضع الحال من الجلالة، أي: دعي مفردًا، والفعل منه أَوْحَدْتُهُ إيحادًا، وعن يونس (١): انتصابه على الظرف، أي: دعي على حياله (٢).
стр. 3193
و ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حالٌ، و ﴿الدِّينَ﴾ منصوب به.
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾:
قوله : ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي﴾: (رفيع) خبر مبتدأ محذوف، و ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خبر بعد خبر، وكذا ﴿يُلْقِي﴾ خبر آخر، ويجوز في الكلام نصب قوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ على المدح.
وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: اللام من صلة ﴿يُلْقِي﴾، و ﴿يَوْمَ﴾ مفعول الإنذار لا ظرف له كما زعم بعضهم، لأنَّ الإنذار لا يكون فيه، وإنما يكون به (١).
وقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ يجوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ فيكون أبضًا مفعولًا به، وأن يكون ظرفًا للتلاق، أو لقوله: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ في ذلك اليوم، و ﴿هُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿بَارِزُونَ﴾ خبره، والجملة في موضع جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. و ﴿يَوْمَ﴾ بمعنى ﴿إِذِ﴾، ولذلك أضيف إلى الابتداء والخبر، ولو كان بمعنى ﴿إِذَا﴾ لَمْ يُضف إلَّا إلى الفعل والفاعل (٢).
وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (اليوم) ظرف للظرف وهو
стр. 3194
﴿لِمَنِ﴾، أو لما تعلق به الظرف، أي: لمن ثبت أو استقر الملك في هذا اليوم؛ وقيل: هو من صلة ﴿الْمُلْكُ﴾ وقال بعضهم: الوقف على ﴿الْمُلْكُ﴾ ثم تبتدئ: ﴿الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، على: هو ثابت لله الواحد القهار في هذا اليوم (١).
وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى﴾. ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: محل ﴿الْيَوْمَ﴾ الأول النصب على أنَّه ظرف لقوله: ﴿تُجْزَى﴾. وأما الثاني فمحله الرفع بخبر ﴿لَا﴾. وأما الثالث: فمفعولٌ به ثانٍ للإنذار.
وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ (إذ) بدلْ من ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. و ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من المنوي في ﴿لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾. وقيل: حال من "القُلُوبُ" (٢)، وهو بعيد لعدم العامل، لأن الابتداء لا يعمل في الأحوال. وقيل: حال من الهاء والميم في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ (٣)، أي: وأنذرهم مقدرين أَوْ مشارفين الكظم، كقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٤)، ومعنى كاظمين: مغتاظين لا يزيل غيظهم شيء، وأصل الكظم الحبس، يقال: كظم غيظه كَظْمًا، إذا اجترعه وحبسه، وكظم البعير جِرَّتَهُ، إذا حبسه عن أن يخرج، والجِرَّةُ بالكسر: ما يُخْرِجُهُ البعير للاجترار.
قوله : ﴿يُطَاعُ﴾ في موضع جَرٍّ أو رفع على النعت لـ ﴿شَفِيعٍ﴾، إما على اللفظ، وإما على المحل، كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ و (غيرِهِ) وقد قرئ بهما (٥).
стр. 3195
﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته، على معنى: والذين يدعون الكفار من الالهة من دون الله، وقرئ بالتاء النقط من فوقه (١)، على معنى: قل لهم (٢).
وقوله: ﴿وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا﴾ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ يجوز أن يكون مجزوما بالعطف على ﴿يَسِيرُوا﴾، وأن يكون منصوبًا على جواب الاستفهام. و ﴿كَيْفَ﴾: يجوز أن يكون في موضع نصب بخبر كان، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، وفي ﴿كَيْفَ﴾ ضمير يعود على اسم كان. وأن يكون ظرفًا ملغًى لا ضمير فيه، وتكون ﴿كَانَ﴾ تامة.
وقوله: ﴿هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: (هم) فَصْلٌ، و ﴿أَشَدَّ﴾ خبر كان، وقد ضارع المعرفة من حيث لا يدخله حرف التعريف، ولذلك جاز أن يكون ﴿هُمْ﴾ هنا فصلًا، ويجوز أن يكون تأكيدًا للضمير في كانوا، وقد جوز أن
стр. 3196
تكون كان من ﴿كَانُوا﴾ تامة أيضًا، فيكون ﴿أَشَدَّ﴾ حالًا، كقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (١). وقرئ: (منكم) (٢) على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، وكذا هي في مصاحف أهل الشام (٣).
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾:
قوله : ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ قرئ: (وأن يظهر) بالواو من غير ألف قبلها (٤)، عطف على (أن يبدل) على معنى: إني أخاف هذين الأمرين جميعًا، وهما تبديل الدين، وإظهار الفساد.
وقرئ: (أو أن) بالألف قبل الواو (٥)، على أنه (أو) التي لأحد الشيئين أو الأشياء، على معنى: إني أخاف أحدهما لا بعينه، وأيهما وقع كان مَخُوفًا.
وقرئ: (أن يُظْهِر) بضم الياء من أظهر، و (الفسادَ) منصوب، والمنوي
стр. 3197
لموسى ﵇، وبفتحها (١) من ظهر، و (الفسادُ) مرفوع.
وقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ الجمهور على ضم الجيم على الأصل، وقرئ: (رَجْلٌ) بسكونها (٢) تخفيفًا، كما قيل: عَضْدٌ في عَضُدٍ لذلك.
واختلف فيه، فقيل: كان قبطيًا ابن عم لقرعون آمَن بموسى ﵇ سرًا. وقيل: كان إسرائيليًا (٣). فإذا فهم هذا، فقوله: ﴿مِنْ الِ فِرْعَوْنَ﴾: على الوجه الأول: من صلة محذوف على أنه صفة بعد صفة لرجل، أو حال منه لكونه موصوفًا، وأما على الوجه الثاني: فمن صلة قوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ من آل فرعون، وقد جاء في التفسير أنه كان يكتم إيمانه منهم مائة سنة، ولم يكن من آل فرعون مؤمنٌ البتة (٤).
وقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ أي: لأن يقول، فحذفت اللام. ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ الواو للحال.
﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ
стр. 3198
فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولَا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿ظَاهِرِينَ﴾ حال من الكاف والميم في ﴿لَكُمُ﴾، والعامل فيها الاستقرار ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ (ما أرى) ﴿مَا﴾ موصول في موضع النصب لكونه مفعولًا ثانيًا لأريكم، وأرى من الرأي الذي هو الاعتقاد، أي: ما أشير عليكم برأي إلَّا بما أرى لي ولكم صلاحًا وصوابًا.
وقوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ الجمهور على تخفيف الشين، وهو مصدر رَشَدَ يَرْشُد رَشادًا، أي: إلَّا طريق الصواب والصلاح، وقرئ: (إلَّا سبيل الرَّشَّادِ) بتشديدها (١)، والمراد به موسى ﵇، أو الله جلَّ ذكره، وهو فَعَّال من رَشِدَ يَرْشَدُ، كعَلَّام من عَلِمَ يَعْلَمُ، أو من رَشَدَ يَرْشُدُ، كعَبَّادٍ من عَبَد يَعْبُدُ، ولا ينبغي أن يكون من أَرْشَدَ يُرْشِدُ كَجَبَّارٍ من أجْبَرَ، وَسَئَّارٍ من أسأر، وَقَصَّارٍ من أقصر، ودَرَّاكٍ من أَدْرَكَ كما زعم بعضهم، لأن فعالًا من أفعل لَمْ يجئ إلَّا في هذه الأحرف المذكورة آنفًا وهو قليل، ولا يصح القياس على القليل. وقيل: إن ذلك محمول على أنَّه خرج على تقدير حذف الزيادة، فكأنه من جَبَرَ وَسَأَرَ وَقَصَرَ وَدَرَكَ، وقد لسُمِع من القوم جَبَرَهُ على الأمر، وقَصَرَ عن الأمر، وقِسْ عليهما سَئَّار ودرّاك تقديرًا على أنَّهما من سأَرَ وَدَرَكَ وإن لَمْ يُلْفَظْ بهما، ويجوز أن يكون منسوبًا إلى الرشد كَبَتَّاتٍ وَعَوَّاجِ، ولم يُنظر إلى فعله (٢).
وقوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: ﴿مِثْلَ﴾ الثاني بدل من ﴿مِثْلَ﴾ الأول، والتقدير: أخاف عليكم
стр. 3199
يومًا مثل يوم الأحزاب. وقيل: عطف بيان، لأنك لو قلت: أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود، لَمْ يكن إلَّا عطف بيان لإضافة (قومِ) إلى أعلام، فسرى ذلك الحكم إلى الجميع (١).
وقوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ الجمهور على تخفيف الدال، وأصله: التنادي، فحذفت منه الياء تخفيفًا، وبالياء قرأ بعض القراء (٢)، وهو مصدر تَنَادَى القومُ يَتَنَادَى تَنَادِيًا، إذا نادى بعضهم بعضًا.
وعن ابن عباس ﵄ (يوم التنادِّ) بتشديد الدال (٣)، وهو تفاعل من نَدَّ البعير يَنِدُّ نَدًّا وَندَادًا ونُدُودًا، إذا شَرَدَ وذهب على وجهه، وهو مصدرُ تَنادَّ القومُ، يَتَنَادُّ تَنَادًّا، إذا تنافر بعضهم من بعض، والمعنى: يوم التنافر، كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ (٤) وأصله: يوم التّنادد، فأدغم كراهة اجتماع المثلين.
﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾: بدل ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ و ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حال مؤكِّدة، أي: فارين من النار، عن مجاهد، وقيل: منصرفين عن موقف الحساب إلى النار عن قتادة (٥). و ﴿مَا لَكُمْ﴾ في موضع الحال، كأنه قيل: غير ناصرين.
﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)
стр. 3200
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب إما على أنه بدل من قوله: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾، و ﴿مَنْ هُوَ﴾ في موضع نصب بأنه مفعول ﴿يُضِلُّ﴾، وجاز ذلك لأنه لا يريد مسرفًا واحدًا، وإنما يريد الجنس، كأنه قال: كل مسرف، فهو في معنى الجمع. أو بإضمار أعني. وأن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين يجادلون، أو مبتدأ، وفي خبره أوجه:
أحدهما: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ أي: كبر جدالهم مقتًا، أي: بغضًا، وهو منصوب على التمييز، فإن قلت: تقديرك (كَبُرَ جدالهم) يؤدي إلى حذف الفاعل، والفاعل لا يجوز حذفه، قلت: في الكلام حذف مضاف تقديره: جدال الذين يجادلون كَبُرَ، فالمنوي في (كَبُرَ) راجع إلى هذا المضاف المحذوف.
والثاني: ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾، والراجع إلى المبتدأ محذوف تقديره: على كلّ قلبٍ متكبرٍ جبارٍ منهم، فحذف، وما بينهما اعتراض.
والثالث: محذوف، أي: معاندون أو معذبون، وما أشبه هذا مما يدل عليه المعنى.
وقوله: (عَلَى كُلِّ قَلْبٍ) قرئ: بالتنوين (١)، وفيه وجهان، أحدهما: أن القلب هو الموصوف بالتكبُّر والتجبر، وجاز وصفه بهما لأنه مركزهما ومنبعهما. والثاني: أن الموصوف هو صاحبه، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: على كل ذي قلبٍ متكبرٍ، فحذف المضاف. وقرئ: بترك التنوين
стр. 3201
على الإضافة (١)، وفي الكلام حذف موصوف، أي: قلبِ كُلِّ إنسانٍ متكبرٍ جبارٍ، لأن المتكبر في الحقيقة هو الإنسان. وقيل تقديره: على كل قلب كلِّ متكبرٍ، فحذف (كل) الثانية لدلالة الأولى عليها (٢).
وقوله: ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ بدل عن ﴿الْأَسْبَابَ﴾.
وقوله: (فَأَطَّلِعُ) قرئ: بالرفع، عطفًا على قوله: ﴿أَبْلُغُ﴾. والمعنى: لعلي أبلغُ ولعلي أطَّلعُ. وبالنصب (٣) على جواب الترجي تشبيهًا للترجي بالتمني من حيث إن كل واحد منهما غير موجب، ونصبه بإضمار أَنْ، والمعنى: إن أبلغْ أطَّلعْ (٤). وقيل: هو جواب الأمر، أي: إن تبن لي أطَّلِع (٥).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: تَزْيِيِنًا مثل ذلك التزيين.
وقوله: (وَصدَّ) قرئ: بفتح الصاد على البناء للفاعل (٦)، وهو فرعون، ويجوز أن يكون لازمًا، أي: أعرض عن طريق الحق، أي: عدل عنه، وأن يكون متعديًا، أي: صد الناس عنها. وبضمها على البناء للمفعول (٧)، لقوله: ﴿زُيِّنَ﴾. وبكسرها (٨)، على نقل حركة العين إلى الفاء لتدل عليها،
стр. 3202
كما فعل في قيل وأخواته، و (صَدٌّ) بفتحها مع التنوين (١)، على أنه مصدر معطوف على ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ ﴿مَا لِي﴾ ابتداء وخبر، والاستفهام بمعنى التوبيخ، و ﴿أَدْعُوكُمْ﴾ في
موضع الحال من المنوي في الخبر، ودعاه إلى كذا، ودعاه له بمعنىً.
وقوله: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ﴾؛ بيان لما قبله، أو بدل منه وهو ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾، قيل: والمعنى: تدعونني إلى أن أكفر بالله، فوضع اللام موضع إلى. وقيل: التقدير: تدعونني إلى دينكم لأكفر بالله، واللام لام العلة والمدعو إليه محذوف، و ﴿وَأُشْرِكَ﴾ عطف على قوله: ﴿لِأَكْفُرَ﴾.
﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ (ما) موصول في موضع نصب بقوله: ﴿وَأُشْرِكَ﴾، و ﴿عِلْمٌ﴾ اسم ليس، والخبر ﴿لِي﴾، و ﴿بِهِ﴾ من صلة الاستقرار، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿عِلْمٌ﴾ كما زعم بعضهم، وإن كان صحيحًا من جهة المعنى، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
стр. 3203
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في ﴿لَا﴾ وجهان:
أحدهما: رَدٌّ لما دعاه إليه قومه، على ما حكاه صاحب الكتاب عن شيخه الخليل رحمة الله عليهما حين سأله عن قوله جل ذكره: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ (١) فقال: رَدُّ الكلامِ (٢)، والمعنى: وَجَبَ لهم النار وَحَقَّ لهم أنّ لهم النار، انتهى كلامه (٣).
و﴿جَرَمَ﴾ فعل ماض بمعنى حَق وَوَجَبَ، و (أَنَّ) مع ما في حَيّزه في المواضع الثلاثة فاعله، أي: حَقَّ ووجبَ بطلانُ دعوته والرجوع إلى الله، وكون المسرفين هم أصحاب النار. أو بمعنى كسب، كقوله عز وعلا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (٤)، وقول الشاعر:
٥٦٠ - وَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا (٥)
стр. 3204
فنصب (فزارة) بجرم، أي: كسبتهم الغضب وأوجبته لهم، فـ (أَنَّ) على هذا في المواضع الثلاثة في موضع نصب.
والثاني: أن ﴿جَرَمَ﴾ مبني مع ﴿لَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، و (أَنَّ) مع ما في حيزه في موضع الخبر، وقد مضى الكلام على "لا جرم" فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١).
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي: إجابة دعوة، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿أَقُولُ﴾.
﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾:
قوله عر وجل: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الجمهور على رفع ﴿النَّارُ﴾ وفيه أوجه، أحدهما: بدل من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾. والثاني: خبر مبتدأ محذوف على تقدير سؤال سائل: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار. والثالث: مبتدأ خبره: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾.
وقرئ: (النَّارَ) بالنصب (٢) بفعل مضمر يدل عليه: ﴿يُعْرَضُونَ﴾، أي: يدخلون النار يعرضون عليها. وقد جوز نصبها على الاختصاص (٣)، وفيه تعظيم للنار، وتهويل من عذابها.
стр. 3205
وأجاز أبو الحسن جرها على البدل من العذاب (١).
و﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ظرفان لقوله: ﴿يُعْرَضُونَ﴾، أي: في هذين الوقتين يعذبون بالنار.
فإن قلت: ما محل قوله: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ على هذه الأوجه؟ قلت: أما على الوجه الأول: فمحلها النصب على الحال من النار، وكذا على رأي أبي الحسن، وأما على الثاني والثالث: فمحله الرفع، وأما على قول من نصب (النار) وقال: نصبها بمضمر يفسره ﴿يُعْرَضُونَ﴾ فلا محل له لكونه مفسرًا، ومن قال: نصبها على الاختصاص فحكمه حكم الوجه الأول فاعرفه.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قرئ: بوصل الألف وضم الخاء (٢)، و ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ منادى مضاف، أي: يقال لهم في ذلك اليوم: ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب. وقرئ: بقطعها وكسر الخاء (٣). و ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مفعول به، أي: يقال لخزنة جهنم أَدْخِلُوا أشد العذاب، فـ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مفعول به أول و ﴿أَشَدَّ﴾ ثانٍ على إسقاط الجار منه، أي: في أشد العذاب، وكذا في قول من وصل الألف على تقدير حذف الجر منه، ألا ترى أنك إذا قلت: دخل زيد الدار، كان التقدير: في الدار، كما أن خلافه الذي هو خرج كذلك في التقدير.
و﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿مَرَدَّنَا﴾، وأن يكون ظرفًا لـ ﴿أَدْخِلُوا﴾ فيوقف عك قوله: (عشيا)، وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ على معنى: يعرضون على النار في الدنيا وفي يوم القيامة، فلا يوقف على (عَشِيًا) فاعرفه.
стр. 3206
﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ أي: واذكر وقت يخاصم بعضهم بعضًا. وقيل: عطف على ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ (١). وقيل: على ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ (٢) فلا يوقف على العذاب.
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ (تَبَعًا) يجوز أن يكون جمع تابع، كخدم وحرس في جمع خادم وحارس، وأن يكون مصدرًا، ففي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: ذوي تبع، فحذف المضاف، ولك أن تجعله في موضع اسم الفاعل. و ﴿نَصِيبًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا به، وأن يكون في موضع المصدر، أي: غَناء.
وقوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ (كُلّ) مبتدأ خبره ﴿فِيهَا﴾، والجملة خبر (إنَّ) كقوله: (قُل إنَّ الأمرَ كلُّه لله) على قراءة أبي عمرو (٣)، و ﴿كُلٌّ﴾ وإن كان لفظه نكرة فهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، أي: كلنا فيها، ويجوز في الكلام نصبه، قيل: وبه قرأ بعض القراء (٤)، ووجهه أن يكون تأكيدًا لاسم إنَّ لما ذكرت آنفًا من أنه معرفة.
ولا يجوز أن يكون حالًا من المنوي في ﴿فِيهَا﴾ نظرًا إلى لفظه، لأن لفظه نكرة، لأن العامل معنى، والمعنى إنما يعمل في الظرف دون الحال إذا
стр. 3207
كانت متقدمة، لأنها مفعول صحيح، والمفعول الصحيح إنما يعمل فيه الفعل المحض، فلم يجيزوا: قائمًا في الدار زيدٌ، كما أجازوا: كلَّ يومٍ لك ثوب، فأعملوا المعنى الذي هو (لك) في الظرف الذي هو (كلَّ يومٍ) فاعرفه فإنه موضع.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾:
قوله : ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ (يومًا) ظرف لقوله: ﴿يُخَفِّفْ﴾، ومفعوله محذوف على رأي صاحب الكتاب، أي: يُزِلْ عنا شيئًا من العذاب في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا، و ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ هو مفعوله على مذهب أبي الحسن، و ﴿مِنَ﴾ صلة (١). وقد جوز أن يكون ﴿يَوْمًا﴾ هو المفعول، على: يُزِلْ عنا عذابَ يَوْمٍ، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ أي: أو لم تك القصة تأتيكم رسلكم، فقوله: ﴿تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ تفسير لاسم كان وهو القصة.
وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾ (يومَ) بدل من الأول وهو ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، والأشهاد: جمع شاهد، كَأَصحَابٍ في جمع صَاحِب: ﴿إِنَّا
стр. 3208
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ (١) أو جمع شَهِيد، كَأَشْرَافٍ في جمع شَريف، ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ (٢). و ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾: منصوب محمول على محل الجار والمجرور، كما تقول: أتيتك في أمسِ واليومَ، ومررت بزيدٍ وعمرًا.
وقوله (٣): ﴿هُدًى وَذِكْرَى﴾: أي: هاديًا ومُذكِّرًا لذوي العقول منهم، ولك أن تنصبهما على المفعول له، أي: إرشادًا وتذكرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾:
قوله : ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ (إنْ) نافية بمعنى (ما)، و ﴿كِبْرٌ﴾ مرفوع بالظرف وهو قوله: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾، لأن الظرف مفرَّغ له، وقد اعتمد على حرف النفي، كما تقول: ما في الدار إلا زيد، فيعمل الظرف فيما بعد (إلا) كما يعمل الفعل في قولك: ما قام إلا زيد.
وقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ الضمير في محل الجر على رأي صاحب الكتاب، وعلى مذهب أبي الحسن في محل النصب، وهو يعود إلى مدلول الكلام، أي: ما هم ببالغي ما في صدورهم، والذي في صدورهم إبطال أمر النبي ﷺ ، قاله أبو علي. وقيل: يعود إلى الكبر (٤).
стр. 3209
وقوله: ﴿وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (لا) صلة، لأنه لا يجوز أن تقول: لا يستوي زيدٌ ولا عمرٌ، لأن الاستواء لا يكون من واحد.
وقوله: (قليلًا ما يتذكرون) ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لمصدر محذوف، أي: تذكرًا قليلًا يتذكرون، و ﴿مَا﴾ تأكيد، وقيل: نعت لزمانٍ، أي: وقتًا أو زمانًا قليلًا، و ﴿مَا﴾: مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بقوله: ﴿قَلِيلًا﴾، أي: قليلًا تذكرهم، أو تذكركم على قدر القراءتين (١)، والوجه هو الأول.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾:
стр. 3210
قوله : ﴿دَاخِرِينَ﴾ حال، وكذلك ﴿مُخْلِصِينَ﴾، و ﴿الدِّينَ﴾ منصوب به، وكذا ﴿طِفْلًا﴾ نصب على الحال.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾:
قوله : ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾: (إذ) معمول قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وهو موضوع للزمان الماضي، وإنما استعمل هنا لما هو آت ولم يقع؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، لأن الأمور الآتية لما كانت في إخبار الله تعالى متيقنة مقطوع بها لصدق المُخبر عنها بلفظ ما كان ووجد، كأنها قد وقعت وإن لم يأت بعد. و ﴿الْأَغْلَالُ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف عليه، والخبر ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾، والتقدير: الأغلال والسلاسل في أعناقهم. و ﴿يُسْحَبُونَ﴾ على هذا حال من الضمير المجرور في ﴿أَعْنَاقِهِمْ﴾ لا من المرفوع المنوي في أعناقهم كما زعم بعضهم: أي: مسحوبين، أو مستأنف.
وقيل: (السلاسل) مبتدأ، والوقف على فوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾، والخبر ما بعدها، والتقدير: والسلاسل يسحبودن بها في الحميم، فحُذف العائد وهو (بها) كما حذف في قولهم: السمن مَنَوانِ بدرهم، وقوله : ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١).
стр. 3211
وعن ابن عباس وابن مسعود ﵃: (والسلاسلَ) بالنصب، و (يَسحبون) بفتح الياء على البناء للفاعل (١)، على عطف الجملة من الفعل والفاعل على التي من المبتدأ والخبر، وناصب (السلاسلَ): (يَسحبون)، والتقدير: إذ الأغلال في أعناقهم ويَسحبون السلاسلَ.
وعن بعضه: (والسلاسلِ يسحبون) بجر السلاسل (٢)، ووجهه أنه محمول على المعنى، لأنه لو قيل: إذ أعناقهم في الأغلال، مكان قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ لكان جائزًا، فلما كان كذلك عدل عن اللفظ إلى المعنى، وحمل قوله: ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عليه، فكأنه قيل: إذ أعناقهم في الأغلالِ والسلاسلِ.
وقال أبو إسحاق: التقدير: وفي السلاسلِ يسحبون والحميم (٣)، على تقدير: يسحبون في الحميم والسلاسل، ثم تقدم المعطوف على المجرور، وهذا ليس بشيء لأن النحاة منعوا تقدم المعطوف على ما فيه حرف الجر، لم يجيزوا مررت وزيدٍ بعمرو، وقد أجازوا ذلك في المرفوع نحو: قام وزيدٌ عمروٌ، وقد استقبحوا ذلك في المنصوب نحو: رأيت وزيدًا عمرًا، فأما المجرور فما علمت أن أحدًا أجاز ذلك فيه فيما سمعت واطلعت عليه، فاعرفه فإنه موضع (٤).
و﴿يُسْجَرُونَ﴾ من سَجَرَ التنور، إذا ملأه بالوقود، كأنه -والله أعلم- يُجعلون وقودَ النارِ فتُملأ جهنم بهم.
стр. 3212
﴿خَالِدِينَ﴾ حال، والمقصود بالذم محذوف وهو جهنم. والمثوى: المقام.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾:
قوله : ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ (ما) صلة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع بأشبع من هذا (١).
وقوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ جواب قوله: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. وجواب قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ محذوف، والتقدير: فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب، وهو القتل والأسر يوم بدر على ما فسر (٢) فذاك، أو نتوفينك قبل يوم بدر فإلينا يرجعون في الآخرة فننتقم منهم أشد الانتقام.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ (من قبلك) من صلة الإرسال، و ﴿مِنْ﴾ مبتدأ خبره ﴿مِنْهُمْ﴾، والجملة مستأنفة، وفي الكلام حذف تقديره: منهم من قصصنا ذكره عليك، ثم حذف المضاف وهو الذكر وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف المضاف إليه للعلم به، ولا بد من هذا التقدير، لأن الأشخاص لا يُقَصون، إنما يُقَصُّ ذِكْرُهم.
стр. 3213
وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ جعل هنا بمعنى خلق. ومِن في ﴿مِنْهَا﴾: للتبعيض. و ﴿حَاجَةً﴾: مفعول (تبلغوا).
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾:
قوله : ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ (أي) منصوب بقوله: ﴿تُنْكِرُونَ﴾، ولو جيء بالضمير بعد ﴿تُنْكِرُونَ﴾ لارتفع (أي) ولا يجوز نصبه بمضمر يفسره هذا الظاهر، لأن الاستفهام لا يتقدم عليه ما في حيزه.
الزمخشري: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ﴾ جاءت على اللغة المستفيضة، وقولُكَ: فأية آياتِ اللهِ قليلٌ، لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حمارٍ وحمارةٍ غريبِّ، وهي في (أي) أغرب لإبهامه، انتهى كلامه (١).
و﴿قُوَّةً﴾ نصب على التمييز، وكذا و ﴿وَآثَارًا﴾.
وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في (ما) الأولى وجهان: أحدهما نافية، والثاني استفهامية، ومحلها النصب بـ ﴿أَغْنَى﴾. وكذا الثانية فيها وجهان: أحدهما موصولة، والثاني مصدرية، ومحلها في كلا الوجهين الرفع على الفاعلية، أي: لم يغن، أو أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم، أو كسبهم، أي: عملهم.
стр. 3214
وقوله ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (ما) موصولة، و ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ في موضع الحال، إما من (ما)، أو من المنوي في الظرف, أي: كائنًا منه، وهو علمهم بالمكاسب، والتجارات، وجمع الأموال، أي: فرحوا بالذي عندهم من علم الدنيا وأعرضوا عن الدين. وقيل: بدلًا من العلم، على نفي العلم عنهم. وقيل: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ تبيين للبينات، وفيه تقديم وتأخير، أي: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات من العلم فرحوا بما عندهم من الأموال ومتاع الدنيا.
وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر، وهو مصدر مؤكد لفعله. كـ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (١) ونحوه من المصادر المؤكدة، أي: من الله ذلك سنة في جميع الأمم وخسر هنالك الكافرون. وقيل: ﴿هُنَالِكَ﴾ مكان مستعار للزمان، أي: خسروا وقت رؤية البأس (٢)، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة المؤمن
والحمد لله وحده
стр. 3215
إعراب سورة السجدة (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾
قوله : ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم﴾ مبتدأ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبره، هذا إذا جعلت ﴿حم﴾ اسمًا للسورة، أي: هذه السورة ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وإن لم تجعلها اسمًا للسورة، كان ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا تنزيل، و ﴿كِتَابٌ﴾ بدل من ﴿تَنْزِيلٌ﴾، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كتاب، أو مبتدأ و ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صفته، و ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾ خبره، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٢).
وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ في انتصابه أوجه:
أحدهما: على الحال من الآيات، أي: بُينتْ آياته في حال كونه مجموعًا عربيًا، أو من ﴿كِتَابٌ﴾ لكونه منعوتًا إذا قَدرتَ: هذا كتاب، وإلا فلا لعدم العامل.
стр. 3216
والثاني: على الاختصاص والمدح، أي: أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنًا من صفته كيت وكيت.
والثالث: على التمييز. وقوله: ﴿لِقَوْمٍ﴾ من صلة ﴿فُصِّلَتْ﴾، أو من صلة محذوف على أنه نعت بعد نعت، أي: قرآنًا عربيًا كائنًا لقوم من صفتهم كيت وكيت.
وقوله: ﴿بَشِيرًا﴾ يجوز أن يكون صفة لقوله: ﴿قُرْآنًا﴾ بعد صفة، أي: قرآنًا عربيًا مبشرًا من آمن به. وأن يكون حالًا بعد حال. و ﴿وَنَذِيرًا﴾ عطف عليه، وحكمه في الإعراب حكمه.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾:
قوله : ﴿فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: في أكنة من فَهْمِ ما تدعونا إليه، فحذف المضاف، ولا يجوز أن يكون في موضع الصفة لـ ﴿أَكِنَّةٍ﴾، لأن الأكنة: الأغطية، وليست الأغطية مما يدعون إليه، وواحد أكنة: كنان.
و﴿مَمْنُونٍ﴾: مفعول، ومعناه: إما منقوص، من مَنَّ الشيءَ، إذا نَقَصَهُ، أو مقطوع، من مَنَّهُ، إذا قَطَعَهُ.
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا
стр. 3217
وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾
قوله : ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ الواو لعطف جملة على جملة، ولا يجوز أن يكون عطفًا على ﴿خَلَقَ﴾، لأجل التفرقة بين الصلة وما عطف عليها بقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ... ﴾ الآية.
وقوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في تتمة أربعة أيام، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿سَوَاءً﴾ الجمهور على النصب، ونصبه على المصدر، أي: استوت سواء. وقيل: على الحال، أي: مستوية، وذو الحال ﴿الْأَرْضَ﴾.
وقرئ: بالجر (١) على الوصف، إما لـ ﴿أَيَّامٍ﴾ أو لـ ﴿أَرْبَعَةِ﴾، أي: في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان.
وبالرفع (٢) على: هي سواءٌ، أي: ذات سواء، وقيل: (سواءٌ) مبتدأ، و ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: خبره، والأول هو الوجه، و ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ من صلة محذوف، أي: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ قاله الزمخشري (٣).
﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾: الواو للحال.
وقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ مصدران في موضع الحال.
وقوله: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ في الجمهور على القصر على معنى: جئنا بما
стр. 3218
فينا، أو فعلنا ما أمرتنا به، و ﴿طَائِعِينَ﴾ نصب على الحال، وجاء بالياء والنون، لأنه وصفهما بصفات من يعقل كقوله: ﴿سَاجِدِينَ﴾ (١). وقيل: أخبر عنهما وعمن فيهما (٢).
وقرئ: (آتيْنَا) بالمد (٣)، قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون (آتينا) هنا فاعلْنا، كقولك: سارَعْنا وسابَقْنا، لا أفْعَلْنا، لأن فاعلْنا يتعدى إلى مفعول واحد، وأفعلنا يتعدى إلى مفعولين، فَحَذْفُ مفعول واحد أسهل من حذف مفعولين، انتهى كلامه (٤).
وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ انتصاب قوله: ﴿سَبْعَ﴾ على البدل من الضمير في (قضاهن) الراجع إلى السماء. وقيل: انتصابه على الحال (٥). ومعنى قضاهن: أتمهن وفرغ من خلقهن، يقال: قضيتُ الشيءَ، إذا أتممتَهُ وفرغتَ منه.
وقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله، أي: وحفظناها حفظًا، وأن يكون مفعولًا له عطفًا على آخر مثله هو مفعول له، أي: إنا زينا السماء الدنيا تحسينًا لها وحفظًا، وأن يكون في موضع الحال عطفًا على آخر مثله محذوف، أي: إنا زينا السماء الدنيا محسنين لها وحافظين إياها من السرقة، كقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ (٦).
стр. 3219
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾:
قوله : ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ﴾ ﴿إذ﴾ ظرف لـ ﴿صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ لا لـ ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ كما زعم بعضهم (١)، لأن الصاعقة أهلكتهم وقت تكذيبهم الرسل، فهي واقعة في ذلك الوقت، وإنذارُ رسولِ اللَّهِ ﷺ لم يقع في ذلك الوقت.
وقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ يجوز أن تكون (أن) هنا هي المفسرة بمعنى (أي) والقول مضمر، وقالوا لا تعبدوا إلا الله، وأن تكون المخففة من الثقيلة واسمها مضمر وهو ضمير الشأن والحديث، والمعنى: بأنه لا تعبدوا، أي: بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا، فهي في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته، وقيل: هي صلة.
وقوله: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾ مفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف، أي: لو شاء ربنا إرسال رسول لأنزل الملائكة من السماء. و ﴿قُوَّةً﴾: نصب على التمييز.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾:
стр. 3220
قوله : ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قرئ: بكسر الحاء وسكونها (١)، فمن قرأ بالكسر فعلى أنه اسم الفاعل من نَحِسَ يَنْحَسُ نَحْسًا فهو نَحِسٌ، كفرِق، وحذِر، نقيضُ سَعِدَ، ومن قرأ بالسكون فعلى أنه مخفف منه، أو على أنه مصدر وصف به، والدليل على أنه مصدر وصف به قوله جل ذكره: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ (٢) بالإضافة، ولو كان صفة لم يُضفِ اليومُ إليه، لأن الصفة لا يضاف إليها الموصوف. وقيل: هو صفة على فَعْلٍ، وإذا كان صفة فلا يجوز تحريك عينها في الجمع في حال السعة والاختيار، كما لم يجز في نحو: عَبْلات وَصَعْبَاتٌ وشبههما من الصفات (٣).
وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾ الجمهور على رفع ﴿ثَمُودُ﴾ على الابتداء لوقوعه بعد حرف الابتداء، والخبر ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، وقرئ: بالنصب (٤)، على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر. وعلى تركِ صرفِهِ، وقرئ: بالصرف (٥)، ووجه كليها ظاهر.
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا
стр. 3221
جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ (يوم) هنا يجوز أن يكون مفعولًا به على: وليذكروا يومَ، وأن يكون ظرفًا لمحذوف دل عليه قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يجمع أعداء الله، ولا يجوز أن يكون معمول قوله: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) كما زعم بعضهم، لأن تنجية المذكورين في الدنيا، والحشر في الآخرة.
وقرئ: (يُحْشَرُ) على البناء للمفعولط لقوله: (يوزعون)، و (نَحْشُرُ) بالنون (٢)، لقوله: (ونجينا)، و (يَحْشُرُ) بالياء على البناء للفاعل (٣)، وهو الله جل ذكره.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ (ما) صلة للتأكيد، قيل: ومعنى التأكيد فيها أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم (٤). ﴿إِذَا﴾ معمول ﴿شَهِدَ﴾.
وقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ نصب على المصدر لا على الظرف كما زعم بعضهم، كأنه قيل: أول خَلْقَةٍ.
وقوله: و ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ في موضع نصب لعدم الجار، أي: عن أن يشهد، أو من أن يشهد، أو جر على إرادته ولا بد من تقدير هذا لأن استتر لا يتعدى بنفسه. وقيل: التقدير: وما كنتم تستترون مخافة أن يشهد، فحذف المضاف (٥).
стр. 3222
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ (ذلكم) رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: ﴿ظَنُّكُمُ﴾، و ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ صفة للخبر، و ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر بعد خبر، أو حال وقد معه مرادة، أي: مُرْدِيًا إياكم. والثاني: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ هو الخبر، و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من (ذلكم).
وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ الجمهور على فتح الياء وكسر التاء الثانية. ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ على فتح التاء، والمعنى: وإن لم يصبروا بأن استعتبوا، أي: طلبوا العتبى، وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون بإزالة المكروه، لم يُعتبوا، لم يجابوا إلى ذلك.
وقرئ: (وإن يُستعتَبوا) بضم الياء وفتح التاء الثانية على البناء للمفعول (فما هم من المعتِبين) بكسر التاء على البناء للفاعل (١)، على معنى: أنهم لو استُعتِبوا لما أَعتَبوا، أي: إن سئلوا أن يُرضوا ربهم فما هم فاعلون؟ أي: لا سبيل لهم إلى ذلك، كما تقول: لو استُعطِفوا لما عَطَفوا، لأنه لا غناء عندهم، ولا خير فيهم فيجيبوا إلى جميل (٢).
وقوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في موضع الحال من الهاء والميم، أي: كائنين، أو مستقرين في جملة أمم.
стр. 3223
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الجمهور على فتح الغين، وقرئ: (والغُوا) بضمها (١)، يقال: لَغِيَ يَلْغَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، ولَغَا يَلْغُو بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر، لغتان بمعنىً، واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢).
وقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي﴾ أي: بأسوأ الذي، فحذف الجار، أو جزاء أسوأ الذي، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ (ذلك) مبتدأ، خبره: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾. أي: ذلك الجزاء جزاء أعداد الله، و ﴿النَّارُ﴾، يجوز أن يكون بدلًا من المبتدأ أو من الخبر، وأن يكون عطف ييان للجزاء، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو النار، والجملة فى موضع البيان للجملة الأولى، وأن يكون مبتدأ، و ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ الخبر، وتقف على هذا على ﴿أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿جَزَاءُ﴾ مصدر مؤكد لفعله، ودل على فعله قوله: ﴿لَهُمْ
стр. 3224
فِيهَا﴾، أي: يُجزون جزاءً، ويجوز أن يكون مفعولًا له، أي: للجزاء، وأن يكون في موضع الحال، أي: مَجزيين أو مَجزيةً، فاعرفه فإنه موضع.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ يجوز أن تكون (أن) هي المفسره بمعنى أي، وأن تكون المخففة من الثقيلة، أي: بأنه لا تخافوا، والضمير ضمير الشأن، وأن تكون صلةً، أي: قائلين لا تخافوا، تعضده قراءة من قرأ: (لا تخافوا) بحذف (أن) وهو ابن مسعود ﵁ (١).
وقوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: جَمْعُ نَازِلٍ، كَشُرُفٍ في جمع شارِفٍ. والثاني: هو مصدر. والثالث: هو ما يُهيأ للضيف. فإن جعلته جمع نازل كان منصوبًا على الحال، إما من الضمير المرفوع في ﴿تَدَّعُونَ﴾، أو من المجرور في (لكم)، والعامل فيها على هذا الوجه الاستقرار، وإن جعلته مصدرًا فيحتمل أن يكون في موضع الحال من أحد المذكورين، بمعنى: نازلين، كقولك: أتاني زيد مشيًا، أي: ماشيًا أو ذوي نزل. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله دل عليه (لكم)، كأنه قيل: أُنزل لكم ما تدعون نُزلًا. وأن يكون بمعنى المرزوق، فيكون حالًا، إما من الموصول على رأي أبي الحسن وهو ﴿مَا﴾ والعامل (لكم)، أو من العائد المحذوف، أي: لكم الذي تدعونه مهيأً، أو معدًا، وكذلك إن جعلته رِزْقَ النزيل وهو الضيف، كان حالًا من أحد المذكورين آنفًا، فاعرفه.
стр. 3225
وقوله: ﴿مِنْ غَفُورٍ﴾ يجوز أن يكون في موضع الصفة لنزل، فيكون من صلة محذوف، وأن يكون من صلة ﴿تَدَّعُونَ﴾، هذا إذا جعلته جمع نازل، وحالًا من الضمير المرفوع في ﴿تَدَّعُونَ﴾، لأن كليهما -أعني الحال والجار - في الصلة، ولا يجوز ذلك إذا جعلت الحال من قوله: (لكم)، لأن حال المجرور قد فَصلَ بينهما -أعني بين العامل وهو ﴿تَدَّعُونَ﴾ وبين المعمول وهو ﴿مِنْ غَفُورٍ﴾ - ومُنع أن يكون من صلة قوله: (لكم)، لأنه قد عمل في الظرف وهو ﴿فِيهَا﴾، فلا يعمل في ظرف آخر، وإن جعلت ﴿نُزُلًا﴾ مصدرًا كان ﴿غَفُورٍ﴾ من صلته، ولك أن تجعل ﴿مِنْ غَفُورٍ﴾ في موضع الحال، وفي موضع الصفة أيضًا لنزل إذا جعلته بمعنى الرزق.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ (مَن) استفهامية، و ﴿قَوْلًا﴾ تمييز.
وقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ﴾ (إذا) للمفاجأة, و ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، ونهاية صلته ﴿عَدَاوَةٌ﴾، وفي خبره وجهان:
أحدهما: (إذا) المذكورة المكانية، و ﴿كَأَنَّهُ﴾ في موضع نصب على الحال من الموصول، كأنه قيل: فبالحضرة من يعاديك مُشْبِهًا الوليّ، والفائدة منوطةٌ بالحال.
والثاني: ﴿كَأَنَّهُ﴾ مع ما اتصل به هو الخبر، وإذا ظرف لمعنى التشبيه، والظروف تعمل فيها رائحة الفعل تقدمت على العامل أو تأخرت.