أخرى، دل عليه المعنى، أو: وقضى الله أخرى، دل عليه ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ وأن تكون في موضع رفع بالابتداء. و ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ صفة لها. و ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ الخبر.
وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لفعله، وهو محذوف، أي: سَنَّ الله تعالى نصر رسله سُنَّةً، بشهادة قوله سبحانه: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (١).
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾:
قوله : ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ الجمهور على نصب (الهدي) عطفًا على الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾ أي: صدوكم وصدوا الهدي. وقيل: الواو بمعنى (مع)، أي: صدوكم مع الهدي (٢).
وقرئ: (والهديِ) بالجر (٣) عطفًا على ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: صدوكم عن المسجد الحرام وصدوكم عن نحر الهدي.
(والهَدْيُ) بالرفع (٤)، على إضمار فعل مبني للمفعول، أي: وَصُدَّ الهَدْيُ.
стр. 3362
وعلى تخفيف يائه وهو جمع هَدْيَةٍ، وقرئ: (والهَدِيَّ) بتشديد الياء (١)، والواحد هَدِيَّةٌ، والهدْيُ والهدِيّ: مَا يُهْدَى إلى الحرم من النَّعَمِ.
و﴿مَعْكُوفًا﴾: حال من الهدي، أي محبوسًا عن أن يبلغ محله، يقال: عكفتُ فلانًا عن الشيء إذا حبستَه عنه. فعكف هو يتعدى إلى واحد ولا يتعدى، ويجوز أن يكون مفعولًا له، أي: صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، أو لأَنْ لا يبلغ محله، فحذف اللام ولا. وقد جُوز أن يكون بدلًا من الهدي بدل الاشتمال، على: وصَدوا بلوغَ الهدي (٢).
وقوله: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾: في موضع رفع على النعت لرجال ونساء، والتقدير: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات غير معلومين لكم، والمعنى: لم تعرفوهم بأعيانهم أنهم مؤمنون.
وقوله: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على البدل من الرجال والنساء جميعًا، وهو بدل الاشتمال، أي: ولولا وَطْؤُكُمْ رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات غير معلومين لكم. وأن يكون في موضع نصب على البدل من الضمير المنصوب في ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ وهو بدل الاشتمال أيضًا، أي: لم تعلموا (٣) وَطْأَهم. والوطء: عبارة عن الإيقاع والإبادة، ومثله الدَّوْسُ.
وقوله: ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾ عطف على، ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾، والتقدير: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، وأن يكون في موضع رفع على الصفة لـ ﴿مَعَرَّةٌ﴾، والمَعَرَّةُ: الغَمُّ
стр. 3363
والمَسَاءَةُ، وهي مَفْعَلَةٌ من عَرَّهُ، إذا ساءه، قال:
٥٧٣ - مَا آيِبٌ سَرَّكَ إلَّا سَرَّنِي ... نُصْحًا وَلا عَرَّكَ إِلَّا عَرَّني (١)
وجواب لولا محذوف، والتقدير: لسلطكم عليهم، أو لأذن لكم في دخول مكة، وما أشبه هذا.
وقد جوز أن يكون ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لـ ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ هو الجواب (٢).
وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ فيما تتصل به هذه اللام أوجه:
أن تكون من صلة محذوف، أي: فعل جل ذكره ما فعل ليدخل في رحمته من يشاء ممن قد علم أنه سيؤمن من أهل مكة، أو كفهم ليدخل في رحمته من يشاء، دل عليه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿كَفَّ﴾ هذا الظاهر كما زعم بعضهم، لأنه في صلة ﴿الَّذِي﴾، وقد فصل بين ﴿كَفَّ﴾ وبين اللام ما ترى من الكلام، ولا من صلة قوله: ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾ كما زعم بعضهم لعدم المعنى.
وأن تكون من صلة المؤمنين والمؤمنات أي: آمنوا ليدخل الله في رحمته من يشاء منهم.
وأن تكون من صلة محذوف دل عليه جواب ﴿لَوْلَا﴾ المحذوف المقدر المذكور، وهو لسلطكم عليهم، أو لأذن لكم في دخول مكة، ولكنه حال بينكم وبين ذلك ليدخل من يشاء في رحمته.
وقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ الجمهور على حذف الألف وتشديد الياء، أي: لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض، وهو تَفَعَّلُوا من زال الشيء يَزِيلُهُ زَيْلًا، إذا
стр. 3364
مازه وفرَّقه، يقال: زِل ضأنَكَ من مِعْزاك (١).
وقيل: هو تَفَيْعَلُوا من زال يزول. أبو علي: هذا التقدير: وإن كان في اللفظ غير ممتنع، فليس المعنى عليه، لأنه لا يراد: لو زالوا من موضعهم، من الزوال الذي هو خلاف الثبات، وإنما المراد: لو تميز المؤمنون من الكافرين لعذبنا الذين كفروا من أهل مكة بالسيف، فتزيلوا تَفَعَّلُوا من زِلْت، ويدل على صحة ذلك قول ابن عباس ﵄: لو تفرق بعضهم من بعض، انتهى كلامه (٢).
وقرئ: (لو تزايلوا) بألف بعد الزاي، وتخفيف الياء (٣). والمزايلة: المفارقة، يقال: زايله مزايلة وزيالًا، إذا فارقه، والتزايل: التباين.
واختلف في الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾، فقيل: للفريقين و (من) للتبعيض. وقيل: للصادّين وهم الكافرون، و (من) للتجريد كقولك: رأيته فرأيت منه الأسد، أي: رأيته أسدًا.
و﴿عَذَابًا﴾ منصوب على المصدر، وهو اسم واقع موقع المصدر وهو التعذيب، و (أليم) فعيل بمعنى مُفعِل، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤).
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾:
قوله : ﴿إِذْ جَعَلَ﴾ (إذ) يجوز أن تكون ظرفًا لقوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾، أي: لعذبناهم في ذلك الوقت. وأن تكون مفعولًا به بفعل
стр. 3365
مضمر، أي: اذكر إذ جعل.
وقوله: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدل من ﴿الْحَمِيَّةَ﴾، والحمية: الأَنَفَةُ، وهو مصدر قولك: حميت عن الشئ حميةً، إذا أَنِفتَ منه، وداخلك عارٌ وأنفهٌ أن تفعله. و (السكينةُ): الوقار.
وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ﴾ أي: وألزمهم الثبات على كلمة التقوى.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾:
قوله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ صدق فعل يتعدى إلى مفعولين، ومفعولاه هنا: ﴿رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: صَدَقَهُ تأويلَ الرؤيا التي أراها إياه، والمعنى: صدقه في تأويل رؤياه، فحذف الجار وأوصل الفعل وحذف المضاف، وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الرؤيا شيء كالتخايل يُرى في المنام، لا يَحتمل الصدق والكذب، وإنما تأويلها يحتمل ذلك.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ فيه أوجه: أن يكون من صلة ﴿صَدَقَ﴾، أي: صدق بحقيقة ما أراه. وأن يكون حالًا من الرؤيا، أي: ملتبسة بالحق، على معنى: أنها لم تكن من أضغاث الأحلام. وأن يكون قَسَمًا، والكلام تم عند قوله: ﴿الرُّؤْيَا﴾ ثم ابتدأ جل ذكره بالقسم فقال: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وفيه وجهان، أحدهما: هو الحق الذي هو خلاف الباطل. والثاني: هو الحق الذي هو من أسمائه. و ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جوابه، وعلى الوجهين الأولين هو جواب قسم محذوف، أي: والله لتدخلن.
وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ في (إن) وجهان: [أحدهما]: على بابها، وفيه أقوال:
стр. 3366
أحدها: هو حكاية ما قيل لرسول الله ﷺ في المنام، وخوطب في منامه بما جرت به العادة، كما كان يخاطبهم لو كان المخبر بذلك عن نفسه.
والثاني: هو حكاية ما قال النبي ﷺ لأصحابه وقص عليهم.
والثالث: هو تعليق عِدَتِهِ جل ذكره بالمشيئة تعليمًا لعباده أن يقولوا في عِداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب اللهِ ومقتدين بسنته، كما قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١).
والرابع: إنما دخل الاستثناء لأن منهم من مات قبل دخوله.
والخامس: وهو متعلق بـ ﴿آمِنِينَ﴾، أي: آمنين إن شاء الله ذلك، وهو راجع إلى ما ذكر آنفًا من أنه جل ذكره علق عِدَته بالمشيئة تعليمًا لعباده، لأن الله تعالى قد علم هل يدخلون آمنين أو غير آمنين.
والسادس: صيغته صيغة الاستثناء وليس المعنى على الاستثناء، وإنما المعنى تسبيحٌ وإخبار أن كل ما يكون فهو بمشيئة الله، كما تأتي صيغة الأمر، وليس المعنى على الأمر، كقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٢). أي سيمدد.
[والثاني]: هي بمعنى (إذ) كقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). و ﴿آمِنِينَ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، وهو الواو المحذوف لسكونه وسكون أول المشدد. وكذا، ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ حال إما من الضمير المذكور آنفًا، أو من المنوي في ﴿آمِنِينَ﴾. وكذا ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ حال أيضًا.
وأما قوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾ فيحتمل أن يكون حالًا أيضًا، أي: غير
стр. 3367
خائفين من المشركين، وأن يكون مستأنفًا، أي: لا تخافون أبدًا بأس الأعداء في الدخول. و ﴿شَهِيدًا﴾: حال أو تمييز، و ﴿بِالْهُدَى﴾: يجوز أن يكون من صلة ﴿أَرْسَلَ﴾، وأن يكون في موضع الحال.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾:
قوله : ﴿مُحَمَّدٌ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو محمد، لجري ذكره في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، و ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ صفة أو عطف بيان له.
والثاني: مبتدأ وفي خبره وجهان، أحدهما: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ مبتدأ، ﴿أَشِدَّاءُ﴾ خبره، وعطفت الجملة على الجملة بالواو. والثاني: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ صفة له أو عطف بيان، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ عطف عليه، و ﴿أَشِدَّاءُ﴾ خبر عن الجميع، و ﴿رُحَمَاءُ﴾ خبر بعد خبر، وكذا ﴿تَرَاهُمْ﴾، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾، فيوقف على ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ في الوجه الأول، ولا يوقف عليه على الثاني. ولك أن تجعل ﴿يَبْتَغُونَ﴾ في موضع الحال، كما أن ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ حالان من الضمير المنصوب في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ لأن الرؤية هنا من رؤية العين.
والجمهور على رفع قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ وقد ذكر وجهه، وقرئ: (رسولَ اللهِ) بالنصب (١)، ونصبه على المدح.
стр. 3368
وعلى رفع ﴿أَشِدَّاءُ﴾ ﴿رُحَمَاءُ﴾، ورفعهما على ما ذكر آنفًا، وقرئ: (أشداءَ) (رحماءَ) بالنصب (١)، وفيه وجهان، أحدهما: على المدح، أي: أمدح أو أصف أشداء ورحماءَ. والثاني: على الحال من المنوي في ﴿مَعَهُ﴾، فيكون محل ﴿الَّذِينَ﴾ من قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إما الرفع بالعطف على موضع الجلالة في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ لأن الباء صلة، أي: كفاه الله، وكفاه تابعوه، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، أو على ﴿مُحَمَّدٌ﴾، أي: محمد رسول الله والذين معه، فـ ﴿مَعَهُ﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾ لا الخبر كما زعم أبو الفتح (٣)، والخبر ﴿تَرَاهُمْ﴾. أو على الابتداء، و ﴿مَعَهُ﴾ صلته أيضًا، والخبر أيضًا ﴿تَرَاهُمْ﴾ (٤). وإما الجر عطفًا على لفظ الجلالة، أو النصب بمضمر يفسره ﴿تَرَاهُمْ﴾ على قول من قال: زيدًا ضربته.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون ذو الحال ﴿الَّذِينَ﴾ دون المقدر في ﴿مَعَهُ﴾؟ قلت: إن جعلته معطوفًا على موضع الجلالة أو على لفظها، أو منصوبًا بمضمر جاز، وإن جعلته معطوفًا على ﴿مُحَمَّدٌ﴾: أو مبتدأ فلا، لعدم العامل، لأن الابتداء لا يعمل في الأحوال، فاعرفه فإنه موضع.
وكُسِّرَ (شديدٌ) على أفعلاء دون فُعلاء كراهة التضعيف في شُدَدَاء (٥).
وقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ ابتداء وخبر.
стр. 3369
وقوله: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ في موضع الحال من المنوي في الخبر، وسيما فِعلا من السُّومَةِ، وهي العلامة، وفيه ثلاث لغات: السيما بالقصر، والسِّيماء، والسِّيمْيَاء بالمد، وأُنشد:
٥٧٤ - غُلامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بالحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيْمِيَاءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصرْ (١)
أي يفرح به من ينظر إليه.
وقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ﴾ ابتداء وخبر. ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾: في موضع الصفة للمثل، لأنه نكرة وإن أضيف إلى المعرفة، وقد تم الكلام إن شئت وتبتدئ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾، فـ ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿كَزَرْعٍ﴾، على أن لهم صفتين، إحداهما: ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ والأخرى ﴿فِي الْإِنْجِيلِ﴾. وإن شئت عطفت ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ على المثل الأول، على أن ذلك الوصف العجيب الشأن كائن في الكتابين، أي: وُصفوا فيهما بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ركع سجد سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ثم تبتدئ بقوله: ﴿كَزَرْعٍ﴾، على: هم كزرع، فيكون في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من المنوي في التوراة والإنجيل، أي: كائنين كزرع (٢).
وقوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ في موضع جر على النعت لـ (زرع)، وشطء الزرع والنبات: فراخه، والجمع: أشطاءٌ وشُطُوء (٣).
стр. 3370
قال أبو عبيدة: يقال: أشطأ الزرع، إذا أخرج فراخه (١).
قال الفراء: الحبة تخرج العشر والثماني والسبع من السنبل (٢).
قال أبو الفتح: لا يكون الشطء إلا في البُرِّ والشعير (٣).
وقرئ: (شَطْأَهُ) بسكون الطاء وهمزة بعدها، و (شَطَأَهُ) بفتح الطاء وهمزة بينها وبين الهاء (٤).
و(شَطَاءَهُ) بفتح الطاء ممدودًا والهمزة (٥).
و(شَطَاهُ) كعَصَاهُ (٦)، بقلب الهمزة ألفًا بعد نقل حركتها إلى الطاء كالمراة والكماة. و (شَطَهُ) بحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى ما قبلها (٧). و (شَطْوَهُ) بإسكان الطاء وواو مفتوحة بعدها (٨)، وهي لغية أو بدل من الهمزة. وكلها لغات والمعنى فيها واحد.
وقوله: ﴿فَآزَرَهُ﴾ في وزنه وجهان:
أحدهما: أفعل، ومعناه: قَوَّاه وأعانه، وشد أزره. وفاعلُ الفعلِ الزرعُ، أي: أعانَ الزرعُ الشطءَ.
стр. 3371
والثاني: فاعل ومعناه ساواه، وفاعل الفعل الشطءُ، أي: أزر الشطءُ الزرعَ، أي: ساواه وصار في طوله.
وقرئ: (فأزره) بالقصر بوزن فَعَل (١)، وهو بمعنى آزر بالمد، لغتان بمعنىً، وقراءة القصر تعضد قول من قال: إنَّ وزن آزَرَ أَفْعَلَ، لأن فَعَلَ وأَفْعَلَ كثيرًا ما يتعاقبان على الكلمة، نحو: أَلَتَهُ وآلَتَهُ، إذا نقصه، كذا أخبرني شيخنا أبو اليمن الكندي رحمه الله تعالى بقراءة غيري عليه وأنا أسمع بالإسناد عن أبي علي فيما حكاه التَّوزِيّ (٢) أن القوم قالوا: أَلَتَهُ وآلَتَهُ بمعنى (٣).
وقوله: ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ في في فاعل الفعل وجهان، أحدهما: الزرع، أي: فغلظ ذلك الزرع ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾، أي فقام على قصبه وأصوله، والسُّوْقُ: جمع ساق، وهو أصله الذي يقوم عليه. والثاني: الشطءُ، أي: فغلظ الشطء وتناهى فصار هو الأصل.
و﴿عَلَى سُوقِهِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿فَاسْتَوَى﴾، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في قوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾، أي: فاستوى قائمًا على سوقه.
وقوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا، أي: يعجب هذا الزرعُ زُرَّاعه، أي: يسرهم بقوته، والتفافه، وطول نباته.
стр. 3372
وفي قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ المنوي في قوله: ﴿لِيَغِيظَ﴾ يجوز أن يكون لله عز وعلا، والتقدير: فعل الله ذلك برسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وهو أن قواهم وكثَّرهم ليغيظ بهم الكفار، وأن يكون للزرع، أي: هذا الزرع يغيظ بقوته والتفافه وطول نباته الكفار، أي الزُّرَّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم، فاللام على هذا من صلة ﴿يُعْجِبُ﴾، والأول أمتن، وقد جوز أن يكون من صلة ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾، لأن الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما أوتوا في العاجلة غاظهم ذلك، يقال: غاظه يغيظه غيظًا، فهو مَغِيظ، قال ابن السكيت: ولا يقال: أغاظه (١).
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ لبيان الجنس عند الجمهور، لأن الجميع مؤمنون مطيعون، وقد جوز أن يكون للتبعيض، والضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا لمن يوصف بالعمل الصالح ولمن لا يوصف به. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الفتح
والحمد لله وحده
стр. 3373
إعراب سُورَة الحُجُراتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾:
قوله : ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ الجمهور على ضم التاء وكسر الدال مع التشديد، وفيه وجهان، أحدهما: متعد منقول بتثقيل الحشو، مِن قَدَمَهُ، إذا تقدمه، ومفعوله محذوف، أي: لا تقدموا أمرًا على أمره، وقولًا على قوله، أو فعلًا على فعله. والثاني: لازم، يقال: قَدَّم بين يديه، أي: تقدم، كوجَّهَ بمعنى: تَوَجَّهَ. قال أبو عبيدة: العرب تقول: لا تُقَدِّمْ بين يدي الإمام، وبين يدي الأب، أي: لا تَعْجَلْ بالأمر والنهي دونهما (١).
وقرئ: (لا تَقَدَّموا) بفتح التاء والدال مشددة (٢)، والأصل: لا تتقدموا، فحذفت إحدى التاءين كراهة اجتماعهما في صدر الكلمة، وبين اليدين في اللغة عبارة عن أمامٍ، لأن ما بين يدي الإنسان أمامه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ
стр. 3374
الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾:
قوله : ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض، واللام من صلة الجهر.
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ﴾ أي: كراهة أو مخافة أن تحبط، فحذف المضاف وهو مفعول له، أو لئلا تحبط، فحذف لا واللام، وقد أجاز أبو إسحق: أن يكون لام العاقبة، كالتي في قوله : ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١).
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من المجرور.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ﴾ نهاية اسم ﴿إِنَّ﴾ الجلالة، وخبرها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فـ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿لِلتَّقْوَى﴾، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خبر آخر لـ ﴿إِنَّ﴾، ولك أن تجعل ﴿الَّذِينَ امْتَحَنَ﴾ صفة لـ ﴿أُولَئِكَ﴾ وخبره ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ و ﴿أُولَئِكَ﴾ مع خبرهِ خبرُ ﴿إِنَّ﴾. وقيل: ﴿أُولَئِكَ﴾ بدل من اسم ﴿أَنْ﴾ و ﴿الَّذِينَ امْتَحَنَ﴾ صفة ﴿أُولَئِكَ﴾، وخبر ﴿إِنَّ﴾ قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾:
قوله : ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ جمع حجرة، وهي فُعْلة بمعنى
стр. 3375
مفعولة، كالغرفة والقبضة، وهي المكان يَتَحَجَّرُهُ الإنسانُ لنفسه، يمنع غيره من مشاركته فيه، وحركت عينها في الجمع فرقًا بين الاسم والصفة، نحو: حُلْوة وحُلْوات، ويجوز فيها ثلاثة أوجه، الحُجُرات بضم الجيم وهو الأصل، والحُجَرات بفتحها وهو تخفيف لخفة الفتحة، وقد قرئ بهما (١)، والحُجْرات بتسكينها كراهة اجتماع الضمتين، لأن السكون أخف من الفتحة.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ محل (أن): الرفع على الفاعلية، لأن ﴿لَو﴾ لا يليها إلا الفعل، أي: ولو ثبت صبرهم.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾:
قوله : ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فعل أمر، والفاء جواب الشرط. ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ مفعول له، أي كراهة أن تصيبوا، أي: كراهة إصابتكم قومًا، و ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾، أي: جاهلين بحقيقة الأمر. ﴿فَتُصْبِحُوا﴾: عطف على قوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾.
وقوله: ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ يجوز أن تكون (ما) موصولة، وأن تكون مصدرية.
وقوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في الظرف وهو ﴿فِيكُمْ﴾ الراجع إلى رسول الله ﷺ ، وقيل: هو مستأنف (٢)،
стр. 3376
وليس بشيء لأدائه إلى تنافر النظم (١).
وقوله: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون مفعولًا له، أي: حبب إليكم الإيمان وكره إليكم الكفر للفضل والنعمة، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله، أي: تفضل بذلك عليكم تفضلًا، وأنعم به عليكم إنعامًا، فَوُضِعا موضع التفضيل والإنعام كما وضع عطاء موضع إعطاء في قوله:
٥٧٥ - .................... بعد عطائك المائة ............ (٢)
وكرامة موضع إكرام، في قولهم: أكرمته كرامة.
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾:
قوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ ارتفعْ ﴿طَائِفَتَانِ﴾ بإضمار فعل دل عليه ما بعده، أي: وإن اقتتل طائفتان، وجاز حذفه لدلالة ما بعده عليه.
وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ جواب الشرط. ﴿فَقَاتِلُوا﴾: جواب الشرط الثاني، و ﴿حَتَّى﴾ من صلته. ﴿فَأَصْلِحُوا﴾: جواب الشرط الثالث.
وقوله: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الجمهور على لفظ التثنية والمراد الجمع، لأنه عام في كل مسلِمَينِ تخاصما وتقاتلا فصاعدًا، وقرئ: (بين إِخْوَتِكُمْ) و (بين إخوانكم) على الجمع (٣)، وهو الأصل في المعنى الموافق لما قبله، والإخوة
стр. 3377
جمع الأخ، وكذلك الإخوان. وقيل: الإخوة في النسب، والإخوان في الصداقة (١). ويقع أحدهما موقع الآخر، وهاتان القراءتان تدلان على أن المراد من قراءة الجمهور الجمع وإن كان لفظها لفظ التثنية.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾:
قوله : ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ القوم في كلام القوم للذكور دون الإناث، بشهادة قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾، فلو كانت النساء داخلة في ﴿قَوْمٌ﴾ لم يقل جل ذكره: ﴿وَلَا نِسَاءٌ﴾، هذا هو الظاهر، وقد صرح به زهير فقال:
٥٧٦ - وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٢)
وأصله من القيام، لأن الرجل هو القائم بأمر المرأة، قيل: وهو في الأصل جمع قائم، كصوْمٍ وزَوْرٍ في جمع صائم وزائر، أو تسمية بالمصدر، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع، لأن قوم كل نبي ذكور وإناث، وقد قال جل ذكره: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾. وقوم ﴿وَعَادٌ﴾. و ﴿قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ (٣).
والجمهور على ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا﴾ و ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ﴾ على أنَّ (عسى) لا خبر لها، كقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ (٤) وقرئ: (عَسَوْا أن يَكُونُوا)
стр. 3378
و (عَسَينَ أن يكُنَّ) (١) على أنها ذات خبر، كقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾:
قوله : ﴿أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ انتصاب قوله: ﴿مَيْتًا﴾ على الحال إما من اللحم، أو من الأخ.
وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ عطف على محذوف تقديره: بل عافته نفوسكم فكرهتموه، والكناية عن الأكل يدل عليه ﴿أَنْ يَأْكُلَ﴾، وقيل: عن اللحم، وقيل: عن الاغتياب، أي: فكرهتم أن تُغتابوا أنتم فلا تَغتابوا غيركم.
و﴿شُعُوبًا﴾: مفعول ثان، لأن الجعل بمعنى التصيير، والشعوب رؤوس القبائل وجمهورها، واحدها: شَعْب بفتح الشين وسكون العين، وسموا شَعْبًا لتشعبهم، وهو الاجتماع، وهو في الأصل مصدر قولك: شَعَبْتُ الشَّيءَ أَشعَبُهُ شَعْبًا، إذا جمعتَهُ أو فرقتَهُ، وهو من الأضداد. وقيل: سميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها (٣).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾:
قوله : ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ من صلة الجعل، والمعنى: أن الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض فلا
стр. 3379
يَعْتزي (١) إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد.
وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ﴾ الجمهور على كسر الهمزة على الاستئناف، والوقف على قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾، وعن ابن عباس ﵄: (لتعرفوا أن أكرمكم) بفتح الهمزة (٢)، أي: لتعرفوا ذلك، فإن وما اتصل بها هي المفعول. وعنه أيضًا: كسر الهمزة، كقراءة الجمهور على أن المفعول محذوف، أي: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إلى معرفته من هذا الوجه، قاله أبو الفتح، ثم قال: وهو كقوله:
٥٧٧ - ................. ... وَمَا عُلِّمَ الإنسانُ إلا لِيَعْلَمَا (٣)
أي: ليعلمَ ما عُلِّمَهُ، أو ليعلم ما يدعو إلى عِلمه ما عُلمه، وحَذْفُ المفعول كثير جدًا، وما أغربه وأعذبه لمن يعرف مذهبه، انتهى كلامه (٤).
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾:
قوله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ إنما جيء بـ ﴿لَمْ﴾
стр. 3380
دون (لن)، لأن ﴿لَمْ﴾ نَفْيٌ لما مضى، و (لن) نَفْيٌ لما يستقبل. والمذكورون أخبروا عن أنفسهم بإيمان قد مضى كما ترى، فلذلك نُفِيَ قولهم بـ ﴿لَمْ﴾ دون (لن) (١).
و(لَمَّا) هو (لم) دخل عليه (ما) للتأكيد. وقيل: ظهر في (لم) بدخول (ما) عليها معنى التوقع، فيكون المعنى: ولما يدخل بعد، ويُتوقَّعُ دخولُه (٢).
وقوله: (لا يَألِتْكم) قرئ: بهمزة بين الياء واللام (٣)، وهو من أَلَتَهُ حَقَّهُ يَأْلِتُهُ أَلْتًا، إذَا نَقَصَهُ، والأَلْتُ: النَّقْصُ. و ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ بغير همزة (٤)، وهو من لاتَ يِليتُ، إذَا نَقَصَ لَيْتًا، لغتان بمعنىً. وقال بعضهم: أَلَتَ نقص كما سلف، ولات منع وأنشد:
٥٧٨ - وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدىً سَرَيْتُ ... وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ (٥)
أي: لم يمنعني. والمعنى على هذا: لا يمنعكم من ثواب أعمالكم شيئًا. فَيَأْلِتُ كيأسر، ويَلِيت كيبيع. وعن قُطرب: هو من وَلَتَهُ عن الشيء، إذا صرفه عنه (٦)، فـ ﴿يَلِتْكُمْ﴾ على هذا كيعدكم، أي: لا يصرفكم.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾
стр. 3381
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صفة لهم، والخبر: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾:
قوله : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ أي: بأن أسلموا، فإن وما بعدها في تأويل المصدر، أي: بإسلامهم، فحذف الباء وأوصل الفعل، يقال: مننت عليه بالشيءِ، ثم مننت عليه الشيءَ.
وقوله: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ﴾ أي: بأن هداكم، أو لأن هداكم، وقرئ: (إنْ هَدَاكُم) بكسر الهمزة (١)، وهي بمعنى (إذ) تعضده قراءة من قرأ: (إذ هداكم) وهو ابن مسعود ﵁ (٢).
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ (إن) شرطية، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: إن كنتم صادقين فيما زعمتم فلله المنة عليكم بأن هداكم له، هذا على قول من قال: إنها نزلت في الأعراب المنافقين، وأما من قال: إنها في المؤمنين فـ (إن) على قوله بمعنى إذ، والمعنى: إذ صدقتم في أنكم مؤمنون لزمكم أن تعلموا أن المنة في إيمانكم لله عليكم حين هداكم له وأصاركم إليه.
﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: قرئ: بالتاء النقط من فوقه لقوله: ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ
стр. 3382
إِسْلَامَكُمْ﴾. وبالياء النقط من تحته (١) لقوله: ﴿يَمُنُّونَ﴾، و (ما) موصولة أو مصدرية، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الحجرات
والحمد لله وحده (٢)
стр. 3383
إعراب سُورة ق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾:
قوله : ﴿ق﴾ اختلف في ﴿ق﴾، فقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقيل: اسم من أسماء القرآن: وقيل: اسم جبل (١). وقيل: اسم للسورة (٢). وقيل: معناه قضى ما هو كائن، كما قيل في ﴿حم﴾: حُمَّ ما هو كائن (٣). وقيل: افتتاح اسمه سبحانه اقتصر على حرف منه (٤). وقيل: معناه قف (٥).
فمن جعله قسمًا، كانت الواو في ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ عاطفة، ومن جعله غير
стр. 3384
ذلك كانت واو القسم. ومحله إما الرفع على إضمار مبتدأ، أو النصب على إضمار فعل، أو الجر على قول من جعله قسمًا.
والجمهور على إسكان الفاء وهو الوجه، وقد ذُكر سبب ذلك فيما سلف من الكتاب (١)، وقرئ: (قافَ) بفتح الفاء، و (قافِ) بكسرها (٢)، وكلاهما لالتقاء الساكنين، فالفتح إتباع لصوت الألف لأنه منها، والكسر على الأصل، ولك أن تجعل المفتوح منصوبًا بإضمار فعل. ولم تُصْرَفْ لاجتماع التعريف والتأنيث على قول من جعله اسمًا للسورة، كأنه قيل: اقرأ أو الزم قاف.
واختلف في جواب القسم، فقيل: محذوف يدل عليه (إذا متنا)، والتقدير: لنبعثن، لأنهم أنكروا البعث. وقيل: التقدير: إنّ محمدًا رسول الله، دل عليه ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾. وقيل: التقدير: ما آمنوا بل عجبوا، دل عليه معنى قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾. وقيل: هو قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾ على إرادة اللام، أي: لقد علمنا، لأن الماضي يفتقر إلى التوكيد كما يفتقر إليه المستقبل، واستعمال قد غالب عليه، نحو: والله لقد خرج، وتَرْكُهُ جائز حسن، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٣) أي: لقد أفلح. وقيل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ (٤) وفيه بعدٌ للبعدِ. وقيل: ما قبل القسم يقوم مقامه، والتقدير: والقرآن المجيد لقد قضي الأمر (٥).
стр. 3385
وقوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ قيل: الضمير فيه للكفار خاصة، وقيل: لهم وللمؤمنين (١)، ثم ميّز بينهم فقال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿أَنْ جَاءَهُمْ﴾ أي: لأن جاءهم.
وقوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ (إذا) منصوب بمضمر، أي: أنبعث، أو أنرجع إذا متنا؟ والاستفهام بمعنى الإنكار.
وقوله: ﴿حَفِيظٌ﴾ فعيل بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾:
قوله : ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ خروج من قصة إلى قصة. والجمهور على فتح لام ﴿لَمَّا﴾ وهو ظرف زمان منصوب بقوله: ﴿كَذَّبُوا﴾. وقرئ: (لِما جاءهم) بكسر اللام (٢)، و (ما) على هذه مصدرية، واللام هي التي في قولهم: لخمسٍ خلونَ، ولِعشرٍ مضينَ من شهر كذا، أي: لمجيئه إياهم، كقولك: آتيته ما سأل لطلبه، أي: عند طلبه، ومع طلبه، وكذا التقدير في التاريخ، أي: عند خمس خلون، أو مع خمس خلون. ومثله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٣) أي: عند وقتها (٤).
وقوله: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي: مضطرب، من مَرِجَ الخاتم في إصبعه
стр. 3386
يمرَج بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر مرجًا، أي: قَلِقٍ، أو فاسدٍ، من مَرِجَتْ أمانة فلان: إذا فَسَدَتْ، فمريج: فعيل بمعنى فاعل. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول، من مَرَجْتُ الشيءَ، إذا خَلَّيته، ومنه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (١).
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ (فوقهم) يجوز أن يكون حالًا من السماء، أي: كائنة فوقهم، وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾، والأول أمتن.
وقوله: ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ (كيف) في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ الراجع إلى السماء، أي: عالية، أو واسعة.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ انتصاب الأرض بمضمر يفسره هذا الظاهر، أي: ومددنا الأرض، فَحُذف وجُعِل هذا الظاهر تفسيرًا له، والمعنى: بسطناها من تحتهم، وقد جوز أن تكون عطفًا على محل قوله: ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾، على: ويروا الأرض، فـ ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ على هذا حال منها، أي: ممدودة، وأما على الوجه الأول (٢) فعار عن المحل، لكونه مفسرًا.
وقوله: ﴿رَوَاسِيَ﴾ أي: جبالًا ثوابت، واحدها: راسية.
وقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ المفعول به محذوف على رأي صاحب الكتاب ﵀، أي: وأنبتنا فيها جملة من كل زوج، و ﴿مِنْ﴾ للتبيين، ولك أن تجعلها صلة على مذهب أبى الحسن ﵀، ولا حذف على هذا، أي: وأنبتنا فيها كل زوج، أي: كل صنف من النبات.
والضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ للأرض، وقيل: ﴿رَوَاسِيَ﴾ على. والمراد بالزوج البهيج: الذهب والفضة وسائر الفِلزات، الفِلِزُّ بالكسر وتشديد الزاي:
стр. 3387
ما يَنفيه الكِير مما يذاب من جواهر الأرض (١).
وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ يجوز أن يكونا مفعولين لهما، أي: فعلنا ذلك تبصيرًا وتذكيرًا لكل عبد منيب، أي: لِنُبَصِّرَهُم ونُذَكِّرَهم فَيُبْصِرُوا قدرتنا بعين عقولهم، ويتذكروا نعمتنا بفكر قلوبهم، وأن يكونا مصدرين مؤكدين لفعلهما، أي: بصَّرناهم تبصيرًا، وذكَّرناهم تذكيرًا.
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾:
قوله : ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ تقديره عند أصحابنا البصريين: وحَبّ النبت أو الزرع الحصيد، أي: المحصود، فحذف المنعوت وأقيم النعت مقامه، وليس هذا من إضافة الشيء إلى صفته كما ذهب إليه الكوفيون وقالوا: الأصل الحب الحصيد، فحذفت الألف واللام، وأضيف الموصوف إلى الصفة، لأن الصفة والموصوف عند النحاة شيء واحد، فلو أضيف الشيء إلى صفته لكان الشيء مضافًا إلى نفسه، وهذا محال، ثم إن الحب لا يحصد وإنما يحصد النبت الذي فيه الحب، فاعرفه فإنه موضع (٢).
وقوله: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ انتصاب ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ على الحال من النخل، أي: طوالًا في السماء. وقيل: حوامل (٣)، من قولهم: أَبْسَقَتِ الناقةُ، إذا
стр. 3388
وقع في ضرعها اللِّبَأُ قبل النِتاج، فهي مبسق (١). وقيل: إذا حملت، فيكون من باب مُفعِل وهو فاعل، كقولهم: رياح لواقح، أي: ملقحات.
والجمهور على السين وهو الأصل، وقرئ: (باصقات) بالصاد (٢)، وهي مبدلة من السين، لأجل القاف.
وقوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ محل الجملة النصب على الحال، و ﴿نَضِيدٌ﴾ فعيل بمعنى مفعول، أي: منضود، نُضِدَ بعضُه إلى بعض.
وقوله: ﴿رِزْقًا﴾ يجوز أن يكون في موضع الحال تسمية للمفعول بالمصدر، كخلق الله، أي: أنبتنا هذه الأشياء ذات رزق، أو مرزوقة. وأن يكون مفعولًا له، أي: أنبتناها للرزق، أي ليرزقهم. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله حملًا على المعنى، لأن الإنبات في معنى الرزق، كأنه قيل: رزقناهم رزقًا، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للماء وهو المطر.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ محل الكاف إما النصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: نخرجكم من قبوركم إخراجًا مثل ذلك الإحياء. أو الرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو الخروج، أي: الخروج مثل ذلك الإحياء.
وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ﴾ ابتداء وخبر، ووحد المنوي في الخبر الراجع إلى المبتدأ حملًا على اللفظ دون المعنى، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، أي: كل قوم منهم أو كلهم، وقد أجيز كُلُّ منطلقٌ على البناء حين حذف منه المضاف إليه، كقبلُ وبعدُ.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾:
стр. 3389
قوله : ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ونحن نعلم. ومحل الجملة النصب على الحال. و ﴿مَا﴾: يجوز أن تكون موصولة، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إليها، وأن تكون مصدرية، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى الإنسان، والباء على هذا في ﴿بِهِ﴾ للتعدية، أي ما تجعله موسوسًا، لأنهم يقولون: حَدَّثَ نفسَه بكذا، كما يقولون: حدثته به نفسُه، قاله الزمخشري (١).
وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ أي: من حبل العرق الوريد، والوريد عرق في باطن العنق، [ويسمى أيضًا حبل العاتق] (٢)، وسمي وريدًا، لأنه العرق الذي ينصبّ إليه ما يرد من الرأس، وهما وريدان عن يمين وشمال، عن ابن عباس ﵄ (٣)، وهو المعروف في اللغة. وقيل فيه غير هذا، ولا يليق ذكره في هذا الكتاب، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: مورود.
وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ (إذ) ظرف لقوله: ﴿أَقْرَبُ﴾، قيل: وساغ ذلك، لأن المعاني تعمل في الظروف متقدمة ومتأخرة (٤).
وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿قَعِيدٌ﴾ مبتدأ و ﴿وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ خبره، والتقدير: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀، وأنشد:
٥٧٩ - نَحْنُ بما عندنا وأنتَ بما ... عندكَ راضٍ والرأْيُ مُخْتَلِفُ (٥)
أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. ومنه:
٥٨٠ - .... كنت منه ووالدي ... بريًّا ............................. (٦)
стр. 3390
أي: كنت منه بريئًا. وكان والدي منه بريئًا.
وعن المبرد: ﴿قَعِيدٌ﴾ المذكور لليمين، وللشمال محذوف حذف لدلالة الأول عليه (١).
وقال غيرهما: لا حذف في الكلام، لأن فعيلًا يصلح للواحد وللاثنين وللجماعة، كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٢).
واختلف في معنى ﴿قَعِيدٌ﴾، فقيل: بمعنى مُقاعد، كجليس بمعنى مجالس. وقيل: بمعنى قاعد. وقيل: بمعنى ملازم. وقيل: بمعنى راصد (٣).
وقوله: ﴿لَدَيْهِ﴾ الضمير للإنسان، لأنه الافظ. وقيل: للقول.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ يجوز أن تكون الباء من صلة (جاءت)، كما تقول: جئت بفلان، أي: أحضرته، فهي للتعدية، وأن تكون من صلة محذوف على أنها باء الحال، أي: جاءت سكرة الموت ومعها الحق، كقولك: خرج بسلاحه، أي: وسلاحه عليه.
وقرئ: (وجاءتْ سكرةُ الحقِّ بالموتِ) (٤) على إضافة السكرة إلى الحق، أي: سكرة ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى قد
стр. 3391
وعده به أو أوعده، والباء تحتمل الضربين من التقدير.
وقوله: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، قوله: ﴿مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ محل الجملة إما النصب على الحال على إرادة الواو، أي: ومعها سائق وشهيد، وذو الحال ﴿كُلُّ﴾ وساغ ذلك لِتَعَرُّفِهِ بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة من حيث العموم، وإما الرفع على النعت لكل، أو الجر على النعت لنفس.
وقوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ﴾ الجمهور على فتح التاء والكافات، والخطاب للإنسان، أو للنبي ﷺ على ما فسر (١)، على معنى: كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم، فكشفنا عنك غطاءك بما أوحينا إليك، فبصرك اليوم حديد، أي: فعلمك اليوم ثاقب بما علمناك بالوحي، كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (٢)، وقرئ: (لقد كنتِ .. عنكِ غطاءكِ فبصركِ) بالكسر فيهن (٣)، على خطاب النفس على اللفظ، أي: يقال لها كيت وكيت.
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (هذا) مبتدأ، و ﴿مَا لَدَيَّ﴾ خبره. و ﴿مَا﴾ يجوز أن تكون موصولة، و ﴿لَدَيَّ﴾ صلتها، و ﴿عَتِيدٌ﴾ إما بدل
стр. 3392
منها، أعني: من ﴿مَا﴾، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عتيد، أو خبر ﴿مَا﴾، والجملة خبر ﴿هَذَا﴾. وأن تكون موصوفة بمعنى شيء، و ﴿لَدَيَّ﴾ صفة له، وكذا ﴿عَتِيدٌ﴾ صفة لها بعد صفة. ولك أن تجعل ﴿لَدَيَّ﴾ من صلة ﴿عَتِيدٌ﴾، والتقدير: هذا شيء عتيد لديّ، ويجوز في الكلام نصب ﴿عَتِيدٌ﴾ على الحال، إما من ﴿مَا﴾ والعامل ما في ﴿هَذَا﴾ من معنى الفعل، أو من المنوي في الظرف والعامل فيها الظرف عَيْنُهُ. والعتيد: الحاضر المهيأ (١).
وقوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ أي: يقال ذلك، واختلف في لفظ ﴿أَلْقِيَا﴾، فقيل: الخطاب من الله جل ذكره للملكين الموكلين، وهما السائق والشهيد (٢). وقيل: هما من خزنة النار. وقيل: الخطاب للواحد وهو مالِكٌ، وفيه وجهان:
أحدهما: على تكرير الأمر، كأنه قيل: ألقِ ألقِ، لأنه لما لم يكن سبيل إلى تثنية الفعل ثني الضمير (٣).
والثاني: أن العرب أكثر ما يرافق الرجلُ منهم اثنين، فكثر على ألسنتهم أن يقولوا: اضربا زيدًا يا رجل وقفا، حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين (٤)، ومنه قوله:
٥٨١ - فَقُلْتُ لِصَاحِبِي لا تَحْبِسَانَا ... ................. (٥)
стр. 3393
وقوله:
٥٨٢ - فَإنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْ ... وَإنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعَا (١)
وقيل: أصله (أَلْقِيَنْ) بنون التوكيد الخفيفة، فأبدل من النون الأَلف في حال الوقف، ثم أجري الوصل مجرى الوقف، كقوله:
٥٨٣ - ......................... ... ......... والله فاعبدا (٢)
تعضده قراءة من قرأ: (أَلْقِيًا) بالنون الخفيفة، وهو الحسن (٣).
وقوله: ﴿مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي﴾ الجماعة على كسر التنوين على أصل التقاء الساكنين، وقرئ: بفتحها (٤) هربًا من توالي الكسرات مع الياء (٥).
وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا مبتدأ، والخبر: ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ وقد ضمن معنى الشرط، ولذلك دخلت الفاء في خبره. وأن يكون في موضع نصب، إما بمضمر يفسره هذا الظاهر، أو على البدل من ﴿كُلَّ﴾، من قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ﴾. أو على إضمار أعني، وقوله: ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ على هذه الأوجه الثلاثة تكرير للتوكيد. وقيل: إنما كرر، لأن الأول للإلقاء في جهنم، والثاني للإلقاء في العذاب الشديد.
стр. 3394
فإن قلت: هل يجوز أن يكون في موضع جر على النعت للكفار أو على البدل منهم؟ قلت: أما على النعت فلا (١)، لأن (كفارًا) نكرة، والنكرة لا توصف بالموصولة، إنما الموصولة جيء بها وصلة إلى وصف المعارف بالجمل. وأما على البدل فلا يمتنع.
قيل: فإن قيل: لم أخليت هذا الجملة من الواو وأدخلت على الأولى؟ قيل: لأنها استؤنفت كما تُستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول، كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون، فإن قيل: فأين التقاول ههنا؟ قيل: لما قال قرينه ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، وتبعه قوله: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ وتلاه ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾. عُلِم أن ثَمَّ مقاولة من الكافر، لكنها طرحت لما يدل عليها، كأنه قال: رب هو أطغاني، فقال قرينه: ربنا ما أطغيته، وأما الجملة الأولى فواجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول، أعني مجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه ما قال له، قاله الزمخشري (٢).
وقوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ في الباء أوجه:
أحدهما: صلة، كالتي في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٣).
والثاني: مُعَدِّيَةٌ، على أَنَّ (قَدَّمَ) لازم بمعنى تقدم، وقد أُوضح في أول الحجرات (٤).
والثالث: حال، وذو الحال محذوف وهو مفعول ﴿قَدَّمْتُ﴾، أي: قدمت إليكم القول ملتبسًا بالوعيد.
стр. 3395
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ قرئ: بالنون لقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ﴾ (١)، و (يقول) بالياء النقط من تحته (٢)، لقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ﴾ (٣)، أي يقول.
و﴿الْيَوْمَ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لِظَلَّام، أو لقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ﴾ (٤)، أو لمحذوف دل عليه ما قبله، أي: ذلك يكون يوم نقول، وأن يكون منصوبًا بمضمر، أي: اذكر أو أنذر يوم، فيكون مفعولًا به، وقد جوز أن يكون معمول قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (٥)، وهو بعيد للبعد (٦).
وقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ انتصاب قوله: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾، إما على الحال من الجنة، وإنما ذُكّر لفظ ﴿بَعِيدٍ﴾، لأنه على زنه فعيل، وفعيل يصلح للمذكر والمؤنث، والواحد والجمع، أو لأن الجنة والبستان بمعنىً، كما أن الموعظة والوعظ كذلك، وإما على الظرف، أي: مكانًا غير بعيد، ثم حذف لكونه معلومًا.
وقوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾: قرئ: بالياء النقط من تحته، لقوله:
стр. 3396
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وبالتاء (١)، على معنى: يقال لهم: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾.
وقوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بإعادة الجار.
وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ يجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولة، إما في موضع جر على البدل إما من ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، أو من (كُل) في قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾، أو من موصوفِ ﴿أَوَّابٍ﴾ لا من ﴿أَوَّابٍ﴾ كما زعم بعضهم، لأن ﴿مَنْ﴾ لا يوصف به، ولا يوصف من بين الموصولات إلا بـ ﴿الَّذِي﴾ وحده. أو نصب على إضمار أعني، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم من خشي.
وأن تكون شرطية في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿ادْخُلُوهَا﴾، على تقدير حذف جواب الشرط، أي: فيقال لهم: ادخلوها بسلام، أي: سالمين من العذاب وزوال النعم، والباء للحال.
وقد جوز أن تكون منادى كقولهم: مَن لا يزال محسنًا أَحسنْ إليَّ، أي: يا من لا يزال (٢).
والباء في قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ باء الحال، وذو الحال ﴿الرَّحْمَنَ﴾ جل ذكره، أي: خَشِيَهُ وهو غائب، أو المنوي في ﴿خَشِيَ﴾ الراجع إلى (مَن).
وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ (فيها) يجوز أن يكون من صلة ﴿يَشَاءُونَ﴾، وأن يكون في موضع الحال إما من ﴿مَا﴾ على رأي أبي الحسن، أو من المنوي في ﴿لَهُمْ﴾ على مذهب صاحب الكتاب. أو من الراجع إلى ﴿مَا﴾ على المذهبين.
стр. 3397
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿وَكَمْ﴾، في موضع نصب بأهلكنا. و ﴿هُمْ أَشَدُّ﴾ في موضع الصفة إما لـ ﴿كَمْ﴾، أو لـ ﴿قَرْنٍ﴾. و ﴿بَطْشًا﴾: تمييز.
وقوله: ﴿فَنَقَّبُوا﴾ الجمهور على فتح القاف مع التشديد وهو خبر، والفاء فيه للعطف حملًا على المعنى، كأنه [قيل]: بطشوا فنقبوا، أي: فخرقوا في البلاد فساروا فيها، ومنه قوله:
٥٨٤ - لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمةِ بالإيابِ (١)
وقرئ: (فَنَقَبُوا) بفتح القاف مخففًا (٢)، فالتشديد للكثرة والمبالغة، والتخفيف يكون لذلك.
وقرئ: (فَنَقِّبُوا) بكسر القاف مشددًا، على الأمر (٣) كقوله: ﴿فَسِيحُوا
стр. 3398
فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، أي: فسيروا فيها هل تجدون محيصًا عن الموت، أو هل لهم محيص؟
وقرئ: أيضًا: (فَنَقِبُوا) بكسر القاف مخففًا (١)، وهو خبر، والمعنى: أَكْثَرُوا السير فيها حتى نَقِبَتْ دوابُّهم، من النَّقْبِ، يقال: نَقِبَ خُفُّ البعير يَنْقَبُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَقْبًا، إذا صار في خفه نقوب، أي: فَنَقِبَت أخفافُ إبِلِهِمْ من كثرة سيرهم فيها.
وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ الجمهور على البناء للفاعل، أي: استمعَ ما يقال له. قال أبو إسحق: العرب تقول: ألقِ إليَّ سمعكَ، أي: استمع مني (٢). وإلقاء السمع: الإصغاء، وقرئ: (أَوْ أُلْقِيَ السَّمْعُ) على البناء للمفعول (٣)، أي: أُلقي السمعُ منه، كأنَّ مُلْقِيًا غيره أَلْقَى سمعه إلى الذكر وهو القرآن. ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ الواو للحال.
و(اللُّغوب): الإعياء، والجمهور على ضم اللام، وقرئ: (مِنْ لَغُوبٍ) بفتحها (٤) كالطَهُور، والقَبُول، والوَلُوع. قيل: وهو نعت لمصدر محذوف، كقولهم: توضأت وُضُوءًا وَضوءًا، أي: وُضُوءًا حسنًا، أي: ما مسنا من لُغُوبٍ لَغُوبٍ، فوُصِفَ اللُّغُوبُ بأنَّه لَغُوبٌ.
وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قرئ: بفتح الهمزة (٥)، وهو إما جمع دُبْرٍ،
стр. 3399
كُبُرْدٍ وأبراد، أو جمع دُبُر، كُطُنُبٍ وأطْنَابِ. و (إدْبَارَ) بكسرها (١)، وكلاهما منصوب على الظرف، أعني: (أَدَبارَ) و (إدبارَ)، أي: وقت أدبار أو إدبار، لأنهم قالوا: أتيتك دُبُرَ الصلاة، ودُبُرَ الشهر، وأدْبارَ الصلواتِ، وخفوقَ النجمِ، فنصبوا جميع ذلك على الظرف، على إرادة إضافة أسماء الزمان إليها وحذفها، أي: وقت كذا أو زمن كذا.
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾:
قوله : ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ﴾ (يوم) مفعول به، أي: واستمع نبأ أو حديث يوم، ويجوز أنَ يكون ظرفًا، على: واستمع النداء يوم ينادي، فحذف المفعول به.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ﴾ بدل من (يوم ينادي).
وقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ يجوز أن يكون بدلًا مما قبله، وأن يكون ظرفًا للمصير، أي: يصيرون إلينا في ذلك اليوم.
و﴿سِرَاعًا﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿عَنْهُمْ﴾ أي: تشقق عنهم مسرعين. وقيل: صاحبها وعاملها محذوفان، والتقدير: يوم ينادي المنادي يخرجون مسرعين إلى الداعي.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ الجبار: الذي يجبر غيره على فعل ما
стр. 3400
يريده، وفيه وجهان، أحدهما: هو فَعَّال من أَفْعَل، كدَرَّاك من أَدْرَكَ. والثاني هو من جَبَرَهُ على كذا، بمعنى أجبره، وقد جاء جبر بمعنى أجبر. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة "ق"
والحمد لله وحده