← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ (يوم) هنا يجوز أن يكون مفعولًا به على: وليذكروا يومَ، وأن يكون ظرفًا لمحذوف دل عليه قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يجمع أعداء الله، ولا يجوز أن يكون معمول قوله: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) كما زعم بعضهم، لأن تنجية المذكورين في الدنيا، والحشر في الآخرة. وقرئ: (يُحْشَرُ) على البناء للمفعولط لقوله: (يوزعون)، و (نَحْشُرُ) بالنون (٢)، لقوله: (ونجينا)، و (يَحْشُرُ) بالياء على البناء للفاعل (٣)، وهو الله جل ذكره. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ (ما) صلة للتأكيد، قيل: ومعنى التأكيد فيها أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم (٤). ﴿إِذَا﴾ معمول ﴿شَهِدَ﴾. وقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ نصب على المصدر لا على الظرف كما زعم بعضهم، كأنه قيل: أول خَلْقَةٍ. وقوله: و ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ في موضع نصب لعدم الجار، أي: عن أن يشهد، أو من أن يشهد، أو جر على إرادته ولا بد من تقدير هذا لأن استتر لا يتعدى بنفسه. وقيل: التقدير: وما كنتم تستترون مخافة أن يشهد، فحذف المضاف (٥).

стр. 3222

﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ (ذلكم) رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان: أحدهما: ﴿ظَنُّكُمُ﴾، و ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ صفة للخبر، و ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر بعد خبر، أو حال وقد معه مرادة، أي: مُرْدِيًا إياكم. والثاني: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ هو الخبر، و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من (ذلكم). وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ الجمهور على فتح الياء وكسر التاء الثانية. ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ على فتح التاء، والمعنى: وإن لم يصبروا بأن استعتبوا، أي: طلبوا العتبى، وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون بإزالة المكروه، لم يُعتبوا، لم يجابوا إلى ذلك. وقرئ: (وإن يُستعتَبوا) بضم الياء وفتح التاء الثانية على البناء للمفعول (فما هم من المعتِبين) بكسر التاء على البناء للفاعل (١)، على معنى: أنهم لو استُعتِبوا لما أَعتَبوا، أي: إن سئلوا أن يُرضوا ربهم فما هم فاعلون؟ أي: لا سبيل لهم إلى ذلك، كما تقول: لو استُعطِفوا لما عَطَفوا، لأنه لا غناء عندهم، ولا خير فيهم فيجيبوا إلى جميل (٢). وقوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في موضع الحال من الهاء والميم، أي: كائنين، أو مستقرين في جملة أمم.

стр. 3223

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾: قوله : ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الجمهور على فتح الغين، وقرئ: (والغُوا) بضمها (١)، يقال: لَغِيَ يَلْغَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، ولَغَا يَلْغُو بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر، لغتان بمعنىً، واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢). وقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي﴾ أي: بأسوأ الذي، فحذف الجار، أو جزاء أسوأ الذي، فحذف المضاف. وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ (ذلك) مبتدأ، خبره: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾. أي: ذلك الجزاء جزاء أعداد الله، و ﴿النَّارُ﴾، يجوز أن يكون بدلًا من المبتدأ أو من الخبر، وأن يكون عطف ييان للجزاء، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو النار، والجملة فى موضع البيان للجملة الأولى، وأن يكون مبتدأ، و ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ الخبر، وتقف على هذا على ﴿أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿جَزَاءُ﴾ مصدر مؤكد لفعله، ودل على فعله قوله: ﴿لَهُمْ

стр. 3224

فِيهَا﴾، أي: يُجزون جزاءً، ويجوز أن يكون مفعولًا له، أي: للجزاء، وأن يكون في موضع الحال، أي: مَجزيين أو مَجزيةً، فاعرفه فإنه موضع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾: قوله : ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ يجوز أن تكون (أن) هي المفسره بمعنى أي، وأن تكون المخففة من الثقيلة، أي: بأنه لا تخافوا، والضمير ضمير الشأن، وأن تكون صلةً، أي: قائلين لا تخافوا، تعضده قراءة من قرأ: (لا تخافوا) بحذف (أن) وهو ابن مسعود ﵁ (١). وقوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: جَمْعُ نَازِلٍ، كَشُرُفٍ في جمع شارِفٍ. والثاني: هو مصدر. والثالث: هو ما يُهيأ للضيف. فإن جعلته جمع نازل كان منصوبًا على الحال، إما من الضمير المرفوع في ﴿تَدَّعُونَ﴾، أو من المجرور في (لكم)، والعامل فيها على هذا الوجه الاستقرار، وإن جعلته مصدرًا فيحتمل أن يكون في موضع الحال من أحد المذكورين، بمعنى: نازلين، كقولك: أتاني زيد مشيًا، أي: ماشيًا أو ذوي نزل. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله دل عليه (لكم)، كأنه قيل: أُنزل لكم ما تدعون نُزلًا. وأن يكون بمعنى المرزوق، فيكون حالًا، إما من الموصول على رأي أبي الحسن وهو ﴿مَا﴾ والعامل (لكم)، أو من العائد المحذوف، أي: لكم الذي تدعونه مهيأً، أو معدًا، وكذلك إن جعلته رِزْقَ النزيل وهو الضيف، كان حالًا من أحد المذكورين آنفًا، فاعرفه.

стр. 3225

وقوله: ﴿مِنْ غَفُورٍ﴾ يجوز أن يكون في موضع الصفة لنزل، فيكون من صلة محذوف، وأن يكون من صلة ﴿تَدَّعُونَ﴾، هذا إذا جعلته جمع نازل، وحالًا من الضمير المرفوع في ﴿تَدَّعُونَ﴾، لأن كليهما -أعني الحال والجار - في الصلة، ولا يجوز ذلك إذا جعلت الحال من قوله: (لكم)، لأن حال المجرور قد فَصلَ بينهما -أعني بين العامل وهو ﴿تَدَّعُونَ﴾ وبين المعمول وهو ﴿مِنْ غَفُورٍ﴾ - ومُنع أن يكون من صلة قوله: (لكم)، لأنه قد عمل في الظرف وهو ﴿فِيهَا﴾، فلا يعمل في ظرف آخر، وإن جعلت ﴿نُزُلًا﴾ مصدرًا كان ﴿غَفُورٍ﴾ من صلته، ولك أن تجعل ﴿مِنْ غَفُورٍ﴾ في موضع الحال، وفي موضع الصفة أيضًا لنزل إذا جعلته بمعنى الرزق. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ (مَن) استفهامية، و ﴿قَوْلًا﴾ تمييز. وقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ﴾ (إذا) للمفاجأة, و ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، ونهاية صلته ﴿عَدَاوَةٌ﴾، وفي خبره وجهان: أحدهما: (إذا) المذكورة المكانية، و ﴿كَأَنَّهُ﴾ في موضع نصب على الحال من الموصول، كأنه قيل: فبالحضرة من يعاديك مُشْبِهًا الوليّ، والفائدة منوطةٌ بالحال. والثاني: ﴿كَأَنَّهُ﴾ مع ما اتصل به هو الخبر، وإذا ظرف لمعنى التشبيه، والظروف تعمل فيها رائحة الفعل تقدمت على العامل أو تأخرت.

стр. 3226

وقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ الضمير للخصلة، أو للخليقة، أو للسجِيَّة، أو للمجازاة، وهي دفع السيئة بالحسنة، أو للفعلة. وقيل: للجنة (١)، على معنى: وما يُلَقَّى الجنةَ إلا من صبر على الطاعة. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾: قوله : ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ اختلف في الضمير في ﴿خَلَقَهُنَّ﴾، فقيل: للآيات (٢)، وهي الليلُ، والنهارُ، والقمرُ، والشمسُ. وقيل: لليل، والنهار، والشمس، والقمر (٣)، وأُنْكِرَ ذلك من قِبَلِ أن المؤنث والمذكر إذا اجتمعا كانت الغلبة للتذكير (٤). نحو: زيد والهندات خرجوا، فأجيب عنه: بأنه ليس بجمع العقلاء، فهو يجري مجرى التأنيث، كقولهم: الجذوع انكسرنَ، والأقلام بريتهنَّ. وقيل: للشمس والقمر، لأن الاثنين جمع (٥). وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ الواو للحال. و ﴿خَاشِعَةً﴾ حال، لأن الرؤية من رؤية البصر.

стр. 3227

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾: قوله : ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ (أم) هنا متصلة، والمعنى أيهما، ولا يجوز الوقف على قوله: ﴿خَيْرٌ﴾ كما زعم من لا معرفة له بكلام القوم، لما ذُكِرَ من أن (أم) متصلة، و ﴿آمِنًا﴾ حال من المنوي في ﴿يَأْتِي﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ اختلف في خبر ﴿إِنَّ﴾، فقيل: محذوف، أي: مجازون بكفرهم، أو هلكوا بكفرهم (١). وقيل: ﴿يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٢) هي الخبر. وقيل: هو بدل من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ (٣). ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾: قوله ﴿قُرْآنًا﴾ مفعول ثان. ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ارتفع كل واحد

стр. 3228

منهما بأنه خبر مبتدأ، أي: المنزل أعجمي، والمنزل عليه عربي، والهمزة همزة الإنكار. ولك أن ترفع كل واحد منهما بفعل مضمر، أي: أيتفق قرآنٌ أعجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ، أو مرسل إليه عربي؟ والأعجمي: الذي لا يُفْصِحُ ولا يُفْهَمُ كلامُهُ، من العرب كان أو من العجم، ومنه زياد الأعجم (١)، سمي بذلك لآفة كانت في لسانه، وكان عربيًا. والعَجَمِيُّ منسوب إلى أمة العَجَمِ فصيحًا كان أو غير فصيح. وقرئ: (آعْجَمِيٌّ) على الاستفهام (٢). و: (أعْجَمِيٌّ) على الإخبار (٣)، على معنى: لولا فصلت آياته فكان منها عربي تفهمه العرب، وأعجمي تفهمه العجم. وقرئ أيضًا: (أَعَجَمِيٌّ) بهمزة واحدة وفتح العين (٤)، على أنه منسوب إلى العَجَمِ، والعَجَمُ خلاف العرب، ويقال: العَجَمُ والعُجْمُ، كما يقال: العَرَبُ والعُرْبُ، والعجميُّ خلاف العربِيُّ، وهو منسوب إلى أُمة العجم، كما أن العربي منسوبٌ إلى أمة العرب. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ الجمهور على فتح ميم ﴿عَمًى﴾، وهو مصدر عَمِيَ يَعْمَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر عَمىً، كصَدِيَ

стр. 3229

يَصدَى صَدًى، وقرئ: (عَمٍ) بكسر الميم (١)، وهو اسم الفاعل، و (عَمِيَ) وهو فعل ماض (٢)، كقوله: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ (٣). وكذا على قول من قرأ: (عَمٍ)، وأما على قراءة الجمهور: فـ (على) من صلة محذوف دل عليه هذا الظاهر، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، فاعرفه. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾: قوله : ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه عمل ذلك العمل الصالح، ثم حذف لدلالة الأول عليه، ولك أن تجعله خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو لنفسه. وقوله: ﴿بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: قيل: إنما جاء ﴿بِظَلَّامٍ﴾ على لفظ المبالغة والكثرة لجمع العبيد، فلمًا كان في العبيد معنى الكثرة أتى بظَلَّام على لفظ الكثرة (٤). وقوله: (وما تخرج من ثمرة من أكمامها) (٥) (من ثمرة) صلة لعموم النفي، وكذا ﴿مِنْ أُنْثَى﴾.

стр. 3230

وقرئ: (من ثمراتٍ) بالجمع، إذ المراد جميع الثمرات، وبالإفراد (١)، إذ المراد بالثمرة الجنس، فيُستغنى به عن الجمع، ويعضده: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾. وواحد الأَكْمام: كِمٌّ بالكسر، وهو وِعَاءُ الثَّمَرةٍ. و (ما) في قوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ﴾ و ﴿وَمَا تَحْمِلُ﴾ كلاهما للنفي. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ ظرف لقولهم (٢): ﴿قَالُوا﴾. وقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ أي: على زعمكم، فحُذف للعلم به. وقوله: ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ في موضع نصب بحق المفعول الثاني لآذَنَ. وقوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (الظَّنُّ) هنا بمعنى اليقين عند الجمهور، و ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ متعلق به، فلا يوقف على ﴿وَظَنُّوا﴾، وعن أبي حاتم: هو بمعنى الكذب، أي قالوا: آذناك ما منا من شهيد وكذبوا في قولهم، فيوقف على قوله على ﴿وَظَنُّوا﴾، ولا محل لما بعده (٣). وقد جَوَّزَ بعضهم الوقوف على ﴿وَظَنُّوا﴾ على حذف المفعولين، على معنى: وضل عنهم ما كانوا يعبدونهم (٤) وظنوا أنهم آلهة، ثم استأنف فقال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾، والمحيص: المهرب. ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ

стр. 3231

قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾: قصله : ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: من دعائه الخير، فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى المفعول. وقوله: ﴿فَيَئُوسٌ﴾ في الفاء جواب الشرط وهو ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾، والمبتدأ مضمر بعد الفاء، أي: فهو يئوس، وقد أوضحت سبب ذلك فيما سلف من الكتاب. وقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب القسم، وقد سد جواب الشرط، و (إنَّ) في ﴿إِنَّ لِي﴾ جواب القسم أيضًا. وقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ ابتداء وخبر، و (مَن) استفهامية. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾: قوله : ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ محل (أَنَّ) الرفع على الفاعلية، [وفعلها ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، أي: حتى يتبين لهم كونه حقًا] (١). والضمير فى ﴿أَنَّهُ﴾ لله جل ذكره. أو للقرآن. وقيل: لرسول الله ﷺ . وقيل: للدين (٢).

стр. 3232

وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ محل ﴿بِرَبِّكَ﴾ الرفع على أنه فاعل كفى، والباء صلة، والمفعول محذوف، والتقدير أو لم يَكْفِكَ رَبُّكَ، و ﴿أَنَّهُ﴾ بدل من ربِّك، أي: لو لم يَكْفِكَ أن ربك على كل شيء شهيد، فمحل (أنَّ) إما الرفع على الموضع، وإما الجر على اللفظ، وقد جُوِّزَ أن يكون في موضع نصب أو جر على تقدير اللام أو الباء (١). وقيل: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في موضع نصب على أنه مفعول كفى، والتقدير: أولم يكف ربَّك شهادتُه (٢)، والوجه هو الأول، وعليه الأكثر. وقوله: ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ الجمهور على كسر الميم، وقرئ: (في مُريَةٍ) بضمها (٣)، وهما لغتان بمعنى، والمريةُ: الشك، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة (حم) السجدة والحمد لله وحده

стр. 3233

إعراب سُورَةُ الشُّورَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾: قوله : ﴿كَذَلِكَ يُوحِي﴾ قرئ: بضم الياء وكسر الحاء على البناء للفاعل (١)، وفاعله ﴿اللَّهُ﴾ جل ذكره، و ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان له، ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: وحيًا مثل ذلك الوحي يوحي الله إليك. وقرئ: (يُوحَى إليك) بفتح الحاء على البناء للمفعول (٢)، والقائم مقام الفاعل إما الجار والمجرور، أو المنوي فيه الراجع إلى السورة على ما ورد في التفسير أن هذه السورة قد أُوحي إلى الأنبياء قبلُ، أي: يُوحَى إليك السورة كما أوحي إلى الذين من قبلك (٣). واسم الله تعالى على هذه القراءة مرفوع إما بفعل مضمر دل عليه (يوحَى)، كأن قائلًا قال: من يوحِي؟ فقيل: الله، أي: يوحيه الله، كقوله: يُسَبَّحُ ﴿لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾

стр. 3234

على قراءة ابن عامر وأبي بكر (١). أو بالابتداء، وخبره إما محذوف، أي: الله يوحيه، أو بالعكس، أي: الموحِي اللهُ، وإما ﴿الْعَزِيزُ﴾ وما بعده خبر أيضًا بعد خبر. أو ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ نعتان له، والخبر الظرف، وهو ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾: قوله : ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: ينزهون الله عن ما لا يليق به حامدين له، والباء للحال. وقيل: يسبحون ربهم بالحمد، أي: تسبيحهم الحمد لله، فيكون الباء على هذا من صلة ﴿يُسَبِّحُونَ﴾. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا﴾ الكاف في موضع نصب لكونه صفة لمصدر محذوف، أي وحيًا مثل ذلك أوحيناه إليك، و ﴿قُرْآنًا﴾ حال من هذا المفعول المقدر، ولك أن تجعل ﴿قُرْآنًا﴾ هو المفعول به. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ من صلة ﴿أَوْحَيْنَا﴾، وفي الكلام حذف مضاف، أي: أوحينا إليك في حال كونه مجموعًا عربيًا لتنذر أهل أم القرى، فحذف المضاف. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: من العرب. وقيل: يعني جميع أهل الأرض، لأن الجميع حول مكة (٢).

стр. 3235

وقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ (يوم الجمع) يجوز أن يكون ظرفًا، أي: ولتنذرهم عذاب الله الكائن في يوم الجمع، وأن يكون مفعولًا به، كقوله: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ (١)، ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٢)، وهو الجيد؛ لأن الإنذار ليس هو فيه إنما في الدنيا. والجمهور على التاء في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ والفعل لرسول الله ﷺ ، وقرئ: (لينذر) بالياء النقط من تحته (٣)، والفعل للقرآن، ويقال: أَنذرتُ زيدًا الشيءَ، وأنذرته بالشيء: إذا خوفته به. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ حال من ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾، أي: غير مشكوك فيه، أي: لا شك في وقوعه، وقيل: هو اعتراض لا محل له (٤). وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ أي: منهم فريق في الجنة، ومنهم فريق في السعير، ويجوز في الكلام نصب ﴿فَرِيقٌ﴾ فيهما، والنصب على الحال منهم، أي: متفرقين، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (٥). وعن الكسائي، التقدير: لتنذر فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير يوم الجمع (٦). ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ

стр. 3236

الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾: قوله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ (ذلكم) مبتدأ، و ﴿اللَّهُ﴾ خبره، و ﴿رَبِّي﴾ نعت لله، و ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ خبر بعد خبر، أو ﴿اللَّهُ﴾ عطف بيان، أو بدل والخبر ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ﴾ خبر بعد خبر أيضًا، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو فاطر السموات، أو مبتدأ والخبر ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾. ويجوز في الكلام نصبه على النداء، وجره إما على النعت لله في قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وما بينهما اعتراض، أو على البدل من الهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾ (١). وقوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ اختلف في الضمير في (فيه)، فقيل: للجَعْل، دل عليه (جَعَلَ) (٢). وقيل: للتدبير (٣)، دل عليه فَحْوَى الكلام. وقيل: للوقت (٤)، دل عليه المعنى. وقيل: للرحم (٥). وقيل: للبطن (٦). وقيل: لمستقركم في الأرض (٧). وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الكاف صلة زيدت للتأكيد، أي: ليس مثله شيء، فـ ﴿شَيْءٌ﴾ اسم ليس، و (مثله) خبرها، ولا يجوز أن يكون

стр. 3237

بمعنى مثل، لأنك تثبت له مثل، ولا مثل له جل ذكره (١)، وقيل: المِثْلُ صلة، وتقديره: ليس كهو شيء (٢). وقيل: المِثْلُ بمعنى الذات (٣)، أي: ليس كذاته شيء، كقول الشاعر: ٥٦١ - يا عاذِلي دَعْني مِنْ عَذْلِكا ... مِثْلي لا يَقْبَلُ مِنْ مِثْلِكا (٤) أي: أنا لا أقبل منك. والمعنى: ليس مثلَ اللَّهِ شيءٌ. وقيل: المثل الصفة، أي: ليس كصفته صفة (٥). ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾: قوله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (من الدين)

стр. 3238

يجوز أن تكون من صلة ﴿شَرَعَ﴾، وأن تكون حالًا من مفعول ﴿شَرَعَ﴾ وهو ﴿مَا وَصَّى﴾. و ﴿مِنَ﴾ للتبيين، ويجوز أن تكون مزيدة على رأي أبي الحسن، فيكون ﴿الدِّينِ﴾ مفعول ﴿شَرَعَ﴾، ﴿مَا وَصَّى﴾ بدل منه. وقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ﴾ كلاهما: عطف على ﴿مَا وَصَّى بِهِ﴾. وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ يحتمل أوجهًا: أن يكون في موضع نصب على البدل من مفعول ﴿شَرَعَ﴾ والمعطوفَينِ عليه، كأنه قال: شرع لكم أن أقيموا الدين. وأن يكون في موضع رفع على الاستئناف، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو أن أقيموا الدين، أي: هو إقامة الدين، فيوقف على هذا على ﴿عِيسَى﴾. وأن يكون في موضع جَرٍّ على البدل من الضمير في ﴿بِهِ﴾، وهذا على قول من لم ينو بالأول الطرح لأجل ما يعود إلى الموصول. وتجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ هي المفسرة بمعنى (أي)، كقوله: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ (١) فتكون عارية عن المحل. وقيل: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف عليه، و ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ متصل بقوله: ﴿وَصَّيْنَا﴾، أي: وصينا بأن أقيموا الدين. وقوله: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مفعول له، أي: للبغي. وقيل: ﴿بَغْيًا﴾، أي: ابتغاءً للدنيا وطلبًا للملك (٢)، فاعرفه فإنه موضع.

стр. 3239

﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ﴾ مبتدأ، ونهاية صلته [له]، و ﴿حُجَّتُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿دَاحِضَةٌ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول. وقيل: : ﴿حُجَّتُهُمْ﴾ بدل عن ﴿الَّذِينَ﴾، وهو بدل الاشتمال، و ﴿دَاحِضَةٌ﴾ هو الخبر (١). والضمير في قوله: ﴿لَهُ﴾: يعود إلى الله جل ذكره، أو إلى رسوله ﷺ (٢). ومعنى قوله: ﴿دَاحِضَةٌ﴾: باطلة زائلة، من دَحَضتْ رجله، إذا زَلَّتْ. وقوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ قال صاحب الكتاب رحمه الله تعالى: إنما لم يقل (قريبة)، لأن المراد ذات قريبِ، يعني على النسب (٣). وقال غيره: إنما لم يقل قريبة لأن ما كان على فعيل فإنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع (٤)، لأنها ليست على لفظ الفاعل، وفيها معنى

стр. 3240

المبالغة، فهي كالأسماء التي لم تؤخذ من الأفعال. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾: قوله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ في ﴿أَمْ﴾ وجهان، أحدهما: هي المنقطعة، والثاني: هي المتصلة، وما اتصل بها مضمر، والتقدير: أيقبلون ما شرع الله من الدّبن أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ و ﴿لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: لم يأمر به. وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الجمهور على كسر (إنَّ) على الاستئناف، وقرئ: (وأن الظالمين) بالفتح (١)، عطفًا على ﴿كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ والتقدير: ولولا كلمة الفصل وتقدير تعذيب الظالمين في الآخرة لقضي بينهم في الدنيا، والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب (لولا) الذي هو قوله: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ سائغ في كلام القوم نظمهم ونثرهم، وقد جوز أبو الفتح فيه وجهًا آخر وهو: أنْ تكون مرفوعة بفعل مضمر، حتى كأنه قال: ووجب، أو وَحَقَّ أن الظالمين لهم عذاب أليم، تؤنسك بانقطاعه عن الأول إلى هنا قراءة الجماعة: ﴿وَإِن﴾ بالكسر، فهذا استئناف كما ترى لا محالة. انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾

стр. 3241

انتصاب ﴿مُشْفِقِينَ﴾ على الحال، لأن الرؤية هنا من رؤية البصر، أي: خائفين وجلين من جزاء كسبهم، فحذف المضاف. ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: الجزاء لاحق بهم، وواصل إليهم، أشفقوا أو لم يشفقوا. وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (عند) ظرف للظرف وهو ﴿لَهُمْ﴾، أي: حصل لهم عند ربهم ما يشاؤون، لا لقوله: ﴿يَشَاءُونَ﴾ كما زعم بعضهم (١). ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ (ذلك) مبتدأ، والإشارة إلى ما أخبر به جل ذكره فما أَعَدَّهُ وَهَيَّأَهُ لعباده المؤمنين، و ﴿الَّذِي﴾ خبره، والتقدير: ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا، فحذف الجار وهو الباء كقوله: ٥٦٢ - أمرتك الخير ................ ... ............ (٢) ثم حذف الهاء وهو الراجع إلى الموصول، كما حذف في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٣). وإن شئت كان حكم ﴿الَّذِي﴾ حكم ما يكون مصدرًا، أي: ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده الذين آمنوا. وقرئ: (يَبْشُرُ) بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين (٤) من بَشَرَهُ،

стр. 3242

و (يُبَشِّرُ) بضم الياء وفحح الباء وتشديد الشين مع كسرها (١) من بَشَّرَهُ. و (يُبشِر) بضم الياء وإسكان الباء وكسر الشين (٢)، من أَبْشَرَهُ، لغاتٌ بمعنىً، كلها متعدٍ، لأن بَشَّرَ منقول من بشر بتضمعيف العين، وأبْشَرَ منقول منه بهمزة النقل كما زعم بعضهم، لأن بَشَرَ بالتخفيف متعد، وليس لنا فعل متعد إلى مفعول واحد فينقل بأحد المذكورين وهو على أصله يتعدى إلى مفعول واحد كما كان قبل النقل (٣). وقوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ في الاستثناء وجهان: أحدهما: منقطع بمعنى لكن، والمعنى: لا أسألكم عليه أجرًا لكن أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم. والثاني: متصل، أي: لا أسألكم شيئًا إلا هذا، وهو أن تودوا قرابتي، و ﴿فِي﴾ على بابها، جُعلوا مكانًا للمودة ومقرًا لها، كقولك: لي في آل فلان مودة، ولي فيهم هوىً، قاله الزمخشري، ثم قال: وليست ﴿فِي﴾ بصلة للمودة كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتة في القربى متمكنة فيها، والقربى مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى القرابة، والمراد: في أهل القربى، انتهى كلامه (٤). وقوله: ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ الجمهور عنى تنوين قوله: ﴿حُسْنًا﴾ أي: إحسانًا، وقرئ: (حُسْنَى) (٥) وهو مصدر كالرجْعَى والبُشْرَى.

стр. 3243

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾: قوله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في ﴿أَمْ﴾ وجهان: أحدهما: هي المنقطعة. والثاني: هي المتصلة، وهي المعادلة لهمزة الاستفهام وهي محذوفة، والتقدير: أيقبلون ما دعوتهم إليه من صلة رحمك، ويقرون بأن القرآن كلام الله، أم يقولون افترى على الله كذبًا، وليس هو من عند الله؟ وقوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ هذا هو الوقوف، لأن الذي بعده منقطع مستأنف، وهو قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾، وليس بمجزومٍ بالعطف على ما قبله، (ويمحو) بالواو، وإنما حذفت في الإمام مصحف عثمان ﵁ كما حذفت في قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ (١) وقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (٢) وهي في حكم الثبات لأنها سقطت من اللفظ لالتقاء الساكنين، وقد حكي أنها مثبتة في بعض المصاحف، فاعرفه (٣). وقوله: (ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ) قرئ بالياء النقط من تحته لقربه من ذكر العباد

стр. 3244

قبله، وبالتاء على الخطاب (١)، ويدخل فيه الغُيَّبُ فهو أعم. وقوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون الفعل مسندًا إلى الله جل ذكره، على: ويستجيب الله دعاء الذين آمنوا إذا دعوه، فحذف المضاف. وقيل: يجيبهم إلى ما يسألونه، واستجاب وأجاب بمعنىً، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢). وقيل: التقدير: ويستجيب للذين آمنوا، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ (٣) أي: كالوا لهم (٤). وأن يكون مسندًا إلى ﴿الَّذِينَ﴾، على معنى: يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها، وقد صرح ابن جبير (٥) فيما روي عنه فقال: هذا من فعلهم يجيبونه إذا دعاهم (٦). ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾ قوله : ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ (ما) موصولة، ومحلها إما الرفع

стр. 3245

عطفًا على المضاف وهو ﴿خَلْقُ﴾، أو الجر عطفًا على المضاف إليه. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (وهو) مبتدأ و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبره، و ﴿عَلَى﴾ من صلة الخبر، و ﴿إِذَا﴾ معمول ﴿جَمْعِهِمْ﴾ لا معمول ﴿قَدِيرٌ﴾ لفساد المعنى، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى. وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ قرئ: (فبما) بإثبات الفاء (١)، على أن (ما) في موضع جزم، والفاء وما اتصل بها جواب الشرط، والمراد بالفعلين الاستقبال. وقرئ: (بما) بغير الفاء (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: (ما) موصولة مبتدأة، و ﴿أَصَابَكُمْ﴾ صلتها، و ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ خبرها، وهي عارية عن تضمين معنى الشرط، والتقدير: والذي أصابكم من مصيبة واقع بما كسبت أيديكم، والآية مخصوصة على هذا الوجه، وإذا كانت (ما) شرطية كانت عامة في كل مصيبة. والثاني: (ما) شرطية، والفاء محذوفة في اللفظ، مرادة في المعنى، كقول الشاعر: ٥٦٣ - مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها ... ................... (٣) أي: فالله يشكرها، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وفي مصاحف أهل المدنية (٤) بغير فاء، وفيما عداها بالفاء (٥).

стр. 3246

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)﴾: قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ﴾ (في البحر) يجوز أن يكون من صلة (الجواري)، وأن يكون حالًا منها على رأي أبي الحسن، أو من المنوي في الظرف على رأي صاحب الكتاب، أو من المنوي في (الجواري) على المذهبين. وأما قوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ ففي موضع نصب على الحال ليس إلا من أحد المذكورات، أو من المستكن في ﴿الْبَحْرِ﴾ إن جعلته حالًا في موضع رفع على النعت للجواري كما زعم بعضهم، لأن الجواري معرفة، والكاف نكرة، لأنها بمعنى مثل، ومثل لا يكون إلا نكرة، ولا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف. وواحد الجواري جارية، وهي السفينة، سميت بذلك لجريانها في البحر، وواحد الأعلام: عَلَمٌ وهو الجبل، قالت الخنساء (١): ٥٦٤ - .............. ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نَارُ (٢) وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ (يسكن) جواب الشرط، ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ عطف على الجواب. وكذا ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾، ﴿وَيَعْفُ﴾ على قراءة

стр. 3247

الجمهور، وأما ما روي من أن بعضهم قرأ: (ويعفو) بالواو (١)، فعلى الاستئناف. والجمهور على فتح لام ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾، وقرئ: (فَيَظْلِلْنَ) بكسر اللام (٢)، وهما لغتان، يقال: ظَلِلْتُ أَظَلّ، وظَلَلْتُ أظِل، غير أن فتح اللام هي اللغة المشهورة، كذا قاله أبو الفتح (٣). و﴿رَوَاكِدَ﴾ خبر ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾، أي: فتظل السفن رواكد، أي سواكن ثوابت واقفات على ظهره، أي على ظهر البحر، ومعنى ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: أو يهلكهن، والإيباق: الإهلاك. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ الفعل مسند إلى ﴿الَّذِينَ﴾، أي: ويعلم الكفار الذين يجادلون رسول الله ﷺ وأتباعه في القرآن ويكذبونهم أن لا محيص لهم عن عقاب الله إذا عاقبهم. وقرئ: (ويعلمَ) بالنصب والرفع، وعليهما الجمهور (٤). وقرئ: (ويعلمِ) بالكسر، على أنه مجزوم (٥)، وإنما كسر لالتقاء الساكنين. أما النصب: فعلى إضمار (أن)، لأن ما قبله غير موجب، وذلك أنَّ ما قبله شرط وجزاء، وكل واحد منهما غير موجب، والنصب بعد الشرط إذا

стр. 3248

عطف عليه أحسن من النصب بعد الجواب، فقولك: إن تأتني فتعطيَني أكرمْك، على معنى: إن يكن إتيان منك فإعطاء أُكرمْك، أحسن من قولك: إن تأتني أكرمْك فتعطيَني، وهما جائزان، وهذا إذا كان العاطف فاءً، وأما إذا كان واوًا فلا فرق لعدم الترتيب، فاعرفه. وأهل الكوفة يسمونه الصَّرْف، أي: صُرِف عن إعراب ما قبله، والمعطوف على المجزوم إذا صرف عنه نُصب (١). وقيل: المنصوب معطوف على تعليل محذوف، والتقدير: لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون (٢). وأما الرفع: فعلى الاستئناف، لأنه موضع استئناف من حيث أتى بعد شرط وجزاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف. وأما الجزم: فعلى المجزوم، قيل: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمورٍ، هلاكِ قومٍ، ونجاةِ قومِ، وتحذيرِ آخرين (٣). ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾: قوله : ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (ما) الأولى شرطية، فلذلك دخلت الفاء في جوابها، أي: فهو متاع لكم في

стр. 3249

الحياة الدنيا، بخلاف الثانية وهي (ما عند الله). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ في موضع جر عطفًا على ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك ما بعده عطف الصفة على الصفة، كما تقول: أتاني زيد الكريم والعالم، فالذات واحدة، والعطف إنما حصل في الصفة، والمعنى المذكور للذين جمعوا الإيمان والتوكل، واجتناب الكبائر، واستجابة ربهم، أي: إجابته إلى ما دعاهم إليه من توحيده وطاعته. وقرئ: ﴿كَبَائِرَ﴾ بالجمع (١)، أي: الكبائر من هذا الجنس، واحدتها كبيرة. و (كبير الإثم) بالتوحيد (٢)، والمراد به الجمع أيضًا، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٣). وقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (ما) صلة، و ﴿هُمْ﴾ يجوز أن يكون توكيدًا للضمير في ﴿غَضِبُوا﴾، و ﴿يَغْفِرُونَ﴾ جواب (إذا)، وأن يكون مبتدأ، و ﴿يَغْفِرُونَ﴾ خبره، والجملة جواب (إذا). وقيل: الفاء مضمرة، والتقدير: فهم (٤). وقيل: ﴿هُمْ﴾ مرفوع بمضمر تقديره: غفروا، ثم حذف لدلالة ﴿يَغْفِرُونَ﴾ عليه (٥). وهو من التعسف. ومثله: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ في جميع ما ذكر، ولك أن تجعل ﴿هُمْ﴾ نعتًا للمنصوب قبله، وهو الضمير في ﴿أَصَابَهُمْ﴾، و ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

стр. 3250

﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾: قوله : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ المصدر مضاف إلى المفعول به، ولم يذكر معه الفاعل، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (١) أي: بعد ظلم الظالم إياه. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: إشارة إلى معنى (مَن) دون لفظه. وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ اللام لام الابتداء، و (مَنْ) موصول مبتدأ، ونهاية صلته ﴿وَغَفَرَ﴾، والجملة التي بعده وهي ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ خبره، والراجع منها حُذِفَ لكونه مفهومًا، كما حذف من قولهم: السمن مَنَوانِ بدرهم (٢)، لذلك، والتقدير: إن ذلك منه، ولا يجوز أن تكون (مَن) شرطية، و ﴿صَبَرَ﴾ في موضع جزم بها، والجواب ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ وقد حذف الفاء كما زعم بعضهم (٣)، لأن الشرط بابه الإبهام، والآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ على ما فسر (٤). وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ﴾ (يعرضون) في موضع الحال، وكذا ﴿يَنْظُرُونَ﴾، لأن الرؤية من رؤية العين، وكذا ﴿يَقُولُونَ﴾، و ﴿خَاشِعِينَ﴾

стр. 3251

حال أيضًا، والظرف مصدر في الأصل ولهذا لم يجمع. وقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من صلة ﴿خَسِرُوا﴾ وقد جوز أن يكون من قول المؤمنين واقعًا في الدنيا، وأن يكون من صلة قال، أي: يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة (١). و ﴿يَنْصُرُونَهُمْ﴾ في موضع رفع، أو جر، كقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (غَيرِهِ) (٢). ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾: قوله : ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بقوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده. وأن يكون متصلًا بمحذوف على أنه صفة بعد صفة لـ ﴿يَوْمٌ﴾ كل، أي: يومٌ حاصلٌ أو كائن من الله لا مرد له. وأن يكون متصلًا بقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا يرده الله بعدما حكم به. و﴿حَفِيظًا﴾: حال، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ من صلته، أي: تحفظ عليهم أعمالهم، وتمنعهم من الكفر والمعاصي. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾: بعد قوله: ﴿فَرِحَ﴾ حمل على المعنى دون

стр. 3252

اللفظ، إذ المراد بالإنسان الجنس. وقوله: ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ حالان من الهاء والميم في ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾، على معنى: يَقْرِنُ الأولادَ مختلفين ذكرًا وإناثًا و﴿عَقِيمًا﴾: يجوز أن يكون مفعولًا به ثانيًا.، وأن يكون حالًا على أن تجعل الجعل بمعنى الخلق، وعلى الأول بمعنى التصيير. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾: قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ (أن) وما عملت فيه في موضع رفع على أنه اسم كان، و ﴿لِبَشَرٍ﴾ الخبر. وقوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: مصدر في موضع الحال من اسم الله جل ذكره، وكذا ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ظرف في موضع الحال، وفيه ضمير يعود إلى ذي الحال، كقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾ (٢)، وكذ ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ في موضع الحال أيضًا عطفٌ على ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾، والأصل: أو أن يرسل، أي: أو إرسالًا، وكذا ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي: أو إسماعًا من وراء حجاب، ليشاكل ما قبله وما بعده، والتقدير: وما صح لآدمي أن يكلمه الله إلا موحيًا إليه، أو مسمعًا إياه كلامه من وراء حجاب، أو مرسلًا إليه رسولًا، ولا يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ﴾ لفساد المعنى، لأنه يصير: وما كان لبشر أن يكلمه الله أو أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولًا، فيؤدي ذلك إما إلى نفي الرسل من البشر، أو إلى نفي المرسل إليهم، وكلاهما فاسد، لأن

стр. 3253

الله تعالى قد أرسل الرسل من البشر وأرسل إليهم. وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى إلا أن، أي: إلا أن يرسلَ رسولًا، كقولك: لَأَلْزَمَنَّكَ أو تعطيني حقي، أي: إلا أن تعطيني. والثاني: استثناء منقطع، لأن الوحي إلقاء وإلهام وليس بتكليم، فإن قدرته استثناء كانت (مِن) في قوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ من صلة محذوف دل عليه ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ﴾ ويكون هذا المقدر المحذوف معطوفًا على قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾، لأنه بمعنى إلا أن يوحِيَ، والتقدير: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يكلمه من وراء حجاب، ثم حذف (يكلم) من الصلة، لأن ذكره قد جرى وإن كان خارجًا من الصلة، ولا يجوز أن يكون من صلة هذا الظاهر لأمرين: أحدهما: أن ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعده إذا كان تامًا، لأن حرف الاستثناء في معنى حرف النفي، ألا ترى أنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا، فالمعنى: قام القوم لا زيد، فكما لا يعمل ما قبل حرف النفي فيما بعده، كذلك لا يعمل ما قبل الاستثناء إذا كان كلامًا تامًا فيما بعده، وكذلك لا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبله، نحو: ما أنا الخبزَ إلا آكل، كما لم يعمل ما بعد حرف النفي فيما قبله. والثاني: أنك تَفْصِلُ بين الصلة والموصول بالأجنبي، وذلك أن قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ في صلة قوله: ﴿وَحْيًا﴾ الذي هو بمعنى أن يوحي، والذي يُعطَف على الصلة هو منها، فإن جعلت ﴿مِنْ وَرَاءِ﴾ من صلة ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ وهذا الفعل ليس من الصلة، فرقت بين الصلة والموصول بالأجنبي الذي ليس منهما، فاعرفه فإنه من كللام الشيخ أبي علي ﵀ (١).

стр. 3254

وقرئ: (أَوَ يُرْسِلُ فَيُوحِيْ) بالرفع فيهما (١)، وفيه وجهان: أحدهما: مستأنف، على تقدير: أو هو يرسل، فهو مبتدأ، ويرسل خبره، وقوله: (فيُوحِيْ) عطف عليه. والثاني: في موضع الحال عطفًا على ﴿وَحْيًا﴾ في معنى موحيًا، أي: إلا موحيًا أو مرسلًا. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾: قوول : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: وحيًا مثل ذلك الوحي. وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾: في موضع الحال من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾. ﴿مَا الْكِتَابُ﴾: ابتداء وخبر، والجملة في موضمع نصب بقوله: ﴿تَدْرِي﴾. و ﴿مَا﴾ الأولى نافية، والثانية استفهامية، ويجوز في الكلام نصب ﴿الْكِتَابُ﴾ على أن تجعل ﴿مَا﴾ صلة. وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ الضمير للكتاب وهو القرآن، وقيل: للإيمان، وقيل: لهما على إرادة ذلك، وقال الفراء: للتنزيل (٢).

стр. 3255

وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ الجمهور على فتح التاء وكسر الدال على البناء للفاعل وهو رسول الله ﷺ ، وقرئ: (لَتُهْدَى) بضم التاء وفتح الدال على البناء للمفعول (١)، على معنى: يَهديك الله. وفي حرف أُبي ﵁: (وإنك لتدعو) (٢)، ولا يجوز القراءة به، لأجل مخالفة الإمام مصحف عثمان ﵁. وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بدل المعرفة من النكرة، وقد جَوَّزَ فيه أبو إسحاق الرفع والنصب (٣)، أعني: في ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ ووجههما ظاهر، والله أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الشورى والحمد لله وحده (٤)

стр. 3256

إعراب سُوَرَةُ الزّخُرفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾: قوله : ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ الواو للقسم، وهو بدل من الباء، والمعنى: أقسم بالكتاب المبين، وهو القرآن. وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ جواب القسم، هذا على قول من لم يجعل ﴿حم﴾ قَسَمًا، ومن جعل ﴿حم﴾ قسمًا كان قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ عطفًا عليه. وقوله: ﴿قُرْآنًا﴾ مفعول ثان، والجعل هنا بيعنى التصيير أو التسمية، لا بمعنى الخلق و ﴿قُرْآنًا﴾ حال كما زعم بعضهم (١). وقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ عطف على قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ وداخل في القسم، والضمير للقرآن، وقيل: لعلم الساعة، وقيل: لعمل بني آدم (٢)، والوجه هو الأول وعليه الجمهور. وخبر (إنَّ) قوله: ﴿لَعَلِيٌّ﴾، و ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: من صلة الخبر،

стр. 3257

وجاز أن يعمل ما بعد اللام فيما قبله لأن أصله أن يكون في الابتداء، وإنما أُخِّر لأجل (إِنَّ)؛ [أي]: وإن القرآن لَعَلِيّ في هذا المحل، وأما ﴿لَدَيْنَا﴾ فيحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾، وأن يكون صفة للخبر، فلما قدم عليه حكم عليه بالحال، ولا يجوز أن يكون أحد الظرفين الخبر، لأجل اللام، كقولك: إن زيدًا في الدار عند عمرو لجالس. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾: قوله : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾ الصفح: الإعراض، يقال: صفَّحْتُ عن فلان أَصْفَحُ صَفْحًا، أي: أَعْرَضتُ عنه أو عن ذنبه، والصَّفْحُ أيضًا: الناحية والجانب، يقال: نظر إليّ بصفْحِ وجهه، وصُفْحِ وجهه، أي: بِعُرْضِهِ. فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿صَفْحًا﴾ على الوجه الأول: يجوز أن يكون مفعولًا له، على: أفنمسك عنكم إنزال القرآن إعراضًا عنكم؟ وأن يكون في موضع الحال، أي: صافحين، أو ذوي صفح. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾، لأنه في معنى أَفَنَصفَحُ؟ . وأما على الوجه الثاني: فيكون ظرفًا ليس إلا، على معنى: أفنمسك عنكم جانبًا؟ تعضده قراءة من قرأ: (صُفْحًا) بالضم (١)، وقد جوز في هذه القراءة وجه آخر، وهو أن يكون تخفيف صفُحٍ جمع صفوح، كرُسُلٍ في جمع رسولٍ، فيكون انتصابه على الحال لا غير، أي: صافحين، فاعرفه فإنه موضع. وقرئ: (أن كنتم) بفتح الهمزة (٢)، على أنها مفعول له، أي: لأن

стр. 3258

كنتم، وقرئ: (إن كنتم) بكسرها (١)، على أنها الشرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، أي: إنْ كنتم قومًا مسرفين نضربْ عنكم، كقولك: أنت ظالم إن فعلت كذا. ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ (كم) في موضع نصب بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. وقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ حكاية حالط ماضية، أي: كانوا على ذلك. وقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ للقوم المسرفين، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول ﷺ بخبره عنهم، أي: فأهلكنا أشد من قومك بطشًا، أي: قوة وشدة، وانتصاب قوله: ﴿بَطْشًا﴾ على التمييز، وقد جوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل، أي: فأهلكناهم باطشين، أو ذوي بطش. ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ

стр. 3259

مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ الجعل هنا بمعنى الحكم بالشيء والاعتقاد له. وقوله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (وَجْهُهُ) اسم ظل، و ﴿مُسْوَدًّا﴾ خبره، ويجوز أن يكون في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير عائد إلى المُبَشَّر، وهو ﴿أَحَدُهُمْ﴾ في وهو اسمها، و (وجهُهُ) بدل من ذلك الضمير، و ﴿مُسْوَدًّا﴾ خبر ظل. والجمهور على نصب قوله: ﴿مُسْوَدًّا﴾، وقرئ: (مسودٌّ) بالرفع (١)، على أنَّ في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير المُبَشَّرِ، و (وجهه مسودٌّ) ابتداء وخبر، والجملة خبر ﴿ظَلَّ﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ في محل النصب على الحال من اسم ﴿ظَلَّ﴾، أو من المنوي في مسودٍ. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾: قوله ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: في محل (مَن) أوجه: أحدها: في موضع نصب بإضمار فعل، أي: أتجعلون للرحمن مِن الولد مَن هذه الصفة المذمومة صفته، وهو أنه يتربى في الزينة والنعمة؟ والثاني: في موضع رفع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: كمن ليس كذلك، أَوْ وَلَدٌ له. والثالث: في موضع جر على البدل من (ما) في قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ﴾، وقيل: بل في موضع نصب على البدل من البنات (٢). وفي جواز البدل في

стр. 3260

هذين الوجهين نظر، لأجل دخولى همزة الاستفهام بين البدل والمبدل منه. وقرئ: (يَنْشَأُ) بفتح الياء وإسكان النون وتخفيف الشين، و (يُنَشَّأ) بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين (١)، مَن فتح الياء نسب الفعل إلى (مَنْ) وهو لازم، فإذا نُقل بالتضعيف أو بالهمزة تعدى، وعليه قراءة من ضم الياء، يقال: نَشَأَ الغلامُ، ونُشِئَ، وأُنْشِئَ. وفي التنزيل: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ (٢). وفيه: ﴿أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (في الخصام) من صلة ﴿مُبِينٍ﴾، وجاز ذلك، لأن غيرًا فيها معنى النفي، فكأنه قيل: لا يبين في الخصام، ومنه مسألة الكتاب: أنا زيدًا غيرُ ضاربِ (٤)، فزيدًا منصوب بضارب، وقيل: انتصاب زيد بفعل مضمر دل عليه ضاربٌ، وكذا في الآية ﴿فِي﴾ من صلة محذوف دل عليه ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (٥). و ﴿الْخِصَامِ﴾ مصدر خاصم يُخَاصمُ مُخَاصَمَةً وخِصَامًا. وقيل: الخصام هنا جمع خَصْمِ، والمعنى: وهو بين الخصوم غير مبين للحجة (٦). ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ
следующие страницы →