← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

شيئًا ما جعله الله لهم من الآيات المدركات (١) حين كانوا ينكرون آيات الله مع وضوحها عنادًا منهم، و (ما) نافية، و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مفعول ﴿أَغْنَى﴾، ولا يجوز أن تكون (ما) استفهامية في موضع نصب بأغنى كما زعم بعضهم (٢)، لوجود المفعول في الآية وهو ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣). ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ ﴿قُرْبَانًا﴾ مصدر كالكفْرانِ والغُفْرانِ، ويُسْتَعْمَلُ لكل مَا يُتَقَرَّبُ به إليه عز وعلا. وانتصابه على أنه مفعول له، وأحد مفعولي اتخذ محذوف، وهو الراجع إلى ﴿الَّذِينَ﴾. والثاني: ﴿آلِهَةً﴾، والتقدير: فهلا نصرهم الذين اتخذوا آلهة من دون الله تقربًا إليه جل ذكره. الزمخشري: ﴿قُرْبَانًا﴾: حال، ثم قال: ولا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا و ﴿آلِهَةً﴾ بدلًا منه لفساد المعنى، انتهى كلامه (٤). وقوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ الجمهور على كسر الهمزة وإسكان الفاء، أي: وذلك كذبهم وافتراؤهم، وهو ادعاؤهم أنَّ آلهتهم تقربهم إلى الله وتشفع لهم، وقرئ: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ بفتح الهمزة وسكون الفاء (٥)، وهو مصدر قولك: أَفَكَهُ يَأْفِكُهُ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر أَفْكًا، أي: قَلَبَهُ وَصَرَفَهُ عن الشيء، قال:

стр. 3327

٥٦٨ - إنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ ... فُوكًا فَفِي آخَرِينَ قد أُفِكُوا (١) يقول: إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا من ذلك أيضًا. والمصدر يجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل مبينًا له، وأن يكون مضافًا إلى المفعول مبينًا له (٢). وقرئ أيضًا: (وذلك أَفَكَهُمْ) بفتح الهمزة والفاء والكاف (٣)، على أنه فعل ماضٍ، أي: ذلك القول صرَفهم عن الإيمان والتوحيد. وقرئ أيضًا كذلك غير أنه بتشديد الفاء (٤)، للمبالغة والتكثير. وقرئ أيضًا: (آفَكَهُم) بالمد وفتح الفاء والكاف (٥)، وفيه وجهان، أحدهما: أصارهم إلى الإفك، أي: جعلهم آفكين. والثاني: وجدهم كذلك، كأحمدت الرجل وأبخلته. وقد جوز أن يكون أَفْعَلَ بمعنى فَعَلَ، كَصدَّ وأَصَدَّ. وقرئ أيضًا: (آفِكُهم) بالمد وكسر الفاء وضم الكاف (٦)، وهو اسم الفاعل من أفكه، أي: صارفُهُم.

стр. 3328

وحَكَى الفراء فيها قراءة أخرى وهي: (وذلك أَفَكُهم) بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف، وقال فيه: الإفْكُ والأَفَكُ كالحِذْر والحَذَر (١). وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (ما) مصدرية معطوفة على قوله: ﴿إِفْكُهُمْ﴾ إذا كان اسمًا، ومعطوفة على ﴿ذَلِكَ﴾ إذا كان فعلًا، أو على المنوي فيه، وقام الضمير المنصوب مقام التأكيد (٢). ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ﴾ عطف على قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ أي: واذكر إذ صرفنا إليك نفرًا، أي: أَمَلْناهم إليك وأَقْبَلْنا بهم نحوك. و ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: صفة لنفر، وكذلك ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ نعت لهم، وإن شئت جعلتها حالًا من الذكر الذي في ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ أو من نفر لكونهم قد وصفوا. وقوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ الضمير المنصوب للقرآن، أو لاستماعه، أو للرسول ﷺ . وقوله: ﴿قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَنْصِتُوا﴾، أي: اسكتوا لسماع القرآن.

стр. 3329

وقوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ حال، أي محذرين لهم مخالفة الرسول ﷺ . وكذا ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال أيضًا، إما من ﴿كِتَابًا﴾ لكونه قد وصف، أو من الذكر في ﴿أُنْزِلَ﴾ وهو الجيد. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾ عطف على ﴿خَلَقَ﴾، وجاز ذلك لأنه ماض في المعنى، لأجل دخول (لم) عليه. والجمهور على إسكان العين وفتح الياء وهو الوجه، لأن نحو هذا تُعَلُّ لامه دون العين، وقرئ: (ولم يَعِي) بكسر العين هاسكان الياء (١)، على إعلال عين الفعل وتصحيح لامه وهو شاذ، أعني إعلال العين وتصحيح اللام، ولم يأت هذا في الفعل إلا في بيت أنشده الفراء: ٥٦٩ - وَكَأَنَّهَا بَيْنَ النِّسَاءِ سَبِيكَةٌ ... تمشي بِسُدَّةِ بَيْتِها فَتَعِي (٢) فأَعَلَّ العينَ وصَحَّحَ اللامَ، ورفع ما لم ترفعْهُ العربُ، وكأن الذي قرأ: (ولم يَعِيْ) شَبَّهَهُ بقوله: (لم يبع)، فحذف العين لسكونها وسكون الياء الثانية، ووزن لم يعي: لم يفل، كما أن وزن لم يبع كذلك، والعين منهما محذوفة لالتقاء الساكنين. وقوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ في موضع رفع بخبر ﴿أَنَّ﴾، تعضده قراءة من قرأ:

стр. 3330

(قَادِرٌ) بالرفع من غير باء وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (١). والباء في قراءة الجمهور صلَةٌ، وإنما جيء بها لاشتمال النفي في أول الكلام على ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها، حكى الكسائي عن القوم: ما ظننت أنه بذاهب، ولا أدري أنه بشاخص، يزيدون الباء إذا كان في أول الكلام نفي، وكفاك دليلًا إتيان ﴿بَلَى﴾ مُقَرِّرَةً للقدرة على كل شيء. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ﴾ أي: واذكر يوم يعرض، فهو مفعول به، ويجوز أن يكون ظرفاً لقولٍ مضمر قبل ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾، أي: يقال لهم في ذلك اليوم أليس هذا بالحق، و ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى العذاب. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قد جوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، ويراد بأولي العزم بعض الأنبياء، وهم قوم مخصوصون ثبتوا على ما ابتلوا به صابرين على البلاء، قيل: وهم ستة: نوح ﵇ صبر على أذى قومه، وإبراهيم ﵇ صبر على النار، وإسحاق ﵇ صبر على الذبح، ويعقوب ﵇ صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف ﵇ صبر في الجب والسجن، وأيوب ﵇ صبر على الضر (٢). وأن تكون للتبيين كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٣) فالرسل كلهم على هذا أولو العزم، لأنهم لا يمنعهم عن المضي على أمر الله تعالى مانع. و ﴿سَاعَةً﴾: ظرف

стр. 3331

لقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾، و ﴿مِنْ نَهَارٍ﴾: صفة لساعة. وقوله: ﴿بَلَاغٌ﴾ الجمهور على رفعه وهو خَبر مبتدأ محذوف، أي: هذا بلاع، أي: هذا الذي وُعظتم به كفاية في الموعظة، كقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ (١) و ﴿بَلَاغٌ﴾ مصدر، أي: ذو بلاع، أو هذا بلاع من الرسل، أي تبليغ منه، تعضده قراءة من قرأ (بَلِّغْ) على الأمر، وهما أبو مجلز، وأبو سراج الهذلي (٢)، وقيل: مبتدأ والخبر ﴿لَهُمْ﴾، كأنه قال: لهم بلاغ، فلا يوقف على هذا على ﴿مِنْ نَهَار﴾. وقرئ: (بلاغًا) بالنصب (٣)، ونصبه على المصدر، أي: بَلَغوا بلاغًا، أو بُلِّغوا بلاغًا. وقد جوز أن يكون نعتًا لساعة (٤). وقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ الجمهور على البناء للمفعول، وقرئ: (فَهَل يَهْلِكُ) بفتح الياء وكسر اللام (٥)، وفتحِها مع فتح الياء على البناء للفاعل (٦)، أما كسر اللام فظاهر، وأما (يَهْلَكُ) بفتح الياء واللام فمشكل، ولعل هَلِكَ بكسر اللام في الماضي لُغَيَّةٌ، والله تعالى أعلم بكتابه، وبلغات القوم. هذا آخر إعراب سورة الأحقاف والحمد لله وحده

стр. 3332

إعراب سورة القتال (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نهاية صلة الموصول ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومحله إما الرفع بالابتداء والخبر ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾، أي: أبطل ثوابها أو جزاءها، فحذف المضاف. أو النصب بإضمار فعل دل عليه هذا الظاهر، أي: أخزى (٢) الذين كفروا. وكذا القول فيما عطف عليه وهو ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، والخبر، ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ﴾، أي: ذلك الأمر- وهو إبطال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات الثاني- كائن بسبب اتباع أحدهما الباطل والآخر الحق. ولك أن تجعل ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب على إضمار فعل، أي: فعلنا ذلك بسبب كيت وكيت. أو خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، أي كما ذكر بهذا السبب.

стр. 3333

وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب يَضرِبُ اللَّهُ للناسِ أمثالَهم. ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾: قوله : ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ الفاء جواب (إذا)، والتقدير: فإذا لقيتم الذين كفروا في القتال فاضربوا الرقاب ضربًا، فحذف الفعل وقدم معموله وهو (ضرْب) وأضيف إلى المفعول، والعامل في (إذا) هو العامل في المصدر، وهذا المصدر مؤكد لفعله المتروك إظهارُهُ دال عليه، لأن المعمول لا بد له من عامل. وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ يقال: أوثقه: إذا أحكمه إيثاقًا، والوَثاق والوِثاق بالفتح والكسر: اسم ما يوثق به. وقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (منًا وفداءً) كلاهما منصوب على المصدر، والتقدير: فإذا أسرتموهم فأنتم بعده بالخيار، فإما أن تمنوا عليهم منًا فتطلقوهم بغير عوض، وإما أن تفدوهم فداء بمال، والفداء يجوز أن يكون مصدر فَدَى فداءً، ككتب كتابًا، وأن يكون مصدر فادى فداءً، كقاتل قتالًا. وقد جوز أن يكونا مفعولين به، أي: أَوْلُوهم مَنًّا، واقبلوا منهم فداء. وقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: حتى يضع أهل الحرب سلاحهم بانقطاع الحرب. قال أبو إسحق: (وحتى) موصولة بالقتل والأسر، أي: اقتلوهم وآسروهم حتى يؤمنوا (١).

стр. 3334

وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الحكم ذلك الذي أمرناك به، أو بالعكس، أي: ذلك المأمور به حق، وأن يكون في موضع نصب على أنه مفعول به، أي: افعل ذلك بهم. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ قرئ: (قُتِلُوا) و (قُتِّلُوا) بالتخفيف والتشديد مَبْنيًا للمفعول (١). و (قاتَلُوا وقَتَلوا) مخففًا مبنيًا للفاعل (٢). وقرئ: (فلن يُضِل أعمالَهم) بضم الياء وكسر الضاد على البناء للفاعل، وعليها الجمهور، و (فلن يُضل) بضم الياء وفتح الضاد على البناء للمفعول، (أعمالُهم) بالرفع. و (فَلَنْ يَضِلَّ) بفتح الياء وكسر الضاد مبنيًا للفاعل (٣)، وهو أعمالُهم مسندًا إليها من ضل، ووجه هذه القراءات ظاهر، ودخلت الفاء في ﴿فَلَنْ﴾ للإبهام الذي في الموصول. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ

стр. 3335

اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ يجوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر مخذوف دل عليه ما بعده، أي: فأتعسهم الله، وأن يكون في موضع نصب بفعل دل عليه ما بعده، والمقدير: أتعس الذين كفروا، و (تعسًا) منصوب على المصدر، والتقدير: والذين كفروا فأتعسهم الله فتعسوا تعسًا، أي: عثروا عثارًا، والتعس: العثرة في اللغة، وقوله: تعسًا له، خلاف لعًا له، قال الأعشى: ٥٧٠ - .................... ... فَالتَّعْسُ أَوْلَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا (١) يعني العثر والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت (٢). وقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ عطف على الفعل المحذوف المقدر المذكور آنفًا. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ ابتداء وخبر، أي: ذلك التعس والإضلال كائن بسبب أنهم كرهوا المُنْزَل. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ يجوز أن يكون مجزومًا عطفًا على ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾، وأن يكون منصوبًا على جواب الاستفهام بإضمار (أن).

стр. 3336

وقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ الضمير للعاقبة المذكورة، أو للعقوبة، أو للهلكة دل عليها ﴿دَمَّرَ﴾. وقيل: للسُنَّةِ، كقوله عز وعلا: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ (١). وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى النصر والتعس في قوله: ﴿يَنْصُرْكُمُ﴾ و (تعسًا لهم) أي: ذلك كائن بسبب أن الله وليّ المؤمنين وناصرهم. وقيل: الإشارة إلى التدمير دل عليه ﴿دَمَّرَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾: قوله : ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (والنارُ) مبتدأ، وفي خبره وجهان، أحدهما: ﴿مَثْوًى﴾، والثاني: ﴿لَهُمْ﴾، و ﴿مَثْوًى﴾ في موضع الحال. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك الذين أخرجوك، فحذف المضاف، ولذلك قال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾، ولم يقل: أهلكناها. و ﴿قُوَّةً﴾: نَصْبٌ على التمييز. وقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ﴾ (مَنْ) موصولةْ في موضع رفع بالابتداء خبره ﴿كَمَنْ زُيِّنَ﴾، والاستفهام بمعنى الإنكار، أي: ليس أحدهما كالاخر، وقال: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فأفرد حملًا على لفظ (مَن)، ثم قال: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾، فجمع حملًا على معناه. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ

стр. 3337

لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾: قوله : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ لمحيل: صفة الجنة التي وعد المتقون دخولها أن فيها أنهارًا، فحذف (أنَّ)، واختلف في إعرابه: فقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ، و (أن فيها) خبره، فلما حذف (أن) قامت الجملة وهي ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ مقام الخبر. وقيل: التقدير فيما نَقُصُّ عليكم مَثَلُ الجنة، أي: صفتها، فهو مبتدأ محذوف الخبر. وقيل: المثل هو المعروف، والتقدير: مثل الجنة التي وعد المتقون جناتٌ فيها أنهار، فحذف جنات، وهذا ليس بالمتين، لأن الموصوف إذا كانت صفته جملة لا يجوز حذفه عند أصحابنا البصريين، و (جناتٌ) موصوف، و ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ صفته، وهي جملة. وقيل: ﴿مَثَلُ﴾ صلة، والتقدير: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار، فـ (الجنةُ) مبتدأ، و ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ خبره. وعن الكسائي تقديره: مثل أصحاب الجنة التي وعد المتقون كذلك، فـ ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ على هذا مبتدأ، و ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ﴾ الخبر، فاعرفه (١). وقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ يجوز أن يكون داخلًا في حكم الصلة كالتكرير لها، ألا ترى أنك لو قلت: التي فيها أنهار، لكان أَسَد كلام. وأن يكون خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هي فيها أنهار، على تقدير سؤال سائل: وما

стр. 3338

مِثْلها؟ فقيل: فيها أنهار. وأن يكون في موضع الحال، أي: مستقرة فيها أنهار. وفي قراءة ابن عباس وعلي ﵄: (أمثال الجنة) (١). قال أبو الفتح: هذه القراءة دليل على أن القراءة العامة التي هي (مَثَلُ) بالتوحيد لفظ الواحد في معنى الكثرة، وذلك لما فيه من معنى المصدرية، انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي: متغير، يقال: أَسِنَ الماء وأَجِنَ، إذا تغير، وقرئ: (آسِنٍ) بالمد، و (أَسِنٍ) بالقصر (٣)، وكلاهما اسم فاعل من أَسِنَ غير أن بينهما فُرَيْقًا، وذلك أن القصر للحال، والمد للمآل، كما تقول: هو غَوِرٌ الآن، وغاور غدًا، فاعرفه فإنه من فُرقان أبي الحسن (٤). وقوله: ﴿لَذَّةٍ﴾ فيها وجهان: أحدهما: تأنيث لَذٍّ وهو بمعنى لذيذ، كطَبٍّ بمعنى طبيب، يقال: شرابٌ لَذٌّ ولَذيذٌ، بمعنىً. والثاني: مصدر وصف به، والتقدير: ذات لذة، فحذف المضاف، أو جعلت عينها لذة للمبالغة. والجمهور على جر ﴿لَذَّةٍ﴾ على الصفة للخمر، أي: من خمر لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يكرهها شاربها، تُطرب ولا تُسكر.

стр. 3339

وقرئ: (لذةٌ) بالرفع على الصفة للأنهار. و (لذةً) بالنصب (١) على العلة (٢)، أي: لأجل لذة الشاربين، وهذه القراءة تعضد قول من قال: إنها مصدر. وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ و ﴿مِنْ لَبَنٍ﴾ و ﴿مِنْ عَسَلٍ﴾ و ﴿مِنْ خَمْر﴾ كل واحد من الجار والمجرور في موضع رفع على الصفة لأنهار، أي: كائنة منه، أو منها. والعسل يُذَكّر ويؤنث. و ﴿مُصَفًّى﴾ أي: خالص من الشوائبّ، لأنه لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره، بل خلقه الله جل ذكره مُصَفًّى خالصًا من الشوائب لأهل الجنة. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ التقدير: ولهم فيها المشتهى من كل الثمرات، فالمحذوف المقدر مبتدأ، والخبر ﴿لَهُمْ﴾، و ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿لَهُمْ﴾، أو من المحذوف على رأي أبي الحسن، ولك أن تجعل ﴿مِنْ﴾ صلةً على مذهب أبي الحسن، أي: ولهم فيها كل الثمرات، فلا حذف على هذا. وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: ولهم مغفرة كائنة من ربهم. وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ في الكلام حذف تقديره: أفمن هو خَلِدٌ في النعيم كمن هو خَلِدٌ في النار؟ فحذف الأول وهو المبتدأ، لأن ما بعده الذي هو خبره يدل عليه، وقيل: هو بدل من قوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وقيل: عطف عليه، وقد حذف حرف العطف منه، والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار، وقد ذكرت مذهب الكسائي فيها قبيل.

стр. 3340

وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً﴾ (ماءً) مفعول ثان، و (أمعاء) جمع مِعىً، كأضلاع في جمع ضلع، والمِعَى: مجرى الطعام والشراب في الجوف. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾: قوله : ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ معنى قوله: ﴿آنِفًا﴾: الساعة، وانتصابه على الظرف، وهو ظرف زمان، يقال: قلت كذا آنفًا وسالفًا. قال أبو إسحق: هو مِن استأنفتُ الشيءَ إذا ابتدأتَهُ، وَرَوْضَةٌ أُنُف، هي في أول ما تُرعى. والمعنى: ماذا قال في أول وقت يقرب منا؟ انتهى كلامه (١). والاستئناف: الابتداء، وكذلك الائتناف. وقيل: ﴿آنِفًا﴾ حال من المنوي في ﴿قَالَ﴾، أي: ماذا قال مؤتنفًا (٢). وقرئ: (آنِفًا) و (أنِفًا) بالمد والقصر (٣)، كحاذرٍ وحَذِرٍ، والأنف هو الصائر أولًا، وليس من لفظه فعل ثلاثي، إنما جاء: استأنفت الأمر، وائتنفته، فاعرفه. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ﴾ يحتمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره بعده.

стр. 3341

وقوله: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ أي: وأعطاهم جزاء تقواهم. وقيل: أعانهم عليها، ووفقهم لها (١). والمنوي في (زاد) لله جل ذكره، وقيل: لقول الرسول ﷺ (٢). وقوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ الجمهور على فتح ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ على أنها مصدرية، ومحلها النصب على البدل من ﴿السَّاعَةَ﴾، وهو من بدل الاشتمال، وقرئ: (إنْ تأتهم) بالكسر (٣)، والوقف على ﴿السَّاعَةَ﴾ على أنها شرطية مستأنفة، وفي جوابها وجهان: أحدهما: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، والشك الذي يحتمله الكلام مردود إلى العباد، أي: إن شكوا في مجيئها بغتة فقد جاء أشراطها فهلا توقعوها وتأهبوا لوقوعها مع دواعي العلم بذلك لهم إلى حال وقوعها. والثاني: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ ... ذِكْرَاهُمْ﴾، على معنى: إدن تأتهم الساعة بغتة فكيف لهم ذكراهم؟ أي: تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم الساعة، يعني لا تنفعهم الذكرى حينئذٍ، كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ (٤) وعلى هذا الوجه وهو أن يكولن جواب الشرط: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾، وعلى قراءة الجمهور أيضًا يكودن قوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ متصلًا بإتيالن الساعة اتصال العلة بالمعلول، كما تقول: إن أكرمني فلان فأنا حقيق بالإكرام أكرمه. و﴿بَغْتَةً﴾: مصدر في موضع الحال من المستكن في ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ على القراءتين.

стр. 3342

وقوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ يحتمل أوجهًا من الإعراب: أن يكون ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾ مبتدأ، و (أنى لهم) الخبر، و ﴿إِذَا﴾ ظرف للظرف وهو ﴿لَهُمْ﴾، والمنوي في ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ للساعة، أي: من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؟ وأن يكون ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾ أيضًا مبتدأ على ما ذكر آنفًا، والمنوي في ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ لها، أعني للذكرى، والمعنى: من أين تنفعهم ذكراهم إذا جاءتهم؟ أي: لا تنفعهم. وأن يكون ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾ فاعل ﴿جَاءَتْهُمْ﴾، ويكودن المبتدأ مضمر دل عليه ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾، أي: أنى لهم الخلاص والنجاة إذا جاءتهم ذكراهم، فاعرفه فإنه موضع. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠)﴾: قوله : ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ﴾ أي: نظراً مثل نظر المغشي. وقوله: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿الْمَغْشِيِّ﴾، أي: كالذي يغشى عليه من الموت. وأن يكون من صلة محذوف هو مفعول له، أي: خوفًا من الموت. وقوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ ابتداء وخبر، وهي كلمة تحذير ووعيد بمعنى: فويل لهم، وهو أفعل من الوَلْي وهو القرب، ولا ينصرف لوزن الفعل والتعريف، واللام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان، وُضع ليعلم لمن يكون ذلك، ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه. وقيل: هو أفعل بمعنى التفضل، والمعنى: فالعقاب أولى لهم،

стр. 3343

فالعقاب مبتدأ، و (أولى) خبره، و ﴿لَهُمْ﴾ من صلة الخبر، ثم حذف المبتدأ للعلم به. وقيل: هو مبتدأ و ﴿طَاعَةٌ﴾ خبره، أو ﴿طَاعَةٌ﴾ مبتدأ وخبره (أولى لهم) أي: طاعة وقول معروف أولى لهم من الجَزَعِ عند الجهاد. و (أولى) على هذين القولين لا يكون للتحذير والوعيد. وقيل: (أولى) هنا فعل ماض على أفعل، أي: أولاهم المكروهَ، فحذف المفعول الثاني، وأدخلت اللام على المفعول الأول تأكيدًا للفعل. وعن المبرد: (أولى لهم) كلمة تقال: لمن كاد يَعْطَبُ ثم يُفْلِتُ، تقول: أولى لك، أي: قاربتَ العطبَ ثم نجوتَ، قال: وهو في القرآن على معنى التحذير (١). ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾: قوله : ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بما قبله على ما ذكر آنفًا، وأن يكون منفصلًا عما قبله مستأنفًا، أي: طاعة وقول معروف خير لهم أو أحسن وأمثل من غيرهما، فهو مبتدأ محذوفُ الخبر. وقيل بالعكس، أي: أمرنا طاعة وقول معروف، فحذف المبتدأ، تعضده قراءة من قرأ: (يقولون طاعة وقول معروف) (٢)، فهي حكاية قولهم. وقيل: التقدير: أيها المنافقون قولوا لله طاعة، أي: لك طاعة، فطاعة مبتدأ، ولك خبره. وقيل: ﴿طَاعَةٌ﴾ نعت لـ ﴿سُورَةٌ﴾، أي: فإذا أنزلت سورة ذات طاعة، فحذف المضاف (٣). والقول المعروف: ما فيه رضا الله .

стр. 3344

وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ جواب (إذا) محذوف، أي: كذبوا وتكلموا، ومعنى عزم: جَدَّ، والعزم والجد لذوي الأمر في الحقيقة، وإنما يسندان إلى الأمر تجوزًا ومجازًا مع عدم اللبس. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾: قوله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا﴾ (أن تفسدوا) في موضع نصب بخبر ﴿عَسَيْتُمْ﴾، والشرط اعتراض بين الاسم والخبر، والتقدير: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم إن توليتم، أي: إن أعرضتم (١) عن الإيمان والطاعة. وقيل: إن توليتم الحكم فصرتم حكامًا أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرُّشا، أو توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم والفساد (٢)، تعضده قراءة من قرأ، (إن تُوُلِّيتم) بضم التاء والواو وكسر اللام، وهو علي ابن أبي طالب ﵁ (٣)، بمعنى: تولاكم ولاة جبابرة، خرجتم معهم في الفتنة، ومشيتم تحت لوائهم، وعاونتموهم على ظلمهم، وقراءة رسول الله ﷺ : (إِنْ وُلِيتُمْ) بواو واحدة مضمومة وكسر اللام خفيفة (٤).

стр. 3345

وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾، إشارة إلى المذكورين. وقوله: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ يجوز أن تكون ﴿أَمْ﴾ هنا متصلة، على معنى: أفلا يتدبرون القرآن فيعلموا أم يتدبرون فلا يعلمون للإقفال. وأن تكون منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، أي: بل أَعَلَى قلوب أقفالها فلا يتوصل إليها ذكر؟ وقرئ: (إقفالها) بكسر الهمزة على أنه مصدر (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ نهاية اسم ﴿إِنَّ﴾: ﴿الْهُدَى﴾، وفي خبرها وجهان: أحدهما: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾، كما تقول: إنَّ زيدًا عمرٌو مرّ به. والثاني: محذوف، أي مُعَذَّبون، فيوقف على هذا على ﴿الْهُدَى﴾. وقوله: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ قرئ: بفتح الهمزة واللام على البناء للفاعل (٢) وفيه وجهان: أحدهما: هو الله جل ذكره، على أن الكلام تم عند قوله: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾، ثم تبتدئ: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾، أي: وأَملَى الله لهم، أي: أمهلهم وأَخَّر العذاب عنهم توسعة عليهم ليتمادوا في طغيانهم. والثاني: الشيطان، عطفًا على ﴿سَوَّلَ﴾ والمعنى: زَيَّنَ لهم ركوبَ المعاصي وأَمْلَى لهم، أي: ومَدَّ لهم في الآمال والأماني وغَرَّهم.

стр. 3346

وقرئ: (وأُمْلِيَ) بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء على البناء للمفعول (١)، والقائم مقام الفاعل ﴿لَهُمْ﴾ والمعنى: أُمهلوا ومُدّ في عمرهم، والفاعل هو الله جل ذكره. وقيل: القائم مقام الفاعل المنوي في (أُمْلي) العائد إلى الشيطان (٢). وقرئ: (وأُمْلِيْ) بضم الهمزة وكسر اللام هاسكان الياء على البناء للفاعل (٣)، وهو الله عز وعلا، على معنى: الشيطان يُغويهم وأنا أُنْظِرُهُم، كقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ (٤)، قال أبو الفتح: ومعنى سَوَّلَ لهم: أي دلاهم، وهو من السَّوَلِ، وهو استرخاء البطن، يقال: رجل أَسْولُ وامرأة سَولاء، إذا كانا مسترخيي البطون، ثم قال: وهذا اشتقاق حسن أخذناه عن أبي علي ﵀، انتهى كلامه (٥). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ﴾ مبتدأ وخبر، أي: ذلك الإملاء، وقيل: ذلك الإضلال كائن بسبب كيت وكيت (٦). و (ما) في قوله: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ موصولة منصوبة بقوله: ﴿كَرِهُوا﴾.

стр. 3347

وقوله: (والله يعلم أَسرارهم) قرئ: بفتح الهمزة (١)، وهو جَمع سِر، جُمع لاختلاف ضروب السر، أي: والله تعالى يعلم جميع ما يسرون من الأقوال، وقرئ: (إسرارهم) بكسرها (٢)، وهو مصدر أسر الشيء، إذا أخفاه. وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ﴾ عامل الظرف محذوف تقديره: فكيف يعملون وما حيلتهم في ذلك الوقت؟ وقيل: التقدير: كيف لا يعلم حالهم حينئذٍ وهو يعلم أسرارهم؟ وقيل: كيف يدفعون العذاب عن أنفسهم حينئذٍ؟ . والجمهور على التاء الواقعة بعد الفاء في ﴿تَوَفَّتْهُمُ﴾، وقرئ: (توفاهم) بألف مكان التاء (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: ماضٍ، وهو الوجه لتكون جامعًا بين القرائتين. والثاني: مضارع وقد حذفت إحدى تاءيه، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٤). و ﴿يَضْرِبُونَ﴾ في موضع الحال إما من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، أو من الضمير المنصوب، وجاز ذلك لعود الضمير إليهم من الجملة. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ﴾ مبتدأ وخبر، أي: ذلك الضرب الموصوف، أو ذلك التوفي الموصوف كائن بسبب كيت وكيت. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾:

стр. 3348

قوله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ (أم) بمعنى بل والهمزة، و ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن، و ﴿أَنْ﴾ سدت مسد مفعولي الحسبان، والأضغان: الأحقاد، الواحد ضِغْنٌ. وإخراجها: إبرازها لرسول ﷺ وللمؤمنين. وقوله: ﴿لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ اللام الأولى جواب ﴿وَلَوْ﴾، والثانية تأكيد لها، والثالثة جواب قسم محذوف دل عليه اللام ونون التأكيد. وقوله: ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، أي: في فحوى الكلام وأسلوبه، واللحن في الكلام: هو العدول عن سَنَنِ الاستقامة، ولحن القول: ما كان تحته معنى معدول به من موجب اللفظ، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ قرئ: بالنون والياء، وكذا ﴿حَتَّى نَعْلَمَ ... وَنَبْلُوَ﴾ قرئ: بهما (١)، ووجه كليهما ظاهر. وقرئ: (ونبلوْ) بالنون وإسكان الواو (٢)، على القطع مما قبله والاستئناف، أي: ونحن نبلو أخباركم. وقوله: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواو للحال.

стр. 3349

وقوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ (تدعوا) يجوز أن يكون مجزومًا داخلًا في حكم النهي، أي: لا تهنوا ولا تدعوا، وأن يكون منصوبًا بعد الواو بإضمار (أن) كقوله: ٥٧١ - لَاتَنهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... ............................... (١) والجمهور على إسكان الدال من الدعاء، وقرئ: (وَتَدَّعوا) بتشديدها (٢)، من ادّعى القوم وتداعوا، إذا دَعَوا (٣)، والمعنى: فلا تضعفوا عن قتال العدو، ولا تنسبوا إلى الصلح وتحملوا أنفسكم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ يجوز أن تكون الواو واو الحال، وأن تكون للاستئناف، ولعطف الجملة على الجملة. وقوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: من وَتَرَهُ حقه يَتِرُه وَتْرًا، إذا نقصه. والثاني: من وَتَرْتُ فلانًا أَتِرُه وَتْرًا وتِرَةً، إذا أخذتَ له مالًا غَصبًا، أو قتلتَ له قتيلًا: من ولد، أو أخ، أو حميم. وقيل: حقيقته: أفردته من ماله أو قريبه، من الوِتْر وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر (٤). والمعنى: ولن يفردكم بغير ثواب، ومنه قوله ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه" (٥). أي: أُفْرِدَ عنهما قتلًا ونهبًا.

стр. 3350

﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)﴾: قوله : ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ﴾ (فيحفكم) عطف على فعل الشرط، وعَلَمُ الجزمِ حَذْفُ الياء، و ﴿تَبْخَلُوا﴾ جواب الشرط. و ﴿يُخْرِجْ﴾: عطف عليه. والإحفاء: المبالغة في كل شيء والاستقصاء فيه، يقال: أحفى في المسألة، إذا ألَحَّ وبالغ فيها، ومنه أحفى شاربه: استأصله، والمنوي في ﴿يُخْرِجْ﴾ لله جل ذكره، تعضده قراءة من قرأ: (ونُخْرج) بالنون، وهو يعقوب (١)، أو للبخل لأنه سبب الضغن. أو للسؤال (٢). وقرئ: (وَتَخْرُجْ) بتاء مفتوحة وضم الراء (أضغانُكم) بالرفع على الفاعلية (٣). وعن أبي عمرو: و (يُخْرِجُ) بالرفع (٤)، على القطع مما قبله والاستئناف، أي: وهو يخرج أضغانكم على كل حال. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾: قوله : ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ يحتمل أوجهًا: أن يكون ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ مبتدأ خبره ﴿هَؤُلَاءِ﴾، أي: (أنتم) و (ها) للتنبيه، وإنما كرر لتأكيد التنبيه،

стр. 3351

و ﴿تُدْعَوْنَ﴾ حال، والعامل ما في (ها) من معنى الفعل، وأن يكون (أنتم) مبتدأ، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بدل من (أنتم)، والخبر ﴿تُدْعَوْنَ﴾. وأن يكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ موصولًا بمعنى الذين، صلته ﴿تُدْعَوْنَ﴾، والمعنى: أنتم الذين تدعون. وقوله: ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ (من) موصول في موضع رفع بالابتداء، و ﴿يَبْخَلُ﴾ صلته، والخبر ﴿فَمِنْكُمْ﴾. وقوله: و (مَن يبخل) (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، و ﴿يَبْخَلُ﴾ في جزم بالشرط في موضع رفع بحق الخبر. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الفاء جواب الشرط، وإنّ مستأنفة بعد الفاء فلذلك كسرت، و (ما) مهيئة لأَنْ يَلِي (إنَّ) الفعل، وفي ﴿عَنْ﴾ وجهان، أحدهما: بمعنى (على)، أي: يبخل على نفسه. والثاني: على بابه، لأن البخل إمساك، كأنه قيل: فإنما يمسك عن نفسه. وقيل: التقدير: فإنما يبخل عن بخل نفسه، إذ لو كان سخيًا لم يبخل بالنفقة في سبيل الله (١). وقيل: يقال: بخِلْتُ عليه وعنه، وكذلك ضنِنْتُ عليه وعنه، لغتان بمعنىً (٢). وقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عطف على قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٣). وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا﴾ عطف على قوله: ﴿يَسْتَبْدِلْ﴾. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة القتال (٤) والحمد لله وحده

стр. 3352

إعراب سُورة الفَتح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾: قوله : ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ مصدر مؤكد لفعله. والفتح في اللغة: فتح المغلق. وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ هذه اللام لام (كي) عند الجمهور، وهي من صلة ﴿فَتَحْنَا﴾ أو من صلة محذوف، أي: فاستغفرْ ليغفرَ لك الله. وقيل: اللام لام القسم (١)، والأصل: لَيغفرنَّ، فلما حذفت النون كسرت اللام، وهو من التعسف.

стр. 3353

وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيما تتصل به هذه اللام أوجهٌ: أن تكون من صلة قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا﴾. وأن تكون من صلة ﴿أَنْزَلَ﴾، على أنها بدل من قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ بدل الاشتمال، والتقدير: أنزل السكينة في قلوب المؤمنين أنزلها ليدخلهم جنات، لأن البدل في حكم تكرير العامل. وأن تكون من صلة ﴿فَتَحْنَا﴾، وتكون بدلًا من قوله: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ على ما قدر آنفًا من تكرير الفعل. وأن تكون من صلة محذوف دل عليه الكلام من هدايتهم وتوفيقهم ونصرهم، فعلى هذا يجوز الابتداء بها. و﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول ثان ﴿لِيُدْخِلَ﴾. و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من المدخَلين، وهي حال مقدرة. وقوله: ﴿وَيُكَفِّرَ﴾ ﴿وَيُعَذِّبَ﴾ كلاهما عطف على قوله: ﴿لِيُدْخِلَ﴾. وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿كَان﴾، وأن يكون في موضع الحال من الفوز، كقوله: ٥٧٢ - لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمُ ... ............................ (١) ولا يجوز أن يكون من صلة الفوز كما زعم بعضهم، لأنه مصدر، وما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه. وقوله: ﴿الظَّانِّينَ﴾ نعت للطائفتين. و ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ منصوب على المصدر، وفي الكلام حذفٌ تقديره: ظن الأمر السوء، كقولهم: صلاة الأولى، ومسجد الجامع. وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قيل: السُّوءُ بالضم (٢): الهلاك

стр. 3354

والدمار. وقيل: القبح والفساد، وهو المصدر، والفعل منه ساء يسوء بالضم فيهما سُوءًا، في مقابلة: حَسُنَ يَحْسُنُ حُسْنًا، وضده في المعنى، وهو على هذا لازم وليس من ساءه الذي حزنه، فإن ذلك متعد، وهو على فعَل بفتح العين، وهذا لازم وعلى فَعُل بضم العين، وبمعنى قبح (١) وفي وزنه. وأما السَّوء بالفتح: فهو نعت، وهو فاعل ساء، لأن ساء فَعُلَ وَفَعُلَ يأتي فاعله على فَعْل، كصَعُب فهو صعْب، فمعنى السوء: القبيح الفاسد، أي: عليهم دائرة الأمر الفاسد القبيح، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا، وهو غريب لطيف. وقوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ نصب على التمييز، وساء بمعنى بئس، أي: بئس المرجع مرجعًا جهنمُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾: قوله : ﴿شَاهِدًا﴾ حال من الكاف، ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ كلاهما عطف عليه، وهذه أحوال مقدرة. وقوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ من صلة الإرسال، وقرئ: بالياء النقط من تحته، وكذا ما بعده وهو: (يعزروه ويوقروه ويسبحوه) (٢) أي: أرسلناك إليهم ليؤمنوا. وبالتاء (٣) على معنى: قل لهم، والضمائر المنصوبة كلها لله جل وعز. والتعزير: قيل: التعظيم. وقيل: الإطاعة. وقيل النصر (٤). وأصله

стр. 3355

من الردع والمنع، ومنه تعزير الجناة، والمراد بتعزير الله: تعزيز دينه ورسوله ﷺ . وقيل: الضمير في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ للرسول ﷺ (١)، وفي ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ لله عز وعلا ليس إلا، وهو من التسبيح (٢). والجمهور على ضم التاء وفتح العين وكسر الزاي مشددة في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾، وقرئ: (وَتَعْزُروُهُ) بفتح التاء وضم الزاي وكسرها مخففة (٣)، بمعنى: تمنعوه أو تمنعوا دينه ونبيه، كقوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ (٤) أي: دينه. (وتُعزِروه) بضم التاء وكسر الزاي مخففًا (٥)، من أعزره بمعنى عَزَّرَهُ. (وتُعَزِّزُوه) بالزايين (٦)، من عَزَّزَهُ، بمعنى أَعَزَّه. و(تُوقِرُوهُ) مخففًا (٧)، من أوقره، بمعنى وَقّره، والتوقير: التعظيم. وعن ابن عباس وعبد الله ﵃: (ويسبحوا الله بكرة وأصيلًا) (٨) مصرحين باسم الله جل ذكره. وانتصاب قوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ على أنهما ظرفا زمانٍ.

стр. 3356

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يجوز أن يكون خبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، و ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ خبر بعد خبر، أو مستأنف، وأن يكون الخبر ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، و ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ﴾ تأكيد لاسم ﴿إِنَّ﴾، تعضده قراءة من قرأ: (إنما يبايعون لله) بلام الجر (١)، أي: إنما يبايعونك لأجل الله ولوجهه، وحذف المفعول الثاني لقربه من الأول، ولكونه بلفظه وعلى وصفه، وهو تمام بن عباس بن عبد المطلب (٢)، و ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ مبتدأ، و ﴿فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ الخبر. وقرئ: (فإنما ينكث) بضم الكاف وكسرها (٣)، وهما لغتان، غير أن الضم أشيع، والنكث بالفتح المصدر، وبالكسر المنكوث. و(بما عاهد) و (بما عهد) (٤)، والمعاهدة والعهد بمعنىً، كالمعاقدة والعَقْدِ.

стр. 3357

و (فَسَنُؤتيه) بالنون على الانصراف من لفظ الإفراد إلى لفظ الجمع، وبالياء (١)، لقوله: ﴿عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾، وتعضده قراءة من قرأ: (فسوف يؤتيه الله أجرًا عظيمًا) وهو أُبي بن كعب ﵁ (٢) وَوَفَى بالعهد وأَوْفَى به لغتان بمعنىً، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٣). وقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ قرئ: بالضم (٤)، وهو سوء الحال، وبالفتح (٥)، وهو ضد النفع. وقيل: هما لغتان بمعنى، يقال: ضَرَّهُ فلانٌ ضُرًّا وَضَرًّا، كشَرِبَ شُرْبًا وَشَرْبًا (٦). ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾: قوله : ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لن﴾ (أن) مخففة من الثقيلة، وقد ذكر نظيرها في غير موضع (٧). وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (بورًا) قد جوز أن يكون جمع بائر،

стр. 3358

كحُوْلٍ في جمع حائل، والبائر: الهالك، وأن يكون مفردًا يوصف به الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١). ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾: قوله : ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ ﴿يُرِيدُونَ﴾ يجوز أن تكون في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿ذَرُونَا﴾، وأن تكون مستأنفة. وقرئ: (كَلِمَ اللَّهِ) (٢)، وهو جمع كَلِمة، والكلام اسم للجنس، والكلم والكلام يرجعان إلى معنى. وقوله: ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ إضراب عن أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد، أي: ليس الأمر كما زعمتم من أن الله منعكم عن استتباعنا، بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة. وقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما أَطَمُّ منه، وهو أنهم لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلًا (٣). وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: لا يعلمون إلا علمًا قليلًا، أو شيئًا قليلًا منه، وأن يكون مستثنى من الضمير في ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يفقه ذلك إلا القليل منهم، وهم الذين يؤمنون منهم، فـ ﴿قَلِيلًا﴾ على هذا منصوب على أصل الاستثناء، ويجوز على هذا التأويل

стр. 3359

في الكلام رفعه على البدل من الضمير المذكور. ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾: قوله : ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿يُسْلِمُونَ﴾، وفيه وجهان، أحدهما -وهو قول الكسائي-: أنه معطوف على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، على تقدير أحد الأمرين: إما المقاتلة أو الإسلام، لا ثالث لهما. والثاني -وهو قول أبي إسحق-: أنه مستأنف، تقديره: أو هم يسلمون (١). وقرئ: (أو يُسْلِمُوا) بالنصب (٢)، على معنى: إلاَّ أَنْ يُسلمُوا، أو حتى يسلموا، أو إلى أن يسلموا، على قدر اختلاف النحاة في ذلك (٣). وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ و ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته لقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾، وبالنون (٤) على إخبار الله جل ذكره عن نفسه بلفظ الجمع للتعظيم والتفخيم، وهما بمعنى واحد وإن اختلف اللفظان. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا

стр. 3360

فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾: قوله : ﴿ومَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ عطف على قوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي: وأثابهم الله مغانم كثيرة، أو: وأثابكم، على قراءة من قرأ: (تأخذونها) بالتاء النقط من فوقه وهو يعقوب (١). والإثابة: المجازاة. وقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ أي: أَخْذَ مغانم، أو حيازة مغانم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو ما يفيء على المؤمنين مع الرسول ﷺ وبعده إلى يوم القيامة على ما فسر (٢). وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً﴾ إما عطف على محذوف، أي: فجعل لكم هذه الغنيمة، وكف بأس الأعداء لتنتفعوا بها، أو لينفعكم بها، ولتكون تلك الغنيمة أو تلك الكفة آيةً للمؤمنين، أي: علامةً لهم دالةً على صدقك. وإما من صلة محذوف، أي: ولتكون تلك آيةً لهم فَعَلَ ذلك. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَأُخْرَى﴾ يجوز أن تكون في موضع نصب، أي: ووعدكم الله مغانم أخرى، أو فتوحًا أخرى، دل عليهما ما قبله، أو: وقُرىً

стр. 3361

أخرى، دل عليه المعنى، أو: وقضى الله أخرى، دل عليه ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ وأن تكون في موضع رفع بالابتداء. و ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ صفة لها. و ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ الخبر. وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لفعله، وهو محذوف، أي: سَنَّ الله تعالى نصر رسله سُنَّةً، بشهادة قوله سبحانه: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (١). ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ الجمهور على نصب (الهدي) عطفًا على الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾ أي: صدوكم وصدوا الهدي. وقيل: الواو بمعنى (مع)، أي: صدوكم مع الهدي (٢). وقرئ: (والهديِ) بالجر (٣) عطفًا على ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: صدوكم عن المسجد الحرام وصدوكم عن نحر الهدي. (والهَدْيُ) بالرفع (٤)، على إضمار فعل مبني للمفعول، أي: وَصُدَّ الهَدْيُ.

стр. 3362

وعلى تخفيف يائه وهو جمع هَدْيَةٍ، وقرئ: (والهَدِيَّ) بتشديد الياء (١)، والواحد هَدِيَّةٌ، والهدْيُ والهدِيّ: مَا يُهْدَى إلى الحرم من النَّعَمِ. و﴿مَعْكُوفًا﴾: حال من الهدي، أي محبوسًا عن أن يبلغ محله، يقال: عكفتُ فلانًا عن الشيء إذا حبستَه عنه. فعكف هو يتعدى إلى واحد ولا يتعدى، ويجوز أن يكون مفعولًا له، أي: صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، أو لأَنْ لا يبلغ محله، فحذف اللام ولا. وقد جُوز أن يكون بدلًا من الهدي بدل الاشتمال، على: وصَدوا بلوغَ الهدي (٢). وقوله: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾: في موضع رفع على النعت لرجال ونساء، والتقدير: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات غير معلومين لكم، والمعنى: لم تعرفوهم بأعيانهم أنهم مؤمنون. وقوله: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على البدل من الرجال والنساء جميعًا، وهو بدل الاشتمال، أي: ولولا وَطْؤُكُمْ رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات غير معلومين لكم. وأن يكون في موضع نصب على البدل من الضمير المنصوب في ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ وهو بدل الاشتمال أيضًا، أي: لم تعلموا (٣) وَطْأَهم. والوطء: عبارة عن الإيقاع والإبادة، ومثله الدَّوْسُ. وقوله: ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾ عطف على، ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾. وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾، والتقدير: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، وأن يكون في موضع رفع على الصفة لـ ﴿مَعَرَّةٌ﴾، والمَعَرَّةُ: الغَمُّ

стр. 3363

والمَسَاءَةُ، وهي مَفْعَلَةٌ من عَرَّهُ، إذا ساءه، قال: ٥٧٣ - مَا آيِبٌ سَرَّكَ إلَّا سَرَّنِي ... نُصْحًا وَلا عَرَّكَ إِلَّا عَرَّني (١) وجواب لولا محذوف، والتقدير: لسلطكم عليهم، أو لأذن لكم في دخول مكة، وما أشبه هذا. وقد جوز أن يكون ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لـ ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ هو الجواب (٢). وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ فيما تتصل به هذه اللام أوجه: أن تكون من صلة محذوف، أي: فعل جل ذكره ما فعل ليدخل في رحمته من يشاء ممن قد علم أنه سيؤمن من أهل مكة، أو كفهم ليدخل في رحمته من يشاء، دل عليه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿كَفَّ﴾ هذا الظاهر كما زعم بعضهم، لأنه في صلة ﴿الَّذِي﴾، وقد فصل بين ﴿كَفَّ﴾ وبين اللام ما ترى من الكلام، ولا من صلة قوله: ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾ كما زعم بعضهم لعدم المعنى. وأن تكون من صلة المؤمنين والمؤمنات أي: آمنوا ليدخل الله في رحمته من يشاء منهم. وأن تكون من صلة محذوف دل عليه جواب ﴿لَوْلَا﴾ المحذوف المقدر المذكور، وهو لسلطكم عليهم، أو لأذن لكم في دخول مكة، ولكنه حال بينكم وبين ذلك ليدخل من يشاء في رحمته. وقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ الجمهور على حذف الألف وتشديد الياء، أي: لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض، وهو تَفَعَّلُوا من زال الشيء يَزِيلُهُ زَيْلًا، إذا

стр. 3364

مازه وفرَّقه، يقال: زِل ضأنَكَ من مِعْزاك (١). وقيل: هو تَفَيْعَلُوا من زال يزول. أبو علي: هذا التقدير: وإن كان في اللفظ غير ممتنع، فليس المعنى عليه، لأنه لا يراد: لو زالوا من موضعهم، من الزوال الذي هو خلاف الثبات، وإنما المراد: لو تميز المؤمنون من الكافرين لعذبنا الذين كفروا من أهل مكة بالسيف، فتزيلوا تَفَعَّلُوا من زِلْت، ويدل على صحة ذلك قول ابن عباس ﵄: لو تفرق بعضهم من بعض، انتهى كلامه (٢). وقرئ: (لو تزايلوا) بألف بعد الزاي، وتخفيف الياء (٣). والمزايلة: المفارقة، يقال: زايله مزايلة وزيالًا، إذا فارقه، والتزايل: التباين. واختلف في الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾، فقيل: للفريقين و (من) للتبعيض. وقيل: للصادّين وهم الكافرون، و (من) للتجريد كقولك: رأيته فرأيت منه الأسد، أي: رأيته أسدًا. و﴿عَذَابًا﴾ منصوب على المصدر، وهو اسم واقع موقع المصدر وهو التعذيب، و (أليم) فعيل بمعنى مُفعِل، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾: قوله : ﴿إِذْ جَعَلَ﴾ (إذ) يجوز أن تكون ظرفًا لقوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾، أي: لعذبناهم في ذلك الوقت. وأن تكون مفعولًا به بفعل

стр. 3365

مضمر، أي: اذكر إذ جعل. وقوله: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدل من ﴿الْحَمِيَّةَ﴾، والحمية: الأَنَفَةُ، وهو مصدر قولك: حميت عن الشئ حميةً، إذا أَنِفتَ منه، وداخلك عارٌ وأنفهٌ أن تفعله. و (السكينةُ): الوقار. وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ﴾ أي: وألزمهم الثبات على كلمة التقوى. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾: قوله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ صدق فعل يتعدى إلى مفعولين، ومفعولاه هنا: ﴿رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: صَدَقَهُ تأويلَ الرؤيا التي أراها إياه، والمعنى: صدقه في تأويل رؤياه، فحذف الجار وأوصل الفعل وحذف المضاف، وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الرؤيا شيء كالتخايل يُرى في المنام، لا يَحتمل الصدق والكذب، وإنما تأويلها يحتمل ذلك. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ فيه أوجه: أن يكون من صلة ﴿صَدَقَ﴾، أي: صدق بحقيقة ما أراه. وأن يكون حالًا من الرؤيا، أي: ملتبسة بالحق، على معنى: أنها لم تكن من أضغاث الأحلام. وأن يكون قَسَمًا، والكلام تم عند قوله: ﴿الرُّؤْيَا﴾ ثم ابتدأ جل ذكره بالقسم فقال: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وفيه وجهان، أحدهما: هو الحق الذي هو خلاف الباطل. والثاني: هو الحق الذي هو من أسمائه. و ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جوابه، وعلى الوجهين الأولين هو جواب قسم محذوف، أي: والله لتدخلن. وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ في (إن) وجهان: [أحدهما]: على بابها، وفيه أقوال:
следующие страницы →