← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

القراء (١) على أنه اسم إن، و ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ خبرها، أي: إن ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل، و ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد للضمير المجرور. وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، وقد جوز أن يكون نعتًا لقوله: ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾. و ﴿شَيْئًا﴾: منصوب على المصدر، أي: شيئًا من الإغناء. وقيل: مفعول به. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ في الاستثناء وجهان: أحدهما: متصل، وفي ﴿مَنْ﴾ وجهان، أحدهما: في موضع رفع على البدل من الواو في ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا يمنع من العذاب إلا من ﵀، أو من ﴿مَوْلًى﴾ الأول، كأنه قيل: لا يغني إلا من ﵀. ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، أي: إلا مَن ﵀ فمغفور له. والثاني: في موضع نصب على الاستثناء، أي: إلا المؤمنين الذين قد ﵏ فإنه يأذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض، فيكون شفاعة الشافع منهم لمن يشفع له من المؤمنين إغناء له ونصرة، والاستثناء على هذا متصل. والثاني: منقطع ومحل ﴿مَنْ﴾ كل النصب (٢)، وهو رأي الكسائي والفراء (٣)، أي: ولكن من ﵏ وهم المؤمنون لا يحتاجون إلى من يغني عنهم أو ينصرهم. ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾:

стр. 3292

قوله : ﴿كَالْمُهْلِ﴾ الكاف في موضع رفع على أنه خبر بعد خبر لقوله: ﴿إِنَّ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ﴿كَالْمُهْلِ﴾. والمهل: عَكَرُ الزيت، وهو دُرْدِيُّهُ. وقيل: المهل كل ما يمهل في النار حتى يذوب، كالذهب والفضة والنحاس (١). وقوله: (تَغْلِي) قرئ: بالتاء النقط من فوقه للشجرة، وبالياء النقط من تحته (٢) للطعام لا للمهل، لأنه إنما ذُكِرَ للتشبيه. وقولى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي: غليًا مثل غلي الحميم. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: كَسْرُ التاء وضمها لغتان فاشيتان، وقد قرئ بهما (٣). وقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾ قرئ: بكسر الهمزة على الاستئناف، أي: أنت العزيز الكريم عند قومك، على سبيل الهزء، وبفتحها (٤)، على تقدير: لأنك، أو بأنك، . أي: بسبب أنك. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ

стр. 3293

الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ﴾ قرئ: بفتح الميم، وهو موضع القيام، والمراد المجلس، وبضمها (١)، وهو موضع الإقامة، ويحتمل أن يراد به المكان، من أقام. وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ بدل من ﴿مَقَامٍ﴾: بإعادة الجار. ﴿يَلْبَسُونَ﴾: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا من المنوي في الظرف، وأن يكون مستأنفًا. ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: حال. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: الأمر كذلك، أو نفعل بالمتقين فعلًا كذلك. و﴿يَدْعُونَ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾، أي: داعين. ﴿فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾: الباء للحال، أي: داعين فيها ملتبسين بكل فاكهة، ولا يكون من صلة ﴿يَدْعُونَ﴾ على أنه مفعول به كما زعم بعضهم، لأن ﴿يَدْعُونَ﴾ متعد بنفسه (٢). ﴿آمِنِينَ﴾: نصب على الحال. وكذا ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ حال أيضًا، أي: غير ذائقين، ويجوز أن يكون مستأنفًا. وقوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ الاستثناء منقطع عند قوم، والتقدير: ولكن قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا إذا كانت مكتوبة عليهم، ومتصل عند آخرين، لأن السعداء عند موتهم يصيرون بلطف الله إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم في الجنة، ويفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لمشاهدتهم إياها، واتصالهم بأسبابها (٣). وقيل: إن الضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى الآخرة لا إلى

стр. 3294

الجنة (١)، وقد جرى ذكر الآخرة فيما تقدم، والاستثناء صحيح، وإنما جاز استثناء الموت إذا جُعِلَ ﴿فِيهَا﴾ راجعة إلى الآخرة، لأن الموت أول أحكام الآخرة، إذ عنده يرتفع التكليف، والقبر أول منزل من منازل الآخرة، والتقدير: لا يذوقون في الآخرة الموت إلا الموتة الأولى، وهذا جيد حسن. و﴿إِلَّا﴾ هنا عند الفراء وغيره بمعنى سوى (٢)، وهذا مستقيم، لأن سوى بمعنى مكان، ولهذا جعلته النحاة ظرف مكان، وجعلوا موضعه النصب لكونه ظرفًا، فإذا قلت: جاءني القوم سوى زيد، فكأنك قلت: جاءني القوم مكان زيد لم يجئ هو. وهكذا في الآية، إذا جعلت ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (سوى) كان المعنى: لا يذوقون في الجنة الموت مكان ما ذاقوه في الدنيا من الموت بعد الحياة، أي: لا يكون في الجنة موت بعد الحياة مكان الموت الذي يكون في الدنيا بعد الحياة. وقيل: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (بَعد) (٣). و﴿فِيهَا﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾، وأن يكون حالًا، أي: لا يذوقون الموت وهم فيها. ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ قوله : ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ انتصاب قوله: ﴿فَضْلًا﴾ يحتمل أوجهًا: أن يكون مفعولًا له، أي: فَعَل ذلك جل ذكره بهم تفضلًا عليهم. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وما قبله يدل عليه، كأنه قيل: تفضل الله بذلك

стр. 3295

عليهم تفضلًا. وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: وأعطاهم فضلًا، وأن يكون مصدرًا والعامل فيه قوله: ﴿وَوَقَاهُمْ﴾. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، وحُكي فيه الرفع (١)، على تقدير: ذلك فضل الله. والله أعلم بكتابه. هدا آخر إعراب سورة الدخان والحمد لله وحده

стр. 3296

إعراب سُوَرَةُ الجَاثَيِةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾: قوله : ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون ﴿حم (١)﴾ مبتدأ، و ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبره، وفي الكلام حذف مضافٍ تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صلة للتنزيل، هذا إن جَعَلْتَ ﴿حم﴾ اسمًا للسورة، ويجوز أن يكون ﴿حم﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا حم، و ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ مبتدأ والظرف خبره، ويجوز أن يكون ﴿حم﴾ مقسمًا به، أي: أقسم بحم، وجواب القسم ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وما بينهما اعتراض مبتدأ مخبر عنه بالظرف، ومَن جعل ﴿حم (١)﴾ تعديدًا للحروف كان ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ مبتدأ أيضًا و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره. وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ﴾ (ما) موصولة في موضع جر عطفًا على المضاف في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ على المضاف إليه، لأنه ضميرٌ متصلٌ مجرورٌ لا يُعْطَفُ عليه إلا بإعادة الجار، نحو: مررت بك وبزيد، ولو أسقطت الجار لكان قبيحًا.

стр. 3297

وقوله: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: قرئ: (آياتٌ) بالرفع والنصب (١)، أما الرفع: فعلى الابتداء، وما قبله خبره وهو ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾، ويكون عطف جملة على جملة، أو على العطف على موضع ﴿إِنَّ﴾ وما عملت فيه، لأن موضع إن وما عملت فيه رفع على الابتداء، لأنها لا تدخل إلا على مبتدأ وخبرٍ. أو على الفاعلية على إعمال الظرف على رأي أبي الحسن (٢). وأما من قرأ: (آياتٍ) بالنصب: فعلى لفظ اسم (إن) في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ كقولك: إن في الدار زيدًا وفي السوق عمرًا. وأما قوله جل ذكره: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قرئ أيضًا: بالرفع والنصب على ما ذكر آنفًا في قوله؛ ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣)، غير أنك تقدر حذف (في) هنا، والتقدير: وفي اختلاف الليل، وإنما حذف لتقدم ذكره في الآيتين قبلها، و (في) وإن كان محذوفًا في اللفظ فهو كالمنطوق به، تعضده قراءة من قرأ: (وفي اختلاف الليل) بزيادة (في) وهو ابن مسعود ﵁ (٤) وإنما احتيج إلى إضمار (في) هنا، حتى لا يكون عطفًا على عاملين مختلفين، وهما (إن) ألناصبة و (في) الجارة أقيمت الواو مقامهما (٥) فعملت الجر في ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ﴾ والنصب في الآيات، وكذا على قول من رفع، لأنه يعطف ﴿وَاخْتِلَافِ﴾ على ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ ويعطف ﴿آيَاتٌ﴾ على موضع ﴿آيَاتٌ﴾ الأولى، وصاحب الكتاب رحمه الله تعالى لا يجيز ذلك، وعلى مثل تقدير الحذف أنشد:

стр. 3298

٥٦٦ - أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرأً ... ونَارٍ تَوَقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا (١) فقدره على حذف (كل) مع (نار) المجرورة لتقدم ذكرها، كأنه قال: وكُلَّ نارٍ، ولولا ذلك لكان عطفًا على عاملين، وإنما لم يجز العطف على عاملين، لأن العاطف ينوب مناب العامل، فلم يقو أن ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعًا ناصبًا في حال، وكان يلزم أن ينوب مناب رافعٍ وناصبٍ وجارٍّ فيكون عاملًا للوجوه الثلاثة في حال، وذلك لا يجوز، وقد أجاز ذلك أبو الحسن ونَفَرٌ من أهل الكوفة (٢)، ونظيره من الكلام إن في الدار زيدًا والحجرةِ عمرًا، فهذا عطف على عاملين، وكذلك: زيدٌ في الدارِ والقصرِ عمرٌو. ومنهم من حمل النصب على تكرير ﴿آيَاتٌ﴾ للتوكيد، لأنها من لفظ ﴿آيَاتٌ﴾ الأولى، وقال: لو لم يذكر ﴿آيَاتٌ﴾ لكان الكلام تامًا، وإنما ذكر ﴿آيَاتٌ﴾ بعد الآية الأولى في الآيتين للتأكيد والبدل والتكرير، قاله ابن السراج (٣)، ونظيره من الكلام: إن في الدار زيدًا والحجرة زيدًا، فهذا تأكيد وليس بعطف على عاملين فاعرفه. ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾:

стр. 3299

قوله : ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ ابتداء وخبر. وقوله: ﴿نَتْلُوهَا﴾ حال، أي: مَتْلُوةً، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (١). وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بسبب الحق، أو ملتبسين بالحق، أو مُحِقِّين. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢)، وبالتاء (٣) على معنى: قل لهم. وقوله: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ في موضع الحال، أي: متلوةً. و ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾: أيضًا نصب على الحال، وكذا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ حال بعد حال، على قول من جوز حالين من ذي حال واحدٍ، أي: يُصرُّ متعظمًا مماثلًا، أو مشبهًا غير السامع، أو حال من المنوي في ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾. و(أَنْ) في ﴿كَأَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن والحديث، أي: كأنه لم يسمعها. وقوله: ﴿اتَّخَذَهَا﴾ الضمير المنصُوب للآيات، وقد جوز أن يكون لشيء لأنه في معنى الآية. ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾: قولى : ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾ (شيئًا) يجوز أن يكون

стр. 3300

منصوبًا على المصدر، أي: شيئًا من الإغناء، وأن يكون مفعولًا به، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع (١). وقوله: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ جميعًا نصب على الحال من المسخر. وأما ﴿مِنْهُ﴾، فيجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: تَسْخِيرُ جميع ذلك، أو خَلْقُهُ أو إنشاؤه منه. وأن يكون في موضع نصب إما على الحال، أي: سخر المذكور كائنًا منه وحاصلًا من عنده، أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أو لقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، أي: سخر هذه الأشياء تسخيرًا منه، أو واقعًا أو حاصلًا منه، وأن يكون من صلة ﴿سَخَّرَ﴾. وقرئ: (مِنَّةً) بكسر الميم، والتاء منصوبة (٢)، وانتصابه على المصدر، أي: مَنَّ بها عليكم مِنَّة. وقرئ أيضًا: (مَنُّهُ) بفتح الميم ورفع النون على إضافة المنِّ إلى الضمير (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك أو هو مَنُّهُ. والثاني: فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي، أي: سخر لكم ذلك مَنُّهُ، كقولك: أحياني إقبالك عليَّ، وسدد أمري حسن رأيك فيَّ، كلاهما قول أبي حاتم، حكاه عنه أبو الفتح (٤).

стр. 3301

﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾: قوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ (يغفروا) مجزوم حملًا على المعنى، والتقدير: قل لهم اغفروا يغفروا، وحُذِفَ المقول لأن الجواب دالّ عليه، وقد مضى الكلام على نظيره عند قوله في "إبراهيم": ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا﴾ بأشبع من هذا (١). وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا﴾ من صلة ﴿يَغْفِرُوا﴾. وقرئ: (لِيَجْزِيَ) بالياء (٢) لتقدم ذكر الغَيبة، و (لِنَجْزِيَ) بالنون (٣)، على إخبار الله جل ذكره عن نفسه، و (لِيُجْزَى قومٌ) على البناء للمفعُول ورفع القوم (٤) على الفاعلية، و (لِيُجْزَى) على ترك تسمية الفاعل ونصب (قومًا) (٥)، على معنى: لِيُجْزَى الخيرُ

стр. 3302

قومًا، يقال: جزيت فلانًا الخير، فيتعدى إلى مفعولين بغير الجار، فإذا بَنَيْتَ الفعلَ للمفعول أقمت أيهما شئت مقام الفاعل، وأضمر الخير هنا لدلالة الكلام عليه، وليس قول من قال: التقدير: لِيُجْزَى الجزاءُ قومًا، على إقامة المصدر مقام الفاعل بمستقيم (١)، لأن النحاة لا يجيزون إقامة المصدر مقام الفاعل وهناك مفعول به صحيح، فاعرفه فإنه موضع (٢). وقوله: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مفعول له، أي: للبغي. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ (أم) هنا هي المنقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام. و ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ (أن) وما عملت فيه سدت مسد مفعولي الحسبان. ومعنى أن نجعلهم: أن نصيرهم، وهو من جَعَلَ المتعدي إلى مفعولين، وهما الضمير والكاف، فالضمير الأول، والكاف الثاني، و ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ نهاية صلة الموصول، وفي الضمير المجرور الذي في قوله: ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ و ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾ قولان: أحدهما: للكفار خاصة. والثاني: لهم وللمؤمنين. فإذا فهم هذا، فقوله : (سواءٌ) قرئ: بالرفع (٣) على أن ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ مبتدأ و ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾، لأ عطف عليه، والخبر (سواءٌ)، والجملة في

стр. 3303

موضع نصب إما على البدل من المفعول الثاني للجعل وهو الكاف، لأن الجملة تقع مفعولًا ثانيًا، نحو: حسبت زيدًا أبوه منطلق. فكانت في حكم المفرد، ألا ترى أنك لو قلت: أن نججلهم سواء محياهم ومماتهم، لكان أَسَدَّ كلامٍ، والضمير في ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ للقبيلين (١)، وإما على الحال من الضمير المنصوب في ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾، والعامل نجعل، أو من الضمير المرفوع الذي في قوله: ﴿كَالَّذِينَ﴾ لأنه بمنزلة الظرف. وقيل: الجملة مستأِنفة، والوقف على قوله: : ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فالضمير في ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ على هذا للكفار دون المؤمنين، والمعنى: محياهم ومماتهم سواء في السوء (٢). و﴿سَوَاءً﴾: بالنصب (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: منصوب على الحال إما من الضمير المنصوب في ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾، أو من المرفوع المستكن في ﴿كَالَّذِينَ﴾ الذي هو المفعول الثاني للجعل. والثاني: منصوب على أنه هو المفعول الثاني للجعل، وهو بمعنى مستويًا، وارتفاع ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ به على الفاعلية، حالًا كان أو مفعولًا، أعني ﴿سَوَاءً﴾، وهو مفرد غير جملة، فيكون: ﴿كَالَّذِينَ﴾ حالًا. قال أبو علي: ومن جعل الضمير للكفار دون المؤمنين لم يكن في (سواء) إلا الرفع، ولا يجوز النصب؛ لأنك إذا نصبته أدخلته في الحسبان، لأنك تنصبه بالفعل الذي في صلة ﴿أَنْ﴾، والحسبان واقع على أَنَّ ما في صلة ﴿أَنْ﴾ داخل فى الحسبان، وليس المراد إدخاله في الحسبان، إنما المعنى الإعلام باستواء محيا الكفار ومماتهم في البعد من رحمة الله قطعًا، ويكون

стр. 3304

الرفع في هذا الوجه على الاستئناف، ويكون ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ في موضع المفعول الثاني، ولا تكون الجملة التي هي ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ على هذا حالًا من قوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، لأن الضمير للكفار دون المؤمنين، فهو لا يلتبس بهم، انتهى كلامه (١). وقرئ: (محياهم ومماتَهُمْ) منصوبين (٢)، على أنهما ظرفا زمان، كقولهم: مَقدمَ الحاجِّ، وخُفُوقَ النجمِ. أي: أن نجعلهم كالذين آمنوا وقت حياتهم ووقت مماتهم، ويجوز أن يكون العامل ﴿سَوَاءً﴾ أي: سواء في محياهم وفي مماتهم، ويجوز أن يكونا بدلًا من الضمير في ﴿نَجْعَلَهُمْ﴾، أي: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كالذين آمنوا، أي: كمحيا الذين آمنوا ومماتهم. وحُكي فيهما الجر أيضًا (٣)، على: أن نجعل محيا الكفار ومماتهم كمحيا المؤمنين ومماتهم، فحذف الأول. وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (ساء) بمعنى بئس، و ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون موصولة، ومحلها الرفع على الفاعلية، وفعلها ﴿سَاءَ﴾، والمقصود بالذم محذوف، أي: بئس الذي يحكمونه حكمهم، وأن تكون نكرة، ومحلها النصب على التمييز، والمميز المنوي في ساء، أي: بئس الشيء شيئًا يحكمونه، وقد ذكر نظيره في غير موضع فيما سلف من الكتاب (٤). وقولة: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يجوز أن تكون الباء للتعدية، أي: بسبب الحق،

стр. 3305

وأن تكون للحال، أي: محقًا أو ملتبسًا به (١). ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾: قوله : ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ محل ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ النصب على الحال إما من المُضِلّ، أي: أضله عالماً بأنه من أهل الضلال، وأنه يستحق الإضلال. وإما من الضال، أي: أضله في حال علم الكافر بأن ما هو عليه ضلال. وقرئ: (غشاوة) بالحركات الثلاث في الغين، و (غشْوَة) بالفتح والكسر، وقد مضى الكلام عليهما وما فيهما من اللغات في سورة البقرة (٢). وقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ﴾ (مَنْ) استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ﴿يَهْدِيهِ﴾ الخبر، والاستفهام بمعنى النفي. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من بعد إضلال الله إياه، فحذف المضاف. وقيل التقدير: من بعد هداية الله (٣). وقيل: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ بمعنى

стр. 3306

غير (١). و ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: حال. وقوله: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿حُجَّتَهُمْ﴾ على خبر كان، واسمها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾. وقرئ: بالرفع (٢)، على أنه اسم كان، والخبر: ﴿أَنْ قَالُوا﴾. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ (يوم) ظرف لقوله: ﴿يَخْسَرُ﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه، ومفعول ﴿يَخْسَرُ﴾ محذوف، أي: يخسرون منازلهم في الجنة في ذلك اليوم. وقيل: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾ عطف على محل ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومحلها النصب؛ لأن المعنى: يملك السموات والأرض ويوم قيام الساعة. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف لقوله: ﴿يَخْسَرُ﴾. وقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ انتصاب قوله: ﴿جَاثِيَةً﴾ على الحال، لأن الرؤية هنا من رؤية العين، أي: باركة على الركب عند الحساب، عن الحسن (٣).

стр. 3307

وقوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ﴾ على الابتداء، والخبر ﴿تُدْعَى﴾، وقرئ: (كُلَّ أُمَّةٍ) بالنصب (١)، على الإبدال من الأولى، لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الأولى، لأن جُثُوَّهَا ليس فيه شيء من شرح حال الجثو كما في الثانية من ذكر السبب الداعي إلى جُثُوِّها، وهو استدعاؤها إلى كتابها، فأفاد الإبدال معنىً زائدًا، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح ﵀، ثم قال: فإن قلت: فلو قال: وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها، لأغنى عن الإطالة، قيل: الغرض هنا هو الإسهاب، لأنه موضع إغلاظ ووعيد، فإذا أُعِيد لفظ (كُلَّ أُمَّةٍ) كان أفخم من الاقتصار على الذكر الأول، انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿تُدْعَى﴾ على هذه القراءة في موضع الحال، أو في موضع النصب على أنه صفة لكل، أو الجر على النعت لأمة. وقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ﴾: (هدْا) مبتدأ، و ﴿كِتَابُنَا﴾ خبره، أي: يقال هذا كتابنا، و ﴿يَنْطِقُ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون هو الخبر، و ﴿كِتَابُنَا﴾ بدل من ﴿هَذَا﴾، أو عطف بيان له، وأن يكون في موضع الحال من الكتاب، والعامل ما في ﴿هَذَا﴾ من معنى الفعل. وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب (أما) محذوف تقديره: وأما الذين كفروا فيقال لهم على جهة التقرير الراجع إلى التوبيخ والتبكيت: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. والتقدير: ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم؟ فحذف المعطوف عليه. ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ

стр. 3308

﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾: قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ قرئ: ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ بالرفع عطفًا على موضع ﴿إِنَّ﴾. وبالنصب (١) عطفًا على اسمها. ويجوز في الرفع وجهان آخران أيضًا: أحدهما وهو متين: أن ترفعه بالابتداء والخبر ما بعده. والثاني وهو ضعيف: أن تعطفه على الذكر الذي في المصدر، وإنما كان ضعيفًا، لأنه غير مؤكد، والضمير المرفوع، إنما يحسن العطف عليه إذا أكد، نحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ (٢). وقوله: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ (ما) الأولى نافية، والثانية استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ﴿السَّاعَةُ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿مَا نَدْرِي﴾. وقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾: قال المبرد: تقديره إن نحن إلا نظن ظنًا، فـ (إلَّا) مؤخر في اللفظ مقدم في الحكم والتقدبهـ. وقال غيره: تقديره: إن نظن إلا أنكم تظنون ظنًا (٣). وإنما احتيج إلى هذا التقدير، لأن فائدة المصدر كفائدة الفعل، فإذا لم يُقَدَّرْ حَذْفٌ صار المعنى: إن نظن إلا نظن، وهو كلامٌ

стр. 3309

عارٍ عن الفائدة (١). وقال غيرهما: الأصل: نَظُنُّ ظَنًّا، ومعناه إثبات الظن فحسب، فأدخل حرفا النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه، وزِيدَ نفي ما سوى الظن توكيدًا بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يجوز ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أن يكون ظرفًا للظَّرفِ، أو لـ ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾، وأن يكون حالًا من المنوقي في الظرف أو من ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾، والعامل الظرف نفسه على المذهبين، فاعرفه فإنه موضع، والله أعلم. هذا آخر إعراب سورة الجاثية والحمد لله وحده

стр. 3310

إعراب سورة الأحقاف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾: قوله : ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ قد مضى الكلام على إعراب هذه الآية في أول سورة الجاثية. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿خَلَقْنَا﴾، أي: ما خلقنا المذكور إلا بسبب إقامة الحق بين الخلق. وأن يكون من صلة محذوف على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: خلقًا ملتبسًا بالحكمة والغرض الصحيح وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه وهو يوم القيامة. وقيل: الباء بمعنى اللام (١). وقوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾ يجوز أن تكون (ما) موصولة، وأن تكون مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم، أي: عن جزائه. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾: قوله : ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ في موضع جر على النعت لكتاب،

стр. 3311

أي: ائتوني بكتاب منزل من قبل هذا الكتاب -وهو القرآن- من التوراة والإنجيل وغيرهما. والمعنى: ائتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله. وقوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾ عطف على (كِتَابِ). وقوله: ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ في موضع الصفة لأثارة، والجمهور على فتح الهمزة والثاء وألف بعدها في (أثارة) بوزن فَعَالَة، وهي البقية وما يؤثر، من قولهم: أَثَرَ الحديث يأْثُرُهُ أَثْرًا وأَثَرَةً وأَثارَةً، ويقولون: هل عندك من هذا أَثَرَةٌ، وأَثَارَةٌ؟ : أي: أَثَرٌ، ويقال: سَمِنت الناقة على أَثَارَةٍ من شحم، أي: على بقية من شحم كانت بها من شحم ذاهب. أي: بقية كائنة من علم بَقِيَتْ عليكم من علوم الأولين (١). وقرئ: (أو أَثَرَةٍ) بفتح الهمزة والثاء من غير ألف بعد الثاء (٢)، وهو بمعنى الأَثَارَةِ. وقرئ أيضًا: (أَثْرَة، وإِثْرَة، وأُثْره) بفتح الهمزة وكسرها وضمها مع سكون الثاء (٣). أما الأَثْرَةُ: فالمرة الواحدة، وهي مصدر أَثَرَ الحديث يَأْثُرُهُ أثْرًا، إذا رواه، فهي كقولك: ائتوني بخبر واحد، أو حكاية شاذة، أي قد

стр. 3312

قنعت في الاحتجاج لكم بهذا القدر على قلته وإفراد عدده، قاله أبو الفتح (١). وأما الإِثرة بالكسر: فبمعنى الأَثرة. وأما الأُثْرَةُ بالضم: فاسم ما يؤثر، كالخُطبة اسم ما يخطب به، قاله الزمخشري (٢). ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ (مَنْ) استفهامية بمعنى النفي في موضح رفع بالابتداء، والخبر ﴿أَضَلُّ﴾. وقوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة، وهي في موضع نصب بقوله: ﴿يَدْعُوا﴾. وقوله: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ نصب على الحال من ﴿آيَاتُنَا﴾. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ (أم) هي المنقطعة. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (شهيدًا) حال أو تميير. ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾:

стр. 3313

قوله : ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا﴾ الجمهور على إسكان الدال، وهو بمعنى البديع، والبِدْع والبديعُ من كل شيء: المبتدأ الذي لا سابق له، وقرئ: (بِدَعًا) بفتح الدال (١)، وهو جمع بِدْعَةٍ، أي: ما كنت صاحب بِدَعٍ، فحذف المضاف. و ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾: في موضع الصفة له. وقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ﴾ (ما) الأولى: نافية ليس إلا، وأما الثانية: فيجوز أن تكون موصولة منصوبة بقوله: ﴿أَدْرِي﴾، وأن تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء، والخبر ما بعده، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿أَدْرِي﴾. وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ الواو الأولى: يجوز أن تكون واو الحال وقد معها مرادة، وأن تكون واو العطف، عَطَفَتْ ﴿كَفَرْتُمْ﴾ على فعل الشرط، كما عطفته ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ (٢). وأما الثانية: فواو العطف، عطفت جملة قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ على جملة قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾. وكذلك الثالثة: واو العطف، عطفت ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ على ﴿شَهِدَ﴾. و﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: في موضع رفع على الصفة لـ ﴿شَاهِدٌ﴾، و ﴿عَلَى﴾ متعلقة بقوله: ﴿شَهِدَ﴾ لا بـ ﴿شَاهِدٌ﴾ كما زعم بعضهم، لأن الفعل إذا ذكر معه اسم الفاعل كان العمل للفعل دونه، نحو: دخل داخل على زيد، فعلى متعلقة بقوله: دخل لا بداخل، لأن الفعل هو أصل في العمل، وغيره فرع عليه فيه، فاعرفه.

стр. 3314

وأما جواب الشرط فمحذوف، تقديره: أليس قد ظلمتم؟ دل عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال الشيخ أبو علي ﵀: تقديره: أتأمنون عقوبة الله؟ (١). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ اختلف في عامل ﴿إِذْ﴾، فقيل: محذوف، والتقدير: وإذ لم يهتدوا به قالوا ذلك، أو ظهر عنادهم، فهو معمولٌ لهذا المضمر (٢). وقيل: هو معمول ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾ والواو في ﴿وَإِذْ﴾ صلة. وقيل: ﴿إِذْ﴾ بمعنى (إذا). وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ جواب ﴿إِذْ﴾، والوجه هو الأول، وما عداه تعسف. والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن، و ﴿هَذَا﴾ إشارة إليه، وقيل لرسول الله ﷺ (٣)، و ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما جاء به ﵊. وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ (إمامًا ورحمةً) حالان إما من المنوي في الظرف وهو ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ على رأي صاحب الكتاب ﵀، وإما من ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ على مذهب أبي الحسن، والعامل الظرف نفسه على المذهبين، كقولك: في الدار زيد قائمًا.

стр. 3315

خوقد جوز أن يرتفع ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ بالعطف على قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ على تقدير: وشهد من قبل القرآن كتابُ موسى، ففصل بالظرف بين العاطف والمعطوف. وقرئ: (وَمَنْ قبله كتابَ موسى) بفتح (مَن) ونصب (كتاب) (١)، وهما مفعولا فِعْلٍ مضمر تقديره: وآتينا قبل القرآنِ التوراةَ. و ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ على هذه القراءة حالان من (كتابَ موسى) ليس إلا، ومعنى ﴿إِمَامًا﴾: قدوة يؤتم به في الدين، ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه. وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ في انتصاب قوله: ﴿لِسَانًا﴾ وجهان: أحدهما: حال، وفي ذي الحال أوجه، أحدها: ﴿كِتَابٌ﴾ لتخصصه بالصفة، والعامل ما في (هَذَا) من معنى الفعل، والتقدير: وهذا كتاب مصدق ملفوظًا به على لسان العرب. والثاني: المنوي في ﴿مُصَدِّقٌ﴾ الراجع إلى الكتاب، والعامل ﴿مُصَدِّقٌ﴾. والثالث: (ذا)، والعامل فيها ما في (ها) من معنى التنبيه. و ﴿عَرَبِيًّا﴾ نعت لقوله: ﴿لِسَانًا﴾. وقال أبو إسحاق: ﴿عَرَبِيًّا﴾ هو الحال، وذَكَر ﴿لِسَانًا﴾ توكيدًا، كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، تريد جاءني زيدٌ صالحًا، وتذكر (رجلًا) توكيدًا، انتهى كلامه (٢). والثاني: مفعول به لقوله: ﴿مُصَدِّقٌ﴾، أي: يصدق ذا لسان عربي، وهو الرسول ﵊. ويبعد أن يكون اللسان القرآن، إذ المحنى يصير يصدق نفسه، ومفعول ﴿مُصَدِّقٌ﴾ على الوجه الأول محذوف، أي: مصدق لما قبله من الكتب.

стр. 3316

وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته (١)، والمنوي فيه للكتاب، أو لله جل ذكره، أو للرسول ﵊، أي: أنزلناه لينذر الكتابُ أو الرسولُ أو أنزله لينذر اللَّهُ. وقرئ: (لتنذر) بالتاء على الخطاب (٢)، أي: لتنذر أنت يا محمد الذين ظلموا. وقرئ أيضًا: (لِيَنْذَر) بفتح الذال (٣) مسندًا إلى (الذين ظلموا)، من نَذِرَ ينذَر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَذرًا، إذا عَلِمَ. وقوله: ﴿وَبُشْرَى﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب عطفًا على محل ﴿لِيُنْذِرَ﴾ لأنه مفعول له، أي: أنزلناه للإنذار والتبشير، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي: لينذر الذين ظلموا وليبشر المحسنين بشرى، وأن يكون في موضع رفع على: وهو بشرى، وهو اختيار أبي إسحاق، أعني الرفع (٤). ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ دخلت الفاء في خبر ﴿إِنَّ﴾ لما في الذي من معنى الإبهام، وهذا يعضد قول من قال: إن معنى الابتداء باق مع (إن) بخلاف (لَيْتَ) و (لَعَلَّ) (٥). وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً﴾ (خالدين) حال من

стр. 3317

﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، والعامل في الحال معنى الإشارة، و ﴿جَزَاءً﴾ مصدر مؤكد لفعله وهو محذوف دل عليه معنى الكلام، أي: يجزون جزاء، ولك أن تجعله في موضع الحال، أي: ذوي جزاءٍ، أو مجزيين. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾: قوله : (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) قرئ: (حُسْنًا) بضم الحاء وإسكان السين (١)، وهو مفعول ثان لقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ على تضمين التوصية معنى الإلزام، كأنه قيل: ألزمناه حسنًا، أي: أمرًا ذا حُسْنٍ، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولك أن تبقي التوصية على بابه، والتقدير: ووصيناه بأمرٍ ذي حُسْنٍ، على أن يكون بدلًا من قوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ وهو من بدل الاشتمال، ثم حذف منه ما ذكر آنفًا. وقرئ أيضًا: (حَسَنًا) بفتح الحاء والسين (٢)، وهو مصدر أيضًا كالحُسْنِ، ونظيرهما: البُخْل والبَخَل، والشُّغْلُ والشَّغَلُ وغيرهما من المصادر التي اعتقب عليها الفُعْل والفَعَل.

стр. 3318

وقرئ: (إحْسَانًا) (١)، أي: وصيناه بأن يحسن إليهما إحسانًا، فحذف الفعل واقتصر على المصدر دالًا عليه، قال أبو علي: ولا ينتصب بوصينا؛ لأن (وصينا) قد استوفى مفعوليه، انتهى كلامه (٢). والباء من ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ من صلة (وصينا)، بشهادة قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ (٣) لا من صلة إحسانٍ، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه. وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ قرئ: بضم الكاف وفتحها (٤)، وهما لغتان كالشُّرْبِ والشَّرْب، والضُّعْفِ والضَّعْفِ، والفُقْرِ والفَقْر، في معنى المشقة. وانتصابه إمًا على الحال، أي: كارهةً أو ذاتَ كُرْهٍ، أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: حَمْلًا ذا كُرْهٍ، وهذا المصدر المقدر مُؤَكِّدٌ لفعله، وإنما حذف لدلالة الصفة عليه. وقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ في الكلام حَذْفُ مضافٍ تقديره: ومدة حمله وفصاله ثلاثون، لا بد من هذا التقدير، ولولا هذا لكان ﴿ثَلَاثُونَ﴾: منصوبًا على الظرف، وفي ذلك تغيير المعنى. وقرئ: (وَفَصله) بفتح الفاء وإسكان الصاد (٥)، والفَصْلُ والفِصَالُ كالفَطْم والفِطام، لغتان بمعنىً. و ﴿أَشُدَّهُ﴾ و ﴿أَرْبَعِينَ﴾ مفعولا البلوغ، أي: بلغ وقتَ أَشده وتمامَ أربعين، فحذف المضاف.

стр. 3319

وقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ مفعول الإصلاح محذوف، أي: وأصلح لي أموري فيهم، أي: هب لي الصلاح فيهم. وقوله: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ كل يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال، أي كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم، وأن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم في عدادهم، و ﴿فِي﴾ في كلا التقديرين من صلة محذوف، وفيه ذكر مرفوع به. و﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، خبره ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد لفعله، وفعله محذوف، أي: وعدهم الله ذلك، دل عليه ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ و ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾. ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِي قَالَ﴾ مبتدأ، وفي خبره وجهان: أحدهما: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾، والمراد بـ ﴿وَالَّذِي قَالَ﴾ الجنس، ولذلك أتى الخبر مجموعًا، كقوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ﴾ (١). والثاني: مضمر، أي: وفيما يتلى عليكم قصة الذي قال .. ﴿أُفٍّ﴾: قرئ: بالكسر والفتح من غير تنوين، وبالكسر مع التنوين،

стр. 3320

وقد ذكر في "سبحان" مع ما فيه من اللغات (١)، وهو صوْتٌ إذا صوَّتَ به الشخصُ عُلِمَ أنه متضجر. واللام في ﴿لَكُمَا﴾ للتبيين، أي: هذا التأفيف لكما خاصة. وقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾ قرئ: بنونين مظهرتين (٢) على الأصل، (وأَتَعِدَاني) بحذف إحداهما (٣) وهي الثانية كراهة اجتماع المثلين. و (أتعدانِّي) بالإدغام (٤) لما ذُكر آنفًا. والجمهور على كسر النون الأولى، وقرئ: (أتعدانَني) بفتحها (٥)، وهي لغية قوم يفتحون نون التثنية كما يكسرون نون الجمع تشبيهًا لأَحدهما بصاحبه، وحَسُنَ فتحُها هنا كراهة اجتماع النونين والكسرتين مع الياء، ولذلك أزيلت إحداهما تارة بالطرح وتارة بالإدغام. وقوله: ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ أي: بالله، فحذف الجار فوصل الفعل، ولك أن تضمن الاستغاثة معنى السؤال فلا تحتاج إلى تقدير الجار. والواو في ﴿وَهُمَا﴾ واو الحال. وقوله: ﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثُّبُور، وانتصابه على المصدر، وهو من المصادر التي لم يستعمل أفعالها. وقيل: هو مفعول به، أي: ألزمك الله ويلك (٦).

стр. 3321

﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: الجمهور على كسر (إن) على الاستئناف، وقرئ: (أَنَّ) بالفتح (١) على: آمِن بأن وعد الله، فحذف الجار ووصل الفعل. وقوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ القول فيه كالقول ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ (٢). ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾: بدل من ﴿قَبْلِهِمْ﴾ (٣) بإعادة الجار. وقوله: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ من صلة محذوف، أي: وجعل ذلك ليوفيهم جزاء أعمالهم، فحذف المضاف، أو: وجعلنا ذلك لنوفيهم، على قدر القراءتين في ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ (٤). وقيل: التقدير: وليوفهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قَدَّرَ جزاءهم على مقادير أعمالهم. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ﴾ ظرف لمحذوف، أي: ويوم يعرضون عليها يقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾، أو: واذكر يوم، فيكون مفعولًا به. وقرئ: (أأذهبتم) بهمزة الاستفهام على وجه التقرير والتوبيخ، كقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٥). و(أذهبتم) على الخبر (٦). قال أبو إسحاق: العرب توبخ بالخبر كما

стр. 3322

توبخ بالاستفهام، تقول: ذَهَبْتَ ففعلتَ كذا، وأَذَهبتَ ففعلتَ كذا؟ على سبيل التوبيخ، وكلاهما واحد في المعنى (١). وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ الباء فيهما سببية، و (ما) فيهما مصدرية. ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ (إذ) بدل من قوله: ﴿أَخَا عَادٍ﴾ وهو من بدل الاشتمال. والأحقاف جمع حِقْفٍ، وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، من احقوقفَ الشيءُ، إذا اعوج (٢). وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ (النذر) جمع نذيرٍ بمعنى المنذر، فعيل بمعنى مُفعل، أو بمعنى الإنذار. وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي من قبله. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: ومن بعده،

стр. 3323

وقيل: بالعكس (١). و﴿قَوْمًا﴾: مفعولط ثان، لأن الرؤية هنا من رؤية القلب. و ﴿تَجْهَلُونَ﴾: في موضع النصب على الصفة لقوم. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ في الضمير في ﴿رَأَوْهُ﴾ المنصوب وجهان، أحدهما: يعود إلى (ما) في قوله: ﴿بِمَا تَعِدُنَا﴾، أي: فلما رأوا الموعود به من العذاب.، والثاني: يعود إلى غير مذكور، وهو الذي تسميه النحاة مبهمًا يفسره ما بعده. والأول أظهر وعليه الأكثر. و ﴿عَارِضًا﴾ حال أو تمييز، لأن قوله: ﴿رَأَوْهُ﴾ من رؤية العين. وقوله: ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ صفة لقوله: ﴿عَارِضًا﴾، أي: عارضًا مستقبلًا أوديتهم، يعني: مقابلًا لها. وكذلك ﴿مُمْطِرُنَا﴾ أي: ممطرٌ لنا، أي يأتينا بالمطر، والإضافة فيهما لفظية لا معنوية، بشهادة وقوعهما وصفًا للنكرة وهما مضافان إلى معرفتين، ونظيرهما قوله: ٥٦٧ - يا رُبَّ غابِطِنا .................... ... ............................... (٢) أي: غابطٍ لنا، بدليل دخول (رب) عليه. وقوله: ﴿رِيحٌ﴾ أي: هو ريح، أو بدل من (ما) في قوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ والقائل هود ﵊، بشهادة قراءة من قرأ: (قال هود بل هو) وهو ابن مسعود ﵁ (٣).

стр. 3324

و ﴿تُدَمِّرُ﴾ صفة للريح، والتدمير: الإهلاك بالاستئصال، وقرئ: (يَدْمُرُ كُلُّ شَئءٍ) بفتح الياء وإسكان الدال ورفع الميم، ورفع قوله: (كلُّ شيء) على الفاعلية (١)، من دَمَرَ الشيءُ يَدْمُرُ دَمَارًا، إذا هَلَكَ. وقوله: (لا تَرَى) قرئ: بالتاء النقط من فوقه وتسميةِ الفاعل (٢)، والخطاب للرائي مَن كان، و (مساكنَهم) مفعول به، وقرئ: (لا تُرَى) بالتاء والياء، وترك تسمية الفاعل (٣). أما تأويل القراءة بالتاء النقط من فوقه: فعلى معاملة الظاهر، لأن المساكن مؤنثة، فأنث الفعل على هذا التأويل. وأما من قرأ بالياء: فمحمول على المعنى، والمعنى: لا يُرى شيء إلا مساكنهم، فلذلك حذف عَلَمُ التأنيث، كما قالوا: ما قام إلا هند، حيث كان المعنى: ما قام أحد إلا هند، والمعنى: بقيت مساكنهم خالية لا ساكن فيها لهلاك أهلها, فلا يُرى إلا المَسَاكِنُ فحسب، فارتفعت ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ بإسناد ﴿يُرَى﴾ إليها، ولم يؤنث الفعل لما ذُكِر آنفًا وقُدِّر. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر

стр. 3325

محذوف، أي: نجزي المجرمين جزاء مثل ذلك الجزاء. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ يجوز أن تكون (ما) في قوله: ﴿فِيمَا﴾: موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، وفي ﴿إِنْ﴾ وجهان: أحدهما: -وهو الوجه-: أنها نافية، والمعنى: ولقد مكناهم في الذي، أو في شيءٍ ما مكناكم فيه، هانما عُدل عن (ما) إلى (إن) كراهة اجتماع المثلين، وهم يكرهون اجتماعهما، ألا ترى أن أصل مهما: ماما عند الخليل ﵀ (١) إذ قلبوا الألف هاء لما ذكر آنفًا. والثاني: صلة على تأويل: أنَّ أحوالهم كانت كأحوالكم، ولستم بأكثر منهم مُكْنَةً وقُدرةً، فإذا قدرنا على إهلاكهم فنحن قادرون أيضًا على إهلاككم، والوجه هو الأول بشهادة قوله: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ (٣). وقيل: ﴿إِنْ﴾ شرطية وجوابها محذوف، والتقدير: فيما إن مكناكم فيه كنتم أكثر بغيًا منهم (٤). وقوله: ﴿إِذْ كَانُوا﴾ (إذ) ظرف لقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى﴾ أي: لم يغن عنهم

стр. 3326

شيئًا ما جعله الله لهم من الآيات المدركات (١) حين كانوا ينكرون آيات الله مع وضوحها عنادًا منهم، و (ما) نافية، و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مفعول ﴿أَغْنَى﴾، ولا يجوز أن تكون (ما) استفهامية في موضع نصب بأغنى كما زعم بعضهم (٢)، لوجود المفعول في الآية وهو ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣). ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ ﴿قُرْبَانًا﴾ مصدر كالكفْرانِ والغُفْرانِ، ويُسْتَعْمَلُ لكل مَا يُتَقَرَّبُ به إليه عز وعلا. وانتصابه على أنه مفعول له، وأحد مفعولي اتخذ محذوف، وهو الراجع إلى ﴿الَّذِينَ﴾. والثاني: ﴿آلِهَةً﴾، والتقدير: فهلا نصرهم الذين اتخذوا آلهة من دون الله تقربًا إليه جل ذكره. الزمخشري: ﴿قُرْبَانًا﴾: حال، ثم قال: ولا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا و ﴿آلِهَةً﴾ بدلًا منه لفساد المعنى، انتهى كلامه (٤). وقوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ الجمهور على كسر الهمزة وإسكان الفاء، أي: وذلك كذبهم وافتراؤهم، وهو ادعاؤهم أنَّ آلهتهم تقربهم إلى الله وتشفع لهم، وقرئ: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ بفتح الهمزة وسكون الفاء (٥)، وهو مصدر قولك: أَفَكَهُ يَأْفِكُهُ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر أَفْكًا، أي: قَلَبَهُ وَصَرَفَهُ عن الشيء، قال:

стр. 3327

٥٦٨ - إنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ ... فُوكًا فَفِي آخَرِينَ قد أُفِكُوا (١) يقول: إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا من ذلك أيضًا. والمصدر يجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل مبينًا له، وأن يكون مضافًا إلى المفعول مبينًا له (٢). وقرئ أيضًا: (وذلك أَفَكَهُمْ) بفتح الهمزة والفاء والكاف (٣)، على أنه فعل ماضٍ، أي: ذلك القول صرَفهم عن الإيمان والتوحيد. وقرئ أيضًا كذلك غير أنه بتشديد الفاء (٤)، للمبالغة والتكثير. وقرئ أيضًا: (آفَكَهُم) بالمد وفتح الفاء والكاف (٥)، وفيه وجهان، أحدهما: أصارهم إلى الإفك، أي: جعلهم آفكين. والثاني: وجدهم كذلك، كأحمدت الرجل وأبخلته. وقد جوز أن يكون أَفْعَلَ بمعنى فَعَلَ، كَصدَّ وأَصَدَّ. وقرئ أيضًا: (آفِكُهم) بالمد وكسر الفاء وضم الكاف (٦)، وهو اسم الفاعل من أفكه، أي: صارفُهُم.

стр. 3328

وحَكَى الفراء فيها قراءة أخرى وهي: (وذلك أَفَكُهم) بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف، وقال فيه: الإفْكُ والأَفَكُ كالحِذْر والحَذَر (١). وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (ما) مصدرية معطوفة على قوله: ﴿إِفْكُهُمْ﴾ إذا كان اسمًا، ومعطوفة على ﴿ذَلِكَ﴾ إذا كان فعلًا، أو على المنوي فيه، وقام الضمير المنصوب مقام التأكيد (٢). ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ﴾ عطف على قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ أي: واذكر إذ صرفنا إليك نفرًا، أي: أَمَلْناهم إليك وأَقْبَلْنا بهم نحوك. و ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: صفة لنفر، وكذلك ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ نعت لهم، وإن شئت جعلتها حالًا من الذكر الذي في ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ أو من نفر لكونهم قد وصفوا. وقوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ الضمير المنصوب للقرآن، أو لاستماعه، أو للرسول ﷺ . وقوله: ﴿قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَنْصِتُوا﴾، أي: اسكتوا لسماع القرآن.

стр. 3329

وقوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ حال، أي محذرين لهم مخالفة الرسول ﷺ . وكذا ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال أيضًا، إما من ﴿كِتَابًا﴾ لكونه قد وصف، أو من الذكر في ﴿أُنْزِلَ﴾ وهو الجيد. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾ عطف على ﴿خَلَقَ﴾، وجاز ذلك لأنه ماض في المعنى، لأجل دخول (لم) عليه. والجمهور على إسكان العين وفتح الياء وهو الوجه، لأن نحو هذا تُعَلُّ لامه دون العين، وقرئ: (ولم يَعِي) بكسر العين هاسكان الياء (١)، على إعلال عين الفعل وتصحيح لامه وهو شاذ، أعني إعلال العين وتصحيح اللام، ولم يأت هذا في الفعل إلا في بيت أنشده الفراء: ٥٦٩ - وَكَأَنَّهَا بَيْنَ النِّسَاءِ سَبِيكَةٌ ... تمشي بِسُدَّةِ بَيْتِها فَتَعِي (٢) فأَعَلَّ العينَ وصَحَّحَ اللامَ، ورفع ما لم ترفعْهُ العربُ، وكأن الذي قرأ: (ولم يَعِيْ) شَبَّهَهُ بقوله: (لم يبع)، فحذف العين لسكونها وسكون الياء الثانية، ووزن لم يعي: لم يفل، كما أن وزن لم يبع كذلك، والعين منهما محذوفة لالتقاء الساكنين. وقوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ في موضع رفع بخبر ﴿أَنَّ﴾، تعضده قراءة من قرأ:

стр. 3330

(قَادِرٌ) بالرفع من غير باء وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (١). والباء في قراءة الجمهور صلَةٌ، وإنما جيء بها لاشتمال النفي في أول الكلام على ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها، حكى الكسائي عن القوم: ما ظننت أنه بذاهب، ولا أدري أنه بشاخص، يزيدون الباء إذا كان في أول الكلام نفي، وكفاك دليلًا إتيان ﴿بَلَى﴾ مُقَرِّرَةً للقدرة على كل شيء. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ﴾ أي: واذكر يوم يعرض، فهو مفعول به، ويجوز أن يكون ظرفاً لقولٍ مضمر قبل ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾، أي: يقال لهم في ذلك اليوم أليس هذا بالحق، و ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى العذاب. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قد جوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، ويراد بأولي العزم بعض الأنبياء، وهم قوم مخصوصون ثبتوا على ما ابتلوا به صابرين على البلاء، قيل: وهم ستة: نوح ﵇ صبر على أذى قومه، وإبراهيم ﵇ صبر على النار، وإسحاق ﵇ صبر على الذبح، ويعقوب ﵇ صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف ﵇ صبر في الجب والسجن، وأيوب ﵇ صبر على الضر (٢). وأن تكون للتبيين كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٣) فالرسل كلهم على هذا أولو العزم، لأنهم لا يمنعهم عن المضي على أمر الله تعالى مانع. و ﴿سَاعَةً﴾: ظرف
следующие страницы →