وقرئ: (وما هم بضارّي) بطرح النون والإضافة إلى ﴿أَحَدٍ﴾، والفصل بينهما بالظرف على جَعْلِ الجارّ جزءًا من المجرور، وهو ﴿مِنْ﴾ و، وقيل: بل حذفت النون تخفيفًا (١).
﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: عطف على ﴿يَضُرُّهُمْ﴾. و ﴿لَا﴾ وللنفي، ولا يجوز أن يكون عطفًا على (ما)؛ لأن الفعل لا يعطف على الاسم. وقيل: هو مستأنف، أي: وهو لا ينفعهم، والواو للحال (٢).
﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: (من) مبتدأ موصول وما بعده صلته. و ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿مِّنْ﴾ مزيدة، و ﴿لَهُ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. ولام ﴿لَقَدْ﴾ لام القسم، ولام ﴿لَمَنِ﴾ لام الابتداء. والهاء في ﴿اشْتَرَاهُ﴾ تعود على السحر، أي: والله لقد ﴿عَلِمُوا﴾ هؤلاء اليهود أن الذي استبدَل السحر بكتاب الله ما له في الآخرة من خلاق، أي: من نصيب.
وقيل: اللام في ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ لام التوطئة للقسم، كالتي في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٣). و (مَن) للشرط في موضع رفع بالابتداء، وجواب القسم ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، والجملة في موضع نصب بـ ﴿عَلِمُوا﴾ في كلا المذهبين. ولا يعمل ﴿عَلِمُوا﴾ في لفظ (مَن)، لأن لام الابتداء تقطع ما بعدها مما قبلها، والشرط له صدر الكلام.
وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ اللام: لام القسم أيضًا،
стр. 352
وقد مضى الكلام على ﴿مَا﴾ فيما سلف من الكتاب، و ﴿شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: باعوها.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لو كانوا يعلَمون بعلمهم (١) لما صدر منهم ما صدر، لأن الله تعالى قد أثبت لهم العلم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾، وأكده بالقسم، وهذا كما تقول: والله لقد علمت يا فلانُ، وما (٢) علمتَ حين رأيتَه لم يعمل بعلمه، جعلتَه كأنه منسلخ عنه وخال منه.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾
قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ (أن) وما اتصل به في تأويل مصدر في موضع رفع بفعل مضمر، أي: لو وقع منهم أنهم آمنوا بالمُنْزَل والمُنْزَلِ عليه ﵊، أي: إيمانهم، واتقوا الله، فتركوا ما هم عليه من نبذ الحق، واتباع الباطل. و ﴿لَوْ﴾ لا يليه إلا الفعل: إما مضمرًا وإما مظهرًا، كقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ (٣)، لأن فيه معنى الشرط، والشرط بابه الفعل، وإنما لم يجزم، كما يجزم حرف الشرط؛ لأن حرف الشرط يقلب الماضي إلى المستقبل، و ﴿وَلَوْ﴾ لم يقلب، فامتنع من العمل لذلك.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: اللام لام الابتداء، و (مثوبة) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة، لكونها قد وصفت بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ و. ﴿خَيْرٌ﴾: خبره. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف دلت عليه هذه الجملة، والتقدير: لأُثيبوا (٤). ولا
стр. 353
يحسن أن تكون ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ الجواب، كما لا يحسن أن تقول: لو أن زيدًا أحسن وأنفق لإكرامٌ مِن بني فلان خيرٌ لو كان يعلم (١).
والمثوبة: الثواب، وهو جزاء الطاعة، وأصل مَثوبة: مَثْوُبةٌ بوزن مَكْرُمة، فنقلت الضمة من حرف اللين إلى ما قبله، كما فُعِل ذلك في يقول، والأصل يَقْوُل كَيَقْتُلُ.
وقرئ: (لمثْوَبَةٌ) بإسكان الثاء، وفتح الواو على الأصل (٢)، وهو شاذ، والقياس مَثابة.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: جواب ﴿لَوْ﴾ ومفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ كلاهما محذوف، أي: لو كانوا يعلمون أن ثواب الله خير مما هم فيه لعملوا بعلمهم لكونهم عالمين، وإنما جهَّلَهُم ونفى عنهم علمهم، لتركهم العمل به.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾:
قوله : ﴿رَاعِنَا﴾ فِعلُ أمرٍ، وهو وما اتصل به في موضع نصب بالقول. ومعنى راعنا: راقبنا، فاعِلْنا من المراعاة، يقال: راعاه مُراعاة ورِعاء، وحذفت الياء للأمر.
وقرئ: (راعونا) بلفظ الجمع (٣) للتوقير والتعظيم [له] ﷺ .
стр. 354
وقريء: (راعِنًا) بالتنوين (١) من الرَّعَن، وهو الهَوَجُ، يقال: رجل أَرعنُ، وامرأة رعناء بَيِّنا الرعونة والرعَن، وما أرعنه؛ وقد رَعُن بالضم. وأَهْوَجُ: بَيِّنُ الهوج، إذا كان طويلًا وبه تسرع وحمق، أي: لا تقولوا قولًا راعنًا منسوبًا إلى الرعن، فحذف الموصوف وبقيت الصفة.
وقوله: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ الجمهور على وصل الألف وضم الظاء، على معنى: انظر إلينا، فحذف الجار. وقيل: مِن نَظَره، إذا انتظره، على: انتظرنا نسألك عما أشكل علينا.
وقرئ: (أنظِرنا) بقطع الألف وكسر الظاء (٢) على معنى: أَخِّرْنا وأَمْهِلْنا حتى نفهم عنك ونحفظَه.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾:
قوله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قيل: ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس؛ لأن الذين كفروا جنسٌ تحته نوعان: أهل الكتاب، والمشركون، بدليل قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).
﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾: في موضع جر على العطف على ﴿أَهْلِ﴾. ويجوز في
стр. 355
الكلام رفع ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بالعطف على ﴿الَّذِينَ﴾ (١).
﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾: في موضع نصب بـ ﴿يَوَدُّ﴾، و (أن) مع الفعل بتأويل المصدر.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: من: مزيدةٌ لاستغراق الخير، وموضعها رفع بإسناد الفعل إليه وهو ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: من: لابتداء الغاية متعلقة بينزل، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أن تجعلها صفة لخير، وتكون في موضع رفع حملًا على الموضع، أو جر حملًا على اللفظ، كقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) بالرفع على الموضع، و (غيرِهِ) بالجر على اللفظ (٣).
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: مفعول ﴿يَشَاءُ﴾ محذوف، أي: يختص بالنبوة مَن يشاء اختصاصه.، ثم حُذف المضاف فبقي (يشاؤه)، ثم. حذف الضمير فبقي يشاء. والخصوصية في اللغة: الإفراد، وخَصَّهُ بالشيء، إذا أفرده به. [والله تعالى يفرد برحمته من يشاء] (٤).
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: ابتداء وخبر. وأصل ذو: ذَوَيٌ لأجل أن باب (طويت) أكثر من باب قوة، ثم حذفت لام الكلمة التي هي الياء، وصارت الواو حرف إعراب، فيكون في الرفع بالواو، وفي النصب بالألف، وفي الجر بالياء، ولا يستعمل إلا مضافًا، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾:
стр. 356
قوله : ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ ﴿مَا﴾: شرط منصوب بننسخ، و ﴿نَنْسَخْ﴾ مجزوم به، كقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ (١) ﴿أَيًّا﴾ منصوب بـ ﴿تَدْعُوا﴾، و ﴿تَدْعُوا﴾ مجزوم به، وعلامة جزمه حذف نونه، وهو خطاب للجماعة دون الواحد.
﴿مِنْ آيَةٍ﴾: في موضع نصب على التمييز؛ لأن قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ شائع لا يُدرَى من أي شيء؟ فإذا قال: ﴿آيَةٍ﴾ بين المقصود. و ﴿مِنْ﴾ مِن عَلَم التمييز، فـ ﴿مَا﴾ مميَّز، و ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ مميِّز، أي: أيَّ شيء ننسخ من آية (٢)؟ ولا يجوز أن يكون ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ في موضع نصب بننسخ كما زعم بعضهم؛ لأن ﴿نَنْسَخْ﴾ قد استوفى مفعوله وهو ﴿مَا﴾ (٣).
﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: عطف على ﴿نَنْسَخْ﴾.
﴿نَأْتِ﴾: جواب الشرط. ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾، أي: بآيةٍ خيرٍ منها للعباد.
و(مِن) من ﴿مِنْهَا﴾ متعلقة بخير. ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ عطف على خير.
وقرئ: (ما نَنْسَخ) بفتح النون من نسخ، و (نُنْسِخ) بضمها من أنسخ (٤).
(أو نَنسأها): قرئ: بفتح النون والهمز، وبضمها وترك الهمز (٥)، وقد ذكرت وجه هذه القراءات في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون، فأغنى عن الإعادة هنا.
стр. 357
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾:
قوله : ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾: في موضع رفع بالابتداء و ﴿لَكُمْ﴾ الخبر، أو بِـ ﴿لَكُمْ﴾ على رأي أبي الحسن، وعلى كلا القولين ﴿مِنْ﴾ صلة.
﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: عطف على لفظ ﴿وَلِيٍّ﴾ ولو عُطِفَ على الموضع لَرُفع. والولي (فعيل) من وَليَ، إذا جاوَرَ ولَصِقَ. والنصير: فعيل من النصر، وهو أبلغ من ناصر.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف، وهو ولي، أو نصير كقوله:
٨٢ - لِعزةَ موحشًا طللٌ قَدِيم ... ......................... (١)
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾:
قوله : ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾: هنا منقطعة بمنزلة قولهم: إنها لإبلٌ أم شاءٌ، وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (٢)، ولا يجوز أن تكون متصلة، إذ ليس قبلها ما يعادلها، كأنه قيل: بل أتريدون. وقيل: متصلة مردودة على قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ (٣) على أن يكون معناه: ألم تعلموا، على تقدير ألم تعلموا أم علمتم، عن الفراء (٤)، وفيه بُعد، لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ ليس من ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ في شيء.
стр. 358
وأصل تريدون: (تُرْوِدُون)، لأنه من راد يرود، فنقلت حركة الواو إلى الراء، فَسَكَنَتِ الواوُ وانكسر ما قبلها، فقلبت ياء للكسرة.
﴿كَمَا سُئِلَ﴾: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية، أي: سؤالًا مثل سؤال موسى.
وقرئ: في غير المشهور: (سِيْلَ) بالياء مكان الهمزة (١) على لغة من قال: سِلتَ تَسَالُ، كخِفت تخاف.
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾: من: شرطية، الفاء وما اتصل بها جوابها.
و﴿سَوَاءَ﴾: منصوب على الظرف، أي: أخطأ قَصْدَ الطريق. و (سواء) تكون على ثلاثة أوجه: بمعنى وسط، كقوله: ﴿فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (٢). وبمعنى: قَصْد، وعَدْل، كقوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٣)، وَيحتمل الأوجهَ (٤) هنا.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾:
قوله : ﴿كُفَّارًا﴾: يحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾ على تضمين ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾ معنى يصيرونكم، وأن يكون حالًا من الكاف والميم (٥).
стр. 359
﴿حَسَدًا﴾: يحتمل أن يكون مفعولًا من أجله، كأنه قيل: وَدَّ كثير من أجل الحسد، أو يردونكم من أجل الحسد. وأن يكون مصدرًا دل. ما قبله على الفعل، أي: حسدوكم حسدًا. وأن يكون في موضع حال، أي: حاسدين.
﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: قد جوز أن يتعلق بـ ﴿وَدَّ﴾، وهو اختيار أبي إسحاق (١) على معنى: تمنوا أن ترتدوا عن دينكم. قيل: وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم ومن قِبَلِ شهوتهم، لا من قِبَلِ التديبن والميل مع الحق؛ لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قِبَلِ الحق (٢)؟ وأن يتعلق بقوله: ﴿حَسَدًا﴾ على وجه التوكيد، لأن لفظ الحسد يؤتي (٣) هذا، فأتى ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ تأكيدًا، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٤)، ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (٥)، ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٦)، أي: حسدًا مُتَبالِغًا منبعثًا من أصل نفوسهم، ولم يُؤمروا به.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾: بدل من ﴿عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾، و ﴿مَا﴾: مصدرية، أي: من بعد تَبَيُّنِ الحق.
﴿فَاعْفُوا﴾: أصله: (فاعفُوُوا) استثقلت الضمة على الواو التي هي لام الفعل، فأزيلت عنها وحذفت لالتقاء الساكنين هي وواو الجمع.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ﴾: متعلق به، أي: فاعفوا إلى أن يأتي الله بأمره الذي هو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم على ما
стр. 360
فسر (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، أي: قدير على الانتقام منهم.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾:
قوله : ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا﴾ (ما): شرطية في موضع نصب بـ ﴿تُقَدِّمُوا﴾ و، ﴿تُقَدِّمُوا﴾ جزم بها.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: في موضع نصب على التمييز، والكلام فيه كالكلام في قوله.: (مَا نَنسَخْ﴾ (٢).
﴿تَجِدُوهُ﴾: جواب الشرط، والضمير في ﴿تَجِدُوهُ﴾ للخير. و ﴿عِنْدَ﴾: ظرف لتجدوا، أو حال من الضمير، أي: تجدوا ثوابه كائنًا، أو مستقرًا عنده.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا مَنْ كَانَ﴾: ﴿مَنْ﴾ خبرية في موضع رفع بـ ﴿يَدْخُلَ﴾، لأن الفعل مفرغ لها، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٣).
و﴿هُودًا﴾: خبر كان، وهو جمع هائد، كحائل وحُوْل، وعائذ وعُوذٍ. الحائل: الأنثى من ولد الناقة، وهي التي لم تحمل في سنتها. والعوذ: الحديثات النِتَاج من الظباء والإبل والخيل. وقيل: هود مصدر. وقيل: أصله يهودِيٌّ، حذفت الياء الأولى وياء النسب، تعضده قراءة من
стр. 361
قرأ: (يهوديًّا أو نصرانيًّا) وهو أُبي بن كعب ﵁ (١).
وهو من هاد يهود، إذا تاب، والهائد: التائب الراجع إلى الحق (٢).
وأُفرد اسم كان حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، وجُمع خبرها على معناه، كقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾، ثم قال: ﴿خَالِدِينَ﴾ (٣).
﴿أَوْ نَصَارَى﴾: عطف على هود، وهو جمع نَصْران، وقد ذكرتُ فيما سَلَفَ (٤).
والضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والتقدير: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلَّا من كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارَى. فأُدرج الخبر عنهما للإيجاز (٥) من غير إخلال، ولأمن الإلباس، إذ قد عُلم أن كل فريق منهم لم يقل ذلك عن الآخر.
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: مبتدأ وخبر، وهي جمع أمنية. قيل: والإشارة إلى قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ (٧)، وقوله: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
стр. 362
إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: أي: تلك الأماني الباطلة أمانيُّهم.
﴿قُلْ هَاتُوا﴾: أي أحضروا، وهو سؤال تعجيز؛ لأنه لا برهان لهم، وهو متصل بقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
و﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ اعتراض.
واختلف في هذه الهاء، فقيل: أصلية من هَاتَى يُهاتِي. وقيل: هي عوض من همزة آتى، وأُلزِمَتِ الهمزةُ الحذفَ. وقيل: هي للتنبيه. وقيل: هي صوت بمنزلة (هاء) (١). وأصله: (هاتِيُوا) استثقلت الضمةُ في الياء، فأزيلت عنها إما بالنقل وإما بالحذف، وحذفت لسكونها وسكون الواو، يقال للواحد المذكر: هات يا هذا، بكسر التاء، كَرَامِ يا هذا، وحذفت الياء منه للأمر. وللمؤنثة: هاتي كرامي، والمحذوفة منه للأمر النون، وفي التثنية لهما: هاتيا، ولجماعة الرجال: هاتُوا، ولجماعة النساء: هاتِينَ، كرامين. ولا تحذف النون لأنها ضمير الفاعلات، كالتي في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٢).
﴿بُرْهَانَكُمْ﴾: نصب بـ ﴿هَاتُوا﴾. والبرهان: الحجة، ونونه أصلية، بدليل قولهم: قد بَرْهَنَ على قوله، أي: بَيَّنَهُ بحجةٍ. وقيل: مزيدة؛ لأنه من البَرْه، وهو القطع، والبرهان: الدليل القاطع (٣).
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: جواب الشرط محذوف، أي إن كنتم صادقين في دعواكم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا فبينوا لنا، والله أعلم.
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾:
стр. 363
قوله : ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ ﴿بَلَى﴾: ردٌّ لقولهم، وقد مضى الكلام عليه عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ﴾ بأشبع ما يكون (١).
و﴿مَنْ﴾: يحتمل أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، وهي في موضع رفع بالابتداء على كلا التقديرين.
و﴿أَسْلَمَ﴾: لا موضع له من الإعراب إن جعلت ﴿مَنْ﴾ موصولة، وله موضع إن جعلتها شرطية.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أَسْلَمَ﴾.
﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾: أجره: رفع بالابتداء، و (له) الخبر، أو بله على رأي أبي الحسن. والجملة جواب الشرط، أو خبرُ ﴿مَنْ﴾.
وقد جُوِّزَ أن يكون ﴿مَنْ﴾ فاعلًا لفعل محذوف دل عليه ما قبله، وهو قوله: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾، أي: بلى يدخلها من أسلم، ويكون قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ كلامًا معطوفًا على يدخلها من أسلم (٢).
﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في الظرف على رأي صاحب الكتاب، أو من الأجر على رأي أبي الحسن، وقد ذكرت نظيره في غير موضع (٣).
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾:
قوله : ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ﴾: الواو واو الحال، وصاحب الكتاب
стр. 364
يقدرها بإذ (١)، لِيُعْلِمَكَ أن الحال معمولةٌ لما قبلها، كما أن (إذ) ظرف معمول لما قبله، فاعرفه فإنه موضع لطيف، أي: قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب.
وأصل يتلون: يتلُوُون، فأزيلت الضمة عن لام الفعل ثم حذفت لالتقاء الساكنين هي وواو الجمع.
﴿كَذَلِكَ﴾: يجوز أن يكون الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف معمول لـ ﴿قَالَ﴾ قَالَ، أي: قولًا مثل ذلك الذي سمعتَ به، على ذلك المنهاج قال الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب، كعبدة الأوثانِ وغيرهم قالوا لكل أهل دين: ليسوا على شيء. وأن يكون في موضع رفع على الابتداء، و ﴿قَالَ﴾ وما اتصل به خبره، وعائده محذوف، أي: مثل ذلك قاله الجهلة.
و﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: على الوجه الأول منصوب بـ ﴿قَالَ﴾ على أنه مفعول به، وعلى الوجه الثاني: نعت لمصدر ﴿قَالَ﴾، أي: قال الجهلة قولًا مثل قول أهل الكتاب.
ولا يجوز أن يكون قوله: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ منصوبًا بقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ كما زعم بعضهم (٢)، لفساد المعنى.
﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف مكان، و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف زمان، وكلاهما متعلق بقوله: ﴿يَحْكُمُ﴾. و ﴿فِيهِ﴾: متعلق بقوله: ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا
стр. 365
أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾:
قول : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ من: استفهام في معنى النفي، وهو اسم تام، وموضعه رفع بالابتداء. و ﴿أَظْلَمُ﴾ خبره على: لا أحدَ أظلمُ منه. ﴿مِمَّنْ﴾ متعلق بالخبر.
و(مَن) يجوز أن تكون موصولة، و ﴿مَنَعَ﴾ وما اتصل بها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها.
﴿أَنْ يُذْكَرَ﴾: في موضع نصب على أحد ثلاثة أوجه: إما على البدل من ﴿مَسَاجِدَ﴾، وهو بدل الاشتمال، أو على كونه مفعولًا ثانيًا لمنع؛ لأنك تقول: منعته كذا، كقوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ (١)، ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ﴾ (٢) ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ (٣) ويجوز أن يُحذف الجار مع ﴿أَنْ﴾ وهو (مِن)، ويُجْرَى على الخلاف، أو على أن تجعله مفعولًا من أجله، أي: منعها كراهة أن يُذْكَر، أو من أجل أن يذكر (٤).
والخراب نقيض العمارة، وهو مصدر خَرِبَ الشيءُ وأخرَبَهُ وخرَّبه غيره، وهو هنا واقع موقع التخريب، كالسلام والكلام موقع التسليم والتكليم، مضاف إلى المفعول، أي: في تخريب أبنيتها، أو بمنع الذكر فيها، على ما فسر.
﴿أَنْ يَدْخُلُوهَا﴾: في موضع رفع على اسم ﴿كَانَ﴾. ﴿إِلَّا
стр. 366
خَائِفِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿يَدْخُلُوهَا﴾. قيل: والمعنى ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشُوا بهم، فضلًا أن يملكوها، ويمنعوا المؤمنين منها.
وقرئ: (إلاْ خُيَّفا)، وهو مثل صُيَّم (١).
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: في الدنيا في موضع حال، لتقدمه على الموصوف وهو خزي، ورفعه بالابتداء، أو بـ ﴿لَهُمْ﴾، والجملة مستأنفة، ولا يجوز أن تكون في موضع الحال من الضمير في ﴿يَدْخُلُوهَا﴾ كخائفين كما زعم بعضهم؛ لأن الخزي لازم لهم في كل حال غير مفارق لهم، وهو القتل والسبْيُ، أو الذلة بضرب الجزية على ما فسر (٢) لا في حال دخولهم مساجد الله.
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾:
قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: بلاد المشرق والمغرب، والمشرق موضع الشروق، والمغرب موضع الغروب.
﴿فَأَيْنَمَا﴾ أين: شرط في الأمكنة، تقول: أين تقمْ أقم. و (ما) مزيدة للتوكيد. ﴿تُوَلُّوا﴾: مجزوم به، وهو منصوب بتولوا، كما أنك إذا قلت: إن تقم خلف زيد أَقُم، كان الناصب للظرف تقم.
﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: الفاء وما اتصل بها جواب الشرط، و (ثَمَّ): ظرف مكان بمنزلة هناك، تقول لِما قَرُب من المكان: (هنا)، ولِما بَعُدَ: (ثَمَّ) و: (هناك)، وبُني لتضمنه معنى حرف الإشارة، وحرك لالتقاء الساكنين، وخص بالفتح لخفة الفتحة في المضاعف، والناصب له الاستقرار.
стр. 367
ومفعول ﴿تُوَلُّوا﴾ محذوف، أي: فأينما تولوا وجوهكم فَثَمَّ وجه الله، أي: جهته التي أمر بها ورضيها.
والجمهور على ضم التاء، وقرئ: (تَولَّوا) بفتحها (١) أي: فأينما توجَّهُوا القبلة، وأصله: (تتولَّوا) فحذفت إحدى التاءين، وقراءة الجمهور من التولية، وهذه من التَّوَلِّي، فاعرفه.
والوجه، والجهة، والوجهة: القبلة. وقيل: الوجه هنا صلة، أي فثم الله.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾:
قوله : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قرئ: بالعاطف للعطف على: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾. وقرئ: بغير العاطف (٢) اكتفاء بالضمير عنه، وكلاهما سواء لالتباس الجملة الثانية بالأولى؛ لأن الضمائر تربط الجمل بعضها ببعض بمنزلة العاطف، إلَّا أن بينهما فُرَيْقًا، وذلك أنك إذا أتيت بالعاطف للعطف، آذن بإيجاب إدخال الثاني في حكم الأول، وإن حذفته، آذن بالاستئناف وانفصال الثاني من الأول وإِنِ ارتبطَ، فاعرفه فإنه أصل يعتمد عليه، وكُلٌّ منهم وافقَ رَسْمَهُ في ذلك (٣).
﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيه له عن ذلك وتبعيد.
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: التنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوض من المضاف إليه، وهو وإن لم يكن ملفوظًا كان في حكم الملفوظ به، ولهذا مَنَعَ الجُلُّ من أهل النحو دُخولَ حرف التعريف عليه؛ لأن تَخَصُّصَهُ بالمضاف إليه، وهو مفردُ
стр. 368
اللفظ مجموع المعنى (١)، ويعود الضمير إليه على اللفظ وعلى المعنى، كقوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣). والتقدير: كل ما في السماوات والأرض له منقادون.
وقد جُوّزَ أن يراد: كل من جعلوه لله ولدًا له مطيعون عابدون مُقِرُّون بالربوبية منكرون لما أضفتم إليهم (٤).
قيل: وجيء بـ (ما) الذي لغير أولي العلم مع قوله: ﴿قَانِتُونَ﴾، كما جيء به في قوله: "سُبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا". و "سبحان ما سبَّحَ الرعدُ بحمده" (٥).
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾:
قوله : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ قيل: البديع مَصْروفٌ من مُبْدِعٍ، كسميع من مُسمع، وبصير من مبصر (٦).
ابن دريد (٧): بَدَعْتُ الشيءَ، إذا أنشأتَهُ، والله تعالى بديع السماوات
стр. 369
والأرض، أي: مُنْشِئُهُما (١).
أبو إسحاق: وكل من أنشأ ما لم يُسبقْ إليه قيل له: أبدعت (٢).
قلت: وعليه جمهور أهل اللغة، أعني على الإبداع، والإضافة مَحْضَةٌ؛ لأن الإنشاء لهما ماض.
والجمهور على رفع ﴿بَدِيعُ﴾ على: هو بديعٌ، وقرئ: بالجر على البدل من الضمير في قوله: ﴿لَهُ﴾، وبالنصب على المدح (٣).
وقوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [(إذا) ظرف لما يستقبل، والناصب له ما دل عليه الجواب، كما تقول: إذا حكمت كان قيامي، أي: يكون قيامي إذا حكمت] (٤). أي: وإذا قضى أمرًا يَكونُ، أي يَحْدُثُ، والأمر هنا واحد الأمور، وليس بمصدر. والضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على الأمر.
﴿فَإِنَّمَا﴾: (ما) كَفَّتْ إنّ عن العمل، وهيأتها لدخولها على الفعل. ومعنى ﴿قَضَى أَمْرًا﴾: قَدَّرَهُ وأراد خلقَه، وأصل القضاء: إتمامُ الشيءِ وإحكامُه.
وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ قرئ: بالرفع على الاستئناف، أي: فهو يكون، أو على العطف على (يقول)، وبالنصب على الجواب (٥)، على أن الأمر للسَّبَبِ الذي يكون به المُسَبَّبُ، والسَّبَبُ غيرُ المُسَبَّب، وقد أوضحت وجه النصب في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا.
стр. 370
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾:
قوله : ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ و ﴿لَوْلَا﴾: هنا معناه التحضيض كالذي في قوله:
٨٣ - تَعُدُّونَ عَقْرَ النَّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكُمْ ... بَنِي ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعا (١)
و﴿لَوْلَا﴾ هذا إذا وقع بعده المستقبل كان تحضيضًا لفاعل الفعل على فعله ليفعله، وإن وقع بعده الماضي كان توبيخًا له على الفعل لِمَ لَمْ يفعلْه، نحو: لولا يُعطِي، ولولا أعطَى، و ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. ولا يأتي بعده إلا الفعل: إما مُظْهَرًا كما في الآية، وإما مضمرًا كما في البيت، إذ التقدير: لولا تَعدون الكمييّ، أو لولا تبقرون الكمي، إذ قد جَرَى ذكر كل واحد من العَدِّ والعَقْر، لأن التحضيض والتوبيخ لا يكونان إلا بالفعل.
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: الكاف في محل النصب، أو الرفع، وقد أوضحت وجههما عند قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (٢)، والكلام فيهما سواء.
стр. 371
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾:
قوله : ﴿بِالْحَقِّ﴾: في موضع نصب على الحال من الكاف، أي: أرسلناك ملتبسًا بالحق. ولك أن تعلقه بأرسلنا على أنه مفعول به، أي: بسبب إقامة الحق.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: حالان من الكاف أيضًا، أو من المنوي في ﴿بِالْحَقِّ﴾ إن جعلته في موضع الحال، وإلا فلا، أي: بشيرًا مَن اتبعك على ما جئت به بالثواب (١)، نذيرًا مَن خالفك فيه.
﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾: قرئ: بضم التاء واللام، وذلك يحتمل أن يكون حالًا أيضًا منه ﷺ ، أي: أرسلناك بشيرًا ونذيرًا، وغير مسؤول عن أصحاب الجحيم. وأن يكون مستأنفًا.
وقرئ: (ولا تَسألْ) بفتح التاء وجزم اللام على النهي عن السؤال عنهم، وعلى هاتين القراءتين الجمهور (٢).
وقرئ أيضًا: (ولا تَسأَلُ) بفتح التاء وضم اللام (٣)، وذلك يحتمل الوجهين أيضًا: أن يكون خبرًا مستأنفًا على معنى: أنه لا يَسْأَلُ هو عنهم ﵊. وأن يكون حالًا، أي: وغيرَ سائل عنهم. وعن أُبي ﵁: (وما تُسْأَلُ)، وعن ابن مسعود ﵁: (ولن تُسْأَلَ) (٤)،
стр. 372
وكلتاهما تَعْضُدُ وجه الاستئناف في غيرهما، فاعرفه، فإنه يحتاج إلى أدنى تَفَكُّرٍ.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾:
قوله : ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ ﴿هُوَ﴾ إن شئت جعلته في موضع نصب على أنه تأكيد لاسم إن، أو في موضع رفع على الابتداء، وإن شئت جعلته فصلًا لا موضع له من الإعراب، وقد ذكرت نظيره فيما سلف من الكتاب (١).
﴿مِنَ اللَّهِ﴾: في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ وقد سبق نظيره (٢).
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾:
قول : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ونهاية صلته: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. و ﴿يَتْلُونَهُ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾، أو من ﴿الْكِتَابَ﴾، وهي حال مُقَدَّرَةٌ بمنزلة: هذا صقْرٌ صائدًا به غدًا. لأنهم لم يكونوا وقت مجيئة تالين له.
و﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: نعت لمصدر محذوف دل عليه هذا الظاهر، أي: تلاوةً حَقَّ تلاوتِهِ. وإن شئت نصبته على المصدر، ؛ لأنه نعتُ التلاوةِ في
стр. 373
الأصل، إذ التقدير: تِلاوةً حقًّا، ونعت المصدر إذا قُدّم وأضيف إليه انتصب انتصاب المصادر، نحو: ضربته أَشَدَّ الضرْب، وصُمت أحسنَ الصيام، فتنصب أشد وأحسن على المصدر لما ذكرت، فاعرفه فإنه أصل يُعتمد عليه.
و﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. و ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن الأول. والضمير في ﴿بِهِ﴾ للكتاب، وقيل: للنبي ﷺ ، وكذلك الضمير في ﴿به﴾ في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿يَتْلُونَهُ﴾ الخبر؟ قلت: نعم أجيز ذلك إن حمل على الخصوص، وهم مؤمنو أهل الكتاب يتلونه حق تلاوته، لا يحرفونه في التنزيل ولا يغيرون ما فيه من صفة النبي ﷺ ، أو يَقرؤونه حق قراءته في الترتيل والتحقيق والتدبر، وإعطاءِ كُلِّ حَرْفٍ حقه.
وتَلا في اللغة على معنيين:
أحدهما: بمعنى تَبعَ، كقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (١)، ومصدره التُّلُوُّ.
والثاني: بمعنى قرأ، ومصدره التلاوة، وهو هنا - والله تعالى أعلم بكتابه - المرادُ، إذ لو كان بمعنى تَبعَ لقيل: يتلونه حق تُلُوِّه، فاعرفه فإنه موضع. وإن حُمل على العموم فلا؛ لأن ليس كل من أوتي الكتاب تلاه حق تلاوته (٢).
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾:
قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿إِذِ﴾: ظرف في موضع نصب بإضمار فعل، أي: واذكر إذ اختبره بأوامرَ ونواهٍ. و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ اسم
стр. 374
أعجمي، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف. وفيه أربع لغات (١): إبراهيم بألف بين الراء والهاء وياء بعد الهاء، وعليها الجمهور. وإبراهِم بالألف بين الراء والهاء من غيرياء، قال:
٨٤ - * عذتُ بما عاذَ بهِ إبراهِمُ (٢) *
وإبراهام بألفين. وابراهُمُ بألف واحدة مع ضم الهاء.
وتصغيره: (أُبيرِهٌ) عند المُبَرِّد، وذلك أن الهمزة عنده أصلية، لأن بعدها أربعة أحرف أصول، والهمزة لا تلحقُ بناتِ الأربعةِ زائدةً في أولها، وذلك يوجب حذف آخره كما يحذف من نحو: سفرجل. وعند غيره: (بُريهيمٌ) على أن الهمزة مزيدة؛ لأنه أعجمي فلا اشتقاق له، ومنهم من يقول: (بُرَيْهٌ) بطرح الهمزة والميم (٣).
واختلف أيضًا في جمعه، فقيل: أَبارهُ. وقيل: أَبارهةٌ. وقيل: براهِمُ. وقيل: براهمةٌ، وأَباريهُ أيضًا (٤).
والجمهور على نصب (إبراهيم) ورفع (ربه)، وإنما قُدم على الفاعل لأمرين:
стр. 375
أحدهما: للاهتمام، إذ قد ثبت في الصدور وتقرر في النفوس أن الرب تعالى هو المُبتَلِي، وإنما تطلب النفسُ وتشتهي معرفةَ المُبتَلَى.
والثاني: كون ضمير المفعول متصلًا بالفاعل، وذلك يوجب تقديم المفعول، إذ لو أُخِّر والحالةُ هذه لأَدَّى إلى الإضمار قبل الذكر، وذلك لا يجوز.
وقرئ: بالعكس (١)، على معنى: أن إبراهيم دعا ربه بكلمات من الدعاء فِعْلُ المُخْتَبِر، هل يجيبه إليهن أم لا (٢)؟
والضمير المستتر في ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ على قراءة الجمهور. لإبراهيم بمعنى: فقام بِهِنَّ حَقَّ القيام، وأدَّاهُنَّ أحسنَ التأدية، من غير تفريطٍ وتَوانٍ، وعلى الأخرى: لله سبحانه، بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئًا (٣).
وقوله: ﴿جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ الكاف: مفعولٌ أول لجاعل، و ﴿إِمَامًا﴾: ثان، لأنه من جعل الذي له مفعولان. و ﴿لِلنَّاسِ﴾: يحتمل أن يكون في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف، وهو قوله: ﴿إِمَامًا﴾، وأن يتعلق بجاعل تعلق الجار بالفعل. والإمام: اسمُ مَن يُؤتَمُّ به ويُقتدَى به، أي: يأتمون بك في دينهم.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: في موضع نصب بمحذوف عطف على الكاف، أي: وجاعل طائفة من ذريتي إمامًا، كما يقال لك: سأكرمُكَ، فتقول: وفلانًا. و (مِن): للتبعيض أو للتبيين، كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ (٤).
стр. 376
﴿جَاعِلُكَ﴾: الأصل جاعلٌ إياك، إلا أنه مَهْما قُدِر على المتصل لم يؤتَ بالمنفصل، وحُذِفَ التنوين لشدة اتصاله به.
﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: الجمهور على نصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ وهو الوجه، لأجل الرسم على أن الفعل لـ ﴿عَهْدِي﴾، وقرئ: (الظالمون) بالرفع علي إسناد الفعل إليه (١)، والقراءتان بمعنىً، لأن ما نالك فقد نِلتَه، فالنَّيل مشتمل على العهد وعلى الظالمين (٢).
قيل: والمعنى: من كان ظالمًا من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان عادلًا بريئًا من الظلم (٣).
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾: عطف على قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾، ﴿الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾: مفعولان لجعل، لأنه بمعنى صيّر. وأصل مثابة: مَثْوَبَةٌ بوزن مَفْعَلَةٌ، من ثاب يثوب مثابًا ومثابة، إذا رجع، فنقلت حركة الواو إلى الثاء، وقلبت الواو ألفًا حملًا على. ثاب، والهاء في مثابة للمبالغة عند أبي الحسن، كعَلَّامة ونَسَّابة، لكثرة من يثوب إليه (٤).
وعن الفراء، والزجاج: المثابة والمثاب بمعنى (٥). فمن أَنَّثَ أراد البقعة، ومن ذَكَّرَ أراد الموضع، كما قيل: مقام ومقامةٌ، فعلى الوجه
стр. 377
الأول: مصدر بمعنى الرجوع، ولهذا قدر بعضهم: ذا مثابة، وعلى الثاني: بقعة، تعضده قراءة من قرأ: (مثابات) على الجمع - لأنه مثابة لكلٍّ من الناس، لا يختص به واحد منهم، سواء العاكف فيه والباد - وهو الأعمش (١). وقد جوز أن يكون من الثواب، أي: يثابون ثَمَّ (٢).
﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بجعلنا، أي: جعلناه مَباءةً ومَرجعًا للحجاج والعمَّار؛ لأنهم يتفرقون عنه، ثم يثوبون إليه، أو أمثالهم (٣).
﴿وَأَمْنًا﴾: عطف على مثابة، أي: وموضع أمن، كقوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٤).
﴿وَاتَّخِذُوا﴾: على إرادة القول، أي: وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تُصَلُّون فيه.
فإن قلت: على أي شيء عطف ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ على قراءة من كسر الخاء؟ قلت: اختَلَفَ أهلُ التأويل في ذلك على أربعة أوجه:
أحدها: أنه عطف على قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ (٥)، كأنه قيل لليهود: اذكروا واتخذوا.
والثاني: أنه عطف على ناصب ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾، أي: واذكروا إذ جعلنا واتخذوا.
والثالث: أنه عطف على معنى: جعلنا البيت مثابة للناس، كأنه قيل: ثوبوا واتخذوا.
стр. 378
والرابع: عطف على قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾، كأنه قيل: قال إني جاعلك للناس إمامًا وقال اتخذوا، على أن هذا من الكلمات التي ابتُلِيَ بها إبراهيمُ ﵇، ويكون ذلك أمرًا لإبراهيم ﵇ وموافقيه (١).
والوجه عندي أنه مستأنف (٢)، يعضده ما روي عن رسول الله ﷺ : "أنه أخذ بيد أمير المؤمنين عمر ﵁ فقال ﵊: هذا مقام إبراهيم. فقال عمر: أفلا نتخذه مصلَّى؟ فقال ﷺ : "لم أؤمر بذلك. فلم تغب الشمس حتى نزلت" (٣).
وقرئ: (واتخَذُوا) بلفظ الماضي (٤) عطفًا على (جعلنا)، أو على محذوف، أي: فثابوا واتَّخَذوا من مَقام إبراهيم.
و﴿مِنْ﴾: في قوله: ﴿مِنْ مَقَامِ﴾ يحتمل أن تكون: للتبعيض على قول من جعل الحرم كله مقام إبراهيم، أو عرفة والمزدلفة والجمار؛ لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها (٥).
وأن تكون: مزيدة على رأي أبي الحسن، على قول من جعله الحَجَرَ الذي فيه أَثَر قدميه (٦).
стр. 379
وأن تكون: بمعنى (في) (١).
و﴿مُصَلًّى﴾: أصله: مُصَلَّيٌ مُفَعَّلٌ من صلَّيتُ بمعنى دعوت. ويحتمل أن يكون اسم مكان، وأن يكون مصدرًا وفيه حذف مضاف، أي: مكان مصلّى، أي مكان دعاء.
والمقام: من قام يقوم، يكون مصدرًا واسمًا للمكان، والمراد به ههنا المكان. فإن قلت: هل يجوز أن يكون هنا مصدرًا؟ قلت: لا، لأن المعنى لا يُصَلَّى عليه، وإنما يصلى على العين.
﴿وَعَهِدْنَا﴾: عطف على ﴿جَعَلْنَا﴾، والمعنى: أمرناهما وأوصينا إليهما.
﴿أَنْ طَهِّرَا﴾: أي: بأن طهرا، ثم حُذف الجارّ، فأَن في موضع نصب لعدم الجار، أو جَرٍّ على إرادة الجارّ. ويَحتمل ألا يكون لها موضع، على أن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسرة بمعنى أي، كالتي في قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ (٢)، أي: امشوا، و ﴿أَنِ﴾ هذه عند أهل هذه الصناعة تكون عبارة عن القول، وتصاحب من الألفاظ ما يتضمن معنى القول، ولا يكون صريحًا، نحو: كتبت أن اضرب زيدًا، كأنه قيل: كتبت إليه وقلت اضرب زيدًا، فناب ﴿أَنِ﴾ مناب القول، وصار بانضمامه إلى كتبت بمنزلة ما يفيد القول وزيادة، وليس من حقها أن تأتي مع مجرد القول، نحو أن تقول: قلت لزيد أن افعل كذا، لأنها نائبة عن القول ومشيرة إليه، فاعرفه فإنه أصلٌ يُعتمد عليه.
و﴿السُّجُودِ﴾ يحتمل أن يكون جمع ساجد وهو الوجه، ليشاكل ما قبله من الجموع، وأن يكون مصدرًا، وُصِفُوا بذلك مبالغة في حقهم، أعني الركع، أو على حذف مضاف، أي: ذوي السجود، كقولك: رجل عِلم وصَوم على الوجهين.
стр. 380
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾:
قوله : ﴿هَذَا﴾ مفعول أول، و ﴿بَلَدًا﴾: ثان: لأن ﴿اجْعَلْ﴾ هنا بمعنى صَيِّرْ.
و﴿آمِنًا﴾: صفة لقوله: ﴿بَلَدًا﴾، أي: اجعل هذا البلد، أو هذا المكان بلدًا ذا أمن، أو مأمونًا فيه، يأمن أهله من القحط والخسف والزلازل على ما فسر (١).
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ ﴿مَنْ﴾: موصول في موضع نصب على البدل من ﴿أَهْلَهُ﴾، وهو بدل البعض من الكل، طَلَبَ ﵇ أن يَرزق منهم المؤمنين خاصة، فقاس الرزق على الإمامة.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: يحتمل أن تكون ﴿مَنْ﴾ شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿كَفَرَ﴾، وجوابه ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾، أي: ومن كفر فأنا أمتعه. وأن تكون موصولة في موضع نصب بإضمار فعل، أي: وأرزقْ مَن كفرَ، كما يقال لك: أَكْرِمِ القومَ سخيَّهم، فتقول.: والبخيلَ. ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ عطف على هذا المحذوف، والمستكن في ﴿قَالَ﴾ على هذا: لله سبحانه.
وقرئ: (فَأُمَتّعُهُ) من مَتَّعَ، و (فَأْمْتِعُهُ) من أَمْتَعَ (٢).
وقريء في غير المشهور: (فأَمْتِعْهُ) بفتح الهمزة وإسكان العين، (ثم اضْطَرَّه) بوصل الألف وفتح الراء على لفظ الأمر (٣). والمراد الدعاء من إبراهيم ﵇، دعا ربه بذلك، والمستكن في ﴿قَالَ﴾ على هذه القراءة
стр. 381
لإبراهيم ﵇، وأعيد ﴿قَالَ﴾ لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين، أي: قال إبراهيم بعد مسألته اختصاصَ المؤمنين: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ وفتح الراء عطى هذه القراءة لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرهما، والفتح أجود في المضاعف لخفته.
وقد جوز أن يكون المنوي في هذه القراءة أيضًا لله تعالى على ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ يا خالق، أو فَأَمْتِعْهُ يا مالك، أو يا قادر، يخاطب بذلك نفسه جل ذكره، فجرى ذلك مجرى ما تعتاده العرب، يُنَزِّلُ أحدُهم نفسَه منزلة الأجنبي فيخاطبها كما يخاطب سواها، كقراءة من قرأ: . (قال اعلَمْ) بوصل الألف وإسكان الميم (١)، أي: اعلم يا إنسانُ أن الله على كل شيء قدير، وكقول الأعشى:
٨٥ - ...................... ... وهل تُطيقُ ودَاعًا أَيُّها الرَّجُلُ (٢)
وهذا وشبهه مما يجري علي عادةِ القوم ومذهبِ خطابهم.
قال أبو الفتح: وهذا يتصل بباب من العربية لطيف غريب، وهو باب التجريد، كأنه يجرد نفسه منه، ثم يخاطبها (٣).
وقرئ أيضًا في غير المشهور: (ثم أَطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء (٤). وكذلك: (فمن اطُّرَّ) (٥)، و (إلا ما اطُّرِرْتُم) (٦). كما قالوا: اطّجع في
стр. 382
اضطجع، وهي لغة رديئة؛ لأن الضاد من الحروف الخمسة التي تدغم فيها ما يجاورها، ولا تدغمُ هي فيما يجاورها، وهي الضاد والفاء والميم والراء والشين (١)؛ لأن هذه الحروف زائدة على مجاورها في صورتها وقوتها، فإدغامها يؤدي إلى الإجحاف بها.
وقرئ أيضًا: (ثم إضْطّره) بكسر الهمزة (٢) على لغة من يكسر حروف المضارعة.
﴿قَلِيلًا﴾: نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: وقتًا قليلًا.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: المخصوص بالذم محذوف، أي: وبئس المصير مصيره، أو النار.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ﴾ حكاية حال ماضية، أي: واذكر إذ يرفع. و ﴿الْقَوَاعِدَ﴾: جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه. وواحد قواعد النساء: قاعد بغير تاء، وهي التي قعدت عن الولد والحيض، لأنها لا فعل لها في قعودها عن ذلك.
﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿الْقَوَاعِدَ﴾، أي: ثابتةً من البيت، ولك أن تعلقه بـ ﴿يَرْفَعُ﴾ على معنى: رفعها عن أرض البيت، قيل: ورَفْعُ الأُسس: البناء عليها، لأنها إذا بُني عليها نُقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، وتطَاولت بعد التقاصر (٣).
стр. 383
﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾: عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾. قيل: كان إبراهيم ﵇ يبني وإسماعيل ﵇ يناوله الحجارة (١). ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولان ربنا، وهذا الفعل في محل النصب على الحال، أي: يرفعانها قائلين ربنا. ومفعول ﴿تَقَبَّلْ﴾ محذوف، أي: تقبل منا ما تقربنا به إليك، وأطعناك فيه من بناء البيت. ﴿أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: لدعائنا. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بضمائرنا ونياتنا.
وقيل: إسماعيل مبتدأ والخبز محذوف، أي: وإسماعيلُ يقول، على أن إبراهيم كان يبني، وإسماعيل يدعو (٢)، والأول أمتن وعليه الأكثر، تعضده قراءة من قرأ: (يقولان) بإظهار الفعل، وهما عبد اللَّه، وأُبي ﵄ (٣).
وقيل في ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾: إنما سمي بهذا الاسم؛ لأن أباه كان يَسألُ الله تعالى ولدًا، ويقول في آخر دعائه: إسمع إيل، وإيل هو الله ، فسُمِّي بذلك لما ولد (٤).
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾:
قوله : ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾: مفعول ثان، و ﴿لَكَ﴾: متعلق بمسلمين؛ لأنه في معنى يخلص، أي: مُخْلِصِينَ أوْجُهَنا، من قوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (٥) أو مستسلمين. يقال: أسلم له، وسَلَّمَ، واستسلم،
стр. 384
إذا خضع وأذعن، والمعنى: زدنا إخلاصًا، أو إذعانًا لك.
وقرئ: (مسلمِين) بكسر الميم على الجمع (١)، على أن الدعاء لهما ولغيرهما من أهلهما، أو على إجراء التثنية مُجرَى الجمع لأنها منه.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾: أي واجعل من ذريتنا أمة. و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض. و ﴿مُسْلِمَةً﴾: صفة لأُمَّة. ولك أن تجعل ﴿مِنْ﴾ للتبيين في محل النصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿أُمَّةً﴾، والتقدير: واجعل أمة من ذريتنا مسلمة، فأمة مفعول أول، و ﴿مُسْلِمَةً﴾ ثان. و ﴿لَكَ﴾ متعلق بمسلمة على ما ذكرت آنفًا في ﴿مُسْلِمَةً لَكَ﴾.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾: أصله: أَرْئيْنَا، فنقلت حركة الهمزة إلى الراء بعد أن حذفت الياء للجزم، وحذفت الهمزة تخفيفًا.
وقرئ: بكسر الراء على الأصل، وقرئ: بإسكانها (٢) قياسًا على فَخْذٍ في فَخِذٍ، والذي جَسَّرَه (٣) على ذلك مع أن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها، فإسقاطها إجْحافٌ، حَذْفُ الهمزةِ في جميع تصاريف المستقبل، فلما كان كذلك حذفها وحذف ما يدل عليها، وأجرى الحكم على إسكان الراء في الأصل، ويعضده اتفاق الجمهور على الحذف بعد الحذف في قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ (٤)، وهو منقول من رأى الذي يراد به إدراك البصر، أو عِرفان الشيء، ولذلك لم يتجاوز مفعولين، أي: وبَصِّرْنا مَواضع مناسكِنا، أَوْ
стр. 385
وَعَرِّفْناها. والمناسك: جمع مَنْسَكٍ، وهو مصدرٌ جُمِعَ لاختلاف ضروبه.
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾:
قوله : ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ يعني في الأمة المسلمة، حملًا على المعنى، ولو حمل على اللفظ فقيل: فيها في الكلام، لجاز.
﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع نصب صفة لرسول، أي: من أنفسهم.
﴿يَتْلُو﴾: في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿مِنْهُمْ﴾ والعامل فيها الجار، ولك أن تجعله صفة بعد صفة لرسول.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ ﴿مَنْ﴾: في موضع رفع بالابتداء، وهو استفهام بمعنى الإنكار والاستبعاد لأَنْ يكونَ في العقلاء من يرغبُ [عن] (١) الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم ﵇. و ﴿يَرْغَبُ﴾: خبر الابتداء، وفيه مستكن يعود إلى ﴿مَنْ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿مَنْ﴾: موصولة في موضع رفع على البدل من المستكن في ﴿يَرْغَبُ﴾ لأن (من يرغب) غير موجب، كما تقول: هل أتاك أحد إلا زيدٌ؟ .
فإن قلتَ: ما منعك أن ترفع ﴿مَنْ﴾ التي بعد ﴿إِلَّا﴾ بـ ﴿يَرْغَبُ﴾ كما زعم بعضهم؟ قلت: منعني عدم العائد إلى المبتدأ الذي هو ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾.
стр. 386
فإن قلت: هل يجوز أن يكون في محل النصب على الاستثناء، كقولك: هل جاءك أحد إلا زيد، وإلا زيدًا؟ قلت: لا أمنع ذلك.
ومعنى يرغب عن ملته، أي: يترك دينه وشريعته، يقال: رغِبتُ في الشيء أرغَب بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رَغْبَةً ورَغَبَةً بالتحريك، إذا أردته. ورَغِبتُ عنه: إذا لم تُرِدْهُ وزهدْتَ فيه.
وأصل الرغبة: رفع الهمة عن الشيء تنزهًا، وإليه سُمُوًّا. فمعنى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: أي يرفع نفسه عنها، فاعرفه.
فإن قلتَ: علام انتصب ﴿سَفِهَ﴾ من ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؛ قلت: اختَلف أهلُ النحو فيه على أربعة أقوال (١):
أحدها: بـ ﴿سَفِهَ﴾، على تضمين ﴿سَفِهَ﴾ معنى جهل، أي: لم يفكر فيها وامتهنها واستخف بها (٢). وأصلُ السَّفَهِ: الخفةُ والحركةُ، يقال: تَسَفَّهَتِ الريحُ الشجرَ، أي: مالت به.
والثاني: على إسقاط الجار، أي: سَفِهَ في نفسه، فحُذف الجارُّ ونُصب المفعول، كقولهم: ضربَ الظهرَ والبطنَ، أي: على الظهر والبطن، وقولهم: زيد ظني مقيم، أي: في ظني (٣).
والثالث: على معنى سَفَّه نفسَه، ثم خُفِّفَ وهو مراد، يقال: سَفِهَ نفسَه، وبَطِرَ عيشَه، ورَشِدَ أمرَه، والأصل: سَفِهَمتْ نَفْسُهُ، وَرَشِدَ أَمْرُهُ، فلما حُوِّلَ الفعلُ إليه انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه على تقدير التشديد (٤).
стр. 387
وقيل: إنَّ (فَعِل) للمبالغة لغة، كما أن (فَعَّل) للمبالغة (١).
والرابع: على التمييز وهو مذهب الفراء: قال: لما حُوِّل الفعل من النفس إلى صاحبها خرج ما بعده مفسرًا، ليدل على أن السفه فيه، وكان حُكْمه أن يكون سَفِه زيدٌ نفسًا، لأن المفسِّر لا يكون إلا نكرة، ولكنه تُرك على إضافته، ونُصب كنَصْبِ النكرةِ تشبِيهًا بها، ومثله قولهم: ضِقْتُ به ذَرْعًا، وطِبْتُ به نفسًا. والمعنى ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به (٢).
وقال أبو عبيدة: معناه: أَهْلَكَ نفسَه، وأوبَقَ نفسه (٣).
والمختار: الأول، يعضده قوله ﵊: "الكِبْرُ أنْ تَسْفَهَ الحقَّ وتَغْمَصَ الناسَ" (٤). يقال: غَمِصَهُ، إذا استصغره ولم يره شيئًا، وغَمص فلانٌ النعمةَ، إذا لم يشكرْها، وغَمْصُ الشخصِ أيضًا عَيْبُهُ.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾: أي: اخترناه فيها للرسالة، وهو (افتعلنا) من الصفوة، فقلبت التاء طاء؛ لأنها من مخرج التاء، والطاء أشبه بالصاد من جهة الاستعلاء والإطباق، فقلبت للمؤاخاة.
﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: تَحتمل أن تكون الألف واللام بمعنى الذي، وأن تكون للتعريف، فإن جعلتهما بمعنى الذي كان ﴿فِي﴾ في قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلقًا بمحذوف دلَّ عليه هذا الظاهر، أي: وأنه صالح في الآخرة لِمن الصالحين. ولا يجوز أن يكون متعلقًا بهذا الظاهر؛ لأن الصلة لا تتقدم
стр. 388
على الموصول، وإن جعلتَهُمَا للتعريف كان متعلقًا به (١).
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَ لَهُ﴾ ﴿إِذْ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لـ ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ (٢)، كأنه قيل: اخترناه في ذلك الوقت، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المختار الصالح الذي لا يُرْغَب عن ملة مثله.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾:
قول : ﴿وَوَصَّى﴾ قرئ: (وأوصى) (٣)، وكلاهما هنا معنىً.
﴿بِهَا﴾: الضمير في ﴿بِهَا﴾ لِلْمِلّة، وقد تقدم ذكرها في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤)، أو لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) على تأويل الكلمة أو الجملة.
﴿وَيَعْقُوبُ﴾: عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ داخل في حُكمه، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٦)، ومفعوله محذوف، أي: ووصى بها يعقوب بنيه؛ لأن يعقوب ﵇ وصى بنيهِ أيضًا، كما وصى إبراهيم ﵇. وكفى شاهدًا له قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ (٧).
стр. 389
وعن أبي الحسن: أن (يَعْقُوبُ) مرفوع بإضمار فعل تقديره: قال يعقوب يا بني (١).
وقرئ في غير المشهور: (ويعقوبَ) بالنصب (٢) عطفًا على (بنيه)، أي: ووصي بها إبراهيم بنيه ونافِلَتَهُ يعقوب (٣).
﴿يَابَنِيَّ﴾: الأصل: يا بنيني، فحذفت النون للإضافة، فاجتمعت ياءان، ياء الجمع وياء النفْس، فأُدغمت الأولى في الثانية. و ﴿يَابَنِيَّ﴾ على إضمار القول عند أهلِ البصرة، وعند أهل الكوفة يَتعلّق بـ (وصّى)؛ لأنه في معنى القول.
فإن قلتَ، الألف واللام في ﴿الدِّينَ﴾ للجنس أم للعهد؟ قلت: قيل: للعهد، لأن الله تعالى لم يختر جميع الجنس من الدين، وإنما اختار دين الإسلام على سائر الأديان (٤).
﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾: نَهْيٌ مُؤَكَّد بالنون الشديدة.
﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾، والمعنى: فلا يكن موتكم إلَّا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا، كما تقول: لا تُصلِّ إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته، ونظيره من كلام القوم: لا أَرَيَنَّكَ ها هنا (٥)،
стр. 390
فالنهي في اللفظ للمتكلم، وهو في المعنى والحقيقة للمخاطب، كأنه قيل: لا تتعرض لأن أراك بكونك ها هنا.
قيل: فإن قيل: فأي نُكتةٍ في إدخال حَرْفِ النهي على الصلاة، وليس بمنهي عنها؟ قيل: النكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة، فكأنه قال: أنهاك عنها إذا لم تصلِّها على هذه الحالة، وكذلك المعنى في الآية: إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موتٌ لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حق هذا الموت ألا يَحُلَّ فيهم (١).
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾:
قوله : ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة كالتي في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (٢)، أي: بل أكنتم (٣) شهداء، ومعنى الهمزة فيها للإنكار والجَحْدِ. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، وهو العام في ﴿إِذْ﴾، أي: ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوبَ الموتُ.
وقيل: ﴿أَمْ﴾ هنا متصلة، وفي الكلام حذف، أي: أتدَّعُون على الأنبياءِ اليهوديةَ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت (٤).
والجمهور على فتح الضاد من (حضَر)، وقرئ: بكسرها (٥) وهي لغيَّة