← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

إعراب سُوَرَةُ الزّخُرفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾: قوله : ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ الواو للقسم، وهو بدل من الباء، والمعنى: أقسم بالكتاب المبين، وهو القرآن. وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ جواب القسم، هذا على قول من لم يجعل ﴿حم﴾ قَسَمًا، ومن جعل ﴿حم﴾ قسمًا كان قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ عطفًا عليه. وقوله: ﴿قُرْآنًا﴾ مفعول ثان، والجعل هنا بيعنى التصيير أو التسمية، لا بمعنى الخلق و ﴿قُرْآنًا﴾ حال كما زعم بعضهم (١). وقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ عطف على قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ وداخل في القسم، والضمير للقرآن، وقيل: لعلم الساعة، وقيل: لعمل بني آدم (٢)، والوجه هو الأول وعليه الجمهور. وخبر (إنَّ) قوله: ﴿لَعَلِيٌّ﴾، و ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: من صلة الخبر،

стр. 3257

وجاز أن يعمل ما بعد اللام فيما قبله لأن أصله أن يكون في الابتداء، وإنما أُخِّر لأجل (إِنَّ)؛ [أي]: وإن القرآن لَعَلِيّ في هذا المحل، وأما ﴿لَدَيْنَا﴾ فيحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾، وأن يكون صفة للخبر، فلما قدم عليه حكم عليه بالحال، ولا يجوز أن يكون أحد الظرفين الخبر، لأجل اللام، كقولك: إن زيدًا في الدار عند عمرو لجالس. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾: قوله : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾ الصفح: الإعراض، يقال: صفَّحْتُ عن فلان أَصْفَحُ صَفْحًا، أي: أَعْرَضتُ عنه أو عن ذنبه، والصَّفْحُ أيضًا: الناحية والجانب، يقال: نظر إليّ بصفْحِ وجهه، وصُفْحِ وجهه، أي: بِعُرْضِهِ. فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿صَفْحًا﴾ على الوجه الأول: يجوز أن يكون مفعولًا له، على: أفنمسك عنكم إنزال القرآن إعراضًا عنكم؟ وأن يكون في موضع الحال، أي: صافحين، أو ذوي صفح. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾، لأنه في معنى أَفَنَصفَحُ؟ . وأما على الوجه الثاني: فيكون ظرفًا ليس إلا، على معنى: أفنمسك عنكم جانبًا؟ تعضده قراءة من قرأ: (صُفْحًا) بالضم (١)، وقد جوز في هذه القراءة وجه آخر، وهو أن يكون تخفيف صفُحٍ جمع صفوح، كرُسُلٍ في جمع رسولٍ، فيكون انتصابه على الحال لا غير، أي: صافحين، فاعرفه فإنه موضع. وقرئ: (أن كنتم) بفتح الهمزة (٢)، على أنها مفعول له، أي: لأن

стр. 3258

كنتم، وقرئ: (إن كنتم) بكسرها (١)، على أنها الشرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، أي: إنْ كنتم قومًا مسرفين نضربْ عنكم، كقولك: أنت ظالم إن فعلت كذا. ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ (كم) في موضع نصب بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. وقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ حكاية حالط ماضية، أي: كانوا على ذلك. وقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ للقوم المسرفين، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول ﷺ بخبره عنهم، أي: فأهلكنا أشد من قومك بطشًا، أي: قوة وشدة، وانتصاب قوله: ﴿بَطْشًا﴾ على التمييز، وقد جوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل، أي: فأهلكناهم باطشين، أو ذوي بطش. ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ

стр. 3259

مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ الجعل هنا بمعنى الحكم بالشيء والاعتقاد له. وقوله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (وَجْهُهُ) اسم ظل، و ﴿مُسْوَدًّا﴾ خبره، ويجوز أن يكون في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير عائد إلى المُبَشَّر، وهو ﴿أَحَدُهُمْ﴾ في وهو اسمها، و (وجهُهُ) بدل من ذلك الضمير، و ﴿مُسْوَدًّا﴾ خبر ظل. والجمهور على نصب قوله: ﴿مُسْوَدًّا﴾، وقرئ: (مسودٌّ) بالرفع (١)، على أنَّ في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير المُبَشَّرِ، و (وجهه مسودٌّ) ابتداء وخبر، والجملة خبر ﴿ظَلَّ﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ في محل النصب على الحال من اسم ﴿ظَلَّ﴾، أو من المنوي في مسودٍ. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾: قوله ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: في محل (مَن) أوجه: أحدها: في موضع نصب بإضمار فعل، أي: أتجعلون للرحمن مِن الولد مَن هذه الصفة المذمومة صفته، وهو أنه يتربى في الزينة والنعمة؟ والثاني: في موضع رفع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: كمن ليس كذلك، أَوْ وَلَدٌ له. والثالث: في موضع جر على البدل من (ما) في قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ﴾، وقيل: بل في موضع نصب على البدل من البنات (٢). وفي جواز البدل في

стр. 3260

هذين الوجهين نظر، لأجل دخولى همزة الاستفهام بين البدل والمبدل منه. وقرئ: (يَنْشَأُ) بفتح الياء وإسكان النون وتخفيف الشين، و (يُنَشَّأ) بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين (١)، مَن فتح الياء نسب الفعل إلى (مَنْ) وهو لازم، فإذا نُقل بالتضعيف أو بالهمزة تعدى، وعليه قراءة من ضم الياء، يقال: نَشَأَ الغلامُ، ونُشِئَ، وأُنْشِئَ. وفي التنزيل: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ (٢). وفيه: ﴿أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (في الخصام) من صلة ﴿مُبِينٍ﴾، وجاز ذلك، لأن غيرًا فيها معنى النفي، فكأنه قيل: لا يبين في الخصام، ومنه مسألة الكتاب: أنا زيدًا غيرُ ضاربِ (٤)، فزيدًا منصوب بضارب، وقيل: انتصاب زيد بفعل مضمر دل عليه ضاربٌ، وكذا في الآية ﴿فِي﴾ من صلة محذوف دل عليه ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (٥). و ﴿الْخِصَامِ﴾ مصدر خاصم يُخَاصمُ مُخَاصَمَةً وخِصَامًا. وقيل: الخصام هنا جمع خَصْمِ، والمعنى: وهو بين الخصوم غير مبين للحجة (٦). ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ

стр. 3261

مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ قرئ: (عباد الرحمن) (١) و (عبيد الرحمن) (٢)، كقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٣). و (عند الرحمن) (٤)، كقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٥). والمراد به رفع المنزلة. و﴿إِنَاثًا﴾ و (أُنُثًا) جمع الجمع (٦). ومعنى ﴿جَعَلُوا﴾: سمّوا وقالوا إنهم إناث. وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ قرئ: (أَشهِدُوا) بهمزة استفهامٍ داخلةٍ على (شهدوا) (٧). و (أَأُشْهِدُوا) بهمزتين محققتين، الأولى مفتوحة والثانية مضمومة (٨)، والهمزتان إحداهما همزة الاستفهام، والثانية همزة (أُشْهِدُوا). وبتسهيل الثانية من غير مَدٍّ (٩). وبتسهيلها مع المد (١٠). وقد مضى الكلام

стр. 3262

عليهما في أول سورة البقرة بأشبع ما يكون (١). وقرئ أيضًا: (أُشهِدُوا) بغير استفهام على الخبر (٢)، على أنه نعت لإناث، أي: إناثًا مُشْهَدًا خَلْقهم (٣). ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾: قوله : ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ قرئ: (قل) (٤)، على لفظ الأمر على حكاية ما قاله للنذير، على: فقلنا له قل كيت وكيت: و ﴿قَالَ﴾ (٥)، على الخبر، على معنى: قال النذير المرسل لمترفي قومه. وجواب لو محذوف تقديره: أتقيمون على دِين آبائكم. وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: واذكر إذ قال. ﴿بَرَاءٌ﴾ الجمهور على فتح الراء وبعدها ألف بعدها همزة، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، ولذلك استوى فيه الواحد والاثنان والجمع، والمؤنث والمذكر، لكونه مصدرًا، يقال: نحن البراء منك (٦). والتقدير: إنني ذو براء منك، فحذف المضاف.

стр. 3263

وقرئ: (بريء) (١)، فعلى هذه يجوز جمعه وتثنيته، لأنه اسم الفاعل. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ يحتمل أوجهًا: أن يكون منصوبًا على أنه استثناء متصل من قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، أي: إنني براء مما تعبدونهم إلا الله، وجاز ذلك لأنه كان في القوم من يعبد الله ويعبد معه غيره على ما فسر (٢). وأن يكون مجرورًا على أنه بدل من المجرور بِمِنْ للسبب المذكور آنفًا، والتقدير: إنني براء مما تعبدونهم إلا مِن الذي فطرني. وأن يكون منصوبًا أيضًا على أنه استثناء منقطع، و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن، أي: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين. وأن تكون، ﴿إِلَّا﴾ صفة بمعنى غير، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣) أي: غير الله، على أن (ما) في قوله: ؛ ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ موصولة، والتقدير: إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني. والفَطْرُ: ابتداء خلق من غير مثال، من قولهم: فَطَرْتُ البِئْرَ، إذا أنشأتَ حفرها من غير أصل سابق (٤). ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾:

стр. 3264

قوله : ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾ الضمير للبراءة، أي: وجعل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه البراءة من الأصنام ومن كل معبود سوى الله. وقوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾ الجمهور على ضم التاء، وقرئ: (بل متعتَ) بفتح التاء (١)، على أن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ فقال: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر، والسعة في الرزق، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد. ويحتمل أن يكون حكاية عن قول خليل الرحمن ﵊. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾: قوله : ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ اختلف أهل التأويل في التقدير، فقال قوم: التقدير: على رجل من إحدى القريتين، أرادوا إما مكة وإما الطائف، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ (٢) أي: من أحدهما (٣). وقال آخرون: ليس التقدير من إحدى القريتين، بل المراد من القريتين كلتيهما، والمراد به عروة بن مسعود لأنه كان يسكن مكة والطائف جميعًا، وكان له في مكة أموال، وله في الطائف عُقَدٌ وضياع، وكان ينسب إليهما جميعًا (٤).

стр. 3265

وقال غيرهما: التقدير: على رجل من رجلي القريتين، وهما الوليد بن المغيرة المخزومي، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، عن ابن عباس ﵄ (١). ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ﴾ بإعادة الجار، أي: لجعلنا لبيوت من يكفر، وهو بدل الاشتمال، ويجوز أن يكون التقدير: سقفًا لبيوتهم، على أنه صفة لقوله: ﴿سُقُفًا﴾، فلما تقدم عليه حكم عليه بالحال. وقرئ: (سَقْفًا) بفتح السين وإسكان القاف (٢)، وهو واحد يدل على الجمع لكونه اسم جنس، وقد علم بقوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ أن لكل بيت سَقْفًا. وقرئ: (سُقُفًا) بضم السين والقاف (٣)، وهو جمع سَقْفٍ كرُهُنٍ في جمع رَهْنٍ. وقوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ عطف على قوله: ﴿سُقُفًا﴾، والتقدير: ومعارج من فضة، فحذف لدلالة الأول عليه، والمعارج الدَّرَج، واحدها معرج. وظهر على الشيء: إذا علاه. قوله : ﴿أَبْوَابًا وَسُرُرًا﴾ عطف أيضًا، أي: أبوابًا من فضة، وسررًا من فضة.

стр. 3266

وقوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ على معنى: سقفًا من فضة ومن زخرف، والزخرف: الذهب. وأن يكون منصوبًا بفعل مضمر، أي: وجعلنا لهم زخرفًا، أي: زينة من كل شيء. وقوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ﴾ قرئ: (لَمَا) بالتخفيف والتشديد (١). مَن خفف: جعل (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، على تقدير: إنِ الأمر والشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، و (ما) صلة، والتقدير: وإن الأمر أو الشأن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا. ومَن شَدَّدَ: جعل (إن) بمعنى (ما) و (لما) بمعنى (إلا) كقوله: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٢) تعضده قراءة من قرأ: (وما كل ذلك إلا) (٣). وقرئ: (لِما) بكسر اللام (٤)، و (ما) على هذه موصولة، والعائد إليها من صلتها محذوف، أي: الذي هو متاع الحياة، وحَذْف العائد هنا كحذفه في قوله جل ذكره: (ما بعوضةٌ) (٥). و (وتمامًا على الذي أَحْسَنُ) (٦) في قول من رفعهما (٧). قال أبو الفتح: ينبغي أن تكون ﴿كُلُّ﴾ على هذه القراءة منصوبة، لأن (إن) مخففة من الثقيلة، وهي متى خففت من الثقيلة وأبطل نصبها لزمتها

стр. 3267

اللام في آخر الكلام للفرق بينها وبين إن النافية التي بمعنى (ما)، نحو: إنْ زيدٌ لقائمٌ، ولا لامَ هنا سوى الجارة. قلت: يجوز أن يقدر قارئه: لَلِما متاعُ بلامين: الأولى الفارقة، والثانية الجارة، ثم حَذَفَ الفارقةَ وبَقَّى الجارة في اللفظ كالعوض منها كراهة اجتماع المثلين وإن كانت حركتهما مختلفة، وإلا فلا وجه لرفع (كلُّ)، فاعرفه (١). ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾: الجمهور على رفع الشين، وهو من عَشَا يَعْشُو عَشْوًا. والعَشْوُ عن الشيء: الإعراض عنه، والعَشْوُ إليه: قَصدُهُ والميلُ إليه، يقال: عشا إلى ناره، أي: قصدها، وعشا عنها، أي: أعرض عنها وتركها. أي: ومن يعرض عن ذكر الرحمن. وقرئ: (وَمن يَعْشَ) بفتح الشين (٢)، وهو من عَشِيَ يَعْشَى، إذا صار أعشى، أي: ومن يعم عنه. وهو من ذوات الواو، والياء في عَشِيَ منقلبة عن الواو، وكذا الألف، ولهذا تقول النحاة: العَشَا تكتب بالألف في عشا (٣). وقرئ: (يَعْشُو) بالواو (٤)، على أن (من) موصولة عارية عن معنى الشرط، وينبغي على هذه القراءة أن يكون (نُقَيّضُ) مرفوعًا، ولا أعرف فيه نقلًا (٥).

стр. 3268

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾: قوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ قرئ: على الإفراد، على أن الفعل للعاشي، و (جاءانا) على التثنية (١)، على أن الفعل له ولشيطانه. وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريد المشرق والمغرب، إلا أنه غَلَّب لفظ المشرق لأنه أولُ فَثَنَّى بلفظه، والتغليب غير منكر في كلام القوم، ومنه قيل: العُمَران، والقمران. والثاني: يريد مشرق الصيف ومشرق الشتاء (٢). ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾:

стр. 3269

قوله : ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ الجمهور على فتح همزة ﴿أَنَّكُمْ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: في موضع رفع على أنه فاعل الفعل الذي هو ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾، أي: لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب، أي تَأَسِّيكم فيه. والثاني: في موضع نصب على أنه مفعول له، وفاعل الفعل مضمر دل عليه قوله: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: لن ينفعكم اليوم تبرؤ بعضكم من بعض، لأنكم في العذاب مشتركون، تعضده قراءة من قرأ: (إنكم) بالكسر على الاستئناف وهو ابن ذكوان، رواه عنه ابن مجاهد (١)، و ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف لقوله: لن ينفعكم، و ﴿إِذْ﴾ بدل من اليوم. فإن قلت: كيف يصح أن تكون؛ ﴿إِذْ﴾ بدلًا من ﴿الْيَوْمَ﴾ وهما وقتان مختلفان؟ قلت: لأن الماضي والمستقبل عند الله سِيّان، فصح لذلك أن يكون أحدهما بدلًا من الآخر، وهو قول الشيخ أبي علي، قال أبو الفتح: سألت الشيخ أبا علي عن ﴿إِذْ﴾ هنا وراجعته فيها مرارًا، فآخر ما حصل منه أن الدنيا والأخرى متصلتان، وهما سواء في حكم الله وعلمه، فتكون ﴿إِذْ﴾ بدلًا من ﴿الْيَوْمَ﴾ كأنها مستقبلة، أو كأن ﴿الْيَوْمَ﴾ ماضٍ، انتهى كلامه (٢). ويجوز أن يكون ﴿إِذْ﴾ تعليلًا، أي: لأجل إذ ظلمتم، وإليه أشار بعض أصحابنا فقال: ﴿إِذْ﴾ بمعنى (أن)، أي: لأن ظلمتم. وقيل: في

стр. 3270

الكلام حذف مضاف تقديره: بعد إذ ظلمتم، ثم حذف المضاف للعلم به، والله تعالى أعلم بكتابه (١). ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾: قوله : ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ اختلف في ﴿أَمْ﴾ هنا، فقيل: منقطعة بمعنى بل وألف الاستفهام، والمعنى: بل أأنا خير من هذا الذي هو مهين، على سبيل التقرير. وقيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل وحدها، والمعنى: بل أنا خير. وقيل: أم متصلة معادلة لألف الاستفهام وما دخلت عليه مضمر، والتقدير: أفلا تبصرون أم تبصرون، إلا أنه وضع قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ موضع تبصرون، لأنهم إذا قالوا له: أنت خير، فهم عنده بُصَراء، وهو قول الخليل وصاحب الكتاب رحمهما الله، قالا: المعنى أَفَلا تُبْصِرُون أَمْ أَنْتُمْ بُصَرَاءُ؟ فقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ على هذا، بمعنى أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالوا له: أنت خير كانوا عنده بصراء (٢). والمهين: الذي لا عِزَّ له، ولا ملك، ولا مال. وقيل: هو الذي يمتهن نفسه في حوائجه (٣). والله أعلم. ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾:

стр. 3271

قوله : (فلولا أُلقي عليه أساورةٌ) وقرئ: (أَسْوِرَةٌ) (١). فأسْوِرَةٌ جمع سِوَارٍ، وسُوَارٍ، يقال: سِوَارُ المَرَأةِ وسُوَارُهَا وإسوارها، عن الكسائي وغيره (٢) وأساورة: يجوز أن يكون جمع إسوار، كإعصار وأعصاير، والأصل أساوير وأساورة على تعويض التاء من ياء أساوير، كما قالوا: زنادقة في زناديق. وأن يكون جمع أَسْوِرة كأساق في جميع أسقية. والأصل أساور، وألحقت الهاء لتأنيث الجمع كما ألحقت في صياقلة لذلك. وقرئ: (أَلْقَى عليه أسورةً) و (أساور) على البناء للفاعل، وهو الله عز وعلا (٣). وقوله: ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ نصب على الحال، أي: متتابعين له. وقيل: منضمين إليه، يقال: قَرَنْتُ فلانًا بفلان، فاقترن به (٤). وقوله: ؛ ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ قرئ: بفتح السين واللام (٥)، وهو جمع سالف، كخدم في خادم. وقيل: مصدر وصف به، فيصلح للواحد والجمع، وهو هنا للجمع. وقرئ: (سُلُفًا) بضمهما (٦)، وذلك يحتمل وجهين: أن يكون جمع

стр. 3272

سَلَفٍ، كأُسُدٍ في جمع أَسَدٍ، وأن يكون جمع سليف، ككُثُبٍ ورُغُف في جمع كَثِيبٍ ورَغيفٍ. وقرئ: (سُلَفًا) بضم السين وفتح اللام (١)، وذلك يحتمل وجهين أيضًا: أن يكون بيعنى سُلُف، غير أنه أبدل من الضمة فتحة كراهة اجتماع الضمتين، وأن يكون جمع سُلْفَةٍ، كَظُلَمِ في ظُلْمَةٍ، أي: ثلة قد سلفت، أي: فرقة متقدمة، وهو مفعول ثان، ﴿وَمَثَلًا﴾ عطف عليه. ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾: قوله : ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ ﴿مَثَلًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا به ثانيًا، لأن ضُرب وجُعل بمعنىً، وأن يكون حالًا من ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ على معنى: وُصِفَ، أي: ذكر مُمَثَّلًا به. وقرئ: (يَصِدون) بكسر الصاد وضمها (٢). قيل: وهما لغتان بمعنىً، يقال: صدَّ يصِدُّ ويَصُدُّ، إذا ضج وصاح. وقيل: يَصُدُّون -بالضم- من الصدود، أي: من أجل هذا المثل يَصُدُّون عن الحق ويعرضون عنه، ويَصِدُّون بالكسر: يضجون. وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ (جدلًا) مفعول له، أي: ما قالوا هذا القول يعني ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ إلا للجدل، أي: ليجادلوك به، فيجوز أن يكون في موضع الحال، أي: جدلين أو ذوي جدل.

стр. 3273

وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ أي: بدلكم ومكانكم، لأن الإنس لا يكونون ملائكة، و (مِن) تأتي بمعنى البدل، كما تقول: ليت لي من هذا العبد عبدًا صالحًا: أي: بدله. وقيل: المعنى: لحولنا بعضكم ملائكة (١). وقيل: التقدير: لجعلنا منكم مثل ملائكة، أي: لا تعصون [كما لا يعصون]. ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾: قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾ الضمير في (إنه) في قول الجمهور لعيسى ﵊، أي: وإن عيسى عِلْمٌ للساعة، والعِلْم ما يُعلم به، والمراد أن نزوله في آخر الزمان من أشراط الساعة يُعلم به قربها. وقيل: الضمير للقرآن (٢). وقيل: لرسول الله ﷺ (٣). وقرئ: (وإنه لَعَلَمٌ) بفتح العين واللام (٤)، والعَلَم: العلامة. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ (أن تأتيهم) بدل

стр. 3274

من الساعة، وهو بدل الاشتمال، أي: هل ينظرون إلا إتيان الساعة. و ﴿بَغْتَةً﴾ مصدر في موضع الحال. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: في موضع الحال أيضًا، أي: وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم. ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾: قوله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (الأخلاء) مبتدأ، و ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل منه، و ﴿عَدُوٌّ﴾ الخبر، و ﴿لِبَعْضٍ﴾ من صلة ﴿عَدُوٌّ﴾. وأما ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: فيجوز أن يكون من صلة ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾، على معنى: الأخلاء في الدنيا، والمراد بيومئذٍ: زمن كونهم في الدنيا، وفي الكلام حذف تقديره: عدو في الآخرة. وأن يكون من صلة ﴿عَدُوٌّ﴾، أي: الأخلاء بعضهم لبعض عدو يومئذٍ، يعني يوم القيامة، لأن الخلة في الكفر والمعصية في الدنيا تصير عداوة يوم القيامة. ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾: قوله : ﴿يَاعِبَادِ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بالأول حكاية لما ينادَى به المتقون، والتقدير: إلا المتقين فإنهم يقال لهم: يا عبادي كيت وكيت، وأن يكون مستأنفًا، أي: يقال يوم القيامة للمؤمنين المطيعين: يا عبادي كيت وكيت. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب إما على النعت لـ (عبادي) لأنه منادى مضاف، أو على إضمار فعل، وذلك أن الخلائق إذا سمعوا النداء رفعوا رؤوسهم، يقال لهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: نعني، أو

стр. 3275

نريد الذين آمنوا، وهذان الوجهان مرتبان على وجهي الاتصال والانفصال في قوله: ؛ ﴿يَاعِبَادِ﴾. وأن يكون في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: يقال لهم: ادخلوا الجنة. أو قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، وما بينهما اعتراض، أو بالعكس، أي: هم الذين آمنوا. وقوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ في موضع نصب على الحال، أي: مسرورين، أو مكرمين. وقوله: ﴿وَفِيهَا﴾ أي: في الجنة. (ما تشتهى). قرئ: بحذف العائد إلى الموصول، وهو (ما)، لطول الموصول بالصلة. و (تشتهيه) بإثباته (١)، وهو الأصل، وكلاهما حسن، وعلى الحذف أكثر التنزيل (٢). ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾: قوله : ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، والإشارة إلى الجنة المذكورة، و ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبره، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ خبر بعد خبر، و ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ صفة الجنة، أي: يقال لهم: هذه تلك الجنة التي كانت توصف لكم في الدنيا أورثتموها، أي: جعلت لكم ميراثًا من الكفار، ويجوز أن تكون الجنة صفة لـ ﴿تِلْكَ﴾، والخبر ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾، وأن تكون ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ صفة بعد صفة لـ ﴿تِلْكَ﴾، والخبر ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 3276

وقوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤)﴾ يجوز أن يكون الظرف لغوًا، فيكون من صلة ﴿خَالِدُونَ﴾، وأن يكون مستقرًا، ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر بعد خبر، ويجوز في الكلام نصب خالدين على الحال من المنوي في الظرف. وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ يجوز أن يكون خبرًا ثانيًا أو ثالثًا، وأن يكون حالًا، وأن يكون مستأنفًا. ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾: الواو للحال، والقائم مقام الفاعل في قوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ﴾ إما المنوي فيه الراجع إلى العذاب، أو ﴿عَنْهُمْ﴾، ولا ذكر على هذا في قوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ﴾، والمبلس: اليائس الساكت، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١). ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾: قوله : ﴿يَامَالِكُ﴾ الجمهور على النداء من غير ترخيم، وقرئ: (يا مالِ) و (يا مالُ) بالكسر والضم (٢) على الترخيم، كقولك: يا حارِ ويا حارُ. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا﴾ أي: ليمتنا ربك، مِن قَضَى عليه إذا أماته.

стр. 3277

وقوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا﴾ (أم) هي المنقطعة، وإبرام الشيء إحكامه. وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ في ﴿إِنْ﴾ هنا وجهان: أحدهما: هي (إن) النافية بمعنى (ما)، والفاء لعطف جملة على جملة كالواو، والمعنى: ما كان للرحمن ولدِّ، فأنا أول من قال بذلك، وعَبَدَ وَوَحَّدَ بمعنى. و ﴿الْعَابِدِينَ﴾ على بابه. والثاني: هي (إن) الشرطية، والفاء جوابها، والمعنى: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين، أي الموحدين لله، المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه، وقيل المعنى: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين ولده، ولكن لم يكن له ولد ولا ينبغي أن يكون، ﴿الْعَابِدِينَ﴾ على بابه أيضًا، وقيل: المعنى إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، من قولهم: عَبِدَ من كذا يَعْبَدُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر عَبَدًا، إذا أَنِف منه، فهو عَبِدٌ وعَابِدٌ أيضًا، وأُنشد: ٥٦٥ - ..................... ... وأَعْبَدُ أَنْ أَهْجُو كُلَيبًا بِدارِمِ (١) أي: آنف من ذلك. وعن أبي عبيدة: معناه الجاحدين، وحَكَى: عَبَدَني حقي، أي: جحدني، أي: إن كان للرحمن ولد فأنا أول الجاحدين أن يكون له ولد (٢).

стр. 3278

وعن ابن عباس ﵄. إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد، وهذا من عَبَدَ: إذا غضب (١). وقيل: المعنى إن صح ذلك فأنا أول الآنفين من عبادته، ولن يصح ذلك (٢). قال أبو الفتح: وروينا عن قُطرب: أن العابد العالم، والعابد الجاحد، والعابد الآنِف الغضبان، قال: ومعنى هذه الآية يحتمل كل هذه المعاني، انتهى كلامه (٣). ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾: قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ الراجع إلى ﴿الَّذِي﴾ محذوفٌ، حُذِفَ لطول الكلام، كقولهم فيما حكاه الخليل: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا (٤). وكقراءة من قرأ: (تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع (٥). و﴿فِي السَّمَاءِ﴾: من صلة ﴿إِلَهٌ﴾ على تضمينه معنى الوصف، والتقدير: وهو الذي هو إله في السماء، فـ (هو) مبتدأ، و (الذي) خبره، و (هو) مبتدأ ثان، و (إله) خبره، أي: هو الذي هو معبود في السماء تعبده الملائكة، معبود في الأرض يعبده الإنس والجن، و ﴿فِي﴾ في الموضعين من صلة ﴿إِلَهٌ﴾، أي: يُعبد فيهما، ولا يجوز أن ترفع ﴿إِلَهٌ﴾ بالابتداء

стр. 3279

والظرف خبره، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، لعدم العائد من الجملة إلى الموصول. ولك أن تجعل ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾، على معنى: وهو الذي يُعبد في السماء، لا على معنى الاستقرار، و ﴿إِلَهٌ﴾ على هذا خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان للصلة، وكونه في السماء على سبيل الإلهية والربوبية لا على معنى الاستقرار، لا بدل من المنوي في الظرف، لأن ذلك يؤدي إلى إيجاب البدل قبل تمام الموصول بالصلة، لأجل أن قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ عطف على قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، فهو في الصلة، وذلك لا يجوز. وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ المصدر مضاف إلى المفعول، أي: علم وقوع الساعة، أي: يعلم وقوع الساعة. وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على البدل، والاستثناء متصل، أي: ولا يملك المعبودون الشفاعة إلا الشاهدون بالحق، وهم عيسى وعزير والملائكة ﵈، فإنهم يملكون الشفاعة للمؤمنين. وأن يكون في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وقد مضى الكلام على نظير هذا فيما سلف من الكتاب. ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾: قوله : (وقِيلَهُ) قرئ بالحركات الثلاث (١):

стр. 3280

أما النصب فيحتمل أوجهًا: أن يكون عطفًا على ﴿سِرَّهُمْ﴾ (١) أي: ونسمع قِيلَه (٢). وأن يكون عطفًا على محل ﴿السَّاعَةِ﴾، على: ويعلم قيلَه، كما تقول: عجبت من أكل الخبز واللحم، أي: من أكلك هذا وهذا. وأن يكون عطفًا على معمول ﴿يَكْتُبُونَ﴾ (٣) المحذوف، على: ويكتبون ذلك، ويكتبون قيله. وأن يكون عطفًا على معمول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ (٤) المحذوف، أي: وهم يعلمون الحق ويعلمون قيله. وأن يكون منصوبًا على المصدر، على معنى: وقال قيله. وأما الجر: فعلى لفظ ﴿السَّاعَةِ﴾ (٥) على: وعنده علم الساعة وعلم قيلِهِ. وأما الرفع: فعلى الابتداء، وخبره إما ما بعده، والتقدير: وقيلُه قيلُه يا رب، فحذف قيله الذي هو خبر، ومحل ﴿يَارَبِّ﴾ النصب بالخبر المحذوف المقدر، قيل: ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بحض الموصول ويبقى بعضه، لأن حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور، وإما محذوف، أي: وقيله كيت وكيت مسموع أو مقبول. وقد جوز أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ على تقدير حذف المضاف، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله، فحذف المضاف فارتفع (وقيلُه) (٦). وقد جوز أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قوله: أيمن الله، وأمانة الله، ويمين الله، ولعمرك، ويكون قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ

стр. 3281

لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) جواب القسم، كأنه قيل: وأقسم بقيله يا رب، أو قيله يا رب قسمي إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (٢). والقيل: القول، والهاء قيل لرسول الله ﷺ ، وقيل: لعيسى ﵇ (٣). وقوله: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: أمري سلام، أو لكم سلام، أي: سلمتم مني لا أُؤاخذكم بسوء أعمالكم. وقيل التقدير: سلام عليكم (٤). وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته لتقدم ذكر الغيبة، وبالتاء النقط من فوقه (٥) على الخطاب لهم، أي: قل لهم يا محمد: فسوف تعلمون أيها الكفار. والله أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الزخرف والحمد لله وحده

стр. 3282

إعراب سُوَرَةُ الدُّخَاِن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾: قوله : ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ قد ذَكَرْتُ في أول "الزخرف" أن الواو في ﴿وَالْكِتَابِ﴾ واو القسم على قول من جعل ﴿حم (١)﴾ تعديدًا للحروف، أو اسمًا للسورة، وواو العطف على قول من جعل ﴿حم (١)﴾ مُقْسَمًا بها (١)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ جواب القسم. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ هو جواب آخر من غير عاطف، كقولك: والله إنَّ زيدًا منطلقٌ إنَّ عَمْرًا خارجٌ. وقيل: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ هو جواب القسم دون قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، لأنك لا تقسم بالشيء على نفسه، لأن القسم تأكيد خبر لخبر آخر، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه (٢). وقوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ نصبه يحتمل أوجهًا: أن يكون مصدرًا في موضع الحال، إما من ضمير الفاعل في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، أي: أنزلناه آمرين به، وإما من ضمير المفعول، أي: أنزلناه في

стр. 3283

حال كونه أمرًا من عندنا، وإما من المنوي في ﴿حَكِيمٍ﴾، أو من ﴿أَمْرٍ﴾ لكونه موصوفًا. وأن يكون منصوبًا على المصدر من غير لفظ الفعل وهو يفرق حملًا على المعنى، كأنه قيل: يفرق فَرْقًا، وإنما وَضَعَ أمرًا موضع فرقًا الذي هو مصدر يفرق، لأن معناهما واحد من حيث إنه إذا حَكَم بالشيء وكَتَبه فقد أَمَر به وأوجبه. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وهو محذوف، أي: أمرناه أمرًا، دل عليه ما يشتمل الكتاب عليه من الأوامر. وأن يكون مفعولًا به: إما بفعل مضمر يدل عليه ﴿حَكِيمٍ﴾، أي: أحكمنا أمرًا، أو بقوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾، كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ (١). وأن يكون مفعولًا له، أي: أنزلناه لأجل الأمر، أو يُفْرَقُ لذلك. وأن يكون مصدرًا واقعًا موقع إنزال، كأنه قيل: أنزلناه إنزالًا. وأن يكون منصوبًا على التمييز، أي: من الأمور التي هي من عندنا. وأن يكون منصوبًا على المدح، أي: أمدح أمرًا حاصلًا من عندنا كائنًا من لدنا، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ من صلة ﴿يُفْرَقُ﴾، والأول أحسن لما فيه من فخامة الأمر وتعظيمه. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾: قوله : ﴿رَحْمَةً﴾ في نصبها أوجه:

стр. 3284

أحدها: مفعول له، أي: إنا كنا مرسلين جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام بالقرآن لأجل الرحمة على الخلق. والثاني: مفعول به لقوله: ﴿مُرْسِلِينَ﴾ على أن المراد بالرحمة النبي ﷺ . والثالث: في موضع الحال من المنوي في ﴿مُرْسِلِينَ﴾، أي: إنا كنا مرسلين جبريل أو محمدًا ﵉ راحمين، أو ذَوَي رحمة للخلق. والرابع: مصدر من غير لفظ فعله، كأنه قيل: إنا كنا راحمين رحمة، لأن الإرسال رحمة للخلق. والخامس: مصدر لفعل مضمر يدل عليه ﴿مُرْسِلِينَ﴾ أي: رحمناكم رحمة. والسادس: بدل من قوله: ﴿أَمْرٍ﴾. وقوله: (ربُّ السماواتِ) قرئ: بالرفع (١)، إما على تقدير مبتدأ محذوف، أي: هو رب السموات، أو على أنه مبتدأ، والخبر ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وبالجر (٢). على البدل من ﴿رَبِّكَ﴾. وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ الجمهور على رفعه، وفيه أوجه: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربكم، وأن يكون خبرًا بعد خبر على قول من قرأ: (رَبُّ السموات) بالرفع. وأن يكون فاعل (يميت)، وفاعل ﴿يُحْيِي﴾ المنوي فيه العائد إلى ما قبله. وقرئ: (رَبِّكم وربِّ آبائكم) بالجر مع جر (رَبِّ السموات) (٣) على البدل منْ ﴿رَبِّكَ﴾.

стр. 3285

﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾: قوله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي﴾ جوز أن يكون ﴿يَوْمَ﴾ مفعولًا به، مفعولَ ﴿فَارْتَقِبْ﴾ وأن يكون ظرفًا له، ومفعوله محذوف، وهو النقمة أو العذاب، وشبه ذلك. وقوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ في موضع جر على النعت لدخان. وقوله: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ في موضع نصب بفعل مضمر وهو (يقولون)، ويقولون في موضع الحال، أي: قائلين ذلك، وهو حكاية حال ماضية، كقوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) على قول من جعل الدخان قد مضى (٢)، ومن جعله مستقبلًا فهو حكاية حال آتية، كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣). وقوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ (الذكرى) رفع بالابتداء، والخبر ﴿لَهُمُ﴾، و ﴿أَنَّى﴾ معمول الخبر، ولك أن تجعل الخبرط ﴿أَنَّى﴾، و ﴿لَهُمُ﴾ حال. ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ﴾: حال. وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ (قليلًا) نعت لمصدر أو لظرف

стр. 3286

محذوف، أي: كشفًا قليلًا، أو وقتًا قليلًا. وقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ اختلف في عامل ﴿يَوْمَ﴾، فقيل: منصوب بمضمر دل عليه ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾، أي: ننتقم منهم يوم نبطش، وهو يوم بدر. وقيل: يوم القيامة (١). ولا يجوز نصبه بموله: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، لأن ما بعد (إنَّ) لا يعمل فيما قبله. وقيل: هو بدل من قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾. وقيل: هو عطف على ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ والتقدير: فارتقب يوم تأتي السماء ويوم نبطش، فحذف العاطف. وقيل: منصوب بقوله: ﴿عَائِدُونَ﴾. وقيل: منصوب بإضمار فعل، أي: اذكر يوم نبطش (٢). وقرئ: (نَبْطِشُ) بضم الطاء وكسرها (٣)، وهما لغتان بمعنى، والبَطْشُ: الأخُذُ بِشِدَّةٍ. وقرئ أيضًا: (نُبْطِشُ) بضم النون وكسر الطاء (٤)، على معنى: نسلِّط عليهم من يُبْطِشُ بهم، من بطش هو وأبطشته، كأنه -والله أعلم- يحمل الملائكة أو غيرهم على أن يبطشوا بهم. و﴿الْبَطْشَةَ﴾ على قراءة الجمهور: انتصابها على المصدر، وعلى قراءة من ضم النون: بفعل آخر غير هذا الظاهر دل عليه الظاهر، أي: يومَ نُبطش فَيبطِشُ البطشةَ، كقولك: أعلمت زيدًا عمرًا إعلامًا العلم اليقين، فقولك: (إعلامًا) منصوب بقوله: أعلمت، وأما العلم اليقين فمنصوب بما دل عليه أعلمت، وهو عَلِمَ العلمَ اليقين، لا بقوله: (أعلمت)، لأنه قد استوفى ما يقتضيه من المفاعيل.

стр. 3287

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾: قوله : ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ قد جوز في ﴿أَنْ﴾ هنا أن تكون هي المفسرة بمعنى (أي)، لأن إتيان الرسل متضمن لمعنى القول. وأن تكون المخففة من الثقيلة، أي: وجاءهم رسول بأن الشأن والحديث أدوا إليَّ عباد الله. وأن تكون مصدرية في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته. و﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾: يجوز أن يكون مفعولًا به، أي: أدوا إليّ عباد الله، أي: سلموهم إليّ وهم بنو إسرائيل، وأن يكون نداء لهم ومفعول ﴿أَدُّوا﴾ محذوف، أي: أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب لله عليكم من الإيمان به، فحذف حرف النداء مع مفعول ﴿أَدُّوا﴾. وقوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا﴾ عطف على ﴿أَنْ﴾ كل الأولى، وحكمها حكمها في أوجهها. وقوله: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ (أن) في موضع نصب، أي: من أن ترجمونِ. ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾ الجمهور على فتح (أَنَّ) وهو مفعول دعا، أي: فدعا ربه بأن هؤلاء، وقرئ: (إن هؤلاء) بكسرها (١) على إضمار

стр. 3288

القول، أي: فدعا فقال، أو لأن الدعاء نوع من القول. وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ (رهوًا): مصدر في موضع الحال من البحر، أي: راهيًا، أي: ساكنًا على حاله، يقال: رَهَا الشيءُ يَرْهُو رَهْوًا، إذا سكن، فهو راهٍ. أو ذا رهو، فحذف المضاف. وعن المبرد: عيش راهٍ، أي: ساكن (١). أو منفرجًا، من قولهم: بئر رهوة ورهواء، إذا كانت واسعة، أي: اتركه مفتوحًا على حاله منفرجًا (٢). وقيل: ﴿رَهْوًا﴾ أي: طُرُقًا متتابعة يتبع بعضها بعضًا، يقال: جاء القوم رهوًا، أي: متتابعين (٣). وقيل: ﴿رَهْوًا﴾ أي: يابسًا، يقال: رها الشيء، إذا يبس، لقوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ (٤). وقيل: هو مفعول ثان على تضمين التَّرْكِ معنى التصيير، أي: صَيِّرْهُ رهوًا (٥). وقوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ الجمهور على كسر الهمزة على الاستئناف، وقرئ: (أنهم) بفتحها (٦)، على: لأنهم. وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ (كم) منصوبة بقوله: ﴿تَرَكُوا﴾، أي: كثيرًا ترك الذين أغرقناهم في البحر. ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ

стр. 3289

إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾: قوله : ﴿كَذَلِكَ﴾ يجوز أن تكون الكاف في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، وأن تكون في موضع نصب على أنها نَعْتٌ لمصدر محذوف، أي: إخراجًا مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وأورثناها قومًا آخرين. وقيل: التقدير: تركًا كذلك (١). وقيل: التقدير: نفعل فعلًا كذلك بمن نريد هلاكه (٢). وقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من ﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ بإعادة الجار، أي: من عذاب فرعون، فحذف المضاف، ولك ألا تقدر حذف مضاف وتجعل ﴿فِرْعَوْنَ﴾ كأنه في نفسه كان عذابًا مُهينًا لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم، وأن تجعل: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ حالًا من ﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، أي: واقعًا أو صادرًا من جهته، ولا يجوز أن يكون ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ من صلة العذاب، لأنه قد وصف، وإذا وصف لم يعمل بعد الوصف عمل الفعل. وقوله: ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، كأنه قيل: كان جبارًا مسرفًا، وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿عَالِيًا﴾. وقوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع في ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾، أي: ونحن عالمون باستحقاقهم ذلك، و ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ من صلة ﴿اخْتَرْنَاهُمْ﴾. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ

стр. 3290

قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾: قوله : ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا﴾ أي: ما الموتة، وهي الموتة الواقعة في الدنيا. وقيل: ما الحالة (١). وقوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ في محل الرفِع إما بالعطف على ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾، على: أهم خير أم هذان، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. و﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: يجوز أن يكون من صلة ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾، وأن يكون من صلة محذوف، على أنه هو صلة الموصول، وفيه ذِكْرٌ يعود إلى الموصول، و ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: إما حال من المنوي في الصلة و (قد) معه مرادة، أو مستأنف، وإما بالابتداء، والخبر ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. وأن يكون في محل النصب بإضمار فعل دل عليه ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾، و ﴿لَاعِبِينَ﴾ نصب على الحال. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يجوز أن يكون من صلة الخلق، أي: بسبب الحق، وأن يكون في موضع الحال، أي: محقين، يعني: عاملين بالحق ملتبسين به. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾: قوله : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وعن الكسائي والفراء أنهما أجازا نصبه (٢) قيل: وبه قرأ بعض

стр. 3291

القراء (١) على أنه اسم إن، و ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ خبرها، أي: إن ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل، و ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد للضمير المجرور. وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، وقد جوز أن يكون نعتًا لقوله: ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾. و ﴿شَيْئًا﴾: منصوب على المصدر، أي: شيئًا من الإغناء. وقيل: مفعول به. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ في الاستثناء وجهان: أحدهما: متصل، وفي ﴿مَنْ﴾ وجهان، أحدهما: في موضع رفع على البدل من الواو في ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا يمنع من العذاب إلا من ﵀، أو من ﴿مَوْلًى﴾ الأول، كأنه قيل: لا يغني إلا من ﵀. ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، أي: إلا مَن ﵀ فمغفور له. والثاني: في موضع نصب على الاستثناء، أي: إلا المؤمنين الذين قد ﵏ فإنه يأذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض، فيكون شفاعة الشافع منهم لمن يشفع له من المؤمنين إغناء له ونصرة، والاستثناء على هذا متصل. والثاني: منقطع ومحل ﴿مَنْ﴾ كل النصب (٢)، وهو رأي الكسائي والفراء (٣)، أي: ولكن من ﵏ وهم المؤمنون لا يحتاجون إلى من يغني عنهم أو ينصرهم. ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾:

стр. 3292

قوله : ﴿كَالْمُهْلِ﴾ الكاف في موضع رفع على أنه خبر بعد خبر لقوله: ﴿إِنَّ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ﴿كَالْمُهْلِ﴾. والمهل: عَكَرُ الزيت، وهو دُرْدِيُّهُ. وقيل: المهل كل ما يمهل في النار حتى يذوب، كالذهب والفضة والنحاس (١). وقوله: (تَغْلِي) قرئ: بالتاء النقط من فوقه للشجرة، وبالياء النقط من تحته (٢) للطعام لا للمهل، لأنه إنما ذُكِرَ للتشبيه. وقولى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي: غليًا مثل غلي الحميم. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: كَسْرُ التاء وضمها لغتان فاشيتان، وقد قرئ بهما (٣). وقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾ قرئ: بكسر الهمزة على الاستئناف، أي: أنت العزيز الكريم عند قومك، على سبيل الهزء، وبفتحها (٤)، على تقدير: لأنك، أو بأنك، . أي: بسبب أنك. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ

стр. 3293

الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ﴾ قرئ: بفتح الميم، وهو موضع القيام، والمراد المجلس، وبضمها (١)، وهو موضع الإقامة، ويحتمل أن يراد به المكان، من أقام. وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ بدل من ﴿مَقَامٍ﴾: بإعادة الجار. ﴿يَلْبَسُونَ﴾: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا من المنوي في الظرف، وأن يكون مستأنفًا. ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: حال. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: الأمر كذلك، أو نفعل بالمتقين فعلًا كذلك. و﴿يَدْعُونَ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾، أي: داعين. ﴿فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾: الباء للحال، أي: داعين فيها ملتبسين بكل فاكهة، ولا يكون من صلة ﴿يَدْعُونَ﴾ على أنه مفعول به كما زعم بعضهم، لأن ﴿يَدْعُونَ﴾ متعد بنفسه (٢). ﴿آمِنِينَ﴾: نصب على الحال. وكذا ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ حال أيضًا، أي: غير ذائقين، ويجوز أن يكون مستأنفًا. وقوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ الاستثناء منقطع عند قوم، والتقدير: ولكن قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا إذا كانت مكتوبة عليهم، ومتصل عند آخرين، لأن السعداء عند موتهم يصيرون بلطف الله إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم في الجنة، ويفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لمشاهدتهم إياها، واتصالهم بأسبابها (٣). وقيل: إن الضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى الآخرة لا إلى

стр. 3294

الجنة (١)، وقد جرى ذكر الآخرة فيما تقدم، والاستثناء صحيح، وإنما جاز استثناء الموت إذا جُعِلَ ﴿فِيهَا﴾ راجعة إلى الآخرة، لأن الموت أول أحكام الآخرة، إذ عنده يرتفع التكليف، والقبر أول منزل من منازل الآخرة، والتقدير: لا يذوقون في الآخرة الموت إلا الموتة الأولى، وهذا جيد حسن. و﴿إِلَّا﴾ هنا عند الفراء وغيره بمعنى سوى (٢)، وهذا مستقيم، لأن سوى بمعنى مكان، ولهذا جعلته النحاة ظرف مكان، وجعلوا موضعه النصب لكونه ظرفًا، فإذا قلت: جاءني القوم سوى زيد، فكأنك قلت: جاءني القوم مكان زيد لم يجئ هو. وهكذا في الآية، إذا جعلت ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (سوى) كان المعنى: لا يذوقون في الجنة الموت مكان ما ذاقوه في الدنيا من الموت بعد الحياة، أي: لا يكون في الجنة موت بعد الحياة مكان الموت الذي يكون في الدنيا بعد الحياة. وقيل: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (بَعد) (٣). و﴿فِيهَا﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾، وأن يكون حالًا، أي: لا يذوقون الموت وهم فيها. ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ قوله : ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ انتصاب قوله: ﴿فَضْلًا﴾ يحتمل أوجهًا: أن يكون مفعولًا له، أي: فَعَل ذلك جل ذكره بهم تفضلًا عليهم. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وما قبله يدل عليه، كأنه قيل: تفضل الله بذلك

стр. 3295

عليهم تفضلًا. وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: وأعطاهم فضلًا، وأن يكون مصدرًا والعامل فيه قوله: ﴿وَوَقَاهُمْ﴾. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، وحُكي فيه الرفع (١)، على تقدير: ذلك فضل الله. والله أعلم بكتابه. هدا آخر إعراب سورة الدخان والحمد لله وحده
следующие страницы →