← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وبالتاء (١)، على معنى: يقال لهم: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾. وقوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بإعادة الجار. وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ يجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولة، إما في موضع جر على البدل إما من ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، أو من (كُل) في قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾، أو من موصوفِ ﴿أَوَّابٍ﴾ لا من ﴿أَوَّابٍ﴾ كما زعم بعضهم، لأن ﴿مَنْ﴾ لا يوصف به، ولا يوصف من بين الموصولات إلا بـ ﴿الَّذِي﴾ وحده. أو نصب على إضمار أعني، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم من خشي. وأن تكون شرطية في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿ادْخُلُوهَا﴾، على تقدير حذف جواب الشرط، أي: فيقال لهم: ادخلوها بسلام، أي: سالمين من العذاب وزوال النعم، والباء للحال. وقد جوز أن تكون منادى كقولهم: مَن لا يزال محسنًا أَحسنْ إليَّ، أي: يا من لا يزال (٢). والباء في قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ باء الحال، وذو الحال ﴿الرَّحْمَنَ﴾ جل ذكره، أي: خَشِيَهُ وهو غائب، أو المنوي في ﴿خَشِيَ﴾ الراجع إلى (مَن). وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ (فيها) يجوز أن يكون من صلة ﴿يَشَاءُونَ﴾، وأن يكون في موضع الحال إما من ﴿مَا﴾ على رأي أبي الحسن، أو من المنوي في ﴿لَهُمْ﴾ على مذهب صاحب الكتاب. أو من الراجع إلى ﴿مَا﴾ على المذهبين.

стр. 3397

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾: قوله : ﴿وَكَمْ﴾، في موضع نصب بأهلكنا. و ﴿هُمْ أَشَدُّ﴾ في موضع الصفة إما لـ ﴿كَمْ﴾، أو لـ ﴿قَرْنٍ﴾. و ﴿بَطْشًا﴾: تمييز. وقوله: ﴿فَنَقَّبُوا﴾ الجمهور على فتح القاف مع التشديد وهو خبر، والفاء فيه للعطف حملًا على المعنى، كأنه [قيل]: بطشوا فنقبوا، أي: فخرقوا في البلاد فساروا فيها، ومنه قوله: ٥٨٤ - لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمةِ بالإيابِ (١) وقرئ: (فَنَقَبُوا) بفتح القاف مخففًا (٢)، فالتشديد للكثرة والمبالغة، والتخفيف يكون لذلك. وقرئ: (فَنَقِّبُوا) بكسر القاف مشددًا، على الأمر (٣) كقوله: ﴿فَسِيحُوا

стр. 3398

فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، أي: فسيروا فيها هل تجدون محيصًا عن الموت، أو هل لهم محيص؟ وقرئ: أيضًا: (فَنَقِبُوا) بكسر القاف مخففًا (١)، وهو خبر، والمعنى: أَكْثَرُوا السير فيها حتى نَقِبَتْ دوابُّهم، من النَّقْبِ، يقال: نَقِبَ خُفُّ البعير يَنْقَبُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَقْبًا، إذا صار في خفه نقوب، أي: فَنَقِبَت أخفافُ إبِلِهِمْ من كثرة سيرهم فيها. وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ الجمهور على البناء للفاعل، أي: استمعَ ما يقال له. قال أبو إسحق: العرب تقول: ألقِ إليَّ سمعكَ، أي: استمع مني (٢). وإلقاء السمع: الإصغاء، وقرئ: (أَوْ أُلْقِيَ السَّمْعُ) على البناء للمفعول (٣)، أي: أُلقي السمعُ منه، كأنَّ مُلْقِيًا غيره أَلْقَى سمعه إلى الذكر وهو القرآن. ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ الواو للحال. و(اللُّغوب): الإعياء، والجمهور على ضم اللام، وقرئ: (مِنْ لَغُوبٍ) بفتحها (٤) كالطَهُور، والقَبُول، والوَلُوع. قيل: وهو نعت لمصدر محذوف، كقولهم: توضأت وُضُوءًا وَضوءًا، أي: وُضُوءًا حسنًا، أي: ما مسنا من لُغُوبٍ لَغُوبٍ، فوُصِفَ اللُّغُوبُ بأنَّه لَغُوبٌ. وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قرئ: بفتح الهمزة (٥)، وهو إما جمع دُبْرٍ،

стр. 3399

كُبُرْدٍ وأبراد، أو جمع دُبُر، كُطُنُبٍ وأطْنَابِ. و (إدْبَارَ) بكسرها (١)، وكلاهما منصوب على الظرف، أعني: (أَدَبارَ) و (إدبارَ)، أي: وقت أدبار أو إدبار، لأنهم قالوا: أتيتك دُبُرَ الصلاة، ودُبُرَ الشهر، وأدْبارَ الصلواتِ، وخفوقَ النجمِ، فنصبوا جميع ذلك على الظرف، على إرادة إضافة أسماء الزمان إليها وحذفها، أي: وقت كذا أو زمن كذا. ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾: قوله : ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ﴾ (يوم) مفعول به، أي: واستمع نبأ أو حديث يوم، ويجوز أنَ يكون ظرفًا، على: واستمع النداء يوم ينادي، فحذف المفعول به. وقوله: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ﴾ بدل من (يوم ينادي). وقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ يجوز أن يكون بدلًا مما قبله، وأن يكون ظرفًا للمصير، أي: يصيرون إلينا في ذلك اليوم. و﴿سِرَاعًا﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿عَنْهُمْ﴾ أي: تشقق عنهم مسرعين. وقيل: صاحبها وعاملها محذوفان، والتقدير: يوم ينادي المنادي يخرجون مسرعين إلى الداعي. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ الجبار: الذي يجبر غيره على فعل ما

стр. 3400

يريده، وفيه وجهان، أحدهما: هو فَعَّال من أَفْعَل، كدَرَّاك من أَدْرَكَ. والثاني هو من جَبَرَهُ على كذا، بمعنى أجبره، وقد جاء جبر بمعنى أجبر. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة "ق" والحمد لله وحده

стр. 3401

الكِتَابُ الفَرِيدُ في إِعْرَابِ القُرْآنِ المَجِيْدِ (إعْرَاب, مَعَانٍ، قِرَاءَات) تأليف العَلّامَة الحَافِظِ المُقرْئ المنتَجَبْ الهَمَذانيّ (المتوفّى سنة ٦٤٣ هـ) "وقد انتدب الناس لتأليف إعراب القرآن، ومن أوضحها كتاب الحوفي، ومن أحسنها كتاب المشكل، وكتاب أبي البقاء العكبري، وكتاب المنتجب الهمذاني ... " (الإمام الزركشي) حَقّقَ نُصوصَه وخرَّجه وَعَلَّق عَلَيْه: محَمَّد نِظَامُ الدّين الفتَيّحْ الجزء السَّادسُ مِن أَوَّلِ سُورَةِ الذَّاريَاتِ إِلى آخِرِ سُورَةِ النَّاسِ

стр. 3402

(ح) مكتبة دار الزمان للنشر والتوزيع، ١٤٢٧ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الهمذاني، المنتجب الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد/ المنتجب الهمذاني، محمد نظام الدين الفتيح- المدينة المنورة، ١٤٢٧ هـ ٦ مج ٧٣٨ ص، ١٧× ٢٤ سم ردمك: ٠ - ٠ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ×- ٦ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (ج ٦) ١ - القرآن- إعراب أ. الفتيح، محمد نظام الدين (محقق) ب. العنوان ديوي ٢٢٤.٢ ٨٨٤/ ١٤٢٧ رقم الإيداع: ٨٨٤/ ١٤٢٧ ردمك: ٠ - ٠ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ×- ٦ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (ج ٦) جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م مكتبة دار الزمَان للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية- المدينة المنورة- ص. ب. ١٥٥٦ شارع الستين- هاتف: ٨٣٦٦٦٦٦ - فاكس ٨٣٨٣٢٢٦ شارع الضيافة - إمتداد شارع أبا ذر هاتف: ٨٣٦٢٩٩٣ - هاتف وفاكس: ٨٣٤٤٩٤٦ موقعنا على الإنترنت: www.daralzaman.com البريد الإلكتروني. zaman@daralzaman.com ١٥٥٦: Saudi Arabia-Medina Monawara-P.O.Box AL-Diafa Str.- Aba Zar Str. Tel: ٨٣٦٢٩٩٣ Telefax: ٨٣٤٤٩٤٦ website: daralzaman.com email: zaman@daralzaman.com

стр. 3403

الكِتَابُ الفَرِيدُ في إعرابِ القُرْآنِ المَجْيدِ (إعْرَابٌ, مَعَانٍ، قِرَاءَات)

стр. 3404

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3405

إِعراب سُوْرَةُ الذّاريَاتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾: قوله : ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ جَرٌّ بواو القسم، وما بعدها عطف عليها، وهذه صفات حذفت موصوفاتها وأقيمت مقامها، والتقدير: والرياح الذاريات، فالسحاب الحاملات، فالفلك الجاريات، فالملائكة المقسمات. و﴿ذَرْوًا﴾: مصدر مؤكد لقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، يقال ذَرَتِ الريحُ الترابَ، إذا فرقته، فهي ذارية (١)، وذاك مذروٌّ. وأذرت فهي مذرية. وقيل: ﴿ذَرْوًا﴾ مفعول به تسمية للمفعول بالمصدر، كَخَلْقِ اللهِ، وضَرْبِ الأميرِ، أي: والذاريات مَذْروًّا، أي: ترابًا مذروًا، والأول أشهر وعليه الأكثر. و﴿وِقْرًا﴾: مفعول الحاملات، والجمهور على كسر الواو، والوِقْرُ بالكسر: الحِمْل، وهو المطر هنا، وقرئ: (وَقْرًا) بفتحها (٢)، على تسمية المحمول بالمصدر، أو على إيقاعه موقع حملًا، فيكون مصدرًا مؤكدًا

стр. 3406

لقوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ﴾ من غير لفظه، ويكون مفعول الحاملات محذوفًا، كأنه قيل: فالحاملات المطر حَمْلًا. و﴿يُسْرًا﴾: صفة لمصدر محذوف، أي: جريًا يسرًا، أي: ذا يسر، أي: ذا سهولة، فحذف الموصوف والمضاف من الصفة وأقيم المضاف إليه مقام الموصوف. و﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، تسمية للمفعول بالمصدر، ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا، والتقدير: فالمقسّمات ما أمرهم الله به أمرًا. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ جواب القسم، و (ما) موصولة وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف، أو مصدرية، أي: وَعْدِي إياكم، لا كافة كما زعم بعضهم، بشهادة مجيء خبر إنَّ بعدها، وهو قوله: ﴿لَصَادِقٌ﴾، ومجيء ما عطف عليها وهو قوله: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، فالجملة المعطوفة مثل المعطوف عليها. وقوله: ﴿لَصَادِقٌ﴾ أي: لوعد صادق، فحذف المضاف. وقيل: معناه لذو صدق، كلابن وتامر. ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾: قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قَسَم آخر جوابه ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. والجمهور على ضم الحاء والباء من ﴿الْحُبُكِ﴾، والحبك الطرائق التي تكون في السماء من آثار الغيم، واحدتها حبيكة، كطُرُق في طريقة، أو حبيك، كنذر في نذير. أو حباك، كمِثال ومُثُل. وقرئ: (الحُبْكِ) بضم الحاء وإسكان الباء، وهو مخفف من الحُبُك، كرُسْلٍ في رُسُلٍ. وقرئ أيضًا: (الحِبِك) بكسر الحاء والباء بوزن إبِل وإِطِل، وهو بناء قليل، والإطل الخاصرة. وقرئ أيضًا: (الحِبْك) بكسر الحاء وإسكان الباء، وهو مخفف منه. وقرئ أيضًا: (الحِبُك) بكسر الحاء وضم الباء، وهو شاذ، إذ ليس في كلام القوم فِعُلٌ، بكسر الفاء وضم العين. وقرئ أيضًا: (الحَبَكِ) بفتح الحاء

стр. 3407

والباء، وهو جمع حَبَكَةٍ، كعَقَبٍ في عَقَبَةٍ. وقرئ أيضًا: (الحُبَك) بضم الحاء وفتح الباء، وهو جمع حُبْكةٍ، كَبُرْقَةٍ في جمع بُرَقٍ، أو حُبْكَةٍ كَظُلْمَةٍ وَظُلَمٍ، فهذه سبع قراءات فيها، فاعرفهنَّ (١). وقوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ في موضع جر على النعت لـ ﴿قَوْلٍ﴾، أي: قولٍ مأفوكٍ عن الصدق فيه، مِنْ أُفِكَ عن الشيء، أي: صرف عنه، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للقرآن، دل عليه سياق الكلام. ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على النعت لقوله: ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾، أو على: هم الذين، وأن يكون في موضع نصب على الذم. و﴿يَسْأَلُونَ﴾: على الحال من الضمير في ﴿سَاهُونَ﴾. وقوله: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ابتداء وخبر، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: أيانَ وقوعُ يومِ الدينِ، فحذف المضاف، وإنما احتيج إلى هذا لأن ﴿أَيَّانَ﴾ لا يكون ظرفًا لليوم، وإنما يكون ظرفًا للحدث، وهو بمعنى متى لتضمنه معنى حرف قالاستفهام، وحرك لالتقاء الساكنين، وخص بالفتح لأجل الخفة. والجمهور على فتح همزة ﴿أَيَّانَ﴾، وقرئ: (إِيَّانَ) بكسرها (٢)، وهي

стр. 3408

لغية. قال أبو الفتح: وينبغي أن يكون (أيان) من لفظ [أي، لا من لفظ] (١) أين لأمرين، أحدهما: أن (أين) مكان، و (أيان) زمان. والآخر: قلة فَعَّالٍ في الأسماء مع كثرة فَعْلان، فلو سميت رجلًا بأيان لم تصرفه، لأنه كحمدان، انتهى كلامه (٢). وقوله: (يَوْمَ هُمْ) يجوز أن يكون منصوبًا على الظرف، وناصبه مضمر دل عليه السؤال، والتقدير: يقع الجزاء يومَ هم على النار يفتنون، لأن السؤال وقع [عن] (٣) وقت الجزاء، وأن يكون مفتوحًا لإضافته إلى الجملة، والجملة لا يظهر فيها الإعراب، فبقي على فتحِهِ من البناء، ومحله إما النصب على الظرف كما سلف آنفًا، وإما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو يوم هم، أو يومُ الجزاء يوم هم، تعضده قراءة من قرأ: (يومُ هم) بالرفع، وهو ابن أبي عبلة (٤)، أعني: كونه في محل الرفع، وقيل: هو بدل من ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٥). ومعنى قوله: ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يحرقون، يقال: فتنه بالنار، إذا أحرقه. وعُدِّي بعَلَى لتضمنه معنى يعرضون. وقوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال، أي: مقولًا لهم هذا القول. قاله الزمخشري (٦). ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ

стр. 3409

ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾: قوله : ﴿آخِذِينَ﴾ نصب على الحال من المنوي في الظرف وهو ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾. قيل: فإن قيل: كيف أتى الظرف هنا مستقرًا و ﴿آخِذِينَ﴾ حالًا، وأتى عكسه في قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (١)؟ فالجواب: أن الخبر مقصود الجملة، والغرض في ذكر المجرمين الإخبار عن تخليدهم، لأن المؤمن قد يكون في النار ولكن لا يخلد فيها، والمتقون خالدون في الجنة باقون فيها لا يخرجون منها، فلما كان كذلك جعل الظرف هنا مستقرًا، و ﴿آخِذِينَ﴾ فَضْلَة، وَعُكِس ثَمَّ، فاعرفه (٢). وقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (كانوا) كان واسمها. و ﴿يَهْجَعُونَ﴾ خبرها. و ﴿مَا﴾ صلة. و ﴿قَلِيلًا﴾ نعت لظرف أو لمصدر محذوف، والتقدير: كانوا يهجعون وقتًا قليلًا من الليل، أو هجوعًا قليلًا من الليل، و ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ في موضع الصفة لقوله: ﴿قَلِيلًا﴾، أي: كائنًا من الليل. فإن قلتَ: هل يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة والتقدير: كانوا قليلًا من الليل هجوعُهم أو ما يهجعون فيه، وارتفاعه بـ ﴿قَلِيلًا﴾ على الفاعلية لأنه بمنزلة كريم وشديد في قولك: مررت برجلٍ كريمٍ أبوه، وشديدٍ ساعدُهُ، ويكون ﴿قَلِيلًا﴾ خبر كان؟ قلتُ: قد جوز ذلك وليسَ بالمتين، لأن ﴿قَلِيلًا﴾ هنا قد وصف بقوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾، ونحو هذا إذا وصف لم يجز إعماله، لأن عمله إنما هو لأجل مشابهته بالفعل، والنعت يخرجه عن ذلك،

стр. 3410

وإذا كان كذلك لم يجز ارتفاع قوله: (هجوعهم) أو ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ فيه بـ ﴿قَلِيلًا﴾. ومنع ذلك الشيخ أبو علي ﵀ من وجه آخر، وقال: لأن القلة ليست بصفة للهجوع، وإنما القلة لليل ومنه، انتهى كلامه. بل الوجه ارتفاعه على البدل من اسم كان، وهو بدل الاشتمال، والتقدير: كانوا هجوعهم قليلًا من الليل، [والمعنى: كان هجوعهم قليلًا من الليل] (١)، وقوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ على هذا لا يجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿يَهْجَعُونَ﴾، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، بل من صلة محذوف دل عليه ﴿يَهْجَعُونَ﴾. وقد أجاز يعقوب بن إسحق الحضرمى (٢) وغيره أن تكون (ما) نافية، ويكون ﴿قَلِيلًا﴾ خبر كان، وقد تم الكلام عنده، والتقدير: كانوا أناسًا قليلًا. والمعنى على هذا: أنهم لا يهجعون بحال، وهذا حسن جيد من جهة المعنى، وأما من جهة الإعراب فلا، لأن (ما) النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فيبقى ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ متعلقًا بغير شيء، ولذلك أجازت النحاة: الخبزَ لم آكلْ، ولم تجز: الخبزَ ما أكلتُ، لأنَّ (ما كان) في حيز النفي لا يتقدم عليه (٣). ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ إن جعلتَ

стр. 3411

الآياتِ مبتدأ وما قبلها خبرًا على رأي صاحب الكتاب ﵀، كان الضمير في قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ كالضمير في خبر المبتدأ، والمبتدأ محذوف، أي: وفي أنفسكم آيات، وإن رفعتها بالظرف على مذهب أبي الحسن ﵀ كان الضمير في قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ كالضمير في الفعل، كقولهم: قائم زيد وقعد، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. ولا يجوز أن يكون ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من صلة قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، لأن ما كان في حيز الاستفهام لا يتقدم عليه. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ هذا جواب القسم الذي هو ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ﴾ والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للرزق، أي: إن رزقكم حق، أي: كائن لا محالة. أو لما توعدون، أي: إن ما توعدون به كائن لا ريب فيه. وقيل: لجميع ما أخبر به جل ذكره (١). وقرئ: (مثلَ) بالفتح (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: فتحة إعراب، ونصبه يحتمل أوجهًا: أن يكون حالًا من المنوي في (حق) والعامل فيها هو ﴿لَحَقٌّ﴾ وهذا قول أبي علي، ثم قال: ويجوز أن تكون الحال عن النكرة الذي هو ﴿لَحَقٌّ﴾ وإلى هذا ذهب أبو عمر الجرمي (٣)، ولم نعلم عنه أنه جعله حالًا من الذكر الذي في (حق)، وهذا لا اختلاف في جوازه، انتهى كلامه (٤). وأن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: إنه لحق أَحقُّ ذلك حقًا مثل نطقكم. وأن يكون منصوبًا بإضمار أعني.

стр. 3412

وعن بعض أهل الكوفة: أن انتصابه على حذف الكاف، أي: إنه لحق كمثل نطقكم (١). والثاني: فتحة بناء، وفيه وجهان: أن يكون مبنيًا لمّا أضيف إلى غير متمكن وهو ﴿أَنَّكُمْ﴾ و ﴿مَا﴾ صلة، كما بني (يومَئذٍ) وشبهه حين أضيف إلى مبني، وهذا قول صاحب الكتاب ﵀ (٢). وأن يكون ﴿مِثْلَ﴾ مع ﴿مَا﴾ بمنزلة شيء واحد، فبني على الفتح لذلك، وهذا قول أبي عثمان (٣)، و ﴿مَا﴾ على هذا يجوز أن تكون صلة، وأن تكون نكرة موصوفة. وقرئ: (مثلُ) بالرفع (٤)، على أنه صفةُ ﴿لَحَقٌّ﴾، أي: إنه لحق مثل نطقكم، كقولك: أتاني رجل مثلُ زيد، لأن مثلًا نكرة وإن أضيف إلى معرفة، لأنه لا يتخصص بالإضافة، ولا يتعرف؛ لأن الأشياء التي يقع بها التماثل بين المتماثلين كثيرة، فهو نكرة من جهة المعنى وإن كان مضافًا إلى المعرفة، و ﴿مَا﴾ صلة. فإن قلت: هل يجوز أن تكون: ﴿مَا﴾ هنا مصدرية؟ قلت: لا، إذ لا فعل هنا معها، و (ما) إنما تكون مصدرية إذا أتى بعدها فعل، فيكون معها بتأويل المصدر. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾:

стр. 3413

قوله : ﴿إِذْ دَخَلُوا﴾ (إذ) يجوز أن يكون ظرفًا لـ ﴿حَدِيثُ﴾، أو لـ ﴿ضَيْفِ﴾ لما فيه من معنى الفعل، أو لقوله: ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ إذا فسر بإكرام المضيف لهم وهو إبراهيم ﵊، أي: أكرمهم حين دخلوا عليه، لا لـ ﴿أَتَاكَ﴾ كما زعم بعضهم، لأن الخبر لم يأت في ذلك الوقت. وأن يكون منصوبًا بإضمار اذكر، فيكون مفعولًا به. و ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ صفة للضيف، والضيف يوسف به الواحد والجمع، لأنه مصدر ضَافَ في الأصل. وقوله: ﴿سَلَامًا﴾ منصوب على المصدر، وهو في الحقيقة اسم واقع موقع المصدر، أو بوقوع القول عليه، أي: قالوا سدادًا (١) من القول، كقولك: قلت حقًا، وقلت خيرًا، فيكون مفعولًا به، وأما ﴿سَلَامٌ﴾ الثاني: فمبتدأ وخبره محذوف، أي: سلام عليكم، أو خبر والمبتدأ محذوف، أي: أمري سلام، وقد مضى الكلام عليهما في "هود" بأشبع من هذا (٢). وقوله: ﴿قَوْمٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم قوم، أو قال في نفسه: هم أو هؤلاء قوم. و ﴿مُنْكَرُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾. ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾:

стр. 3414

قوله : ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ في موضع نصب على الحال من "سارة"، أي: فجاءت صارّةً. وقيل: أقبلت هنا بمعنى جعلت، وليس من الإقبال الذي هو ضد الإدبار، وإنما هو من قولهم: أقبل يفعل كذا، كما تقول: جعل يفعل كذا (١). والصَّرَّةُ: الضجة، أو الصيحة الشديدة، يقال: صَرَّ يَصِرُّ صَرِيرًا، إذا صَوَّتَ، ومنه صَرِيرُ الباب والقلم وغيرهما، والصَّرة أيضًا: الجماعة، وبها فَسَّرَ هنا بعضُهم، أي: فأقبلت في جماعة من النساء كن عندها لتراهم. وتسمع كلامهم. وقوله: ﴿عَجُوزٌ﴾ أي: أنا عجوز. وقوله: ﴿لِنُرْسِلَ﴾ من صلة ﴿أُرْسِلْنَا﴾. و ﴿مُسَوَّمَةً﴾ يجوز أن تكون صفة لحجارة، وأن تكون حالًا من المنوي في قوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾، و ﴿عِنْدَ﴾ مِن صلة ﴿مُسَوَّمَةً﴾. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿وَتَرَكْنَا﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه نعت لـ ﴿آيَةً﴾. ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾:

стр. 3415

قوله : ﴿وَفِي مُوسَى﴾ يجوز أن يكون عطفًا على ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾، أي: وفي موسى آيات، أي: وفي إرساله إلى فرعون آيات، وأن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ (١)، وهو أحسن للقرب، على معنى: وجعلنا في موسى آية، أي: في إنجائه مما لحق فرعون وقومه من الغرق. و ﴿إِذْ﴾ ظرف لجعلنا المقدر، أو لآيات المقدرة على الوجه الأول، و ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ من صلة الإرسال. و ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾ الراجع إلى موسى، و ﴿بِرُكْنِهِ﴾ في موضع الحال من المنوي في قوله: ﴿فَتَوَلَّى﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ الواو للحال. وقوله: ﴿وَفِي عَادٍ﴾ الكلام فيه كالكلام في ﴿وَفِي مُوسَى﴾، وكذا ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾، أي: وفيهما آيات، أو: وجعلنا فيهما آية، على الوجهين المذكورين آنفًا في ﴿مُوسَى﴾. وقوله: (وقومِ نوحٍ) قرئ: بالجر (٢) عطفًا على ما قبله من المجرور من موسى وعاد وثمود، أي: في قوم نوح (آيةٌ)، أو (آيةً) على التقديرين في ﴿وَفِي مُوسَى﴾ وما بعده من المعطوف. وبالنصب (٣) على: وأهلكنا قوم نوح، يدل عليه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، أو: وأغرقنا قوم نوح، يدل عليه ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، أو: واذكر قوم نوح، وفي حرف عبد الله ﵁: (وفي قوم نوح)، بزيادة (في) (٤) وهو حجة لقارئ الجر، ويجوز في الكلام رفع (قوم نوح).

стр. 3416

وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ نَصْبٌ بإضمارِ فعلِ، أي: وبنينا السماء، ثم حذف لدلالة المفسِّر عليه وهو ﴿بَنَيْنَاهَا﴾. وقوله: ﴿بِأَيْدٍ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ المرفوع. والأيد والآد: القوة، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب بأشبع ما يكون (١). وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ أي: فرشنا الأرض، ثم حذف لِما ذكر آنفًا. وقوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ أي: فنعم الماهدون نحن، فحذف المقصود بالمدح لحصول العلم به. ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾: قوله : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿خَلَقْنَا﴾، وأن يكون في موضع الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿زَوْجَيْنِ﴾، كقوله: ٥٨٥ - لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمُ ... ..................... (٢) وقوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى رحمته، فحذف المضاف.

стр. 3417

وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف إما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر مثل ذلك، أو النصب، أي: أنذركم إنذارًا مثل إنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم، ولا يجوز أن يكون معمول ﴿أَتَى﴾، لأن ما كان في صلة النفي لا يتقدم عليه. قيل: والإشارة في ذلك إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحرًا ومجنونًا، وهذا تسلية لرسول الله ﷺ (١). وقوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ الجمهور على رفعه، وهو خبر بعد خبر، لـ ﴿إِنَّ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو المتين، ويضعف أن يكون وصفًا لـ ﴿ذُو﴾ أو للرزاق كما زعم الجمهور، لأن النعت لا يُنْعَتُ إلا على تأويل وتعسف، وهنا عنه مندوحة بما ذكرت. وقرئ: (المتينِ) بالجر (٢)، على أنه وصف للقوة. وذُكِّر إما لأن التأنيث غير حقيقي، أو على تأويل الاقتدار، أو لكونه على فعيل. وقيل: جره على الجوار (٣)، كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وهو من التعسف، والوجه هو الأول، والله أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الذاريات والحمد لله وحده

стр. 3418

إعراب سُوْرَةُ الطُّورِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿وَالطُّورِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْبَحْرِ﴾: الواو الأولى للقسم وما بعدها للعطف، وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾. وقوله: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾، في موضع الرفع على النعت لـ ﴿لَوَاقِعٌ﴾، أي: واقع غير مدفوع. وقوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ يجوز ألن يكولن ظرفًا لواقع أو لدافع (١)، وأن يكون مفعولًا به على: اذكر يوم، أي: عقابه، فحذف المضاف، فيوقف على هذا على ﴿دَافِعٍ﴾. وقيل: ﴿يَوْمَ﴾ بمعنى (إذا) لأنه زمان علق به ما بعده، كأنه قيل: إذا مارت السماء مورًا فويل يومئذٍ للمكذبين، فيكون ﴿يَوْمَ﴾ على هذا

стр. 3419

مستأنفًا منقطعًا عما قبله، لأنه معجول قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ أو ما دل عليه ﴿فَوَيْلٌ﴾. و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لويل، وأن يكون ظرفًا للظرف وهو ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. والمور: تردد الشيء في المجيء والذهاب، عن الرماني. وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ يجوز أن يكون الظرف هنا مستقرًا، فيكون ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من المنوي فيه، وأن يكون ملغى، فيكون من صلة ﴿يَلْعَبُونَ﴾، ويكون ﴿يَلْعَبُونَ﴾ هو خبر ﴿هُمْ﴾. وقوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يجوز أن يكون بدلًا إما من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، أو من ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾، وأن يكون ظرفًا لمحذوف، والتقدير: يوم يدعون إلى نار جهنم دعًا يقال لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون، و (دعًّا) مصدر مؤكد لفعله. ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾: قوله : ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ ابتداء وخبر، وقدم الخبر لأن الاستفهام له صدر الكلام، وهنا قد تم الكلام. وقوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (أم) هنا المنقطعة، أي: بل أنتم لا تبصرون، ويجوز أن تكون المتصلة. وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف دل عليه ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ أي: الأمر أن الصبر وعدمه سواء عليكم، لا بد من هذا التقدير، لأن التسوية لا تكون إلا بين الشيئين. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ﴾ الجمهور على نصب

стр. 3420

﴿فَاكِهِينَ﴾، ونصبه على الحال من المستكن في الظرف والظرف مستقر، وقرئ: (فاكهون) بالرفع (١)، على أنه خبر ﴿إِنَّ﴾ والظرف ملغى، ويجوز أن يكون مستقرًا، ويكون (فاكهون) خبرًا بعد خبر، والأول أمتن وهو أن يكون الظرف لغوًا. وقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمْ﴾ من صلة ﴿فَاكِهِينَ﴾، أي: متلذذين بسبب ما آتاهم ربهم. وقوله: ﴿وَوَقَاهُمْ﴾ جوز أن يكون عطفًا على الظرف وهو ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، لأن التقدير: استقروا فيها. أو على ﴿آتَاهُمْ﴾ على أن تجعل (ما) مصدرية، والتقدير: متلذذين بايتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم، وأن تكون الواو للحال، و (قد) بعدَها مرادة. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾: قوله : ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ أي: يقال لهم ذلك. وفي انتصاب قوله: ﴿هَنِيئًا﴾ وجهان، أحدهما: نعت لمصدر محذوف، أي: أكلًا وشربًا هنيئًا. والثاني: مصدر مؤكد لفعله، وهو محذوف تقديره: هنأكم الأكل والشرب، أو هنأكم ما كنتم تعملون، أي: جزاء ما كنتم تعملون هنيئًا، وفعيل في المصادر كثير، كالنسيب والنكير، والباء يجوز أن تكون من صلة ﴿هَنِيئًا﴾، وأن تكون من صلة ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إن قَدَّرْتَ: هنأكم الأكل والشرب. وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: نصب على الحال من الضمير في ﴿كُلُوا

стр. 3421

وَاشْرَبُوا﴾، وقد جوز أن يكون من الهاء والميم في ﴿وَوَقَاهُمْ﴾ (١)، أو ﴿آتَاهُمْ﴾ (٢)، أو من المنوي في الظرف، أو في ﴿فَاكِهِينَ﴾ (٣) وهو من التعسف (٤). وقوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون في موضع الحال معطوفة على الحال المتقدمة، والتقدير: متكئين على سرر مزوجين بحور عين، و (قد) معها مرادة. وواحد الحور: حوراء، وواحد العِين: عيناء، وقيل: وإنما سُمِّينَ حُورًا، لأن الطَّرْفَ يَحار في حسنهن (٥)، وأما العِين: فهن الواسعات الأعين في صفائها. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون في محل الرفع بالابتداء والخبر ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. وأن يكون في محل النصب بفعل يفسره ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾، أي: أكرمنا الَّذين آمنوا. وأن يكون في محل الجر عطفًا على (حُورٍ عِينٍ)، أي: قرناهم بالحور العين وبالذين آمنوا، أي: بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٦) فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين، قاله الزمخشري (٧). وبعد: فإن (تبع) فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، فإذا فهم هذا، فقوله : ﴿وأتبعناهم ذرياتهم﴾ (٨) قرئ: بقطع الألف، ومفعولاه الهاء والميم والذُّرِّيات، على معنى: جعلناهم مؤمنين كما أنهم مؤمنون.

стр. 3422

وقرئ: (واتَّبَعَتْهُمْ ذريتُهم) بوصل الألف ورفع الذرية على الفاعلية (١)، على معنى: تبعوهم في الإيمان فآمنوا كإيمانهم. والباء في ﴿بِإِيمَانٍ﴾ يجوز أن تكون بمعنى (في)، وأن تكون على بابها في موضع الحال، إما من الفاعلين، وإما من المفعولين، أو منهما. وقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ قرئ: بفتح اللام وكسرها (٢)، وهما لغتان بمعنىً، وقد أُوضح في الحجرات (٣). وقرئ: (وما آلتناهم) بالمد (٤)، وهي لغية أيضًا، يقال: آلته يؤلته إيلاتًا، إذا نَقَصَهُ. وقوله: ﴿مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ أي: من ثواب عملهم، فحذف المضاف. و ﴿مِنْ﴾: يجوز أن تكون من صلة (ألتنا)، وأن تكون في موضع الحال من ﴿شَيْءٍ﴾ وهي في الأصل صفة، و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هو المفعول الثاني لألتنا، و ﴿مِنْ﴾ صلة. ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾:

стр. 3423

قوله : ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾، أي: وأمددناهم متناولين بعضهم من بعض. و ﴿كَأْسًا﴾ مفعول ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾. و ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾: الجملة في موضع الصفة لكأس. وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ﴾ في موضع الحال من ﴿غِلْمَانٌ﴾ لكونهم قد وصفوا، أو من المنوي في ﴿لَهُمْ﴾، وكذا ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: أقبلوا متحادثين. وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ قرئ: بالكسر على الاستئناف، وبالفتح (١) على: لأنه. وقوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ (بكاهنٍ) في موضع نصب بخبر (ما)، ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ عطف عليه، ويجوز في الكلام (ولا مجنونًا) بالنصب عطفًا على المحل. و ﴿بِنِعْمَتِ﴾ في موضع الحال، أي: ما أنت بكاهن ولا مجنون ملتبسًا بنعمة ربك. ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ

стр. 3424

كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾: قوله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ (أم) في أوائل هذه الآيِ من لدن قوله جل ذكره: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ منقطعة بمعنى بل وألف الاستفهام، وقد أوضحتها فيما سلف من الكتاب في غير موضع (١). وقوله: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (نتربَصُ) في موضع الصفة لـ ﴿شَاعِرٌ﴾، والتربص: الانتظار بانقلاب الحال. والمنون: يقع على الدهر وعلى الموت، فإن أريد به الدهر ذُكِّر، لأن الدهر مذكر، وإن أريد به الموت أنث على معنى المنية، وهو في الأصل فَعول، من مَنَّهُ إذا قطعه، لأن الموت قَطُوعٌ، وكذلك الدهر، وقيل: سمي مَنُونًا لأنه ينقص العدد، أريد به الدهر أو الموت، يقال: مَنَّه، إذا نقصه، وقيل: هو من مَنَّهُ إذا أضعفه، يقال: حبل مَنِينٌ، أي: ضعيف. و﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ مفعول به، وقال الفراء: هو على حذف الجار، أي: ننتظر به إلى ريب المنون (٢)، والوجه هو الأول. وقوله: ﴿مَعَكُمْ﴾ عامله محذوف، أي: فإني متربص معكم، دل عليه ما بعده. وقوله: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ الجمهور على ترك الإضافة، والضمير للقرآن، أي: بحديثٍ مثل هذا القرآن في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم، وقرئ: (بحديثِ مثلِهِ) على الإضافة (٣)، والضمير لرسول الله ﷺ ، يعضده: ﴿أَمْ

стр. 3425

يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾، والمعنى: إن مِثْلَ محمد ﷺ في فصاحته ليس بِمُعْوِزٍ فيكم، لأنه ﷺ منهم، فإن قدر هو على نظمه كان مثله قادرًا عليه. وقوله: (المسيطرون) قرئ: بالسين وهو الأصل، وبالصاد وهو بدل منها من أجل الطاء، وقد ذكر (١). وقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿سُلَّمٌ﴾، وجمعه سلالم وسلاليم أيضًا، و (في) على بابها. وقيل: هي بمعنى (على) (٢). ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾: قوله : ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: يقولون هذا الكسف سحاب مركوم، والمركوم: الذي رُكم بعضه على بعض، أي: رُكِّبَ. وقوله: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ قرئ: (يُلَاقُوا) و (يَلْقَوا) (٣)، ووجههما ظاهر، و ﴿يَوْمَهُمُ﴾ مفعول به لا ظرف. وقرئ: (يَصعقون) بفتح الياء على البناء للفاعل (٤)، أي: يموتون، يقال: صَعِقَ فلان يَصْعَقُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر صَعْقًا،

стр. 3426

إذا مات. وقرئ: (يُصْعَقُونَ) بضم الياء على البناء للمفعول (١)، أي: يُمَاتُونَ، إما من صَعِقَ زيدٌ، وَصَعَقَهُ غيرُهُ، إذا أماته، يتعدى ولا يتعدى، كسَعِدَ وَسَعَدْتُهُ، فهو مسعود، فيكون كيُضربون، وإما من صَعِقَ زيد وَأَصعَقَهُ غيره، إذا أماته أيضًا، فيكون كيُكرمون. وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (يوم) بدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾. وقوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ في موضع رفع بخبر (إنَّ)، أي: بمرأى منا. وجمع العين كما جمع الضمير، ألا ترى أنه لما وحّدَ وحّدَ في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٢). وقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ الجمهور على كسر الهمزة وهو مصدر أدبر، وقرئ: (وأَدبار النجوم) بفتحها (٣)، وهو جمع دُبُرٍ، أي: وأعقاب النجوم. وقيل: له: دبر، كما قيل له: عقب، وانتصابهما على الظرف عطفًا على ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾، أي: فسبحه وقت إدبار أو أدبار النجوم، أي: بعد غروبهما، ودبر الشيء: ما بعده. و﴿بِحَمْدِ﴾: في موضع الحال، أي: صل لربك حامدًا له. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الطور والحمد لله وحده

стр. 3427

إِعراب سُوْرَةُ النَجْمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾: قوله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (والنجم) جَرٌّ بواو القسم، والعامل في ﴿إِذَا﴾ محذوف، وهو فعل القسم، أي: أقسم بالنجم حين هوى، والهُوِيُّ: السقوط، والهويّ: الطلوع، وهو من الأضداد، يقال: هَوَى يهوي هَوِيًّا بالفتح، إذا سقط إلى أسفل، وَهَوَى هُوِيًّا بالضم، إذا طلع، فالفعل واحد والمصدر مختلف. والمراد بالنجم هنا: الجمع لأنه اسم جنس. وقيل: المراد بالنجم رسول الله ﷺ ، ﴿هَوَى﴾: نزل ليلة المعراج (١). وقيل: هوى صعد إلى السماء. وقيل: المراد به القرآن، ﴿إِذَا هَوَى﴾: إذا نزل (٢). وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ هذا جواب القسم، والضلال: نقيض الهدى. والغي: نقيض الرشد، وفِعْلُهُ: غَوَى يَغْوِي غَيًّا وغَوايةً، فهو غاوٍ وغَوٍ أيضًا، أي هو ﷺ مهتدٍ راشدٌ. وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (عن) على بابها، أي: لا يصدر نطقه

стр. 3428

عن الهوى والشهوة. وقيل: بمعنى الباء، أي: بالهوى والشهوة (١)، والهوى: مَيْلُ الطباع إلى ما فيه الاستمتاع. وقوله: ﴿يُوحَى﴾ صفة للوحي، وكذا ﴿عَلَّمَهُ﴾، أي: علمه إياه، بمعنى: نزل به عليه، وقرأه عليه، وبينه له. ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾: الإضافة مجازية، لأنها إضافه الصفة المشبهة إلى فاعلها، نحو: حسن الوجه، وكريم الحسب، أي: شديد قُواه، والقُوَى جمع القوة وهو الطاقة من طاقات الحبل تُضم إلى أخرى، فاستعمل اللفظ لكل ذي شدة وصلابة. وقوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ نعت بعد نعت، والموصوف محذوف، أي: ملك شديد القوى ذو مرة، والمِرَّةُ: القوة والشدة أيضًا، ورجل مَرّيرٌ، أي: قَوِيٌّ ذُو مِرَّةٍ. وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ عطف على ﴿عَلَّمَهُ﴾ أي: عَلَّمَهُ فاستوى له على صورته الحقيقية التي خلق عليها في الأفق الأعلى، فملأ الأفق؛ لأنه كان يظهر له قبل ذلك في صورة رجل على ما فسر (٢). وجمعه آفاق، وهي نواحي السماء، عن الربيع بن أنس (٣). وقيل: هو الموضع الذي تأتي منه الشمس، عن قتادة (٤). وقيل: ما رآه أحد من الرسل في صورته الحقيقية غيرُ رسول الله ﷺ رآه مرتين، مرة في الأرض، ومرة في السماء (٥).

стр. 3429

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾: قوله : ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ ابتداء وخبر، والجملة في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿فَاسْتَوَى﴾ الراجع إلى جبريل ﵇ أي: فاستوى جبريل وهو -أي جبريل- بالأفق الأعلى، أي: فاستوى عاليًا. وعن الفراء: استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام بالأفق الأعلى (١)، أي: فاستويا في القوة في الصعود، وهذا ضعيف عند أصحابنا، لأنه عطف على الضمير من غير تأكيد، ولعمري هذا وإن كان ضعيفًا من وجه، فهو قوي من وجه آخر، وقول الجمهور وإن كان قويًا من وجه فهو ضعيف من وجه آخر، وهو اقتصارهم في (استوى) على فاعل واحد، وهو يطلب فاعلين في الأمر العام، فاعرفه فإنه موضع (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ أي قرب: ﴿فَتَدَلَّى﴾ أي: زاد في القرب، قاله أبو إسحاق (٣). وقيل: تدلى تَدَلَّل، أي: استعمل الدِّلال، فقلبت اللام الأخيرة ياء (٤). ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قاب: خبر (كان)، وألفه منقلبة عن واو، والقاب: المقدار، وكذلك القِيبُ، والقاد والقِيد (٥). و ﴿أَوْ﴾ على بابها، أي: لو رأى راءٍ لقال هو قدر قوس أو أدنى في القرب، أي: لالتبس عليه مقدار القرب.

стр. 3430

وقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (ما) الأولى نافية، والثانية يجوز أن تكون موصولة وعائدها محذوف، وأن تكون مصدرية، ومحلها النصب في كلا التقديرين على أنها مفعول ركل ﴿رَأَى﴾، والرؤية هنا من رؤية العين، أي: ما كذب فؤاد محمد ﷺ الذي رأته عيناه ليلة الإسراء، بل صدقه فؤاده، أو رؤيته إن جعلتها مصدرية. وقرئ: (ما كذّب) بالتشديد (١)، وهو قريب من التخفيف. ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾: قوله : ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ قرئ: بضم التاء وبالألف بعد الميم، أي: فتجادلونه، والمراد بالمراء: الجدال بالباطل. وقرئ: (أَفَتَمْرُونَهُ) بفتح التاء من غير ألف (٢)، أي: أفتجحدونه، يقال: مَراه حقه، إذا جحده ودفعه، قال المبرد: أي: أفتدفعونه عما يرى، وقال: ﴿عَلَى﴾ بمعنى (عن) (٣). قوله: ﴿نَزْلَةً﴾ مصدر واقع موقع رؤية، كأنه قال: ولقد رآه رؤية أخرى. وقيل: نصب على الظرف، أي: مرة أخرى. وقيل: هي في موضع الحال، والتقدير: رآه نازلًا نزلة أخرى. وقوله: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (عندَ) يجوز أن يكون من صلة رأى، وأن يكون حالًا من المفعول وهو جبريل ﵇، أي: كائنًا أو مستقرًا عند سدرة المنتهى.

стр. 3431

وقوله: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ ابتداء وخبر، والكناية عن السدرة. وقرئ: (جَنَّهُ المأوى) (١)، على أنه فعل ومفعول وفاعل، والكناية عن رسول الله ﷺ ، وفيه وجهان: أحدهما: أدركه المأوى، من قولهم: جَنَّهُ الليلُ، إذا أدركه، وجن عليه الليل وأَجَنَّهُ، إذا ألبسه سواده. والثاني: ستره بظلاله ودخل فيه. وقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى﴾ (إذ) ظرف لـ ﴿رَآهُ﴾ ومعمول له، أي: رآه حين كان يغشى سدرة المنتهى ما يغشاها من أمر الله. وقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ يحتمل أوجهًا: أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ صفة لمحذوف هو مفعول ﴿رَأَى﴾، والتقدير: والله لقد رأى الآية الكبرى من آيات ربه، و ﴿مِنْ﴾ يجوز أن تكون من صلة ﴿رَأَى﴾، وأن تكون حالًا من المقدر المذكور آنفًا، أي: كائنة من آيات ربه. وأن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ في موضع جر على النعت لـ ﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾ على إرادة الجماعة في المنعوت، وله نظائر في التنزيل، نحو: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ (٢)، و ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٣)، و ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (٤)، ومفعول ﴿رَأَى﴾ أيضًا محذوف، والتقدير: والله لقد رأى آياتٍ من آياتِ ربه الكبرى. و ﴿مِنْ آيَاتِ﴾ يجوز أن تكون من صلة ﴿رَأَى﴾، وأن تكون في موضع نصب على النعت للمفعول المذكور آنفًا، أي: كائناتٍ من آيات ربه.

стр. 3432

و ﴿مِنْ﴾ على هذين الوجهين تبعيضية، ويجوز أن تكون صلةً، و ﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾ هي مفعول ﴿رَأَى﴾، و ﴿الْكُبْرَى﴾ صفتها على التأويل المذكور آنفًا، ولا حذف على هذا في الآية، فاعرفه فإنه موضع. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾: قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ﴿اللات﴾ وما عطف عليه مفعول أول لقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾، لأنه يقتضي مفعولين لكونه بمعنى علمتم، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة فاعلة شيئًا مما ذكرنا لكم، وقادرةً على بعض ما نقدر عليه؟ وقيل: المفعول الثاني قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ (١). قال بعض أصحابنا: وهذا إنما يكون أيضًا بإضمار، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام حاكمة بأن يكون لكم الذكر وله الأنثى. وعن أبي علي: أن التقدير: أفرأيتم جعلتم اللآت والعزى ومناة بنات الله؟ قلت: لم يُرِدْ أبو علي أنّ ﴿أَرَأَيْتُمُ﴾ بمعنى: جعلتم، وإنما يريد -والله أعلم- أن الجعل مضمر، والتقدير: أخبروني عن هذه الأصنام التي جعلتموهن بنات الله هل فعلت شيئًا مما يجوز لأجله أن يُعْدَلَ بالله؟ لا ورب الكعبة. وبعد، فإن أصل ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ لَوْيَةٌ، فَعْلة من لَوَى على الشيء يَلْوِي، إذا عكف عليه، لأنهم كانوا يَعْكُفون عليها، والتاء فيه للتأنيث. وقيل: هو من لَتَّ السويق، إذا بَلَّهُ بالماء. وقيل: كان رجلًا يَلْتّ السويق للحاج، فلما

стр. 3433

مات عبدوا صورته، فالتاء على هذا أصل مشددة، وليست للتأنيث، وقد خففت كراهة التضعيف، وأصل الكلمة فاعل. والجمهور على تخفيف التاء، وقرئ: (اللاتَّ) بتشديدها (١)، وزعموا أنه كان رجلًا بسوق عكاظ يلتُّ السويق والسمن عند صخرةٍ، فإذا باع السويق والسمن صُبَّ على الصخرة ثم يُلَتُّ، فلما مات ذلك الرجل عبدتْ ثقيف تلك الصخرة إعظامًا لذلك الرجل صاحب السويق (٢). وقال أبو حاتم كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سَمِنَ فعبدوا ذلك الرجل (٣). وحكى أبو الحسن فيها: (أفرأيتم اللاتِ) بكسر التاء، وذهب إلى أنها بدل من لام الفعل بمنزلة التاء في ليت وذيت (٤)، وأن الألف قبلها عين الفعل بمنزلة ألف شاة، وذات مال، ذكره عنه أبو الفتح (٥). وأما (العزى) ففعلى من العز، وهي تأنيث الأعز في الأصل، وعن مجاهد: العزى كانت لغطفان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إليها فقطعها وجعل يضربها بالفأس ويقول: يا عز كُفرانَكِ لا سُبحانكِ ... إني رأيتُ اللَّهَ قد أهانَكِ فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها، داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فقتلها خالد ﵁ (٦).

стр. 3434

وأما (منوة) فاسم صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة (١). وعن ابن عباس ﵄: لثقيف (٢) والتاء فيه للتأنيث، والنسبة إليها مَنَوِيّ، وألفها يجوز أن تكون منقلبة عن ياء، وأن تكون منقلبة عن واو. و﴿الثَّالِثَ﴾: صفة لمناة و ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة بعد صفة جيء بها على وجه التوكيد، لأن الثالثة لا تكون إلا للأخرى، ولكن الصفات تُذْكَرُ للتأكيد، كأمسِ المدبرِ، وأمسِ الدابرِ. وقيل: ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة للعزى، والتقدير: العزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل: الأخرى ذم، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار. وقيل: أصل مناة: مَنْأَة بالهمز، وهو من قولهم: مَنَأتُ، إذا مسحتَ، لأنهم كانوا يمسحونها بأيديهم. وقرئ: (مَنَاءَةَ) بالمد والهمز، وبتركهما (٣)، وهما لغتان، غير أن المشهور تركهما. قال أبو علي: ولعل مناءة بالمدّ لغةٌ، ولم أسمع بها عن أحد من رواة اللغة، انتهى كلامه (٤). ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾: قوله : ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ﴿ضِيزَى﴾. أي: ناقصة، من ضازه حقَّهُ يَضيزُهُ ضَيْزًا، إذا بخسه ونقصه، عن أبي الحسن (٥). فإذا اشتُق

стр. 3435

من تركيبه مثال حُبْلَى، كان الظاهر ضُوزى بضم الفاء لأنها صفة، والصفات في المؤنث لا تأتي إلا فُعْلَى بضم الفاء، كحُبْلَى وأُنْثَى، وفَعلَى بفتح الفاء، كسَكْرَى وعَطْشَى، ولا تأتي البتةَ فِعلى بكسر الفاء وإنما تكون فِعلى بكسر الفاء في المصادر وغيرها من الأسماء، فلما كان كذلك كسروا الضاد لتسلم الياء، كما كسروا الباء في بِيض لذلك، والأصل: بُوض كسُورٍ، هذا هو مذهب صاحب الكتاب ﵀ (١)، وهو جَعْلُهُ ضِيزى فُعْلَى كحُبلى وأُنثى. وأما ما حكاه أحمد بن يحيى (٢) من قولهم: رَجُلٌ كِيصىً، إذا كان يأكل وحده، فموافق لمذهب صاحب الكتاب من وجهٍ ومخالف من آخر، أما وجه الموافقة: فهو أنه نَوَّنَهُ وجعل الألف فيه للإلحاق بدرهم، والذي منع صاحبُ الكتاب أن تكون صفةً هو فِعْلَى كائنة الألف للتأنيث. وأما وجه المخالفة: فهو أن صاحب الكتاب لم يثبت مثال فِعْلَى صفةً إلا أن يلحق تاء التأنيث، نحو: عِزْهاة وسِعْلاة، وقد حَكَى: كِيصى بغير تاء، وحكى غيره: امرأة عِزْهًى (٣)، وامرأة سِعْلَى، والمشهور: عِزهاة وسِعْلاة. فإن قلت: قد زعمت أنهم كسروا الضاد لتسلم الياء، فَلِمَ لم يقلبوا الياء واوًا، وبقّوا الضاد على حالها؟ قلت: لأن الكسرة والياء عندهم أخف من الضمة والواو مع عدم اللبس، إذ ليس في الصفات فِعْلى بكسر الفاء. وقرئ أيضًا: (ضِئْزَى) بالهمز (٤)، من ضأزهُ حقه يضأزه ضأزًا، إذا نقصه أيضًا، ويُنْشَدُ:
следующие страницы →